رسالة بولس الرسول إلي تيطس – جدول
رسالة تيطس
v
كتب الرسالة بولس الرسول إلي تلميذه تيطس
الأسقف المسئول عن جزيرة كريت.
v
تكشف الرسالة عن أن المسيحية ليست عقائد ذهنية
ولا فلسفات جدلية بل هي حياة وروح يعيش بها الأسقف كما العلماني كل فى حدود عمله.
v
يشير فيها الرسول إلي لزوم التدقيق الشديد
في إختيار رجال الكهنوت.
بها بعض
التوجيهات الرعوية للأسقف في كيف يتعامل مع شعبه.
v
تيطس من إنطاكية الشام ويري البعض أنه إبن
أخ والي جزيرة كريت وهو من أصل أممي ومن والدين أمميين (غل 2 : 3) وآمن علي يدي
بولس الرسول لذلك يدعوه إبنه الصريح (1 : 4) وكان يباشر الكرازة تحت إشراف بولس
الرسول، ولكن لا نعرف متى آمن أو كيف أو أين، لكنه حضر مع الرسول مجمع أورشليم (أع
15 + غل2: 1). وكان مع بولس في كريت ثم تركه بولس ليكمل الأعمال الناقصة وليقيم
فيها أساقفة وكهنة وكان هذا بعد سجن بولس الأول. وكان تيطس مع بولس في سجنه الثاني
ولكنه لم يبق معه حتى المحاكمة بل تركه وذهب إلى دلماطية لأجل الخدمة (2 تي 4 :
10) ثم عاد إلي كريت وكرز في الجزائر المجاورة (من التقليد) وإنتقل وعمره 94
عاماً. ويجعله أهل البندقية كأحد الكارزين لهم.
v
إتسمت كريت بالفساد، هذا وقد قام فيها بعض
المعلمين الزائفين الذين ينادون بخرافات يهودية، لذلك يشجع الرسول تلميذه تيطس لكي
يقاومهم.
v
دخلت المسيحية إلي كريت مع بعض الذين
آمنوا يوم الخمسين (أع 2 : 11) ثم غالباً ذهب لهم بولس الرسول بعد سجنه الأول (تي
1 : 5).
v
يري البعض أن الرسالة كتبت من أفسس،
وآخرون أنها كتبت من نيكوبوليس، وذلك بعد سجن بولس الأول أي حوالي 63م أو سنة 64م.
الآيات
(1–2):- "1بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ،
وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ وَمَعْرِفَةِ
الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى، 2عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ
الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ
الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّة. "
عَبْدُ اللهِ:
هو بحريته قَبِلَ
العبودية لله وقال عن نفسه أنه عبداً لله، فالعبودية لله تحرر.
وبنفس الفكر نجد أن يعقوب ويهوذا إخوة الرب يسوع بالجسد، إختاروا أن يقولوا عن
أنفسهم تعبير "عبد الله والرب يسوع المسيح" بدلاً من قولهم إخوة الرب
(يع1:1 ، يه1).
وهو كخادم لله إستعبد نفسه لله لكي يصل بشعبه للإيمان بالمسيح ولحرية مجد أولاد
الله. حمل نير الخدمة ليكون عبداً لله. وهو يكتب بهذا لتلميذه تيطس حتي لا تضيق
نفسه من الفساد المنتشر في كريت، فعلى تيطس أن يعتبر نفسه عبداً كلفه سيده بخدمة
شاقة هى الخدمة فى كريت فعليه أن يقوم بها.
لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ:
فالله له هنا
مختارين يريدهم أن يؤمنوا، وأن بولس وغيره من الرسل عليهم كخدام لله أن يعملوا علي
إجتذابهم وقوله مختارى الله يجعل
الخادم لا يتكبر إذا نجح في إجتذاب أحد، لأن الله هو الذى إختاره وعمل معه. وما هو
موضوع الكرازة؟ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ.
وهذه لا تعني
نظريات فلسفية وعقائد مجردة بل الَّذِي هُوَ حَسَبُ
التَّقْوَى: هي حياة يلمسها كل واحد في الخادم والمخدوم. فالمسيح أتى ليشهد
للحق (يو18 : 37) . والحق نسبى عند البشر ، وقد يخدع الشيطان إنسان ، أو يخدع
الإنسان قلبه "فالقلب أخدع من كل شئ وهو نجيس من يعرفه" (إر17 : 9) ،
فيتصور لهذا الإنسان أن ما يفضله هو الحق . لكن من يحيا فى تقوى هو مملوء بالروح ،
والروح هو روح الحق ، وهو يعطى إستنارة فيعرف من يحيا حسب التقوى أين هو الحق
المطلق .
وغاية الكرازة =
عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ: فالإيمان بدون رجاء يملأ النفس يأساً أما الرجاء فيعطى فرحاً وسط
الآلام.
الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ:
فيها إشارة لما
سيأتي فيما بعد عن الكذب المنتشر فى كريت، والله وعد آدم بهذا الخلاص، بل الخلاص
في فكر الله قبل الأزمنة الأزلية. والله يعد ويفعل ولا يكذب.
آية (3):- "3وَإِنَّمَا أَظْهَرَ
كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ، بِالْكِرَازَةِ الَّتِي اؤْتُمِنْتُ
أَنَا عَلَيْهَا، بِحَسَبِ أَمْرِ مُخَلِّصِنَا اللهِ: "
كَلِمَتَهُ: الكلمة
هو الإبن يسوع.
أَظْهَر :تجسد = فِي
أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ:
حدث التجسد في ملء الزمان (غل 4 : 4) راجع موضوع ملء الزمان في مقدمة رسالة غلاطية.
بِالْكِرَازَةِ:
هذا هو موضوع كرازتي.
آية (4):-
"4إِلَى تِيطُسَ، الابْنِ
الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ: نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ مِنَ
اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا.
"
تِيطُسَ، الابْنِ:
فقد
آمن علي يديه وله محبة خاصة في قلبه.
الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ :
هو
إيماني وإيمانك وإيمان الكنيسة كلها، الإيمان المسلم مرة للقديسين (يه 3) لا
نستطيع أن نغير فيه شيئاً بل ندافع عنه.
الإبن
الصريح my
true son in our common faith
أنت إبني فإيمانك هو مطابق لإيماني.
آية (5):- "5مِنْ أَجْلِ هذَا
تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ،
وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ.
"
الأُمُورِ النَّاقِصَةِ :
لا
بد وأنه كانت هناك أمور تسلم شفاهة من الرسل إلى تلاميذهم، وهذا ما تسميه الكنيسة
التقليد، فالكتاب المقدس لم يشرح لنا كيفية إقامة الكهنة من أساقفة وقسوس وشمامسة
ولا الصلوات التي ترفع في كل سر ولا ترتيب الصلوات الجماعية.
وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا:
صحة
ترجمة الكلمة قسوساً (أساقفة وقسوس):- حينما بدأت الكنيسة، تم سيامة
قسوس ككهنة لخدمة الأسرار المقدسة. وإختارت الكنيسة كلمة يونانية لتُطْلَق على
القسوس فإختارت الكنيسة كلمة يونانية هى إبرسفيتيروس وتعنى Elder وذلك لأنها كلمة تعبر عن شيوخ لهم وقار. فإستحسنت الكنيسة إستخدام
هذه الكلمة لتطلق على القسوس. ومع الزمن صارت الكلمة تطلق على القسوس الكهنة وما
عاد يقال على الكاهن شيخ Elder بل يقال قسيس. ولكن الطوائف البروتستانتية عادت 15قرناً للوراء،
وإستخدمت لفظ شيخ لأنهم لا يعترفون لا بسر الكهنوت ولا بالأسرار السبعة. وإشْتُقَّ
من الكلمة الفعل "إبريسفيا" ويعنى الصلاة من أجل الآخرين أو الشفاعة.
والبروتستانت عندهم قسوس يخدمون في كنائسهم. ولكن لأنهم لا يعترفون بهذه الشفاعة
أو أن من وظيفة القسيس أن يصلى من أجل شعبه، فحين تأتى كلمة إبريسفيتيروس في مجال
الصلاة عن الآخرين يترجمونها "شيخ" مثال لذلك: "أَمَرِيضٌ
أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ ٱلْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ
وَيَدْهُنُوهُ بِزَيْتٍ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ" (يع14:5). بل ترجموا الـ24 قسيس
(24شيخ) وهل الملائكة يشيخون؟!! وإذا جاءت الكلمة في مجال التعليم ترجموها
"قسيس" مثال لذلك: "وَمِنْ مِيلِيتُسَ أَرْسَلَ إِلَى أَفَسُسَ
وَٱسْتَدْعَى قُسُوسَ ٱلْكَنِيسَةِ" (أع17:20).
الآيات
(6-9):- "6إِنْ كَانَ أَحَدٌ بِلاَ
لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، لَهُ أَوْلاَدٌ مُؤْمِنُونَ، لَيْسُوا فِي
شِكَايَةِ الْخَلاَعَةِ وَلاَ مُتَمَرِّدِينَ. 7لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ
يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ، غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ،
وَلاَ غَضُوبٍ، وَلاَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ فِي
الرِّبْحِ الْقَبِيحِ، 8بَلْ مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، مُحِبًّا
لِلْخَيْرِ، مُتَعَقِّلاً، بَارًّا، وَرِعًا، ضَابِطًا لِنَفْسِهِ، 9مُلاَزِمًا
لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ
قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ.
"
سبق
شرح معظم هذه الصفات في رسالة (1تي)
بِلاَ لَوْمٍ :
بحياته السماوية
التقوية، فمن إشتهر عنه الخطية سيعجز عن أن يعلم. ولا حظ أن الرسول لم يقل
"بلا خطية" وإلا إستحال وجود من يستحق الأسقفية، لكن المطلوب أن لا تكون
هناك تهمة موجهة له أو مشهور عنه إنحراف ما.
كَوَكِيلِ اللهِ :
الله وكَّله علي رعاية نفوس أولاده. وعلي الوكيل أن
يمثل موكله (الله).
غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ :
غير
مستبد، يسمع الرأي الآخر وينفذ الأحسن.
وَلاَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ :
لاحظ
أنه لم يقل ولا شراب خمر حتي لا تصير وصية. وهو سمح لتيموثاوس أن يشرب خمراً
قليلاً في أسقامه أي للضرورة.
وَلاَ طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ :
إشتهر
الكريتيون بمحبة الغني فخشي بولس أن يتسلل أحد هؤلاء لكرسي الأسقفية بقصد الربح
القبيح.
مُتَعَقِّلاً :
غير
متسرع في كلماته وتصرفاته، وقوراً، رزيناً في إرشاداته لا يضطرب حتي في المواقف
التي تثير الغضب، ولا تصغر نفسه في المواقف التي تثير الحزن = ضَابِطًا لِنَفْسِهِ = ولا
يرتعب مما يحدث من حوادث هائلة ولا يهزه الفرح.
مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ
التَّعْلِيمِ :
أي
بحسب ما تلقنه من تعليم وعقائد من الرسول بولس.
وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ :
من
لا يعرف أن يعلم ويرد على الهراطقة لا يصلح للمنصب، والسبب موجود في آية 10 أن
هناك متمردين كثيرين يقاومون الإيمان.
آية (10):- "10فَإِنَّهُ يُوجَدُ
كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ
الْعُقُولَ، وَلاَسِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ.
"
مُتَمَرِّدِينَ : هم من الهراطقة وغالباً كان
غالبيتهم من اليهود الذين يريدون الإرتداد للطقوس الناموسية.
آية (11):- "11الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ
أَفْوَاهِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا، مُعَلِّمِينَ مَا
لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ. "
سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ :
هذا عمل الأسقف أن
يفحمهم بمنطقه فيسد أفواههم،
يَقْلِبُونَ بُيُوتًا :
بكلماتهم الباطلة
حطموا سلام البيوت وسببوا إنقسام الكنيسة. هدفهم الربح
القبيح
ليس الهدف هو مجد الله لكن الربح المادي أو اكتساب جماهير أكبر تؤيدهم، هدفهم حب
الظهور وعمل أحزاب
الآيات
(12-14):- "12قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ،
وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ:«الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ
رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ». 13هذِهِ الشَّهَادَةُ صَادِقَةٌ.
فَلِهذَا السَّبَبِ وَبِّخْهُمْ بِصَرَامَةٍ لِكَيْ يَكُونُوا أَصِحَّاءَ فِي
الإِيمَانِ، 14لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ،
وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ. "
إشتهر
الكريتيون بالكذب. وحيث وجد الكذب أي عدم الحق تتسلل الرذائل واحدة فواحدة. غير أن
الرسول لم يرد أن يصفهم بهذا من عندياته حتي لا يكرهونه فلا ينصتون له، بل إستند
علي قول أحد شعرائهم يدعي أبيمينيدس الذي عاش في حوالي القرن السادس قبل الميلاد،
وكان
الشعراء في نظرهم في مرتبة الأنبياء = "وَهُوَ
نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ ":
فكانوا يقولون أن
ما يقوله الشعراء هو بالوحي وبمكاشفة ربانية. وقال أفلاطون أن الشعراء أبناء
الآلهة.
والشاعر
أبيمينيدس هو الذي أوصي بإقامة مذبح لإله مجهول كما فعلوا في أثينا وهذا الشاعر هو
الذي قال مخاطبا الإله الأسمي "لقد صنعوا لله قبرا أيها القدوس الأعلى
والكريتيون دائماً كذابون وحوش ردية بطون بطالة (إشارة لشدة نهمهم في الأكل
واللذات واللهو) ولكنك لست ميتاً إلي الأبد أنت قائم وحي لأنه بك نحيا ونتحرك
ونوجد" . وعجيب أن يقول شاعر وثنى هذا الكلام مما يدل على أن الله كان
يتعامل مع كل الشعوب ، فالله لا يبقى نفسه بلا شاهد .
ولقد
إقتبس بولس الرسول البيت الأخير في خطابه أمام الأريوس باغوس (أع17 :28)
وإقتبس
البيت الثاني هنا " الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ":
بل
كان هناك مثل شعبي في كريت "تكرت مع الكريتي" أي إكذب مع الكاذب أو
عليه. وكان عمل تيطس أن يغير طبع هؤلاء بتعليمهم المسيحية. ونلاحظ هنا أن بولس لم
يخجل من إستعمال شعر أحد الشعراء لكى يكسب على كل حال قوم ولأجل البنيان، أي لأجل
أن يتركوا الخرافات اليهودية ووصايا أناس مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ : من يهود وغيرهم
الذين كانوا يضللون المؤمنين.
آية (15):- "15كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ
لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ
طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ.
"
حيث
يكون الإنسان طاهراً يكون كل شئ له طاهراً، كل خليقة الله له طاهرة. ونحن نصير
طاهرين بالإيمان (أع 15 : 9) ولكن غير الطاهرين فإن قلبهم يكون نجساً ويرون كل شئ
نجسا ، بحسب نظرة قلبهم كمن يلبس نظارة سوداء فسيري كل شئ به سواد، فهم اعتبروا
اللحوم نجسة بل حتي الكلمات الطاهرة لها معاني نجسة عند البعض، والتصرفات الطاهرة
تؤول عند البعض ممن قلوبهم نجسة إلي نجاسة.
آية (16):- "16يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ
يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ
رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ.
"
يحذر
الرسول تلميذه تيطس من هؤلاء المضللين وهنا يضع شرطاً مهماً به نعرف المضللين، إذ
نجد أنهم يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكن معرفتهم معرفة نظرية عقلانية بلا خبرة
حياة تقوية "وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ". هم
لهم غيرة التدين ومظهره ولكنهم بأعمالهم وأفكارهم الغريبة عن عمل الله وفكره
يرفضون الله، فهم لو كان لهم إيمان بالله الديان فكيف يفعلون هذه الشرور . بهذا
يصيرون رجسين لأنهم مناقضون لروح الله القدوس عاصين لفكره "وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ
عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ"
مَرْفُوضُونَ: مترجمة غير مؤهلين.
فى
الإصحاح الثانى يقدم صورة للسلوك المسيحى فى الفكر والقول والعمل فهو تكلم فى
الإصحاح السابق عن التعليم المغلوط. وخير علاج للتعليم المغلوط هو الحض على السلوك
الصحيح أو التعليم الخلقى الإيجابى، فمن يتتبع التعليم الخاطئ هو فاسد فى قلبه وفى
حياته، أما المسيحى الحقيقى فهناك إنسجام بين عقيدته الصحيحة وسلوكه الخارجى.
آية (1):- "1وَأَمَّا أَنْتَ
فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ.
"
على
المعلم أن يلتزم بالتعليم الصحيح والوصايا الرسولية.
آية (2):- "2أَنْ يَكُونَ الأَشْيَاخُ
صَاحِينَ، ذَوِي وَقَارٍ، مُتَعَقِّلِينَ، أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ
وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرِ. "
الأَشْيَاخُ :
المتقدمين
فى السن.
صَاحِينَ :
كجنود
متيقظين فإن عدو الخير يهاجم أولاد الله فى كل شئ وكل مرحلة من العمر.
ذوى وَقَار
:
لا
يتصرف إلا بما يليق كإبن لله وقدوة للصغار. يحمل جسدهم الهزيل نفساً صحيحة قوية.
فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرِ:
وضع
الصبر هنا بدلاً من الرجاء لأن الشيوخ سناً يحتاجون الصبر أكثر ما يحتاجون.
آية (3):- "3كَذلِكَ الْعَجَائِزُ فِي
سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، غَيْرَ مُسْتَعْبَدَاتٍ
لِلْخَمْرِ الْكَثِيرِ، مُعَلِّمَاتٍ الصَّلاَحَ. "
أن
الْعَجَائِز يكن قدوة للحدثات فى ملابسهن وأقوالهن فى
ورع وإحتشام بلا أحاديث باطلة.
غَيْرَ ثَالِبَاتٍ :
يمتنعن
عن أن يتكلمن فى سيرة الآخرين وإدانتهم.
غَيْرَ مُسْتَعْبَدَاتٍ لِلْخَمْرِ الْكَثِيرِ :
هذا
ما إشتهر به الكريتيون كما قال أفلاطون. بل مُعَلِّمَاتٍ
للحدثات
الآيات
(4-5):- "4لِكَيْ يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ
لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ، 5مُتَعَقِّلاَتٍ،
عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ،
لِكَيْ لاَ يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. "
علي
السيدات الكبار سناً أن يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ
أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ :
حتي
لا يُظَّن أن المسيحية أعطت الحرية للنساء أن يتمردن علي رجالهن، تاركين بيوتهن،
مهملات في تربية أولادهن، فيجدف الرجال علي الله وعلي كلمة الله بسبب نسائهم، بل
علي المرأة أن تكون معينة للرجل علي خلاص نفسه بسيرتها الصالحة.
الآيات
(6-8):- "6كَذلِكَ عِظِ الأَحْدَاثَ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَقِّلِينَ، 7مُقَدِّمًا
نَفْسَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُدْوَةً لِلأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ، وَمُقَدِّمًا فِي
التَّعْلِيمِ نَقَاوَةً، وَوَقَارًا، وَإِخْلاَصًا، 8وَكَلاَمًا
صَحِيحًا غَيْرَ مَلُومٍ، لِكَيْ يُخْزَى الْمُضَادُّ، إِذْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ
رَدِيءٌ يَقُولُهُ عَنْكُمْ. "
أنه
كشاب يلزمه أن يكون قدوة للشبان فيحدثهم بسلوكه قبل لسانه.
غَيْرَ مَلُومٍ :
اللوم
سيحدث لو تعارضت أقواله مع أعماله.
الآيات
(9-10):- "9وَالْعَبِيدَ أَنْ يَخْضَعُوا لِسَادَتِهِمْ، وَيُرْضُوهُمْ فِي
كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ مُنَاقِضِينَ، 10غَيْرَ مُخْتَلِسِينَ، بَلْ
مُقَدِّمِينَ كُلَّ أَمَانَةٍ صَالِحَةٍ، لِكَيْ يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ
مُخَلِّصِنَا اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. "
علي
الْعَبِيد أيضاً أن يكسبوا سادتهم للإيمان بأعمالهم
الصالحة وطاعتهم لسادتهم. ملحوظة:- المسيحية لا توافق على نظام العبيد
ولكنها تسعى لزرع المحبة وإصلاح الداخل (أي تغيير القلب للمحبة بدلاً من الكبرياء
وحب إستعباد البشر) وليس للثورات الاجتماعية. لأن هذه الثورات غالباً ما تتحول
لبحار من الدماء (برجاء الرجوع لتفسير رسالة فليمون لبولس الرسول).
غَيْرَ مُنَاقِضِينَ :
يجاوبون
بغير وقاحة، ولا دهاء، وبطريقة لائقة. وينفذون أوامر سادتهم بلا جدال.
غير مُخْتَلِسِينَ
:
كانوا
يستخدمون العبيد في إدارة أعمالهم وحوانيتهم مما يسهل عملية الاختلاس.
لِكَيْ يُزَيِّنُوا:
من
تواضع الله أنه يعتبر أمانة العبيد كأنها زينة لتعاليمه، بها يظهر جمال وقوة
تعاليمه وكما قال من أفواه الأطفال والرضعان هيأت سبحاً، كذا من أمانة أولاد الله
يسبح الآخرين الله.
آية (11):- "11لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ
نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ.
"
هو
يطلب أن يكون الجميع قدوة، فإذا سأل أحد … ومن أين لى أنا الضعيف قوة لأنفذ كل
هذا، هنا يجيب الرسول أن الله أعطانا نعمة أي
قوة تساندنا، نحن نعيش لا بإمكانياتنا البشرية بل بإمكانيات الله القادر علي كل
شئ.
لِجَمِيعِ النَّاسِ :
أي
أن النعمة متاحة لجميع الناس ولكن من يخلص هو الذي استخدم النعمة ولم يزدري بها.
فلا يمكن تجاهل الآيات التي تتكلم عن عقاب الأشرار. وكون أن النعمة هي التي
تساعدنا علي الخلاص، فهذا يتضح من قول بولس الرسول "أستطيع كل شئ في المسيح
الذي يقويني" (فى4 : 13) . هذه النعمة عطية مجانية ظهرت مخلصة لجميع الناس،
إذ جاء الإبن الكلمة لخلاص العالم كله. النعمة ظهرت للجميع للعجائز وللأحداث
وللعبيد والأحرار…
آية (12):- "12مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ
نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ
وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ.
"
هذا
هو عمل المسيح فينا، أنه النور المبدد للظلمة فخلال موته وقيامته، اللذان لنا حق
الشركة معه فيهما بالمعمودية يصير لنا الموت عن حياتنا القديمة = ننكر الفجور والشهوات
العالمية
. ويصير لنا الحياة بحسب الإنسان الجديد الذي نحيا فيه وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى= أي كل
رغبة لنا تكون تحت سيطرة وسلطان الروح القدس، فالكنيسة تختبر عمل النعمة في غربتها
هنا فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ.
الآيات
(13-14):- "13مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ
الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، 14الَّذِي بَذَلَ
نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ
لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ.
"
عمل
المسيح فينا بنعمتة يعطينا أن نعشق الحياة الأبدية فإن كان العربون هو مفرح هكذا
فكم وكم تكون الحقيقة في الأبدية. وهذا الرجاء المبارك في ظهور مجد الله هو ما
يدفعنا لقمع الجسد وإلي محبة الآخرين وإلي حياة التقوي. وهذا ما نردده في ختام
قانون الإيمان "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي". ونردد مع
القديس يوحنا "آمين تعال أيها الرب يسوع" (رؤ22 : 20) .
مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ :
(و) هنا تعني أي ، فالمسيح هوالله العظيم.
آية (15):-
"15تَكَلَّمْ بِهذِهِ، وَعِظْ،
وَوَبِّخْ بِكُلِّ سُلْطَانٍ. لاَ يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَدٌ.
"
لاَ يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَدٌ :
فلتكن
أعمالك حسنة فلا يهينك أحد.
يتحدث
الرسول هنا عن العلاقات مع الغير خاصة مع الرئاسات الحاكمة.
آية (1):- "1ذَكِّرْهُمْ أَنْ
يَخْضَعُوا لِلرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينِ، وَيُطِيعُوا، وَيَكُونُوا
مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. "
1ذَكِّرْهُمْ :
أي أن
ما جاء بالرسالة ليس بالأمر الجديد إذ سبق هو وعلمهم إياه. وقول الرسول هنا فيه
يرد علي إشاعات اليهود والوثنيين أن الكنيسة تقيم دولة داخل الدولة، وأن الكنيسة
تعصي قوانين الدولة. لهذا أيضا طلب المسيح دفع الجزية وقال إعط ما لقيصر لقيصر.
آية (2):- "2وَلاَ يَطْعَنُوا فِي
أَحَدٍ، وَيَكُونُوا غَيْرَ مُخَاصِمِينَ، حُلَمَاءَ، مُظْهِرِينَ كُلَّ وَدَاعَةٍ
لِجَمِيعِ النَّاسِ. "
2وَلاَ يَطْعَنُوا فِي
أَحَدٍ :
لا
يتكلموا علي أحد بالسوء، ليس عملنا هو البحث عن أخطاء الغير والطعن فيهم، وإنما
الحب يستر أخطاء الغير.
غَيْرَ مُخَاصِمِينَ :
في
الإنجليزية مشاغبين فالمطلوب ألا يهاجموا أحد أو يعتدوا علي أحد بل يظهروا وداعة
لكل أحد.
حُلَمَاءَ :
كأبناء
لله الطويل الأناة عليهم أن يشابهوا أبوهم السماوى . فالحب بكل أثاره هو سمة
المسيحي الحقيقي بغض النظر عن شر الناس المحيطين به. والحب الحقيقى يجعل الإنسان
طويل الأناة على من يحبهم .
آية (3):- "3لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ
أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ
لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ،
مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا
بَعْضًا.
"
كان
هذا هو حالنا قبل عمل النعمة فينا، ضعفاء ساقطين. فلماذا نحن لا نحتمل ضعفات
الآخرين الآن؟ لذلك فالمطلوب منا أن نصلي ليعطيهم الله نعمة، بل علينا أن نفهم أن
الصلاح الذى فينا راجع لحماية الله لنا، ولو تخلت عنا نعمة الله لصرنا أسوأ
الناس. نحن بالمعمودية حصلنا علي إنساننا الجديد وصارت لنا إمكانية الحياة
الجديدة النامية. وبسر الميرون سكن فينا الروح القدس الذى يعطينا قوة تسندنا هي
النعمة. هذه القوة هي سر أننا نتغير ونصبح خليقة جديدة. لذلك لو وجدنا إنساناً
خاطئاً فهو فاقد لهذه النعمة. وعلينا أن لا نلومه وندينه بل نصلى لأجله ليهبه
ويملأه الله من نعمته.
آية (4):- "4وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ
لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ. "
ما
حصلنا عليه كان بفضل النعمة الإلهية. ومن ناحية أخري ليس لي أن احتج بضعفي لأن
النعمة قادرة أن تهبني الحب وكل فضيلة سماوية.
آية (5):-
"5لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ
عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ
الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
"
بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي :
المعمودية.
وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ :
هذه
أكبر النعم التى يحصل عليها الإنسان، أن الله يرسل روحه القدوس فيسكن فينا
ويرافقنا ويسندنا ويهيئنا للعرس السماوي. ويعمل على تجديد خليقتنا حتى نكون صورة
للمسيح (غل4 : 19) . فنحن بالمعمودية نخرج أنقياء ، ولكن مع الإحتكاك مع الشر الذى
فى العالم نتلوث . وهنا يعمل الروح القدس على تبكيتنا ويعطينا المعونة التى نحتاج
إليها حتى نعود للصورة التى خرجنا بها من المعمودية . وحقا تأثير الشر على الإنسان
له قوة كبيرة بسبب شهوات الجسد، لكن "الروح يعطى نعمة أعظم" (يع4 : 6) .
وهذا معنى قول رب المجد "الحق اقول لكم ان لم ترجعوا وتصيروا مثل الاولاد فلن
تدخلوا ملكوت السموات" (مت18 : 3) . ويستمر عمل الروح القدس معنا طول العمر.
* القديس بولس
الرسول يُسمِّى الإنسان المولود من الروح والذى سكن فيه الروح وإختبر عمل الروح
فيه الإنسان الروحى (1كو15:2). وأما الإنسان الذى لم يولد من الماء
والروح (أي لم يعتمد)، أو الذى إعتمد ثم أطفأ الروح بخطاياه رافضا التوبة، فمثل
هذا يقول عنه الرسول الإنسان الطبيعى (1كو14:2) أو الإنسان الجسدانى (1كو1:3).
(الطبيعى = هكذا هو مولود كما يقول المرنم "بالخطية ولدتنى أمى".
وهذا يشبه خامات المعادن التي توجد في الطبيعة على هيئة ترابية raw
material، وبعد معالجتها
وإزالة الشوائب منها يظهر المعدن بلمعانه (ذهب / فضة / نحاس … إلخ). فنحن نولد
كمادة خام ثم نعتمد، ثم يسكن فينا الروح القدس بالميرون. ويبدأ الروح القدس عمله
في تجديد الإنسان "وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ
لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللهِ وَإِحْسَانُهُ – لَا
بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ – خَلَّصَنَا
بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي (المعمودية)
وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (تى5،4:3).
هناك
تطابق بين معاملة الله معنا ليغيرنا من شكل الإنسان الطبيعى إلى صورة أولاد الله
أي الإنسان الروحى، وبين التعامل مع المادة الخام raw material لإستخراج المعدن منها. فنحن ندخل مياه المعمودية
لتحترق وتموت خطايانا ويموت إنساننا العتيق ونخرج كأولاد لله بدون أي خطية. ولاحظ
أننا نفهم أن مياه المعمودية لها قوة النيران الحارقة من: 1) مقارنة الآيتين:
قول رب المجد "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ ٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ
لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللهِ"، وقول القديس يوحنا المعمدان
"هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَنَارٍ" (مت11:3).
فالروح في قول الرب هو الروح القدس في قول يوحنا المعمدان. فنستنتج أن النار إشارة
لأن ماء المعمودية له قوة نارية تحرق الخطية. 2) قول إشعياء النبى "إِذَا
غَسَلَ ٱلسَّيِّدُ قَذَرَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَنَقَّى دَمَ أُورُشَلِيمَ مِنْ
وَسَطِهَا بِرُوحِ ٱلْقَضَاءِ وَبِرُوحِ ٱلْإِحْرَاقِ" (إش4:4). لذلك نفهم أن
مياه المعمودية بقوة عمل الروح القدس لها قوة الإحراق أي موت خطايانا، وذلك لأننا
في المعمودية نُدفن مع المسيح ونموت فتموت معنا خطايانا "مَدْفُونِينَ مَعَهُ
فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ" (كو12:2). ولكن نتيجة حياتنا في العالم يؤثر فينا
العالم بخطاياه فتتشوه طبيعتنا ثانية. وهنا يُكمل الروح القدس عمل المسيح الفدائى،
ويعمل على تنقيتنا ثانية كما قال الرسول عنه "تجديد
الروح القدس" في هذه الآية. وقد يكون ذلك عن طريق: 1) التبكيت
(يو8:16). 2) المعونة (رو26:8). 3) التأديب ببعض التجارب المؤلمة "لِأَنَّ
ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ" (عب6:12). إذاً يتحول الإنسان
الطبيعى إلى إنسان روحى بإجتيازه مياه المعمودية النارية لقتل الخطية المولود بها.
ثم بعد ذلك يجدده الروح القدس بإستمرار كلما تأثر بجو الخطية التي في العالم كما
يقول القديس يوحنا الرسول " نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ ٱللهِ،
وَٱلْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي ٱلشِّرِّيرِ" (1يو19:5).
وهذا هو نفسه
تماما ما يحدث مع خامات المعادن إذ يدخلونها في أفران لتنصهر ويعزلون منها الخبث
(الشوائب التي كانت في المادة الخام) فيخرج المعدن اللامع. ولكن نتيجة وجود
الرطوبة في الجو المحيط بالمعدن يصدأ المعدن. وحتى يظل المعدن لامعاً نأتى بمبرد
نبرد به الصدأ ونزيله فيعود المعدن للمعانه. فيكون فرن صهر المعدن مناظر لمياه
المعمودية النارية، والمبرد يناظر عمل تجديد الروح
القدس طوال الحياة ليظل الإنسان المعمد إنساناً روحياً. المبرد يأكل (في ألم) من جسد
المعدن الصدأ وهكذا التجارب التي يسمح بها الروح القدس للتأديب. وهذا
ما حدث مع جسد أيوب وجسد بولس.
خَلَّصَنَا :
إذاً
لا يمكن التمتع بالخلاص خارج المعمودية (يو 3 : 3) . ولا يفهم من قوله خلَّصنا أي أن كل من إعتمد قد ضمن الخلاص. فالروح
القدس يكمل العمل بأن يجدد، وهناك من يتجاوب مع الروح القدس ، وهناك من يقاومه
فيحزنه ويطفئه فلا يتجدد ، وبالتالي يفقد فرصة الخلاص، وهذا كما قال إسطفانوس
لليهود "يَا قُسَاةَ ٱلرِّقَابِ، وَغَيْرَ ٱلْمَخْتُونِينَ بِٱلْقُلُوبِ
وَٱلْآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ" (أع51:7). نحن
سائرون في طريق الخلاص حتي النفس الأخير. فالمعمودية تغفر كل خطايانا فإن مات أحد
بعد المعمودية يخلص، ولكن حياتنا بعد المعمودية طويلة إما نَغلِب ونتجدد وإما
نُغلَب ونهلك لذلك نسمع كثيراً في سفر الرؤيا "من يغلب يأخذ كذا وكذا".
آية (6):- "6الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى
عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا. "
الروح
القدس حل على المسيح يوم عماده لحسابنا، فصار يحل علينا نحن جسده.
آية (7):- "7حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا
بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
"
حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا :
تبررنا
أي نحيا في بر بحياة المسيح التى فينا وبمعونة الروح القدس، فإن لم نسلك فى البر
يبكتنا الروح القدس الذي "يبكت علي بر" حتي نصنع البر، ومن يفعل البر
يفعله بمعونة الروح فيخلص "فالروح يعين ضعفاتنا" (رو8: 26).
آية (8):- "8صَادِقَةٌ هِيَ
الْكَلِمَةُ. وَأُرِيدُ أَنْ تُقَرِّرَ هذِهِ الأُمُورَ، لِكَيْ يَهْتَمَّ
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالاً حَسَنَةً. فَإِنَّ هذِهِ
الأُمُورَ هِيَ الْحَسَنَةُ وَالنَّافِعَةُ لِلنَّاسِ.
"
صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ : الكلمة هي ما ذكر
في آية 7 = أن من يتبرر يصير وارثاً. وكيف نتبرر؟ من إعتمد مات إنسانه العتيق وقام
متحداً بالمسيح. وهذا يعطيه الروح القدس الثبات في المسيح. ومن يثبت في المسيح
تكون له حياة المسيح. وحياة المسيح فينا تستخدم أعضاء جسدنا كألات بر أي لصنع البر
(رو6). والبر له مرحلتين:-
1)
التبرىء = دم المسيح غفر
خطاياى فحصلت على البراءة.
2)
التبرير = حياة المسيح
تستخدم أعضائى لصنع البر. وهذا يستلزم منى:- أ) الجهاد للإمتلاء من الروح القدس.
والروح القدس يثبتنى في المسيح. ب) أن أُسَلِّم أعضائى للمسيح لتكون ألات بر.
وهذه بأن أُقْبِل على كل عمل لمجد إسم المسيح. يتضح هنا أهمية الأعمال للخلاص، فمن
يجاهد ليعمل أعمالاً صالحة، يعطيه الروح القدس الثبات في المسيح. ومن يثبت في
المسيح تكون له حياة المسيح. وحياة المسيح فينا تستخدم أعضاء جسدنا كألات بر
(رو6).
آية (9):- "9وَأَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ
الْغَبِيَّةُ، وَالأَنْسَابُ، وَالْخُصُومَاتُ، وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيةُ
فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ.
"
الرسول
مهتم بأن ننشغل بالأعمال الصالحة التى للبنيان ولا نضيع طاقاتنا في المناقشات
الغبية مع المقاومين والمبتدعين وذلك تحت دعوى الدفاع عن الحق. الرسول يود أن لا
يضيع الوقت في مثل هذه المهاترات :-
الْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ :
أى
المناقشات التي لا تقوم علي أساس التعرف بالحق أو تذوقه بل لمجرد التعصب وإبراز
القدرة علي الكلام والإقناع. وهناك كثيرون يناقشون لغرض المناقشة ولإثبات الذات
(الأنا) وليس للبنيان أو لمجد الله.
وَالأَنْسَابُ :
اليهود
يضيع منهم الوقت في البحث عن نسبهم لإبراهيم أو داود أو غيرهم من الأباء،
واليونان مهتمين بانتسابهم للآلهة.
وَالْخُصُومَاتُ :
المناقشات
مع الهراطقة، والرسول يود ألا نتعب فيها بغير جدوي، دون أن نجني منها شيئاً، لأنها
تنتهي إلى لا شئ. لأنه إن صمم إنسان جاحد علي عدم تغيير رأيه مهما حدث، فلماذا
تتعب نفسك وتزرع علي الصخر، مع أنه كان يليق بك أن توجه مجهودك لمن يستفيد به،
فإذ يتصلف الإنسان في عناده يليق بنا ألا نجادله. بل نعرض عنه.
وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيةُ :
النابعة
من شروحات التلمود مثل السؤال الذي قدم للمسيح "أي وصية أعظم في الناموس"
وكان من أسئلتهم الناموسية هل لو وضعت دجاجة بيضة يوم سبت هل يجوز أكلها.
آية (10):- "10اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ
بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ.
"
الْمُبْتَدِعُ :
أي
الهرطوقي الذي يثير تحزبات في الكنيسة.
آية (11):- "11عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا
قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.
"
مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ :
مثل
هذا يكون ضميره غير مستريح، ولكنه يعاند بإصرار فهو حكم علي نفسه بضميره، ولكن
يعاند ليكسب ماديا.
آية (12):- "12حِينَمَا أُرْسِلُ إِلَيْكَ
أَرْتِيمَاسَ أَوْ تِيخِيكُسَ، بَادِرْ أَنْ تَأْتِيَ إِلَيَّ إِلَى
نِيكُوبُولِيسَ، لأَنِّي عَزَمْتُ أَنْ أُشَتِّيَ هُنَاكَ.
"
طلب
الرسول تلميذه تيطس أن يأتي إليه ليزوده بالنصائح علي أن يحل محله في الرعاية أرتيماس
أو تيخيكس، ليرعوا كنيسة كريت.
آية (13):- "13جَهِّزْ زِينَاسَ
النَّامُوسِيَّ وَأَبُلُّوسَ بِاجْتِهَادٍ لِلسَّفَرِ حَتَّى لاَ يُعْوِزَهُمَا
شَيْءٌ.
ربما
سيسافران (زيناس أو أبلوس) إلى بولس، وهو يطلب أن يجزل لهما تيطس العطاء فيسافرا
فى يسر، ويتعلم الكل العطاء بسخاء خاصة فى الخدمة.
آية (14):- "14وَلْيَتَعَلَّمْ مَنْ لَنَا
أَيْضًا أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالاً حَسَنَةً لِلْحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ،
حَتَّى لاَ يَكُونُوا بِلاَ ثَمَرٍ. "
ينهى
الرسول رسالته بالإهتمام بالأعمال الصالحة وهنا يكررها للأهمية.
آية (15):-
"15يُسَلِّمُ عَلَيْكَ
الَّذِينَ مَعِي جَمِيعًا. سَلِّمْ عَلَى الَّذِينَ يُحِبُّونَنَا فِي الإِيمَانِ.
اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ. "
اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِكُمْ : هذه صلاة لأجلهم.