|
The Life and Times of |
|
|
|
حياة السيد المسيح |
|
Alfred Edersheim ألفريد إدرشيم
|
(1) المقدمة : من هو
إدرشيم………………………………………………. ص2
(2) الكتاب الأول: الإعداد للإنجيل………………………………………….
ص4
(3) الكتاب الثاني: من المذود فى بيت
لحم إلى المعمودية فى الأردن…. ص30
(4) الكتاب الثالث: الصعود من نهر الأردن إلى جبل
التجلى……………….. ص79
(5) الكتاب الرابع: النزول من جبل التجلى لوادى الهوان والموت……..
ص154
(6) الكتاب الخامس: الصليب والإكليل…………………………………..
ص203
(7) الملاحق ………………………………………………………………..
ص238
![]() |
|||
![]() |
|||
من هو
إدرشيم
ولد
ألفريد إدرشيم فى فيينا بالنمسا فى 7 مارس سنة 1825 وتوفى فى فرنسا 16 مارس 1889 .
ولد من أبويين يهوديين ولكنهم كانوا يتكلمون الإنجليزية فى منزلهم، فتكلم ألفريد
الإنجليزية بطلاقة منذ صغره. درس ألفريد فى المدرسة الثانوية الألمانية، ودرس
التلمود والتوراة فى المدارس اليهودية. درس فى جامعة فيينا ثم هاجر إلى المجر وقام
هناك بتدريس اللغات. تعرف هناك على "جون دنكان وهو قسيس معمدانى وقساوسة
آخرين كانوا مرافقين لعمال إسكتلنديين يشيدون جسرا على نهر الدانوب. فأقنعه دنكان
بالمسيحية فتحول إدرشيم إلى المسيحية وتبع هذا القسيس إلى إسكتلندا عند رجوعه
ليدرس اللاهوت فى إدنبرة بإسكتلندا ثم فى جامعة برلين. وصار إدرشيم من العلماء
الدارسين للكتاب المقدس وقام بالتدريس فى الجامعات. تزوج سنة 1846 وصار راعيا
بالكنيسة المعمدانية فى إسكتلندا. ذهب ليبشر اليهود فى رومانيا لمدة سنة. ثم عاد
لبريطانيا وتنقل بين عدة كنائس نظرا لمرضه المستمر. تحول للكنيسة الأسقفية سنة
1875 ليصير
تابعا لها ورُسِم بها خادما وقسيسا. ثم ذهب إلى فرنسا أيضا بسبب
مرضه حيث توفى هناك.
هذا
الكتاب الذى بين أيدينا
إدرشيم
له أعمال كثيرة وكان هذا الكتاب The Life and times of Jesus the Messiah هو أشهر أعماله. ويرى الكاتب أنه لكى تفهم حياة المسيح وأعماله
بعمق يجب أن تكون لك بعض المعرفة بالمجتمع اليهودى فى أيام المسيح. فالمسيح ولد
وسط اليهود وعاش بينهم وكان يكلم يهودا فكان يجب أن يكون مفهوما لهم، ولكن ليس
مطابقا لتعاليم معاصريه. وفى نفس الوقت يكون هذا الكلام موجها ومفهوما للعالم كله
من غير اليهود. وهذا الكتاب تعليق على الأناجيل الأربعة مسلطا الضوء على طريقة
تفكير، ووجهات النظر الدينية لليهود المعاصرين للمسيح فى ضوء أقوال التلمود
وتعاليم الربيين المعاصرين للمسيح.
ويقول
الكاتب عن كتابه هذا
لم
أقصد أن أكتب كتابا عن حياة المسيح، فحتى الإنجيليين لم يقصدوا هذا بل هم قدموا
المسيح إبن الله الأزلى، الإله المتأنس، الذى حقق كل وعود الله لشعبه فى العهد
القديم. وأنه مسيا إسرائيل المنتظر ومخلص الإنسان. وقدم الإنجيليين المسيح لليهود
والأمم ليعرفوه على أنه مرسل من الله ليعلن الآب ويصير هو نفسه الطريق إليه وهو
الحق وهو الحياة.
أقسام
الكتاب
الكتاب
مكون من مجلدين :-
المجلد
الأول يشمل
الكتاب
الأول:-
ويشمل 8 فصول
الكتاب
الثانى:-
ويشمل 12 فصلا
الكتاب
الثالث
:- ويشمل 30 فصلا
المجلد
الثانى يشمل
بقية
الكتاب الثالث :- ويشمل الفصول من الحادى والثلاثون حتى
السابع والثلاثون
الكتاب
الرابع :- ويشمل
24 فصلا
الكتاب
الخامس :- ويشمل
17 فصلا
الملاحق
وعددها 19 ملحق
ملحوظة
:- ما هو مكتوب بالـ ITALICS وموجود بين قوسين
[ _ _ ]
ليس
من الكتاب الأصلى إنما إضافة.
ملاحظة:
ما أترجمه ليس كل ما هو مكتوب فى الكتاب بل كل ما يخص الفكر اليهودى.
![]() |
|||
![]() |
|||
الإعداد للإنجيل
الفصل الأول
العالم اليهودى أيام المسيح ـــــ شتات اليهود فى
الشرق
أرسل
الله شعب يهوذا إلى بابل سنة 568 ق.م. لتأديبهم على وثنيتهم. وأعادهم الله على يد كورش
ملك فارس
سنة 536 ق.م. ولكن كل من عادوا كانوا لا يتعدون عشرات الألاف، أما الباقون فقد
إستقروا فى بابل. وبعد السبى البابلى ظهر شتات اليهود فى كل مكان، فصار يهود
أورشليم هم الأقلية، أما الغالبية فكانت فى الشتات. ولم يعد وجودهم فى الشتات يعنى
النفى من أرضهم كعقوبة إلهية، بل كانوا بإختيارهم يعيشون وسط أمم العالم. وقال
يوسيفوس أنه لا توجد أمة فى العالم لا يوجد فيها شتات من اليهود. ولكنهم لم يجدوا
وسط الأمم وطن حقيقى لهم حيث يمارسون فيه طقوسهم وعاداتهم بحرية، ولهذا كثرت شكوى
هؤلاء الذين فى الشتات. وظلت قلوب هؤلاء الشتات معلقة بأورشليم وهيكل الله العلى
فيها، وتسرى دماء أورشليم فيهم.
ومركزية
العبادة فى أورشليم هى التى حافظت على حفظ الديانة اليهودية، وأيضا عزل اليهود عن
العالم ووثنية الأمم، وهم فى أرض اليهودية بل وهم فى الشتات. فلقد إستمر اليهود فى
تقاليدهم فى الإنعزال عن الأمم الذين يعيشون وسطهم. وظل إله أورشليم فى الهيكل هو
إلههم، فبينما يستطيع أن يأخذ الوثنى إلهه معه حيثما يذهب، كان قلب اليهودى متجها
إلى إله إسرائيل فى هيكل أورشليم حيث يذهب لتقديم ذبائح مقبولة فى الهيكل، فلا
تقبل ذبيحة سوى فى الهيكل لغفران الخطايا. ولهذا كان دانيال
يتوجه لأورشليم ليصلى بينما هو فى ملك داريوس يرأس مرازبته (دا6 : 10).
وكانوا يعتبرون إله إسرائيل هو ملكههم أينما ذهبوا. وظلت قلوبهم معلقة بالقدس وقدس
الأقداس والمنارة والمائدة وطقوس العبادة والصلوات والبخور. وتداخل عند اليهود
تاريخهم مع ديانتهم، فيمكن القول أنهم بدون ديانتهم فلا تاريخ لهم وبدون تاريخهم
فلا ديانة لهم.
وبالرغم
من المآسى التى لاحقتهم خلال تاريخهم كان لهم الآمال فى نهاية لهذا الإنكسار.
وكثيرا ما حدث لهم تحقيقا لآمالهم هذه، كما حدث مع أنطيوخس إبيفانيوس الذى ظن أنه
أنهى على الديانة اليهودية. ولكن بعد سنين جاء الإنتصار المكابى عليه. وظل اليهود
عبر التاريخ ينتظرون ظهور فجر جديد بعد ليل طويل لإنتكاسهم.
الشتات
إنقسم
شتات اليهود إلى قسمين كبيرين:-
1)
من فى الشرق: ويوجدون فى عبر الفرات وفارس وعيلام وبين النهرين وسوريا.
وهؤلاء أسموهم العبرانيين لأنهم يتكلمون العبرانية.
2) من
فى الغرب: هم من فى اليونان وكريت ويسمونهم المتهلينين أو شتات اليونانيين [اليونان
باللغة اليونانية تسمى هلاس. ويقال على المواطنين الأصليين فى اليونان
الهيللينيين، ويقال على شتات اليهود الذين يعيشون فى اليونان المتهلينين].
وكان
الفريسيين فى أورشليم يحترمون يهود الشرق، ويحتقرون يهود الغرب اليونانيين، ليس
فقط بسبب لغتهم اليونانية، ولكن أيضا لأنهم إختلطوا مع العادات اليونانية ولم
يعيشوا فى عزلة تامة عن اليونانيين كما عمل يهود الشرق. ولم يرتبطوا إرتباطا وثيقا
مع الأورشليميين كيهود الشرق. (راجع أع6 : 1) فهؤلاء اليونانيين الذين إشتكوا
كانوا من المتهلينين. بل فى إحترام الأورشليميين ليهود الشرق كانوا يعتبرون أن ما
بين النهرين هو جزء من إسرلئيل حيث كان داود قد أخضعها وجعلها جزءا من مملكته.
وكان لليهود مدنا فيما بين النهرين وأنشأوا بها مجامع جلبوا حجارتها من أنقاض
الهيكل بعد السبى، وكانت تحت حماية مسلحين من اليهود. وهذا يشير لضخامة الشتات
اليهودى فى الشرق ومدى تأثيرهم. وكان هذا العدد الضخم راجعا لقلة العائدين مع
زربابل وعزرا. وكان من بقى فى بابل هم الأكثر ثراء والأكثر تأثيرا فى المجتمع.
ويقول يوسيفوس وتبعه فيلو أن يهود ما بين النهرين كان عددهم بالملايين. ولقد
عاملهم الفرس معاملة جيدة لما كان لهم من تأثير فى المجتمع، إذ كانوا قوة سياسية.
وهكذا عاملهم اليونانيين بعد سقوط الفرس. ولكنهم أيضا عانوا من إضطهادات كثيرة من
الأمم سكنوا فى وسطهم.
وكان
السنهدريم بود عميق يعلنون لشتات الشرق بداية كل شهر بعلامات نارية يشعلونها من
قمة جبل إلى جبل آخر لحفظ الأعياد والتقاويم والأعياد، وبعد ذلك صار ذلك بالرسائل.
وكان يهود أورشليم يعاملون شتات الشرق كما يعاملون أهل أورشليم بل وفى بعض الأحيان
يحترمونهم أكثر. وكان هؤلاء الشتات يسددون عشورهم وبكورهم لأورشليم. وإعتبر
الأورشليميون أن تراب الشرق وسوريا طاهرا كأرض فلسطين. بينما إعتبروا أن تراب
الغرب اليونانى نجسا. وأعلن السنهدريم أن تراب سوريا طاهر. وإعتبروا أن شتات
البابليين أنهم يفوقون يهود أورشليم فى نقاء الدم اليهودى.
وبعد
العودة من السبى البابلى نجد أن الحروف قد تغيرت وصارت لغة اليهود فى فلسطين وفى
وسط شتات الشرق هى اللغة الأرامية وليست العبرية، بينما صارت العبرية لغة الدارسين
والمجامع. وكان هناك مترجمين يترجمون للشعب من العبرية إلى الأرامية ما يقوله
الربيون. ومن هنا نشأت فكرة الترجوم (التوراة مكتوبة بالأرامية) ولكن الترجوم ظهر
بعد المسيح إذ كانوا يمنعون الترجمة خوفا من تشويه كلمة الله. ولكن يهود فلسطين
مدينون لشتات البابليين فهم الذين وضعوا أساس الكتب الرئيسية لليهود كالمشناة
وغيرها لشرح طقوس تشريعات موسى، والمدراش وهو تعليقات على الكتاب المقدس. ومن هنا
نرى أن يهود شتات البابليين كان لهم مدارس ودراسات قوية للكتاب المقدس. بل زادت
سلطة مدارس الشتات البابلى للاهوت عن مدارس أورشليم. ومع غيرة أهل أورشليم من شهرة
وتفوق شتات بابل إلا أنهم يعترفون أن عزرا الكاتب وهو من بابل أنه هو الذى أنقذ
الناموس من النسيان. ثم قام هليل مرة ثانية وهو من بابل بنفس الدور. ومرة ثالثة
قام الرابى شيجا بنفس الدور.
ولقد
إمتد شتات الشرق إلى أرمينيا والقوقاز وسواحل البحر الأسود وميديا والخليج العربى
(الفارسى) وبلاد العرب وإلى الشواطئ المقابلة للعرب مثل إثيوبيا ووصلوا إلى الهند.
وكانوا على علاقة قوية مع الرئاسة الدينية فى أورشليم. وعملوا بالتجارة ما بين
الشرق والغرب.
ووسط
شتات الشرق هؤلاء ذهب بولس الرسول ليقيم وسطهم 3 سنوات فى خلوة فى العربية (غل1 :
17). وذهب إليهم القديس بطرس (أع12 : 17) ومن هناك كتب رسالته (1بط5 : 13).
أما
عن شتات العشرة أسباط الذين تشتتوا بيد ملك أشور سنة 722 ق.م. فلا يوجد تحديد
لأماكنهم، بل هم ضائعين لا يستدل على مكان لهم (قال بعضهم أنهم الأفغان). وربما
يكون بعضا منهم قد عاد بعد أن سمح كورش بعودة كل واحد إلى وطنه الأصلى سنة 536
ق.م. غير أن الربيين يقولون أن المسيا (موسى الثانى) سيعيدهم عند عودة إسرائيل
الجديدة. لذلك يقول الربيون أنه لو تزوج أممى من يهودية فهم يحترمون هذا الزواج
فربما كان الأممى من الأسباط العشرة الضائعة.
الفصل الثانى
شتات اليهود فى الغرب ـــــــــــــ المتهلينين
بلاد
اليونان فى اللغة اليونانية = هلاس Hellas. واليونانيين الأصليين = هيللينيين Hellenes وأطلق على شتات اليهود الذين فى الغرب (اليونان والبلاد التى
تتكلم اليونانية كمصر) المتهلينين Hellenists. وهؤلاء المتهلينين مختلفين عن يهود الشرق المتزمتين. فبينما عاش
يهود الشرق فى ظلمات الماضى إمتدت يد يهود الغرب نحو فجر يوم جديد قد إقترب. فلقد
تكيف يهود الغرب مع الفكر اليونانى واللغة اليونانية والفلسفة اليونانية مع
إنعزالهم كمجتمع يهودى. وكان من المستحيل أن يعيشوا وسط اليونانيين دون أن يتماشوا
معهم. وأيضا مع إحتقار اليونانيين لليهود وكراهيتهم لهم إلا أنهم تأثروا بهم وتحول
كثيرون منهم لليهودية. وكان هذا مما ساعد على تقبل الفكر الجديد الذى سيأتى من
أورشليم أى المسيحية.
ومما
ساعد على إنفتاح اليهود على الفكر اليونانى عملهم فى التجارة والأعمال الحرفية مما
جعلهم يختلطون بالأفكار اليونانية ولا يتمركزوا فى مكان واحد محتفظين بشكلهم
التقليدى. بل عاشوا فى المجتمعات اليونانية كعلمانيين، ولكنهم عاشوا يقدسون
الشريعة والناموس كما يقدسون أرض الميعاد. وبينما تتلمذ يهود الشرق على الربيين،
لم تكن حياة يهود الغرب كلها حول دراسة الناموس والتبحر فيه. وإنفتح يهود الغرب
على الفكر اليونانى ولكن مع إحتقار للفكر والعبادة الوثنية. وأحاط يهود الغرب كل
ذكرياتهم عن العبادة والطقوس اليهودية بهالة من التقديس مع إستياء من الوثنية التى
تحيط بهم ورفض لها. وبدافع من الشفقة على هؤلاء الوثنيين وكتحذير لهم كتبوا كتبا
أدبية لإنذار الوثنيين وهى كتابات تعتبر أدبية ولكنها أبوكريفية.
عاش
يهود الغرب وسط اليونانيين وهم مقتنعين بتاريخهم وإيمانهم ويقارنوا صلواتهم
وشرائعهم مع تفاهة ما يفعله الوثنيون. وكانوا يزدادون فخرا حينما يجدون أن بعض
الأمم يطلبون الدخول لليهودية. وفى غربتهم سادت بينهم المحبة الأخوية، وكانوا
يعتبرون أن أى كارثة تحل بأحدهم كأنها أصابتهم جميعا. كما ساد بينهم إضافة الغرباء
خصوصا القادمين من أورشليم، وهذه صارت ليست فقط كفضيلة بل ممارسة دينية (رو12 : 13
+ 1تى5 : 10 + عب13 : 2 + 3يو1 : 5 ). ينتظرون منهم أخبارا تعزيهم وتفرحهم عن
أورشليم. فكانوا ينتظرون من يأتى إلى المجمع ويسألونه ليحدثهم عن أورشليم. وهذا
يحدث مع كل من يذهب إلى أورشليم فى المواسم المقدسة مثل الفصح، أو من يذهب لرحلة
عمل، فهم ينتظرون كل من يعود عند عودته لسؤاله عن أخبار أورشليم وما يحدث فيها.
وهذا ما جعل أخبار المسيح تنتشر فى وسط المجتمعات اليهودية فى الشتات بسرعة كبيرة.
وعاش
يهود الغرب فى جدال وحوار مستمر مع اليونانيين، وعلى قدر تأثر اليهودى بالفكر
اليونانى على قدر ما يتهلين. وكانت للثقافة اليونانية بسحرها وجاذبيتها تأثيرها
الكبير على فكر يهود الغرب، بل إمتدت الأفكار اليونانية الفلسفية حتى إلى بعض
الربيين من يهود فلسطين. بل ونظرا لوجود عدد كبير من اليونانيين والرومان ووجود
معابدهم فلقد تأثرت اللغة اليهودية بكلمات يونانية ولاتينية وسط إمتعاض كبير من
أباء اليهود. لكن عموما حدث نوع من الإمتزاج بين الفكر اليهودى والفكر اليونانى.
النسخة
السبعينية للتوراة
كان
ملوك مصر من البطالمة مغرمين بالأدب وأسسوا مكتبة الإسكندرية التى شملت معظم الكتب
العالمية. وأرسل أحدهم وهو بطليموس إيروجيتس لرئيس الكهنة العازر فى أورشليم ليرسل
له شيوخا من الخبراء فى اللغة العبرية واللغة اليونانية.
فأرسل له 72 شيخا، 6 من كل سبط ليترجموا له التوراة من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية
ليضمها لمكتبة الإسكندرية. ورحب بهم بطليموس بحفاوة بالغة وأتموا العمل فى 72 يوما
لذلك سميت الترجمة اليونانية للتوراة بالترجمة السبعينية.
وإعتمد السنهدريم السكندرى فى مدينة الإسكندرية هذه النسخة السبعينية. وصارت
الترجمة السبعينية هى الأكثر تداولا بل وصارت النسخة الشعبية لرخص ثمنها بالنسبة
للنسخة العبرية. وكانت هذه النسخة السبعينية هى المتداولة أيام المسيح وسط يهود
الغرب ويهود الجليل بل إلى حد ما فى أورشليم واليهودية. وما أعطى للترجمة
السبعينية شرعيتها أن الإنجيليين إقتبسوا منها. وصارت هى النسخة المستعملة فى
الحوار بين يهود الغرب والأمم. وكانوا فى المجامع يقرأون النصين العبرى واليونانى
بينما هم لا يفهمون العبرية.
وبدأ
الخلاف بين الربيين والدارسين على بعض الألفاظ. وتفاقمت المشاكل بعد أن بدأ
اليونانيين الوثنيين بعد أن صارت التوراة مقروءة لهم باليونانية فى حوار الربيين
اليهود. ومن هنا إعتبروا فى أورشليم أن النسخة السبعينية مرفوضة وقال بعض الربيين
أنها كارثة مثل كارثة العجل الذهبى. ولكنها وسط يهود الغرب كانت مصدر فرح وإحتفال.
الفصل الثالث
تطور الفكر اللاهوتى الهيللينيستى
كانت
الترجمة السبعينية هى نقطة البدء للهيللينيستية. وما كان محصورا بين قلة من اليهود
صار متاحا لكل العالم. وبدأ اليهود يكتبون كتبا أدبية تمجيدا لماضيهم وهجوما على
الوثنية ردا على هجمات الوثنيين على اليهودية. وهى كتابات ليست كتابات مقدسة بل
يوجد فى بعضها ما هو للزهو بتاريخ اليهود وما إشتمل على خرافات ولذلك قيل عنها
كتابات أبوكريفية.
[الكاتب
وضع الأسفار القانونية الثانية أى الأسفار المحذوفة من ضمن هذه الكتب الأبوكريفية،
وهو فى هذا قطعا يتماشى مع الفكر البروتستانتى فى عدم الإعتراف بشرعية الأسفار
المحذوفة. ولكن الكنائس التقليدية الأرثوذكسية والكاثوليكية تعترف بها كأسفار
مقدسة. ويكفينا كدليل على شرعيتها إقتباس الإنجيليين منها]
المدرسة
المجازية فى الفلسفة اليونانية
حاول
أفلاطون وغيره وضع تصور مجازى لكتابات هوميروس. وكان هذا نموذجا للمدرسة المجازية
فى الفلسفة اليونانية. ولقد تأثر اليهود الهيللينيستيين بهذه المدرسة وإستفادوا
منها. وبدأوا يدرسون نصوص التوراة بنفس الطريقة. فمثلا بدأوا يفهمون بهذه الطريقة
لماذا هناك حيوانات طاهرة وهناك حيوانات نجسة محرمة. وبدأوا يفهمون سفر النشيد
بنفس الطريقة. ونسمع أن أريستوبولوس وهو يهودى غربى من الإسكندرية أنه بدأ يفسر
عبارات الكتاب المقدس بهذه الطريقة وكأمثلة على ذلك :- الله يقف = هذا يشير
للنظام المستقر فى العالم. خلق العالم فى ستة أيام = توالى الزمان وفقا
لقانون. راحة الله يوم السبت = حفظ الله لما خلقه.
فنرى
هنا إمتزاج للفلسفة والفكر اليهودى مع اليونانى. ونجد فى التاريخ اليهودى الغربى
من كتب وعلق على التوراة بفكر فلسفى يونانى. وفى مقابل هذا تشدد الربيون تجاه هذا
التفسير المجازى وأصروا على أن التوراة هى للتطبيق الحرفى وليس علينا سوى طاعتها
كما هى.
ومن
أشهر من كتب وتعلم منه الكثيرون فيلو السكندرى.
الفصل الرابع
فيلو السكندرى
ولد
بالإسكندرية سنة 20 ق.م. وهو من نسل هارون ومن أغنياء الإسكندرية ومن العائلات ذات
النفوذ والتأثير. وكان سفيرا لليهود فى المفاوضات مع كاليجولا القيصر الرومانى حول
الإضطهادات ضد اليهود. وكان مفكرا وكاتبا بارزا وهو الذى أكمل الهيللينستية
اليهودية. وهو الذى جمع كلا الفلسفتين اليونانية واليهودية. وقد إقتبس الكثير من
عبارات أفلاطون وبلوتارخ فى كتاباته. وقد تعلم من كتابات فلاسفة اليونان الكثير.
وقد وجد فيلو فى أفلاطون فيلسوفا عظيما جدا. ولكنه إعتبر أن إسرائيل الحقيقى أعظم
الكل. أما موسى فى عظمته فلا مثيل له، ولا يوجد من يدخل حتى فى مقارنة مع موسى فى
عظمته. فكل أقوال موسى هى الحكمة والحق المطلق. الحكمة كلها فى كلمات موسى سواء
المعنى المباشر أو المعانى المخفية. فمثلا يقارن بين آيتين "الله ليس
إنسانا" (عد23 : 19) و "حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان
إبنه" (تث1 : 31) فقال أن الأولى تعلن الحق المطلق والثانية هى إعلان ليتكيف
الحق مع الإنسان الضعيف.
ونجد
أن هذه هى مدرسة فيلو فى التفسير المزدوج بين ما هو حرفى وما هو مجازى لكلمة الله.
وكان يرى أن هناك الكثير من قصص الكتاب المقدس (التوراة) تبدو غامضة إذا فسرناها
حرفيا، ولكن التفسير المجازى يعطيها الفهم الصحيح. ولكن فيلو تمادى فى أرائه فى
التفسير المجازى بطريقة عجيبة، حتى أنه غَيَّر فى ترتيب كلمات الآية بل وفى حروف
بعض الكلمات ليستخرج معنى مجازى جديد. بل وجدنا أن بعض الربيين فعلوا نفس الشئ.
وإعتمد
فيلو فى تفسير الكتاب على الفكر العقلانى المنطقى والمجازى وليس الحرفى. وقال فيلو
أن الترجمة السبعينية بها وحى كباقى الكتاب. وقد وضع تصورا لكل رمز وكل لون وقال
أن لكل رقم وكل لون لهما دلالة كما فى خيمة الإجتماع مثلا. وهكذا الأسماء
والحيوانات والنباتات المذكورة. وقد إهتم بإيجاد المعانى المخفية فى الكلمات
الخاصة بالجسد وصار يفهمها على أنها موجهة للروح.
الأفكار
اللاهوتية عند فيلو
1)
اللاهوت
نجد
عند فيلو الأفكار المتضاربة لكلا المدرستين الأفلاطونية والرواقية. فبحسب المدرسة
الأفلاطونية نجد أن هناك تمييزا حادا وفصلا واضحا بين الله والعالم. والرواقيون
يتبنون فكرة وحدة الوجود. ويقول فيلو الله موجود ليس فى المكان والزمان. ولا يوجد
لله طبيعة أو سمات إنسانية، ولا عواطف له، والله لا إسم له. وهو غير مدرك بالنسبة
للإنسان. وليشرح هذا غَيَّر فى كلمات الآية (تك3 : 9) "آدم أين أنت"
وجعلها "آدم أنت فى مكان ما (somewhere) ولكن الله لا مكان محدود له (had no
somewhere) فلا معنى لإختباء
آدم. وهو فسر كلمتى الله والرب على أنهما يعبران عن القوتين أو القدرتين أو
السلطتين الأسمى فى الله (the
two supreme potencies)
ورأى فى الآية "فوقف الشعب من بعيد، واما موسى فاقترب الى الضباب حيث كان
الله" (خر20 : 21) أنها تعبر عن أن الله غير مدرك.
ولكن
وجهة النظر اليهودية والعهد القديم عن الخلق والعناية الإلهية، فالله موجود فى
العالم وهو الحق الوحيد وكل الحق فيه. هو خلق كل شئ وكل شئ حقيقى هو فى الله. هو
الصلاح وكل صلاح هو مصدره. الله خلق الروح وخلقها صالحة، هو منبع الروح ونورها
ومخلصها فهو الذى خلص شعبه من ألام عبودية مصر.
ومع
نظرية فيلو عن الله فلا تفسير للمعجزات أوتدخل الله فى الأمور، لذلك لجأ للتفسير
المجازى لهذه المعجزات. لذلك نقول أن إله فيلو ليس هو إله إسرائيل شعب الله
المختار.
2)
القوى الوسطى أو القدرات (Potencies) وباليونانية (ديناميس لوجى)
يوجد
تشابه بين أفكار فيلو وبين أفكار الربيين المتصوفين ووضح هذا الفكر بالأكثر مع
جماعة الكابالا:-
الربيين
المتصوفين = هؤلاء يقولون أن المعرفة والقوة تأتى عن طريق الإيمان والتبصر الروحى.
جماعة
الكابالا (qabbala) = من كلمة (qibbel) وهؤلاء يرون أن المعرفة تأتى بالتأمل فى الماضى والمصادر القديمة
وليس فقط فى التسليم المسلم شفويا. وتجد أن أفكار هؤلاء الكابالا موجودة فى
المشناة والترجوم. وهكذا أيضا قالت المدرسة الأفلاطونية أنها كانت ترجع للتقاليد
القديمة. وقد شبه الكابالا من يدرس مجرد حرف الناموس هو كمن يقترب
لملابس إنسان، ومن يبحث عن المعنى الأخلاقى المتضمن فى القصة فهو كمن يقترب من جسد
الإنسان. أما من يبحث عن المعانى المختفية وراء النص الإلهى فهو كمن يقترب من
روحه. ونجد أن فيلو له نفس الفكر إذ كان يرجع للمصادر القديمة ويشير لها كما يفعل
الكابالا. وبهذا يكون لكلا المدرستين الشرقية والغربية نفس المصادر.
3)
الخالق والخليقة
تشابه
فيلو والربيين فى تصورهم عن الله فقالوا أنه المكان (mokom) وقال الكابالا عن الله أنه الغير المحوى. ولا
يُعرف الله إلا عن طريق تجلياته أى ما يظهره وأما غير ذلك فهو غير مدرك. ولكن لا
فيلو ولا الصوفية اليهودية قدروا على أن يقيموا أو يجدوا أى إتصال مباشر بين الله
والخليقة.
وجاء
الكابالا وأدخلوا فكرة الإنبعاث أو الصدور وأخيرا إستقروا على فكرة المنبع الذى
يخرج منه النور اللانهائى. وبهذا وجدوا طريقة لإتصال الله بالخليقة.
أما
فيلو فهو كان حين يجد صعوبة كبيرة يلجأ للتعبيرات الفلسفية اليونانية ويجد فيها
مساعدة ومعونة. فهو إستبدل فكرة الإنبعاث عند الكابالا بمصطلحات يونانية. فأطلق
فيلو كلمة (Potencies) وباليونانية [ديناميس] أو القدرات الفعالة كقوى متوسطة إذا تكلم
عن الله أو أعمال الله. وحين يتكلم عن الخليقة يستخدم تعبير [اللوغوس] أو الكلمات
كقوى المتوسطة. وبهذا يقال عن الـ Potencies
و الـ لوغوس القوى المتوسطة. وكل
هذه القدرات الفعالة هى فى الله وصادرة من الله. أما أفلاطون فرأى هذه الأعمال
ليست إنبعاثات بل هى تكرار لنموذج أولى أصلى، وأن العالم كله قد تكون على نظام هذا
النموذج الأولى. إذاً لم يكن اليهود وحدهم هم من فصلوا بين الله الغير مقترب منه
وبين تجليات الله أى ما أظهره الله.
ويظهر
التوازى بين فيلو والربيين فى فصلهم بين نوعين من صفات الله وهما الرحمة والقضاء.
فنجد أن الربيين يميزوا بين الله (إلوهيم God ) هو إله القضاء. أما يهوه فهو إله الرحمة والنعمة. ويضع فيلو
بجانب الكلمة الإلهية (ثيئوس لوغوس) لفظ أغاتوثيس أى الطيبة والجودة والصلاح.
وبجانب قوة الخلق (creative potency) أو باليونانية (بيتيكى ديناميس) يضع إكثوسيا على أن هذه هى
القدرة الحاكمة. وفى هذا تماشى فيلو مع السبعينية فى ترجمتها الله والرب يهوه (God
& Lord) وباليونانية
(ثيئوس وكيريوس). ورأى فيلو أن الملاكين اللذين ذهبا مع الرب لدمار
سدوم وعمورة أنهما يمثلان القدرات الإلهية. وقال أن هناك قدرات رحيمة يمثلها 6 مدن
الملجأ. وقال أن هذه القدرات الإلهية Potencies تصدر من الله كما تخرج أشعة من الضوء أو ماء من الينبوع أو النفس
من الإنسان. هما راسخين ثابتين فى الله ولكن أيضا مستقلين بدونه. وبينما هما حركات
من جهة الله ولكن هما كائنين منفصلين. هما العالم المثالى فى إندفاعه للخارج يقابل
المادة فيوجد عالمنا المادى هذا. هما ملائكة الله ورسله للإنسان، وهما الوسط الذى
يظهر نفسه من خلاله.
اللوغوس
اللوغوس
فى الفلسفة الأفلاطونية هو النموذج الأولى أو الأصلى للخليقة. وفى الفلسفة
الرواقية اللوغوس هو سبب العالم المنتشر الواسع حولنا. وفى التلمود نسمع عن الإسم
والشاكيناة كإعلان عن وجود الله، وأحيانا يُقدم الله على أنه الروح القدس. بل
وكررت كلمة اللوغوس ولكن بتعبير يهودى هو Memra بمعنى الطريقة التى يظهر بها الله ذاته أى عمله فى الخليقة. ووردت
هذه الكلمة فى ترجوم أونكيلوس 179 مرة وفى ترجوم أورشليم 99 مرة وفى ترجوم يوناثان
321 مرة.
ويظهر الفارق بين كلمتى الله و Memra
of Jehovah. كما فى "يكون
الرب (Memra
of Jehovah) لى إلهاً (God)" (تك28 : 21) وراجع أيضا (عد23 : 21). وهناك تمييز بين
كلمتى ممرا والشاكيناه التى تشير لوجود الله الدائم. ولكن ما هو أبعد من هذا فى
اللاهوت اليهودى، أنه إحتفظ لنا بأن هناك تمايز داخل الطبيعة الإلهية. ونفهم نحن
الآن كمسيحيين أن الـ Memra هو الأقنوم. ولكن لليهود لم يكن هذا واضحا. وكان هناك فرق فى
المفهوم بين فيلو والربيين فالـ Memra عند الربيين فكرة لاهوتية وعند فيلو فكرة فلسفية.
3)
مفهوم اللوغوس عند فيلو
هو
ليس شخص ذا شخصية واضحة ثابتة، وهو ليس بخاصية إلهية. ولكنه هو الظل حينما يسقط
نور الله على شئ، ولو كان هو النور فهو إنعكاس لظهور نور الله. أو هو تعبير عن
روحانية الله فى مقابل أن العالم مكان سكناه المادى. ويقول فيلو أن اللوغوس هو
صورة الله (إيكون) والتى عليها خلق الإنسان، وبالتعبير الأفلاطونى فهو
النموذج الأولى أو النموذج الأصلى، وهو الأداة التى إستخدمها الله فى خلق كل شئ.
وبالنسبة للعالم فاللوغوس هو وجوده الحقيقى وهو النموذج الأصلى الذى من خلاله خلق
كل شئ.
وإذا
قلنا أن اللوغوس يفصل بين الله والعالم فهو كوسيط يوحد أيضا بينهما. هو يعلن
للإنسان ويترجم له إرادة الله وفكره. فهو يعمل كوسيط. هو الكاهن الأعظم الحقيقى
وبنقائه ينقى العالم من الخطية ويشفع فيه وبشفاعته يجلب لنا رحمة الله. ولذلك قال
عنه أنه ليس فقط رئيس كهنة بل هو الباراقليط. وهو الشمس الذى بنوره ينير الإنسان.
وهو الوسط أو الوسيلة الذى به تعلن الألوهية للروح، وهو المن، وهو الذى يدعم
الحياة الروحية، وهو يسكن الروح.
لذلك
فاللوغوس فى مفهومه الكامل هو ملكيصادق كاهن الله العلى ملك البر الذى يجلب البر
والسلام للروح، ولكنه لا يأتى للنفس التى ماتت بالخطية. اللوغوس عند فيلو هو ظلال
وشئ غير حقيقى وليس له شخصية. وبالمقارنة مع فكر العهد الجديد الذى قال أن اللوغوس
هو إبن الله الذى صار جسدا وصار المسيح رئيس كهنتنا الحقيقى الذى يشفع فينا بدمه
شفاعة كفارية. نجد أن أفكار فيلو قد تكون قد إقتربت من فكر العهد الجديد
لكنها أفكار مشوشة
ضبابية، بل هى أفكار متضاربة فى كثير من الأحيان. وقطعا إذا كان اللوغوس بلا شخصية
فلا يوجد عند فيلو فداء ودم وكفارة وذبيحة كأساس لشفاعته.
الفرق
بين فيلو ومدرسة الإسكندرية مع العهد الجديد
فيما
يخص علوم الكون والإنسان والبشريات
يظهر
الخلاف بين مدرسة الإسكندرية والعهد الجديد بأكثر وضوح فى أراء فيلو عن علوم
الكون علوم الإنسان والبشريات. فبالنسبة لعلوم الكون سارت كتابات فيلو فى بعض
الأمور على التوازى مع الأراء الصوفية فى التلمود ومع الكابالا. وتماشى فيلو مع
الأراء الرواقية التى مثلت الله على أنه العلة النشطة لهذا العالم والمادة أنها
العلة الخاملة (الجماد). وتبنى فيلو أراء أفلاطون أن المادة شئ موجود ولكنها تقاوم
الله.
ونرى
فى التلمود أراء مسلية مثل أن الله أخذ حفنة تراب تحت عرش مجده، وذرها فوق المياه
فتكونت الأرض. وقال البعض أن المياه هى العنصر الأساسى لهذا العالم ثم تجمد الماء
فى صورة ثلج ثم تحول ليصبح الأرض, وقال آخرين أن الهواء والنار هما العناصر
الرئيسية، وهؤلاء حاولوا إثبات أن المادة لها وجود سابق وهؤلاء إستندوا على قول
الكتاب "وعمل الله" (تك1 : 7) ولم يقل خلق الله. وطور البعض هذه الأفكار
وقال أن الله خلق أولا ثلاثة عناصر هم الماء والهواء والنار (ولاحظ أن كلمتى روح
وريح هما كلمة واحدة فى العبرية واليونانية) ومن هذه الثلاثة عناصر تطور كل شئ.
وكان كل هذا مبنيا على أفكار أفلاطون عن سبق الوجود للمادة. وقال التلمود أن الله
خلق الإنسان وبداخله ميلين أحدهما ميله للصلاح والبر والآخر ميله للشر. ويبدأ
الميل للشر مباشرة عقب الميلاد. ولكن فى سلطة ومقدرة الإنسان أن يغلب الخطية ويحصل
على البر الكامل.
أما
فيلو فقد سار وراء الأفكار الأفلاطونية والرواقية وإعتبر أن المادة فارغة من أى
خاصية أو صفة أو شكل. المادة فى ذاتها هى ميتة، وأيضا هى شر. وقال فيلو أن الله
كَوَّنَ كمهندس،
وإستخدم المواد التى لديه بحسب خطة موجودة من قبل وهى النموذج الأولى أو الأصلى.
وقال فيلو أن الخلقة أو التكوين حدث ليس بسبب الله نفسه ولكن بسبب الـ (Potencies) أى القدرات أو القوات وبالذات اللوجوس الذى يربط الكل. أما عمل
الله المباشر فهو الروح، وهذا للأبرار فقط وليس للأشرار.
ورأى
فيلو كرأى أفلاطون فهو قسم الإنسان قسمين. أما الجزء غير المادى فى الإنسان فهو
جزئين الأول ينتمى للأرض وهو حسى شهوانى، والثانى ينتمى للسماء وهو عقلانى تأملى
تدبيرى. الأول الشهوانى مرتبط بالجسد بلا ماضى سماوى وبلا مستقبل. أما الثانى
العقلانى فهو نفخة الله فى الإنسان حينما خلقه. ويقول فيلو أنه قبل بدء الحياة
كانت الروح بلا جسد (virtue)
أى روح نقية فاضلة على صورة الله. وبعض هذه الأرواح نزلت إلى الأجسام ففقدت
نقاوتها، أو أن الإتحاد بينها وبين الآجسام كان عن طريق قوى أقل من الله (قوى
شريرة) ولكن نفخة الله عند تكوينه للإنسان كان الإنسان عاقل وذكى. أما الجسد فهو
كرسى الخطية.
وكان فكر فيلو أن روح الطفل عارية (كآدم وحواء) مثل شمع والله فى حب يشكله. ولكن
هذا يتوقف حينما تتغلب العواطف الحسية الشهوانية على العقل. وهذا هو نبع كل
الخطايا. لذلك فالهدف هو التخلص من كل ما هو شهوانى ورفع كل ما هو عقلانى وروحى
(وهذا ينتمى للفكر الرواقى). وقال فيلو أن الإنسان الشهوانى بائس بلا راحة ولو
إستمر هكذا يصل إلى حالة من فقدان الإحساس الروحى تماما. وعلى الإنسان فى هذه
الحالة أن يكرس نفسه للدراسة بأمانة فى ثلاث درجات أقلها الدراسات الطبيعية
والأعلى منها دائرة المعرفة أما الأعلى والأسمى فهى الفلسفات الإلهية.
وهذا
يقودنا إلى السؤال الرئيسى وهو الخطية الأصلية. وهنا يتفق فيلو مع الربييين
الشرقيين، وكلاهما مختلف تماما مع فكر بولس الرسول فى رسالة رومية. وما نجده فى
فكر بولس الرسول أنه "فى آدم يموت الجميع وفى المسيح سيحيا الجميع"
(1كو15 : 22) لم يتعلمه لا من غمالائيل ولا من الربيين الشرقيين ولا من اليهودية
الهيللينيستية. ولا نجد له أثرا لا هنا ولا هناك. بل أن فساد الإنسان بلا رجاء
ووراثة الخطية والفساد بعد سقوط آدم غير موجودة تماما فى الفكر اليهودى. ولكنهم
قالوا أن موت الإنسان راجع لخطية أبوينا آدم وحواء.
علاقة
هذا الفكر بالعهد الجديد وبالذات إنجيل يوحنا
قدمت
لنا الأناجيل الثلاثة المتناظرة (متى ومرقس ولوقا) المسيح إبن الله وإبن الإنسان،
خادم الرب والمسيح الممسوح كملك ورئيس كهنة ونبى، وأنه المخلص. كان مرقس أول من
كتب ثم كتب متى لليهود. ولوقا إستقى وتحرى عن كل معلومة باضافة لملازمته لبولس
الرسول فترات طويلة. وهذه بالدرجة الأولى مقدمة لمن له خلفية كتابية من التوراة.
فكيف
يقدم يوحنا فى إنجيله المسيح ليهود الغرب ولليونانيين (الهيللينيين والمتهلينين) ليجذب
هؤلاء وأولئك. ولاحظ أن يوحنا كان يعيش وسط هؤلاء فى أفسس. لذلك أرشد الروح القدس
يوحنا وكذلك بولس الرسول للطريقة التى يكلمون بها هؤلاء. فتجد يوحنا يقدم لهم ما
يتناسب مع فكرهم ليقبلوا المسيح، فإستخدم عبارات يفهمونها مثل النور الحقيقى الذى
ينير للعالم، وهو اللوغوس وهو الحياة وهو مصدر هذا العالم. وقدم الله على أنه ليس
بعيدا غير مدرك بالنسبة للإنسان ولكنه الآب الأب. وبدلا من أن يقدم فكرة ضبابية
عن الألوهية المنعكسة على اللوغوس نجده يقدم المسيح الكلمة. ولكنه ليس اللوغوس
الذى فيه قوتين إحداهما للخير والأخرى للشر بل اللوغوس المملوء نعمة وحقا. وأيضا
يكسر القديس يوحنا الفكر الهيللينيستى السكندرى ويقول "الكلمة صار جسدا"
وهو نفس قول بولس الرسول "الله ظهر فى الجسد". وقدم يوحنا الخلاص على
أنه ولادة جديدة من فوق، من الروح القدس وليس بكثرة المعرفة كما قال فلاسفة الغنوسية،
وأيضا ليس بالأعمال بحسب الفكر اليهودى. وقدم رجاء لكل خاطئ بالإيمان بالمسيح.
ختاما
لهذا الفصل نقول أن فيلو كان آخر فلاسفة الهيللينستية وبه تمت صياغة
الهيللينيستية. ولم يكن له خلفاء. أما من الناحية الأخرى فيهود الشرق وبالذات
مدرسة هليل وإتجاهاته فقد إبتعدت كثيرا عن مدرسة العهد الجديد ومفاهيمها الروحية.
وبهذا كانت عاجزة عن مفهوم التجديد، لذلك إقتربت من نهايتها وتلاشت. أما من تبع
المدرسة الهيللينيستية فكان أسهل عليه أن يدخل للمسيحية كما حدث مع أبولس إذا:-
1) إعترف بخطاياه.
2) أن يجد من يشرح له الطريق بأكثر تدقيق مثل
أبولس (أع18 : 25 ، 26).
الفصل الخامس
الإسكندريــــــــــــــــــة
ورومــا
المجتمع اليهودى فى عاصمتى الحضارة
الغربية
كانت الإسكندرية عاصمة العالم اليهودى فى
الغرب. وكانت إنطاكية هى الأقرب لأورشليم. وكان تعداد اليهود فى إنطاكية ضخما.
ولكن يهود الإسكندرية كانوا الأكثر تأثيرا فكراً وثروة. أما أثينا فكانت الماضى
وإقتصرت فى ذلك الزمان على الفنون والجمال. أما الرومان فكانوا سادة ذلك الزمان
وغزوا كل العالم. أما الإسكندرية فكانت كميناء شهير بتجارته قد أصبحت ملتقى لكل
اللغات والأفكار والفلسفات. ولم تكن الإسكندرية من المدن القديمة مثل طيبة ومنف،
ولكنها كانت جديدة أسسها الإسكندر الأكبر، وإمتلأت بكل الجنسيات واللغات. ولذلك
صارت عاصمة لليهودية الهيللينية. وكانت الإسكندرية فى ذلك الوقت أكثر شهرة وإتساعا
من روما نفسها. وإنقسمت الإسكندرية إلى خمس أحياء كبيرة، وإمتلأت بالقصور والحدائق
ووصل تعدادها للمليون نسمة من الشرق والغرب، وهؤلاء إنجذبوا بالتجارة والثروة التى
فيها وللدراسة والملاهى والمسارح. وإختلط فيها كل شئ شرقى وغربى من أوروبا وآسيا
وإفريقيا. وأتى كل هؤلاء بكنوزهم كمدينة تجارية وساحل مشهور وكان بها خمس موانئ.
وكان ثلثى قمح مصر يذهب إلى روما كنوع من الجزية عبر أسطول كبير. وفى مركب من هذا
النوع أبحر بولس الرسول مع الأسرى إلى ميناء بطيولى. وكانت تجارة الهند تمر عبر
موانئ الإسكندرية. وقيل أنه يمكنك أن تحصل على أى شئ فى الإسكندرية ما عدا الـــ snow (الثلج المتساقط من السماء).
وكان عدد اليهود فى مصر يقارب المليون
نسمة أى حوالى ثمن سكان مصر فى ذلك الوقت. وكان إنتشار اليهود راجعا لعدة عوامل :-
1) الشتات أيام نبوخذ نصر ملك بابل.
2) الأغلبية منهم ذهبوا نتيجة للميزات التى
أعطاها الإسكندر الأكبر لليهود، إذ كان لهم نفس مميزات المقدونيين. ثم تشجيع
البطالمة لهم، ثم تشجيع يوليوس قيصر.
3) من هربوا من إضطهاد أنطيوخس إبيفانيوس.
وأخذ
اليهود حوالى ربع المدينة كمجتمع يهودى لهم. وكانت تجارة القمح فى أيدى اليهود.
وإمتلأت المدينة من المجامع اليهودية. وكان لهم مجمع ضخم ليجذب أى يهودى غريب.
وكان من ضخامته يضاهى السنهدريم فى أورشليم ويضم 70 شيخا من اليهود. وفى أثناء
إضطهاد أنطيوخس إبيفانيوس لليهود لجأ كثير من اليهود إلى الأسكندرية. وجاء معهم
إبن الكاهن الأعظم أونيا بأورشليم وكان أنطيوخس قد قتل أونيا. وإستقبله بطليموس
بترحاب شديد وأعطاه هيكلا وثنيا غير مستعمل ليقيموا فيه هيكلا لهم. وكان هذا حوالى
سنة 160 ق.م. وإستمر هذا الهيكل حتى تدمير أورشليم. وظن اليهود أن فى هذا الهيكل
تنفيذا لنبوة "يكون للرب مذبح فى وسط أرض مصر…" (إش19). أما يهود
أورشليم فلم يعترفوا به، وحتى يهود الإسكندرية كانوا فى المواسم المقدسة كالفصح
يذهبون إلى هيكل أورشليم لتقديم ذبائحهم وتقدماتهم. وأطلق الأورشليميون على هذا
الهيكل، بيت أونيا.
وإمتد
وجود اليهود جنوبا إلى إثيوبيا وغربا إلى القيروان.
ومن القيروان نشأ التمرد على الرومان على يد باركوكبا، وهذا التمرد أخمده الرومان
بدموية شديدة مرعبة. وكان رئيس الكهنة اليهودى فى هيكل الإسكندرية له إعتباره
الملحوظ كرئيس ورأس للمجتمع اليهودى فى الإسكندرية.
وكان
غنى ومراكز اليهود فى الإسكندرية سببا فى كبريائهم وتأكيدهم لذواتهم مما أثار
كراهية المصريين لهم. بل أثارت بعض الكتاب ضدهم فألفوا كتبا ساخرة تعيد قصص
التوراة بطريقة ساخرة، وقد نشأت هذه القصص فى الإسكندرية وبدأها مانتو. وجاء بعده
أبيون المعروف بإسم المخادع والكاذب الذى وضع كل سخريته ووقاحته على اليهود، وكان
هدفه إثارة الناس ضد اليهود. وإدعى أبيون هذا أن اليهود يصطادوا يونانى كل سنة،
الذى شاء حظه العاثر أن يقع فى يد اليهود، ويجعلوه يسمن ثم يذبحونه ليقدمونه
ذبيحة ثم يحرقونه مرددين عبارات الحلف والقسم بإبادة كل اليونانيين. وإعتبر اليهود
خونة وإلا لماذا لا يقدمون عبادة للأوثان وأيضا خونة للإمبراطور لأنهم لا يضعون
تماثيله فى هياكلهم. مقدمين له الإحترام والولاء فهو يحميهم. وكل هذا لإثارة احقاد
السكندريين ضد اليهود بسبب غناهم. وهذا ما جعل فيلو يندب وضع اليهود طالبا أن
يعاملوا معاملة البشر. ولقد إنتشرت هذه الأفكار والإشاعات عن اليهود التى قيلت فى
الإسكندرية إلى روما. بل إنتشرت حتى وسط فلاسفة روما خرافات عجيبة عن اليهود
وصدقوها، ومنها أن اليهود أيام موسى كانوا برصا فطردهم المصريين وهاجروا بقيادة
المارق موسى، وأنهم يعبدون رأس حمار. ونظر لهم الرومان بنوع من الإزدراء والكراهية
خصوصا مع إنعزالهم وشرائعهم وطقوسهم التى تخالف المجتمعات الى عاشوا فيها. ورأى
الرومانى أن اليهود بعد خضوعهم للرومان لم يعد من حقهم أن يمارسوا شعائرهم. وصارت
شعائر وعادات اليهود كفاصل بينهم وبين المجتمعات التى عاشوا فيها، ووصل الأمر
لإعتبارهم أعداء.
وبالنسبة
للرومان كانت الحياة السياسية والحياة المدنية متضافرتان ومتداخلتان بل كل منهما
يُكَوِّن جزء من الآخر. ولذلك إعتبر شيشرون الفيلسوف أن لكل أمة إلهها. وطالما أن
اليهود تحت حكم الرومان فعليهم أن يظهروا نوعا من التساهل مع الديانة الرومانية
ولا يهاجموا آلهة روما. وهذا الوضع طبعا إزداد سوءاً بعد خراب أورشليم. وفهم
شيشرون هذا على أنه إنتصار لآلهتهم على هذا الإله الغير المرئى وأن جنس اليهود
إختفى لإحتقارهم آلهة الرومان. وكانت سخرية الرومان من اليهود لاذعة من الختان
الذى رأوه أنه كشريعة لا معنى لها. وهكذا راحة السبت. وكان يحلوا للرومان أن
يسيروا وسط الجيتو اليهودى ليسخروا من اليهود ومن صلواتهم وتسابيحهم يوم السبت.
ومع
كل هذا تجمع اليهود وإنغلقوا على أنفسهم وصاروا أكثر تسامحا مع بعضهم البعض، وإزدادوا
كراهية للآخرين، ورفضوا أن يشاركوا الآخرين الأكل والمعيشة وعلَّموا من ينضم إليهم
كراهية الآلهة الوثنية. وكانوا يطبقون كل قوانين الناموس بلا أى مرونة مما زاد فى
كراهية الرومان لهم حتى أن المؤرخين الرومان حين ذكروا أن طيباريوس نفاهم إلى
سردينيا أغفلوا ذكر هلاكهم من الجو الصعب. ومن الصعب تحديد ميعاد أول يهودى وصل
إلى روما العاصمة. على أن التاريخ يذكر أن بومبى أتى بيهود أسرى وتم بيعهم كعبيد.
وكان العبيد اليهود فى روما مثار مشاكل وبلا فائدة لسادتهم وتمسكوا بعادات أبائهم،
ولم يتكيفوا مع العادات الوثنية لأهل بيت سادتهم. لذلك وجد السادة الرومان أنه لمن
الحكمة أن يطلقوا العبيد اليهود أحرارا أو فى مقابل فدية بسيطة. وكوَّن هؤلاء
العبيد المحررين مجتمعا يهوديا، وأنشأوا مجمع خاص بهم هو مجمع الليبرتينيين
(المحررين) (أع6 : 9). وبدأوا فى تكوين ثروات وبدأوا يتزايدون فكان عددهم حوالى
40000 أيام أغسطس قيصر ووصل العدد إلى 60000 فى أيام طيباريوس قيصر. وكان منهم
تجار ورجال مال ومنهم ممثلين. وفى وسط مدينة كروما مليئة بالإغراءات حاول بعض
اليهود أن يخرجوا من المجتمع اليهودى ويتمثلوا بالرومان، بل حاولوا فى يأس إزالة
علامتهم المميزة فى أجسادهم كرجال.
وبينما
كان الشعب معادى لليهود كان القياصرة على صداقة معهم. ولكن أغسطس قيصر حصرهم فى
جيتو خاص بهم فى روما يعانى من الفقر. وكانت قبورهم تدل على فقرهم وبلا أى علامات
سوى رسومات للمنارة الذهبية. ومع هذا إنتشروا فى روما وصارت لهم مجامع فى كل مكان
وأعطوا لها أسماء أغلبها أسماء رومانية والقليل منها أسماء يهودية. فكان هناك
أسماء للمجامع مثل أغسطس وأغريباس، هذا عن المجامع الكبيرة التى تم إكتشافها، ولكن
كان هناك الكثير الذى لم يكتشف لها أى أثر. وما وجد من أثار على قبورهم كان يعبر
عن فقدان الأمل فى أى أبدية مثلما وُجِد نقش على أحد المقابر "أنا لم أكن
وهكذا أصبحت" وكذلك "أنا كنت والآن أنا غير موجود". وهذا اليأس
ساعد على إنتشار المسيحية بينهم إذ تتكلم عن أبدية مفرحة.
وفى
الحقيقة لم يكن هناك ما يمنع من إنتشار اليهودية فى الدولة الرومانية وفى روما ما
عدا الفترة التى نفاهم فيها طيباريوس قيصر إلى سردينيا، إذ أرسل 4000 منهم
ليحاربوا قطاع الطرق فى سردينيا. بل هم كان لهم إمتيازات إستثنائية، وكان لهم كامل
الحقوق الدينية. وكان مسموحا لهم أن يرسلوا الجزية إلى هيكل أورشليم. وكانت
القوانين تعتبر أن الوالى المحلى الذى ينقل هذه الأموال لمكان آخر غير هيكل
أورشليم أنه يدنس المقدسات [كان لليهود ولاة محليين منهم فى بعض المدن الرومانية].
ولأنهم
لا يسمح لهم دينيا بحمل السلاح يوم السبت أعفوا من الخدمة العسكرية، وأعفوا من
الذهاب للمحاكم يوم السبت وفى أيامهم المقدسة. وفى توزيع أنصبة القمح لو جاء دورهم
فى التوزيع يوم السبت، كان لهم أن يحصلوا على نصيبهم فى اليوم التالى. بل أن حتى
فاسباسيان وتيطس بعده راعوا هذا ليهود روما حتى بعد الحرب الأخيرة وخراب أورشليم.
وكل هذه المميزات كانت لهم بالرغم من إحتجاجات سكان تلك المدن. لذلك كان اليهود
ينتحبون بشدة مع ترانيم عند موت القيصر. وكان ذلك فى تجمعات لعدة أيام حول جثمان
قيصر الذى سيحرق. بل حتى طيباريوس الذى نفاهم كان هذا راجعا لتأثير أحد أصدقائه ثم
توقف هذا الأمر بالنفى. وحتى حين تم تنفيذ أمر النفى لم يمنع هذا وجود بعض اليهود
بحجج مختلفة فى روما. ومع زوال أمر النفى عادوا وكونوا مجتمع يهودى ثانية. ولما
جاء فيلو إلى روما وجد مجتمع كبير من اليهود يساندونه.
الفصل السادس
الحياة السياسية والدينية للشتات اليهودى فى الغرب
إتحادهم فى رجاءهم العظيم فى مجئ المخلص
لم
يتمتع اليهود فى العاصمة روما فقط بحقوق المواطنة، بل كان ذلك أيضا ليهود أسيا
الصغرى. وكان حكام سوريا من السلوكيين قد أعطوا مميزات لليهود فى أماكن كثيرة.
ولذلك حاز اليهود على حقوق مزدوجة :-
1) وضع ومقام المواطن الرومانى.
2) مميزات المواطنة فى أسيا الصغرى.
بل
كان لهم حكومة مدنية ويختاروا هم حكامها بالإستقلال عن حكومة المدن نفسها. وحدث
هذا فى ساردس وأفسس وغيرها وغالبا حدث هذا فى إنطاكية. بل كان لهم حكم ذاتى فى
أماكن كثيرة فيما عدا أيام الإضطهاد. ولكن نشأت لهذا مشاكل كثيرة ظهرت فى تصادم
الحاكم الذى يحكم اليهود مع سلطات الدولة أو حين يعترض اليهود على أحكامه. وتمتع
اليهود بحرية
دينية ومزايا فى الحكم. وتعاطف الحكام معهم وإحترموا هيكل أورشليم ووقروه وأرسلوا
له هدايا، حتى أن أغسطس قيصر فعل نفس الشئ. وأيضا أرسلوا هدايا لمجامع اليهود فى
الولايات الرومانية. وأرسل ملوك مصر من البطالمة هدايا للهيكل. ولكن هذا توقف بعد
الحرب الأخيرة. ويبدو أن الأمم من كل مكان كانوا يزورون الهيكل اليهودى فى
أورشليم، فوضع اليهود حجارة منقوشة من الرخام تحذر الأمم من تجاوز خط محدد وإلا
قتلوا (إكتشف هذا الحجر أخيرا). وهذا مما يدل على كثرة الزائرين. وهذا الوضع
المميز كان لليهود فى إنطاكية عاصمة سوريا. بل كانت حقوق اليهود تنقش على ألواح
نحاسية.
وكانت
إنطاكية هى المدينة الثالثة فى الدولة الرومانية، وكانت مملوءة من اليهود وكانت
مكانا مفضلا لهم. وكان لها مكانا مميزا فى الكنيسة
المسيحية الأولى وفى إنطاكية أولا سُمِّىَ المسيحيين مسيحيين. وقد إعتبر الربيين
إنطاكية أرضا مقدسة. وكان بها مجمع يهودى ضخم. وكانت العلاقات قوية بين أورشليم
وإنطاكية. وكل ما يحدث فى إنطاكية كان تحت سمع وبصر أورشليم. لذلك كان إنتشار
المسيحية فى إنطاكية محل إهتمام أورشليم، وأرسلوا ربيين ليلقوا القبض على المسيحيين
فى إنطاكية. وكان يهود إنطاكية هيللينستيين. ومع كل المميزات التى حصل عليها
اليهود من الحكام، كانت الشعوب الذين يحيون وسطهم يحاولون أن يحرموهم من هذه
الحقوق والحصانات بل حتى من حقوقهم العادية. وكان السبب الأساسى هو التضاد بين
الوثنية والمجامع، بالإضافة لعزلة اليهود عن المجتمع. بل هم حرَّموا أن يلتصق
يهودى بأجنبى أو يدخل معه فى شركة (أع10 : 28). ولكن كان اليهود يفتخرون بناموسهم
وشريعتهم (رو2 : 17 – 24). وإتفق هليل مع فيلو مع وجود الإختلافات بينهم على أن
لليهود التفوق الكامل والمطلق على الجميع.
كل
هذه المميزات لليهود أثارت حسد وغضب بقية المواطنين من الأمم، فلم يستطع اليهود أن
يكسبوا أى نوع من التعاطف مع البلاد التى يحيون فيها. وكانوا يستمتعون بكل
المميزات ولكنهم يحتقرون البلاد التى يحيون فيها، فأثاروا مواطنيهم فى كل مكان.
فتحوصل اليهود فى أحيائهم منعزلين عن الباقين ولكن مترابطين معا ولهم قوانين
مشتركة واحدة تجمعهم ولهم رجاء واحد. تجمعهم فى مكان غربتهم شريعة موسى. وعاش
اليهودى الهيللينستى وسط مجتمع عدائى، غريب وسفيه. ومع كل هذا كانوا يضعون على
يمين مداخل أبوابهم المازوزة (تث4 : 4 – 9 + 11 : 13 – 21). وهى ورقة مطوية كنوع
من البركة للمنزل. ويضعون على أياديهم اليسرى وجباههم التفيلين Tephillin وهذه توضع كحجاب يحفظهم (مت23 : 5 + خر13 : 1 – 10 ، 11 – 16) +
(تث6 : 4 – 9 + 11 : 13 – 21) ويهتموا بأن تكون الـ Tsitsith ظاهرة كشراشيب على أطراف ملابسهم. ولكن هذا لم يكن محتما على كل
يهودى. ولهم دائما مجامعهم. وإذا لم يكن لهم مجمع فى مكان ما، كانوا يجتمعون فى
أرض فضاء أو بجانب نهر أو بحر أو فى مسرح كنوع من إظهار مكانتهم. وكان الأمم
يلاحظون كل ذلك ويلاحظون ترانيمهم وتقديسهم للسبت ويوم الكفارة وصومهم للسبت
وقوانينهم فى الطعام وحجهم فى المواسم المقدسة إلى أورشليم، وترانيمهم التى يبدأون
بها يوم السبت. ووجد كل هذا بعض المتعاطفين مع اليهود. وكان المجمع هو المكان الذى
يجمع اليهود فى كل مكان. وفى كل مكان وفى كل مجمع يجتمعون يوم السبت لقراءة أجزاء
من الناموس وشرحها. وهذه الأجزاء تقرأ فى كل مجامع العالم، وترانيمهم هى نفسها
التى تردد فى هيكل أورشليم.
وكان
أعمق كل إقتناع لهم هو مشاعرهم وحبهم العميق لأورشليم مدينة الله، فرح الأرض كلها،
مجد شعب الله "إن نسيتك يا أورشليم…" ويتفق فى هذا يهود الشرق ويهود
الغرب. الكل ينجذب لتراب أرض الأباء وشعبها ومقابر أبائهم، لا ينسوا هيكلهم
وتسابيح هيكلهم. ويعتقد الجميع أن العبادة الحقيقية لله هى فى هيكل أورشليم كما
إتجه دانيال فى صلاته إلى أورشليم. ومجامعهم وفى صلواتهم يتجهون إلى أورشليم. وفى
مواسمهم المقدسة كالفصح يتجهون لأورشليم (يصعدون) ومعهم عطايا قيمة. وهكذا ذهب
فيلو السكندرى ليقدم صلواته وذبائحه كموفد أو مندوب عن يهود الإسكندرية غير
القادرين على الصعود لأورشليم. وقدر يوسيفوس الحجاج فى أحد الأعياد الكبرى بـ 3
مليون يهودى.
ولكن
أكبر الروابط التى تجمعهم هو رجاءهم الواحد فى مجئ المسيح ليعيد مملكة إسرائيل
ويعود الشتات إلى فلسطين. وكان كل اليهود يصلون فى كل العالم لأجل أن يجمعهم الله
إلى أرضهم ويجمع معهم شتات الأسباط العشرة. وهم فهموا هذا من النبوات التى تتنبأ
بأن الله سيعيدهم من كل أنحاء الكون. وهم فهموا أنهم شجرة زيتون هبت عليها عاصفة
التجارب فإقتلعت أوراقها لتنقيتها وليس لتدميرها. وفهموا أن الإضطهادات ضدهم كانت
لحمايتهم من الإختلاط بالوثنية وبالتالى حمايتهم من الإرتداد للوثنية.
وهم
إعتقدوا أن السماء والأرض يزولان ولكن إسرائيل لا تزول، وأن خلاصهم النهائى سيكون
أروع كثيرا من خلاصهم من مصر. وأن هناك ريح سوف تهب لتجمع كل اليهود من كل العالم
حتى لا يبقى يهودى واحد خارج إسرائيل مهما كان بعيدا عنها. وستكون هناك ترانيم
جديدة تسبح الله بالإضافة للقديم. وستتسع أرض إسرائيل لتشمل الكل بحسب وعد الله
لإبراهيم. وكان هذا سؤال التلاميذ للمسيح (أع1 : 6). وهذه الأفكار وجدت فى
الكتابات التلمودية والكتب الأبوكريفية مثل نبوة أخنوخ ووحى سبلة (Sybil) وإشتملت نبواتهم على أن هذه الأحداث ستحدث متزامنة مع مجئ المسيح
وبناء الهيكل وعودة الشتات. وستأتى ثروة كل الأمم إلى أسرائيل وهيكل أورشليم. وقيل
فى كتبهم "مغبوط هو من سيعيش فى هذه الأيام". وقالوا أن هذا سيحدث حين
يظهر الملك إبن داود ويطهر الأرض من الوثنيين ويبيدهم بكلمة من فمه. ويعطى الأرض
ويقسمها للأسباط ويجمعهم كشعب طاهر ويحكمهم بالعدل ولن يعيش وسطهم غريب.
هناك
وقفة أخرى قبل زمن مجئ المسيح حول كتاب اليوبيل (Jubilees) المنسوب لهذه الفترة، ونجده ينتمى للربيين أكثر منه رؤيوى. وحتى
فى هذا الكتاب نجد فيه إشارة بوضوح للمستقبل المجيد، وأن الله سيجمع اليهود من كل
مكان ويبنى هيكلهم ويقيم وسطهم ويدوم للأبد. وسيرى الله كل إنسان وسيعرف كل واحد
أن الله هو إله إسرائيل وأن إسرائيل بنى يعقوب هم أبناءه. وهو سيكون ملك إسرائيل
للأبد وستكون صهيون وإسرائيل مقدسة.
ولذلك
نتصور حين نسمع هذه اللغة، مدى رفض اليهود للمسيح كونه رجلا متواضعا ومن الناصرة.
وحين كان يدين اليهود وأنه سوف يهدم هيكلهم. فكان هذا لا يتماشى مع أحلامهم
وكبريائهم. وبعد إنتشار الكنيسة وإنكسار اليهود ظلت نفس الأفكار وإزدراء المسيحية
والصليب. بل وجدنا فى كتاب أبوكريفى مثل إزدراس الرابع تعاليم مستمدة من المسيحية
مثل فكرة وراثة الخطية وهذه فكرة غريبة تماما عن الربيين والهيللينيين إستخدمها
الكاتب وهى مستمدة من رسالة رومية ليعبر بها عن سبب خراب الأمة اليهودية. ولكن
أفكاره عن طريق النهوض بالأمة اليهودية لم تخرج عن الفكر اليهودى فى البر الذاتى
وأعمال البر الشخصى.
وهناك
كتاب آخر رؤيوى من هذه الفترة كمحاولة لتفسير خراب إسرائيل وتصور مستقبلهم. وهذا
أيضا نجد فيه صدى لأقوال العهد الجديد. فقال الكتاب أن إبنه الذى إحتفظ به العلى
لفترة طويلة ليخلص الخليقة به، سيظهره فجأة على هيئة إنسان. وسيخرج من فمه ويلات
ونار وعواصف وهذه تعبر عن ويلات الأيام الأخيرة. وسيتجمعوا لمحاربته فيقف على جبل
صهيون والمدينة المقدسة وسيأتى من السماء ويدمر أعداءه. ولكن سيجتمع حوله جمع
مسالم. هؤلاء من الأسباط العشرة وسينفصلوا عن الأمم وسيعينهم الله بمعجزات ويعيدهم
لأرضهم. وهذا الإبن ومن سيصحبه لن يستطيع أحد أن يراه حتى يأتى.
وهذه
الكتابات معظمها لها مسحة هللينيستية وبالذات من فكر فيلو السكندرى. وقالوا أن
مهما كان شأن اليهود قد إنحط وتشردوا فى العالم، فهم سيعودون للفضيلة مما سيجعل
سادتهم يطلقونهم أحرارا. وسيعودون بمعجزات إلهية لبلادهم أينما كانوا وستتحول كل
أراضيهم حتى ما كان منها برية إلى أراضٍ مثمرة. ويستعيدوا مجدهم مع مجئ المسيا.
هذا الرجاء هو ما أعطاهم صبرا فى عبادتهم مثبتين قلوبهم وأفكارهم نحو أورشليم. وأن
هذا الموعود به سوف يأتى ولا يتأخر ويعود لهم مجدهم وبركاتهم.
وكانوا
ينتظرون أخبار مجئ المسيح فى أى لحظة ليعود مجدهم فى كل الأرض من أقصى السموات إلى
أقصائها. وأن المسيح الآن موجود ولكنه سيظهر مع توبة إسرائيل ويخرج من المكان
المختبئ فيه.
الفصل
السابع
اليهود والأمم فى الأرض وعلاقاتهم معا
حائط الإنفصال
حين
تطأ قدما اليهودى أرض إسرائيل فى المواسم المقدسة (الحج) يشعر كأنه إنتقل من
العالم إلى عالم آخر. فالعادات والقوانين والحياة والعلاقات بين البشر تختلف.
فالدين يحكم كل شئ. ما يحكم عقلياتهم وجود الهيكل والشاكيناة (مجد الله الذى يظهر
بين كاروبى تابوت العهد) فى أرضهم. الأفق الروحى لليهودى الأرثوذكسى محدود بأرض
إسرائيل. هى الأرض وكل العالم ما عدا بابل هى خارج الأرض.
كل شئ فيها مقدس حتى لو لم يذكر ذلك، فيكفى أن يقولوا الأرض…إذاً هى الأرض
المقدسة. الأرض ومن يحيا عليها، الكل مقدس. فهم لهم الشريعة وهم أولاد إبراهيم
وصارت لهم كل مميزات إبراهيم. الله خلق العالم كله لمصلحتهم، وظل يُعِّد العالم
لفترة طويلة لهم. وكان الله كمن ينتظر ولادة إبنه – فهم أولاد الله.
ولنتصور
مدى التناقض بين تعاليم السيد المسيح وتصورات اليهود، هؤلاء الذين يحتقرون الأمم
بشدة ويحتقرون طرقهم وأفكارهم. هم يعبدون حرف الناموس، فى بر ذاتى وكبرياء ناشئ عن
أنهم أولاد الأباء المحبوبين من الله. ينتظرون مسيا يتوافق مع أفكارهم. فلما رأوا معجزات
السيد المسيح ذهلوا، ولكن تعاليمه وحياته كانت ضد أحلامهم فى مملكة عظيمة. وهم
قالوا أن التوراة كانت موجودة قبل خلقة العالم بـ 2000 سنة. وأن الله قدم التوراة
للأمم لكنهم رفضوها، وحتى لو تاب الأمم الآن فهم مرائين. وقالوا أن الأباء
البطاركة كان لهم مدارسهم ومنها كانت التقاليد التى إنتقلت إلى شعب إسرائيل. أما
اليهود فهم حتى لو كانت أفعاهم الصالحة قليلة فإن الله سيجمعهم من وسط الشعوب
وسيكونون عظماء فى الأبدية. وسيغفر لهم الله سيئاتهم كما يفعل الإنسان مع صديقه.
وكانت تعاليم الربيين أنهم سيكونون كجسد واحد يتألمون معا وينعمون معا. وبولس
الرسول كان له نفس فكرة الجسد الواحد ولكن بمعنى روحى.
وإعتبر
الربيين أن تفوق إسرائييل راجع للأرض المقدسة، فإشتكوا من أن حدودها صارت ضيقة
عليهم. ولذلك كان بالنسبة لهم تحديد الأرض إلهيا وليس جغرافيا. وإعتبروا أن كل
الأراضى من الفرات هى إسرائيل ومن ضمنها سوريا. وإمتد فكرهم إلى إمتلاك مصر وبابل
وموآب وعمون. ومن هنا نفهم فكرهم حين أرسلوا شاول الطرسوسى ليقبض على مسيحيى
إنطاكية فهم يعتبرونها أرضهم، مع أنها الآن خارج حدودهم. ولقد قسموا الأرض المقدسة
لدرجات عشر فى القداسة، أقدسها الهيكل وآخرها تراب إسرائيل. وذلك حسب شعائر تميز
مكانا عن الآخر. وفى المقابل فإن أى تراب من أى أرض أخرى هو تراب نجس مثل القبور.
وقد
إنتشرت مدنا كثيرة يونانية على الطراز اليونانى، ومدنا بناها هيرودس الكبير مثل
سبسطية فى السامرة وقيصرية فى الغرب. وقام فيلبس ببناء قيصرية فيلبس، وبنى هيرودس
أنتيباس طيبارية. وسكن الأمم هذه المدن وسط إسرائيل وكان لهم قوانينهم الخاصة
كالمدن اليونانية. والسبب فى هذه المدن أن هيرودس كان يعلم مدى عدم شعبيته وسط
اليهود فأحاط نفسه بمدن محصنة مملوءة بالأجانب ليحيطوا بيهود أورشليم من كل جهة.
وأقام فيها هياكل وثنية تكريما لقياصرة روما، وتمتعت هذه المدن بنوع من الحكم
الذاتى. وكان لكل مدينة خليط من العبادات، بل وشجع هيرودس وخلفاءه عبادة
الإمبراطور، ووضع فى هذه الهياكل تماثيل آلهة رومانية ويونانية. وحاول فرض الثقافة
اليونانية. وحتى فى أورشليم أقام مسارح يونانية تقام فيها ألعاب أوليمبية كل 4
سنوات تكريما لأغسطس قيصر. بل وضع بجانب الكرمة الذهبية الضخمة عند مدخل الهيكل
وهى رمز لأسرائيل، وضع نسرا ذهبيا هو رمز روما. وهذا أدى لمؤامرات ضده ولكنها لم
تكن فى عنف الثورة التى قامت حين وضعوا تمثال لكاليجولا فى الهيكل. والتلمود لم
يمنع التواجد فى هذه المسارح بطريقة واضحة لكنه إعتبر هذا جلوس فى مجالس
المستهزئين.
وبالنسبة
لتصوير وعمل تماثيل لطيور أو مخلوقات بحرية…إلخ، فبالرغم من نفور الربيين من كل
ما هو وثنى، كان هناك فى المشناة بعض التسامح فى ذلك. ولكن لم يوجد فى وسط اليهود
فنان يستطيع أن يصور تماثيل. وحين إحتاجوا لعمل تمثال كاليجولا إستعانوا برجل
فينيقى.
هذا
الإحتفار اليهودى للوثنية وضع حاجزا بينهم وبين الأمم. ومع أن اليهود خضعوا للحكم
الرومانى إلا أنهم كانوا يشفون غليلهم منهم خلال الحوارات الأكاديمية التى كان اليهود
يخرجون منها منتصرون على فلاسفتهم. وكان الإمبراطور أنطونيوس يعامل الربيين بتواضع
شديد. وقال الربيين أن روما هى الوحش الرابع فى (دا7) وفى الأيام القادمة حين تصير
أورشليم عاصمة الأرض كلها، ستقدم روما إعتذار عما إقترفته فى حق إسرائيل. فإن كانت
روما سيدة الأرض كلها ستقدم إعتذار لهم فلنتصور ماذا يكون موقف بقية الأمم التى
سترتعد حينئذ. وقالوا لولا أن اليهود فى سيناء قبلوا التوراة لكن الله قد دمر
الأرض كلها. وقالوا أن أى مولود من الوثنيين يولد نجسا، وأن كل عباد الأوثان يجب
قتلهم بالسيف، ووصل بعض المعلمين لقولهم بوجوب سحق رأس الوثنى وسط الثعابين.
ولأن
هذا غير ممكن فقد وضع الربيين قوانين لمنع اليهود من السقوط سهوا فى الوثنية.
وتتلخص التعليمات فى عدم فعل أى شئ مما يفعله الوثنيون فى عبادتهم ولا يعطون أى
مساعدة لوثنى، ولا يكونوا سببا فى سعادة وثنى. وطبقوا هذا بتعصب خطير وصل فى
المشناة لعدم تقديم مساعدة لأم فى حالة ولادتها، أو تقديم طعام لطفلها حتى لا تلد
طفلا وثنيا. وعليهم عدم إنقاذ وثنى من الخطر. وكل يهودى مرتد يجب إلقاءه فى مخاطر
حقيقية، وإن وقع فى مخاطر يجب عدم إنقاذه. وإذا عاد المرتد لليهودية يجب أن يقتل
كتكفير عما فعله وخوفا من إرتداده ثانية. [قصة حدثت:- يهودى لدغته حية، فجاء يهودى
متحول للمسيحية وشفاه بإسم المسيح فرفضوا ورفض هو أيضا]. وقارن مع تعاليم المسيح
لترى بشاعة تعاليمهم فى نور تعاليم المسيح. ورجعت كراهية اليهود للوثنية بالأكثر
لما ينسب للوثنيين من جرائم بشعة. وقالوا أن الوثنية قد لوثت حياتهم ومنازلهم،
فكانوا يخافون من إستضافتهم فى منازلهم أو على موائدهم لئلا يلوثوها. وكانوا لا
يتركوا مواشيهم لرعاتهم ولا يذهبوا لأطبائهم ولا لممرضاتهم ولا يرعون أولادهم.
ويتحاشون التعامل معهم إلا فى الضرورة مثل العمل. ويتحاشون حتى السير فى أماكن
تواجدهم أو مدنهم إذا كان لهم أعياد وثنية. وكانوا لا يجلسون تحت ظل شجرة من
الأشجار المخصصة للعبادة الوثنية، فخشب الشجرة قد تلوث. ولو إستعملوا خشب الشجرة
فى خبيز خبزههم فقد تلوث الخبز وصار نجسا. ولا يشترك يهودى فى بناء مسارحهم ولا
دور عبادتهم أو دور قضائهم. ولا يبيعون لهم منازلهم أو قطعانهم ولا يشترون خبزهم
ولا زيتهم ولا خمرهم.
الفصل الثامن
الكتبة – التقاليد ومصدرها (المشناة والتلمود)
إنجيل المسيح – فجر يوم جديد
الكتبة
هم
من الشخصيات المهمة فى المجتمع اليهودى وموجودين فى كل مكان، فى اليهودية والجليل
ووسط الشتات اليهودى. الكاتب متكلم بإسم الناس وله إحترامه وسط الناس، ويحرك
الجموع كمن له سلطة. يختارونه بوضع يد الربيين فيصير رابى أو رابون. وكانت بداية
هؤلاء الكتبة فى بابل. رابى تعنى سيدى العظيم. يعتبر كلامه أمثال. مملوء معرفة ولا
يهرب منه معنى، معلم للناموس وله إحترامه وتقديره فى المجتمع. ويعامل الكتبة
كنبلاء روحيين وسط شعب جاهل لا يعرفون الناموس وهم قضاة فى الأمور الكنسية. ومع
أنهم يظهرون دائما مع الفريسيين لكنهم ليسوا بالضرورة فريسيين. فالفريسيين لهم صفة
دينية أما الكتبة فهم لهم مركزهم ووظيفتهم المرموقة. ولذلك نجد فى العهد الجديد أن
السيد المسيح يوجه كلامه قائلا "أيها الكتبة والفريسيون المراءون.."
فيميز الكتبة عن الفريسيين. وصار لهم إسم الحاخام (من حكماء). وقيل أن لهم درجة وإحترام
فى العالم الآخر، ولهم تمييز هناك كما لهم هذا الوضع الخاص على الأرض. وكان على كل
الناس أن يقدموا لهم الإحترام. وقالوا إن الملائكة تفرح بكلماتهم والله نفسه
يقدرهم. بل قالوا أنه يجب إحترام كلامهم حتى لو قالوا على شئ
أنه فى اليمين بينما هو فى اليسار.
ومؤسسة
بهذه القوة والنفوذ لا تنشأ بين يوم وليلة. ولكنها بدأت من أيام عزرا ونحميا. ولكن
التاريخ لم يحفظ لنا تفاصيل بدايتها. فنعرف من (عز7 : 6- 12) أن عزرا الكاتب أنه
وضع فى قلبه أن يطلب شريعة الرب، ويعمل بها ويعلمها للشعب. وكان هذا عمل من تبعه
فسجلوا دراساتهم فى كتب المشناة والهالاكاه والهجادة. وفيهم بحوث فى التوراة وما
يجب ملاحظته وما هو التعليم الشفهى للناس.
وعزرا
لم يكمل عمله ولما عاد نحميا فى وصوله الثانى لأرض فلسطين وجد هناك تشويش كبير.
ووجد أهمية أن تكون هناك مؤسسة لها صلاحيات دائمة لمراقبة الأمور الدينية. وأطلق
عليها "المجمع الكبير" وتكون من قادة الأمة ورؤساء الكهنة والشيوخ
والقضاة. وكان الكتبة من هؤلاء الشيوخ والقضاة. وكان لهم نفوذ عظيم. وهم أحاطوا
التوراة والتراث بهالة عظيمة كسور لا يُقترب منه. ومع الوقت إنفرط عقد هذا المجمع
الكبير، ونسمع عن رئيس الكهنة سمعان البار أنه هو من البقية الباقية من هذا
المجمع. وبعد حبريته جاءت أزمنة تجارب شديدة وتركت الدراسات المقدسة والأحكام
لأفراد منفردين. وسجل التاريخ إسم أنتيجونوس من سوشو. وهنا ولأول مرة نقابل إسما
يونانيا وسط السلطات الربية، مع إشارات غامضة لتلاميذه.
وما
بين سمعان البار وأنتيجونوس أتت الفترة المؤلمة من إضطهاد أنطيوخس إبيفانيوس
لليهود. وكان قول سمعان البار أن دوام ثبات الأمة اليهودية يرجع إلى إتباع التوراة
والعبادة وعدم الإشتراك فى صبغ المجتمع بالحياة اليونانية. ونتيجة الإضطهادات نشأت
أفكار وسط الشعب أنه لمن غير المفيد عبادة الله. ورد أنتيجونوس "لا تكونوا من
النوع الذى يعبد الله لأجل المكافأة، ولتكن خشية الله أمام أعينكم".
وجاء
بعد سمعان البار وأنتيجونوس من كان لهم أسماء الثنائيات الخمس وكان آخرهم هليل
وشماى. وهؤلاء كانوا فى فترة هيرودس وأيام المسيح [ثنائيات مثلا كرئيس ونائب رئيس للسنهدريم].
وكانت تعاليمهم
تشير بإحترام
لتعاليم الكتبة الربيين. وملاحظ أنه فى فترة الإضطرابات التى بدأت بإضطهاد أنطيوخس
إبيفانيوس إختفى المجمع الكبير ونفوذ الكتبة. وجاء دور الشيوخ ووظيفتهم الحفاظ على
الدين.
وبدأت
فترة جديدة مع وصول المكابيين للحكم، فعادوا للنفوذ والقوة بتشجيع الحسيديين (أى
الأتقياء وهؤلاء كانوا كحزب قومى فى البلاد وقف فى وجه صبغ الأمة اليهودية بالصبغة
اليونانية). ولكن فى مقابل هؤلاء ظهر معهم الليبراليين أى المتحررين بالنسبة
للإيمان. وهؤلاء الليبراليين أبعدوا المكابيين عن هؤلاء القوميين الحسيديين فعادوا
للإختفاء عن المشهد. وإندمج المتشددين منهم مع المتشددين من الفريسيين. ومع ظهور
الشدائد فى البلاد ظهر حزب القوميين مرة أخرى. وبدلا من الحسيديين ظهر حزبان هما
الفريسيين والصدوقيين. والصدوقيين ظهروا كرد فعل للفريسيين المتشددين، كحزب معتدل
متعاطف مع الميول الأخيرة للمكابيين. وقال يوسيفوس أن هؤلاء الحزبين بدأ ظهورهم من
أيام يوناثان المكابى (160 – 143 ق.م.). ويوناثان صار رئيس كهنة بموافقة السلطة
اليونانية بجانب كونه حاكم علمانى.
أما
المكابيين فى حكمهم فقد جعلوا لأنفسهم كينونة ورياسة وسكوا عملة بإسمهم وجعلوا لهم
حكومة أرستقراطية (يوسيفوس). وإستمر هذا الحال إلى أن وصل للفرقة الكاملة بين
المكابيين والفريسيين أيام يوحنا هركانوس الرابع بين المكابيين. ونشأ هذا الخلاف
برغبة الفريسيين فى أن يترك المكابيين رئاسة الكهنوت ويتفرغوا للحكم. وإنتهى هذا
النزاع بإضطهاد الفريسيين ونزع أى سلطة منهم. ومن الملاحظ أنه فى هذه الفترة صار
للتقليد اليهودى أهمية، وصار للربيين المشاهير فقط الأمور الكنسية الدينية
والتقاليد. وصارت الرياسة التى كانت فى زمان المكابيين الأوائل تسمى "كرسى
قضاء أو محكمة الأسمونيين" الآن تحولت للسنهدريم. لذلك ينسب أصل تلك المؤسسة
لزمان يوحنا هركانوس. وقوة هذا السنهدريم كانت تختلف من وقت إلى آخر. ففى وقت نجد
له قوة مطلقة كما فى زمان حكم الملكة الكسندرا المؤيدة للفريسيين. وفى أحيان أخرى
لا يكون لهم سوى التدخل فى الأمور الدينية. ولكن فى أيام المسيح كان للسنهدريم
قوته الكاملة.
إلا أن السلطات الرومانية حرمت السنهدريم من النظر فى القضايا الكبيرة التى يكون
العقاب فيها بالإعدام، نظرا لشك الرومان فى حيادية وعدل أحكام السنهدريم. وكان ذلك
قبل خراب الهيكل بـ 40 سنة. لذلك لم يستطع السنهدريم أن يحكم على المسيح بالقتل
وذهبوا لبيلاطس ليصدر هو الحكم.
التقاليد
Taditions تقاليد الشيوخ
هذه
التقاليد للأسف كانت ضد شريعة الملكوت الجديدة. ولكن كانت بالنسبة لليهود هى
الرباط الذى يربط الكل. ومفروض بشدة على الكل ليس فقط كمساو للناموس بل ربما أكثر
منه. وإعتبروا
أن التقليد له
أصل إلهى مثل الكتاب المقدس فهو يفسر كلمات الكتاب وله السلطة على ذلك وهو يكمل
الكتاب. ويعطى تطبيقات لأشياء غير موجود شرحها. ووضعوا سورا حول تقاليد الأباء لا
يمكن الإقتراب منه. ويتم تسليمه من القديم للحديث. وهو لا يمكن تغييره، بل يتميز
المعلم اليهودى بأنه لا يحيد عما تسلمه. ولا يستطيع السنهدريم أن ينسخ منه شيئا.
وهذه
الشرائع من التقليد كان لها إسم هالاخاة بمعنى كيف سار الأباء، وعلى الأبناء إتباع
نفس الطريق. وهى إما وصايا الكتاب مباشرة أو مشتقة منه، ويضاف لها عادات صار لها
صفة الشرعية. وهذه التقاليد تدخل فى كل شئ، وتضع قوانين لكل فرض محتمل أو حتى غير
محتمل حتى فى تفاصيل حياة العائلات الخاصة كقيود حديدية ونير لا يمكن الفكاك منه،
وفى الحقيقة لا يحتمل.
ونسج
اليهود أساطير خيالية حول تقاليدهم وأنها من أيام سام وإبراهيم ويعقوب. وأن
إبراهيم إلتزم بها وهكذا من جاء بعده. ونسبوا لموسى تقسيم فرق الكهنوت إلى 8 وجاء
بعده داود وقسمها إلى 24 فرقة. وقالوا إن آدم خلق مختونا وأنه حفظ كل الشرائع
الربية. وأن الله أعطى موسى التوراة على الجبل ومعها التلمود والمشناة والهاجادة،
وهذا ما عرضه الشيوخ وأظهروه بعد ذلك. وقالوا أن موسى أراد أن يكتب كل هذا ولكن
الله منعه لأن الله كان يعلم أن اليهود سيتعرضوا للخضوع لشعوب أخرى، فتأخذ هذه
الشعوب هذه الكتابات المقدسة. وبقيت هذه الكتابات المقدسة مخفية حتى تظل ميزة
لليهود عن الأمم وفاصل بين اليهود والأمم. وزاد الربيين فقالوا أن ما تسلمه موسى
من التقاليد شفويا ولم يكتبه هو فى درجة أسمى مما كتب. وفسروا الآية "قال
الرب لموسى اكتب لنفسك هذه الكلمات.لانني بحسب هذه الكلمات قطعت عهدا معك ومع
اسرائيل" (خر34 : 27) على أن عهد الله مع موسى والشعب كان على ما تسلمه موسى
شفويا وليس المكتوب. ولأن موسى خاف من أن ينسى الناس ما تسلمه شفويا ولم يكتبه
فيتم تحريفه كان يردد المشناة على أسماع هرون وأبناءه والشيوخ، وهم يرددونه لبعضهم
البعض. وقالوا أن هرون سمعها 4 مرات وأن أبنائه سمعوها 3 مرات والشيوخ مرتين
والشعب مرة. ولكن مع الترديد سمعها الشعب 4 مرات. وموسى قبل موته كان يجمع إليه
الجميع ليتأكد أنه ليس هناك من نسى شيئا مما سمعه. وهم جمعوا إلى التوراة نفسها ما
قالوا أن موسى إستلمه شفويا ولم يكتبه، وجمعوا له أيضا تعاليم شيوخهم فيما يسمى
المشناة أو الناموس الثانى. وفصل اليهود بين التوراة (خمسة أسفار موسى) وبين بقية
أسفار الكتاب بما فيها الأنبياء، وجمعوا معها كل التقاليد الشفوية وأطلقوا عليها
الكابالاة والمعنى ما تم إستلامه.
ولقد
تأخر زمنيا كتابة هذه الكتب المسماة الهالاخاة حتى زمن الإمبراطور هادريان (132 –
135 ب.م.) بسبب الصراع بين الفريسيين والصدوقيين. ولكن النسخة المعتمدة لهذه
المجموعة هى من عمل يهودا القديس الذى مات فى نهاية القرن الثانى، وهذه المجموعة
هى ما يعرف بالمشناة.
وتنقسم
المشناة إلى 6 مجموعات:-
1) البركات وتشمل أوقات الصلاة وطرق الصلاة.
والعشور والبكور والسنوات السبتية.
2) ما يختص بالسبت والأعياد.
3) خاص بالخطبة والزواج والطلاق والناذرين
أنفسهم.
4) القوانين الجنائية والشرائع الخاصة بعابدى
الأوثان.
5) خاص بالذبائح والتقدمات وكل ما هو مخصص
لله كأبكار البهائم ونظام الخدمة الصباحية والمسائية ونظام الهيكل.
6) التطهيرات أى ما هو نجس وما هو طاهر من البشر
والبهائم والجماد.
حتى
الآن لم نتكلم سوى عن المشناة. ولكن المشناة لا تمثل سوى جزء بسيط من التقاليد.
وأضيف لها مع الوقت كل المناقشات والشروحات والإضافات على ما ذكر فى المشناة من
تطبيقات أو من خلال المناقشات فى المعاهد الدينية، وجمعت بواسطة السلطات الربية
فيما يسمى التلمود (وهو كتابين). وهى جامعة لما يشبه محاضر جلسات الربيين وإستطراد
لبعض القوانين والحكايات والأساطير وأقوال غريبة بل وخرافات. بل وأقوال فاحشة.
وأقدم التلمودين ينتمى للقرن الرابع الميلادى ويحتوى على ناتج المعاهد الفلسطينية
ويسمى التلمود الأورشليمى أو تلمود أورشليم. والتلمود الثانى أتى بعده بحوالى 100
سنة وهو ناتج عن الدراسة البابلية لذلك يسمى تلمود بابل. وكلا التلمودين مكتوب
بالأرامية. وقطعا لا توجد مقارنة بين العهد الجديد وهذا التلمود. بل ولا نجد فى
أحدهم أى جذور أو أصل للآخر. وعموما كل التقاليد تدقيق فى الشكليات الخارجية دون
الدخول للداخل وهو الأهم بل هو نبع كل التصرفات.
وقوانين
موسى هى قوانين ثابتة، لكن على اليهودى أن يطبقها بحسب التقاليد. ونرى الفرق فى
تعاليم المسيح مع التقاليد اليهودية من (مت15 : 11 ، 18). فتعاليم المسيح تعالج
الداخل بينما التقاليد اليهودية تهتم بطاعة خارجية وهذا هو البر. ولأن الربيين لا
يتكلموا فى اللاهوتيات فهم تناولوا كل ما يخص الله والملائكة والشياطين والإنسان
ومصيره بنوع من التخيل، وخلطوا هذا بما فيه إسرائيل وماضيها ومستقبلها المجيد.
وبجانب ما هو نقى فى كتاباتهم ستجد كم هائل من المتناقضات والكثير من الخرافات
التافهة. والكثير من الأساطير والتخيلات التى تمجد الوطن. بل وتصوروا أن هناك ما
يشبه السنهدريم السماوى، وهذا السنهدريم السماوى يحتاج لمساعدة الربيين الذين على
الأرض. وإختلط فى تعاليمهم الأقوال المعجزية بالتعاليم المضحكة بل وفى جنوح.
ونسبوا للربيين الكبار أعمالا معجزية لتمجيدهم وكأمثلة على ذلك :-
1) هم بكلمة أو بنظرة قادرين أن يقتلوا وأن
يعيدوا للحياة.
2) ذهب أحدهم ليلقى نظرة على قبر الرابى شيجا
(chija) فوجد القبر قد إختفى بصورة إعجازية لأنه لا يستحق أن ينظر إلى
قبره المقدس جدا أمام عيون البشر العادية.
3) قال هذا الرابى أنه لأجله لن يُنسى
الناموس فى إسرائيل.
4) بصلاة هذا الرابى شيجا حدثت عواصف وهطلت
أمطار وتزلزلت الأرض.
5) لو تجمع الأباء كلهم لجعلوا المسيا يظهر
قبل وقته المحدد.
6) عند إلقاء القبض على الرابى ألعازر جعل
هذا الرابى وجه هذا الرسول الذى أتى للقبض عليه ينظر للخلف ثم أعاده صحيحا.
وبصلاته جعل حائط ينفجر ليهرب من تهم كانت ملفقة ضده.
7) إعتاد الرابى يشوع أن يقبل الحجر الذى كان
يجلس عليه الرابى أليعازر ليعلم. وقال أن هذا الحجر كجبل سيناء ومن كان يجلس عليه
كتابوت العهد.
8) وهم أضافوا للتقاليد صفة الوحى وأن لها
سلطة. وقالوا إن من يقرأ التوراة فقط بدون التقاليد فليس له أى ميزة. بل ليس هذا
فقط ، بل على كل واحد أن يدرس كل التقاليد ولا يكتفى بأحدها، فمن درس المدراش ولم
يدرس الهالاخا فهو كرجل قوى جدا ولكنه بلا يدين، ومن درس الهالاخا ولم يعرف شيئا
عن المدراش فهو كرجل ضعيف جدا لكنه له يدين.
لذلك
نقول أن التعاليم المسيحية فى عمقها وروحانيتها هى على النقيض تماما مع تقاليد
الربيين، وهذا يفسر قول المسيح أنه يستحيل وضع الخمر الجديدة فى زقاق قديم وإلا
إنفجر.
وكان
أنه تحت ضغط هذه التقاليد وهؤلاء الكتبة فرغت إسرائيل من الروحانيات بل ومن ناموس
التوراة وحل مكانها تعاليم الربيين. وشابه اليهود الوثنيين فى ضياع كلمة الله
الحقيقية وصار لكل طريقه. وصار العالم فى ظلمة وإنتظر العالم شروق شمس البر.
![]() |
|||
![]() |
|||
من المذود فى بيت لحم إلى المعمودية فى الأردن
الفصل الأول
أورشليم فى زمن حكم هيرودس الملك
حكم هيرودس الأدومى كل أرض اليهودية.
وإمتلأت أورشليم فى أيامه بالقلاع والقصور والأغنياء. وإمتلأت أيضا بالغرباء من كل
الأرض. وكما كان سليمان آخر ملك يملك على كل إسرائيل، هكذا كان هيرودس آخر ملك
يحكم كل إسرائيل (اليهودية والسامرة والجليل). وبعده قسم الرومان مملكته إلى أربعة
أرباع، وصار على كل ربع، رئيس ربع. وكما بنى سليمان الهيكل قام هيرودس بتشييد
الهيكل (الهيكل كان موجودا ولكنه قام بتوسيعه، فأصبح على قدر عظيم من الضخامة
والجمال. فهيرودس هو الذى أعطاه شكله الفخم. وفى أيام خدمة المسيح كان العمل فى الهيكل
قد بدأ من 46 سنة، ولكن العمل فى الهيكل إنتهى سنة 64 م. أى قبل تدميره على يد
تيطس بست سنوات. وكان هذا الهيكل الذى شيده هيرودس هو الأخير إذ أحرقه تيطس
الرومانى سنة 70 م. والهيكل الذى أقامه سليمان كان أصغر كثيرا من الهيكل الذى شيده
هيرودس. فهيكل سليمان كان أشبه بكنيسة ضخمة أما هيكل هيرودس فكان ضخما ورائعا فى
جماله، مكسوا بالرخام المطعم بالذهب. فكان مثيرا للتعجب للغرباء ومدعاة لفخر
اليهود.
ولكن هيرودس بجانب تشييده هيكل الرب فى
أورشليم قام بتشييد هياكل وثنية لآلهة قيصر وكان يزينها بروعة. وكان هذا الملك
متوحش يسفك الدماء كالماء. قتل المئات من الربييين وحكماء اليهود وأمراء
الأسمونيين (المكابيين) وكل من خالفه الرأى فى مذابح بشعة. وغيَّر رئيس الكهنة 6
مرات إلى أن عيَّن رئيس كهنة فاسد تماما. ففقد شعبيته. وكان أن نصحه أحد أصدقاءه
بتشييد الهيكل لإسترضاء اليهود، ولاقت هذه الفكرة إستحسان هيرودس فهو مغرم بتشييد
المدن والقصور الفخمة، وهو أراد إظهار أنه أفضل من الفريسيين والربيين الذين كانوا
يعايرونه بأنه أدومى. وكان يعمل بالهيكل 10000 عامل ولهم 1000 عربة لنقل الأحجار،
وتحت إشراف 1000 كاهن. وقيل أن من لم يرى هيكل أورشليم لم يعرف معنى الجمال. ولكن
كل هذا لم يشفع له حتى عند البسطاء والسذج، وظل مكروها.
كانت أورشليم مبنية على أربعة تلال، وعلى
يمين أورشليم تجد جبل الزيتون، وبالمدينة هناك بركة سلوام. ويحيط بالمدينة العديد
من الشقوق الأرضية والأودية. ويحيط بها سور به 60 برج. وهى مملوءة بالحدائق. وعلى
جبل صهيون تجد الهيكل وبجانب الهيكل يقيم ألاف الكهنة وعائلاتهم. وبجانب الهيكل
أيضا كانت القلعة والقصر القديم الذى أقامه المكابيين، وهناك قلعة أنطونيا التى
يسكنها الحاكم الفعلى لأورشليم وكان فى هذا الوقت هو هيرودس، وفى أيام المسيح كان بيلاطس
البنطى. وكانت قلعة أنطونيا بجانب الحامية الرومانية. أما قصر المكابيين فكان
يسكنه أى ملك آخر. ونزل فيه هيرودس أنتيباس ملك الجليل يوم صلب السيد المسيح، ومن
أنطونيا أرسل بيلاطس الرب يسوع لهيرودس ليحاكمه. وهناك أيضا يوم صلب المسيح كان
قصر حنانيا رئيس الكهنة. وكان القصر قريبا جدا من الهيكل، وأيضا السنهدريم. ومن
هذا المكان نجد طريق الصليب إلى الجلجثة.
وإمتلأ الهيكل بالزوار من كل الجنسيات، من
الهيللينستيين والجليليين ومن الفريسيين والصدوقيين الساخرين منهم، كل بملابسه
المميزة. والأسينيين بملابسهم البيضاء المميزة (هم طائفة من النساك). وكان هناك
الكثير من الكتبة والمعلمين مع تلاميذهم. وكان الكثيرون يأتون للهيكل ليسألوا
المعلمين. وهناك الكثير من المجادلات حول أمور دينية، ويتكلمون حول ماضى إسرائيل
المجيد ويتطلعون لأيام يستعيدون فيها هذا المجد فى المستقبل. وتجد فى الهيكل
الكثير من المجادلات حول مسائل تبدو كألغاز يستعرض بها المعلمون معلوماتهم، وكانت
هذه المجادلات لا تنتهى. ويجئ للهيكل الكثير من الشعب البسيط الذين يأتون للعبادة
وتقديم ذبائحهم وتقدماتهم وإيفاء نذورهم، وهؤلاء كانوا يعاملون بجفاء لأنهم جهلاء.
وكان هناك أيضا دار للأمم وعليهم أن لا يتخطوا حدا معينا وإلا قتلوا. ويوجد
بالهيكل الصيارفة لتغيير العملات من كل أنحاء العالم التى يأتى بها الحجاج إلى
العملة اليهودية، التى يتم التعامل بها فى الهيكل. كما يوجد باعة الحيوانات
والطيور التى تقدم كذبائح. وإمتلأ الهيكل أيضا بالفقراء والشحاذين والمرضى الذين
يأتون طالبين المعونة. وكان عدد سكان أورشليم يقدر فى ذلك الحين بحوالى ربع مليون
نسمة ويتضخم العدد فى المواسم.
كانت مساحة أورشليم تقدر بحوالى acres 300
(الـ acre = تقريبا 4000 متر مربع). وبجانب قصور الأغنياء فهناك أحياء
للفقراء والمحال التجارية التى يباع فيها كل شئ من البضائع الثمينة الغالية
للأغنياء كالعطور الثمينة والأقمشة الفاخرة والذهب والمجوهرات. وهناك ما يحتاجه
الفقراء أيضا. وكان يمكن للفقير أن يعيش فأسعار المعيشة الضرورية فى متناول يده،
بل له الحق فى إلتقاط طعامه من الحقول. وكان هناك أكاديميات للربيين تضم المئات،
ومجامع لكل طائفة (الإسكندريين والقيروانيين…). وأسواق لتجارة كل شئ، والحرفيين،
وباعة جائلين يأتون بالأسماك الطازجة والمملحة من الجليل والمواشى…إلخ. وكانت
مواعيد الأسواق الإثنين والخميس ثم أضيف لها الجمعة فى وقت لاحق. وكان هناك مفتشين
للتفتيش على جودة وصلاحية المأكولات وأوزانها وختمها وتحديد أسعارها.
وأقام
هيرودس مسرح ضخم وإستاد مدرج لهما الطابع اليونانى. وكانت هناك سراديب تحت الأرض
هرب إليها الكثيرون عند سقوط المدينة على يد تيطس سنة 70م. ووجدوا بها ألاف الجثث.
وكان الكهنة يقرعون الطبول لإيقاظ الناس وتنبيههم لمواعيد الصلاة. ومن الهيكل كانت
تخرج أصوات التسابيح بموسيقاها مع رائحة الذبائح والمحرقات. وفى الفصح تجد الألوف
متجهين للهيكل مع خرافهم ليقدمونها ذبيحة فصحية ثم تمتد موائد الفصح.
الفصل
الثانى
التاريخ
الشخصى لهيرودس
عالَمَيْنْ
فى أورشليم – اليونانى واليهودى
مرت على إسرائيل أزمنة مؤلمة فى أيام
نهاية الحكم اليونانى، من فساد رؤساء الكهنة الذين حاولوا صبغ المجتمع اليهودى
بالحضارة اليونانية الوثنية بكل إنحرافاتها الأخلاقية (راجع سفر المكابيين). وكان
رؤساء الكهنة يتولون مراكزهم بالمؤامرات والدسائس والرشاوى لملوك اليونانيين. إلى
أن جاء المكابيين فأحيوا الروح الدينية مرة أخرى بعد أن كانت قد إنطفأت. وهزم
المكابيين الجيوش اليونانية، وجدد يهوذا المكابى الهيكل الذى دنسه أنطيوخس
إبيفانيوس وطهره. وصاروا يحتفلون بهذا اليوم الذى صار عيد التجديد. ولكن للأسف
كانت فكرة يهوذا المكابى أن يتحالف مع الرومان القوة الصاعدة فى ذلك الزمان. فكان
هذا بداية ضعف المكابيين. ودبت الصراعات بين أفراد أسرة المكابيين وأدى التنافس
بينهم لإنهيار دولتهم، وتسببت الصراعات بينهم للتدخل الأجنبى. ودخل بومبى الرومانى
إلى أورشليم وإقتحم الهيكل ولكنه لم يسلب كنوزه. وعيَّن بومبى هركانوس الثانى
رئيسا للكهنة. وبعد هذا صار حكم المكابيين بلا قوة حقيقية. بل أنه لم يستمر حكم
هركانوس الثانى كاملا مع ضعفه بل قَسَّم الحاكم الرومانى جابينيوس مملكة هركانوس
إلى خمسة أقسام كل منها مستقل عن الآخر.
وقبل هذا بحوالى 50 سنة كان آخر ظهور لملك
قوى هو هركانوس الأول الذى أخضع الأدوميين لحكمه. بل وصل الأمر أنه فى نهاية حكم
المكابيين وثق الرومان فى أنتيباتر الأدومى وهو شخصية ماكرة وقوية، وولوه الحكم.
وهذا دخل إلى الحكم بعد صراع على العرش ولكنه دخل بسيف بومبى. وكان الصراع بين
هركانوس الضعيف وأخيه أريستوبولوس القوى. فمال أنتيباتر ناحية الضعيف هركانوس.
وسريعا ما صار هو الحاكم الفعلى وصار هركانوس كالدمية فى يديه. كانت بداية يهوذا
المكابى سنة 166 ق.م. ودخل بومبى إلى أورشليم سنة 63 م. وبعدها بـ 24 سنة ملك
هيرودس الكبير إبن أنتيباتر.
ولم تستقر هذه المملكة التى أسسها بومبى.
فكان أريستوبولوس أخو هركانوس ما زال حيا، وكان أولاده أقوى منه. وبدأوا فى الظهور
بمساعدة الفرس بل وساعدهم على ذلك الإضطرابات والحروب التى نشبت بين الرومان
أنفسهم. ثم هزم قيصر بومبى، وبدا كأن نجم هركانوس وأنتيباتر بدأ يخبو. ولكن جاءت
معونة من قيصر فجأة وهو فى مصر لأنتيباتر وأعطاه ولاية اليهودية كمكافأة وترك
لهركانوس رياسة الكهنوت. وصار أبناء أنتيباتر حكاما. الأكبر كان فاسيليوس على
أورشليم، والأصغر كان هيرودس على الجليل وكان عمره 25 سنة. وأظهر القوة والتصميم،
وكانت هذه صفاته فى سحق حروب الثوار الذين كانوا قد بدأوا فى حروب العصابات وكانوا
غالبا من القوميين. وأصدر هيرودس حكما بإعدام زعيمهم. فإستدعاه السنهدريم لأنه
أعطى لنفسه حقا ليس له وأصدر حكما بالموت ضد إنسان. وذهب هيرودس فى ملابس ملوكية
ومعه حراس أقوياء ومدعم بتأييد الرومان. وفشلت خطط السنهدريم ضده. وإنسحب من
أورشليم ولكنه عاد بجيش كبير لتدمير أورشليم إلا أن والده أنتيباتر أقنعه بعدم فعل
ذلك. وقد عينه قيصر بعد ذلك حاكما على منطقة أكبر.
ومع مقتل قيصر وتولى كاسيوس حكم سوريا كان
يمكن أن يهتز مركز وحكم أنتيباتر وهيرودس، ولكنهم أسدوا خدمات للرومان فثبت
الرومان حكم هيرودس الذى كان قد حصل عليه من قيصر. وقام أحد الثوار بدس السم
لأنتيباتر، ولكن ولديه فاسيليوس وهيرودس أخمدوا الثورة وكل معارضة.
وبعد معركة فيليبى تم وضع العالم الرومانى
فى يدى أنطونيوس وأوكتافيوس. وأخذ أنطونيوس حكم أسيا. وعرف هؤلاء الأدوميون كيف
يكسبونه فعينهم رؤساء ربع على اليهودية. وإذ إنشغل أنطونيوس فى حروب كليوباترا
وأنهك فيها دخل الفرس لأرض اليهودية بمساعدة الثوار المكابيين بقيادة أنتيجونوس
إبن أريستوبولوس. وبالخديعة والخيانة دخل فاسيليوس إلى معسكر الفرس وأُخِذوا كأسرى
فإنتحر فاسيليوس وحُرِم هركانوس من رياسة الكهنوت. وتولى أنتيجونوس لفترة قصيرة
الحكم ورياسة الكهنوت. وكان هيرودس قد حذر أخوه فاسيليوس وهركانوس من الفرس ولم
يستمعوا له. أما هيرودس فقد هرب من أورشليم. وترك عائلته تحت حماية أخيه يوسف فى
القلعة الحصينة ماسادا. وهرب هيرودس إلى العربية ومنها إلى روما ليطلب مساعدة
الرومان. وهناك لم يحصل فقط على تأييد أنطونيوس له بل وأوكتافيوس. وأعلن مجلس الشيوخ
تعيينه ملكا على كل اليهودية، وعمل له أنطونيوس إحتفالا بهذه المناسبة. وعاد
هيرودس ومعه معونة رومانية، وكان أخوه يوسف قد قتل فى ثورة للجليليين. وبمساعدة
الرومان الذين أرسلهم أنطونيوس إستعاد هيرودس كل ما كان له ماعدا أورشليم.
وبينما كان جيشه محاصرا لأورشليم ذهب هو
إلى السامرة ليتزوج مريم الأميرة المكابية الجميلة التى كان قد خطبها منذ خمس
سنوات. وهو كان متزوجا من قبل وأنجب إبنه أنتيباتر. ونتيجة الحصار سقطت أورشليم
وقام بمذبحة رهيبة. وبدأ هيرودس فى قتل كل أمراء عائلة المكابيين بل وقتل الكثيرين
ليتخلص من كل المنافسين. وعين أحد البابليين رئيسا للكهنة. أما ألكسندرا والدة
مريم فقد جعلت بنتها تستعطفه ليعين إبنها أريستوبولوس رئيسا للكهنة. فطلبت منه
مريم أن يعين شقيقها رئيسا للكهنة فعينه وكان فى سن السبعين. وكانت مريم هى الزوجة
الوحيدة من عشر زوجات التى أحبها بشدة وسادت عليه فى جنونه. ولكنه لعلمه بكراهية
المكابيين له دبر مؤامرة لقتل أريستوبولوس أخو مريم غرقا وهو يستحم. وذلك إذ أخبر
بتهليل الشعب له أثناء عيد المظال. وعرفت ألكسندرا بالمؤامرة فأبلغت أنطونيوس عن
طريق كليوباترا التى كانت تكره هيرودس هى الأخرى. فإستدعاه أنطونيوس، وإستطاع
هيرودس أن يكسب موقفه مع أنطونيوس بالرشوة. وأثناء ذهاب هيرودس لأنطونيوس ترك
الحكم لخاله يوسف. وكان يوسف متزوجا من سالومى أخت هيرودس. وفى جنونه وغيرته على
مريم طلب من خاله يوسف أن يقتل مريم فى حالة أن أدانه أنطونيوس حتى لا يتزوجها
غيره. ولسوء الحظ أبلغ يوسف مريم بهذا ليظهر لها كم هى محبوبة. فلما عاد هيرودس
إتهمت سالومى سيئة السمعة، زوجها كبير السن يوسف، بالخيانة مع مريم. وإذ علم
هيرودس بأنه أفشى السر لمريم، تأكد من الخيانة وقتله دون أن يسمع منه.
أصدر أنطونيوس أمرا أن يتنازل هيرودس
لكليوباترا عن أريحا وفينيقية وفلسطية الغنية بمزارع البلسم، ولكن جاءت حرب
أوكتافيوس مع أنطونيوس، وإنهزم أنطونيوس فى معركة إكتيوم أمام أوكتافيوس. ومرة
أخرى تمكن هيرودس من التودد لأوكتافيوس الذى صار أغسطس قيصر. وليثبت ملكه من أى
ثورات قتل هركانوس الثانى بذريعة أنه تآمر مع العرب. ونجح هيرودس مع أغسطس فوسع له
حدوده فضم بيريه شرق الأردن. وقبل أن يذهب هيرودس للقاء أغسطس ترك الحكم لسيموس
وكرر نفس الطلب بقتل مريم فى حال عدم عودته. وأيضا تكرر ما حدث قبلا وأخبر سيموس
مريم بما حدث. ولما عاد فعلت سالومى نفس الشئ. فقتل هيرودس مريم وسيموس دون أن
يسمع لأحدهما. ثم أعدم ألكسندرا أم مريم وإستكمل قتل كل أسرة المكابيين. وبعد ذلك
حول يده ضد عائلته وبدأ فى التآمر ضد أولاده وزوجاته العشر وبدأ يسجن بعضهم ويقتل
البعض. بل قتل 300 من الجنود الذين تشفعوا عنده لكى لا يقتلهم. وتآمر ضده إبنه
أنتيباتر فسجنه، ولأن قتله كان يستلزم تصريحا من أغسطس قيصر، أرسل طلبا بالتصريح
له. ووصلت الموافقة ونفذ حكم الإعدام قبل وفاته هو بخمسة أيام. هذا هو الطاغية
الدموى الذى قتل أطفال بيت لحم الأبرياء.
كان هيرودس مكروها من اليهود كأدومى،
وكرهوا فيه إمتزاج حكمه بالأممية. وكرهوا فيه أفعاله ووحشيته ودمويته. وكان هيرودس
قد أحاط نفسه بحاميات من ألمانيا وتراكيا والعديد من الدول الأوروبية. وفى حياته
لم تكن هناك إمرأة تأمن على شرفها ولا رجل يأمن على حياته. وكان له جيش من
الجواسيس وسط الشعب. وكان يعذب الذين يكرههم عذابا رهيبا لكى يعترفوا وهم أبرياء
بما لم يقترفوه.
ولكن من الناحية الأخرى كان يحترم
القوانين اليهودية ليسترضى اليهود وبنى الهيكل لمصالحتهم. وترك البناء للكهنة ولم
يتدخل فى شئ، ولم يدخل هو للهيكل. ولم يتدخل فى أعمال الكهنوت، ولم تحمل أى مبانى
فى عهده أى علامات وثنية. ولم تحمل أى نقود صورته حتى لا يؤذى مشاعر اليهود. وترك
للسنهدريم حريته ولكن حددها بالأمور الدينية فقط. والغريب أنه حظى بمساندة إثنين
من كبار الربيين ربما لأنهم فضلوا حكمه على ما يمكن أن يأتى بعده فيفرض الرومان
الوصاية عليهم.
وفى فترة حكمه وُجِد المعلمين الكبار هليل
وشماى. وهما مدرستين مختلفتين. وقيل عنهما أن تعاليمهم من السماء كأنها كلمات الله
الحى. بل صار تعليم الناموس بعد هليل هو "تعليم هليل". وكان هليل من
بابل وجاء إلى أورشليم ليتعلم فى أكاديميات أورشليم. وكان يعيش على الكفاف، يعمل
كعامل باليومية ويرسل ثلث دخله لأهله يتعيشوا منه، والباقى يتعيش هو به ويدفع
تكاليف الدراسة. وصار هليل فيما بعد رئيسا للسنهدريم وغالبا كان على رأس من ذهبوا
لهيرودس ليخبروه بأن بيت لحم هى مكان ميلاد المسيح. وهليل هو الذى أرسى وثبت
التقليد. وقال البعض أن تعاليمه تشبه تعاليم المسيح، بل تمادى البعض وقالوا أن
مصدر تعاليم المسيح هو تعاليم هليل. وهليل هو مصدر تعاليم غمالائيل وبالتالى شاول
الطرسوسى أيضا. ويعتبر هليل هو مصلح اليهودية فى عصره، هو لم يحذف شيئا من الماضى،
بل هو كان يرجع الأشياء إلى أصلها.
وكان فى ذلك الزمان عالَمَيْنْ مختلفين
بجانب بعضهما البعض. [1] العالم اليونانى بحضارته اليونانية. فهناك المسرح
والإستاد المدرج. والأجانب يملأون المدينة بتقاليدهم وعاداتهم ولغاتهم. [2] وعلى
الناحية الأخرى العالم اليهودى القديم برجعيته (أو قل العالم المحافظ) ويسيطر عليه
تعاليم هليل وشماى. ويظلل عليه الهيكل والمجامع. وكلا العالمين يطارد أحدهما
الآخر.
وإذا كان لهيرودس جواسيسه، كان للناموس
اليهودى قضاته وشرطته. ولكن هيرودس كان يحكم بوحشية ودكتاتورية، أما السنهدريم
فبتروٍ وميل إلى الرحمة. وكانت اليونانية هى لغة المحاكم والحكم والجند، بل كان
الكثيرين من الشعب يفهمونها ويتكلمون بها أما الشعب العادى فكان يتكلم الأرامية
وكانت هذه لغة المسيح ورسله. أما الهيكل والمجامع فيتكلمون فيها العبرية، وهناك
مترجمين يترجمون للشعب ما يقال بالأرامية وهى اللغة العامية الدارجة. وكان الربيين
يمنعون الكلام بل ولا يشجعون على تعليم اللغة اليونانية. وكان للأورشليميين لهجتهم
الخاصة المميزة وهى أسرع وأسهل. وإختلط العالمين اليونانى واليهودى، بين حياة
التحفظ والتمسك بالوقار وبين التحرر من كل القوانين وبلا حدود. وإنتشر هذا التحرر
بالذات وسط الأغنياء. وكان المسئولين من كبار اليهود ينفقون ببذخ على تعليم الشعب
الإلتزام بالحفاظ على التقاليد والطاعة والإلتزام بها، والعبادة. وكان مصدر هذه
النفقات النذور والعطايا والتقدمات للهيكل، بل رفع الكهنة أسعار كل ما يقدم فى
الهيكل كذبائح ليزداد الدخل. لذلك إنتشر بين الأغنياء أن يساعدوا الفقراء فى شراء
هذه الذبائح. وكانوا يستضيفون الحجاج والغرباء فى بيوتهم الفخمة والمملوءة
بالرفاهية والتسلية. ولأغنياء النساء ملابسهم الغالية ومجوهراتهم ولهم المرايا
(وكانوا لا يستعملونها فى السبت لئلا تغوى المرأة إذا وجدت شعرة بيضاء أن تزيلها
بالملقاط المثبت فى المرآة، تقديسا للسبت). وهؤلاء الأغنياء كانوا يتباهون بأن
يتكلموا اليونانية.
وبينما كان النساء لا مصدر لهم للتعليم
والمعرفة سوى داخل بيوتهن، كان الرجال على إتصال بكل العالم، وللأورشليميين بالذات
أصدقاء فى كل العالم يتبادلون معهم الرسائل فيما يشبه نظام البريد الآن. بل كان
هناك نشرة شبه يومية فيما عدا السبت يقرأون فيها الأخبار السياسية وغيرها.
ومع إنتشار الغنى والبذخ فى أورشليم إنتشر
أيضا الفساد. فإنتشر بين الرجال العبارات الخليعة، وإنتشرت الملابس الخليعة بين
النساء بل والرجال أيضا، وهذا نفس ما قيل بإشعياء النبى "وقال الرب من اجل ان
بنات صهيون يتشامخن ويمشين ممدودات الاعناق وغامزات بعيونهن وخاطرات في مشيهن
ويخشخشن بارجلهن.
يصلع
السيد هامة بنات صهيون ويعري الرب عورتهن. ينزع السيد في ذلك اليوم زينة الخلاخيل
والضفائر والاهلة.
والحلق
والاساور والبراقع.
والعصائب
والسلاسل والمناطق وحناجر الشمامات والاحراز. والخواتم وخزائم الانف. والثياب المزخرفة والعطف والاردية والاكياس. والمرائي
والقمصان والعمائم والازر.
فيكون
عوض الطيب عفونة وعوض المنطقة حبل وعوض الجدائل قرعة وعوض الديباج زنار مسح وعوض
الجمال كي" (إش3 : 16 – 24). وكل هذا يشير للإنحطاط الخلقى الذى عم أورشليم.
وإنتشر بين الأورشليميين الأغنياء الإنفاق
ببذخ وسفه فى ولائم الأفراح التى لا يدعون إليها الفقراء بسبب ملابسهم وهيئتهم.
وكانوا يضعون الطعام فى أطباق غالية الثمن والنبيذ فى أوانى من الكريستال. والطباخ
الذى يخطئ أو يفشل فى شئ يعاقب بشدة، ليظهر المضيف فى هيئة تتناسب مع مركزه.
هذا كان حال المدينة التى إقترب خرابها
كما تنبأ عنها الأنبياء وبكى عليها المسيح. المدينة التى إنتسب لها الأنبياء حتى
لو لم يخرجوا منها. هذه المدينة التى كانت مدينة الله، صارت للفساد واللهو. صار
فرحها فرح العالم، ولذلك لم تفرح بالمسيح الذى أتى إليها ليفرحها، كان موجودا
وسطهم ولم يعرفوه لأنهم أرادوا مسيحا يتفق مع أحلامهم فى المجد العالمى والأفراح
العالمية. ولذلك أيضا لم يكونوا مستعدين لسماع تعاليمه التى تختلف مع حياتهم بل
كانوا مستعدين لسماع أى مُدَّعٍ مخادع أحمق يدعى أنه المسيح، لو كان يرضيهم
بأقواله. لذلك قال الكتاب "إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله … أما الذين
قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله" (يو1 : 11 ، 12)
الفصل
الثالث
بشارة
يوحنا المعمدان
تقديم الذبيحة الصباحية لها قواعدها :-
·
مع فتح أبواب الهيكل يدق الكهنة طبولهم
الفضية ثلاث مرات لإيقاظ المدينة. جاذبة أفكار مقدسة للجميع. وهى تربط بين أورشليم
الحالية مدينة الله، ووعود الله بأوشليم سمائية هذه التى ستظهر سريعا كما أن فجر
يوم جديد قد لاح.
·
وهناك فى الهيكل اللاويين الذين أصابهم
الدور للخدمة مع بعض من عامة الشعب كممثلين عنه فى تقديم العبادة. ومع بدء ظهور
نور الفجر يعطى الكاهن الكبير إشارة بدء طقوس الذبيحة الدائمة.
·
قبل ذلك وعند صياح الديك يستدعى الكاهن
الذى يراقب الطقس لبدء العمل المقدس الذين إغتسلوا إستعدادا للعمل. ولكل يوم هناك
50 كاهنا يعملون فى تقديم الذبيحة.
·
يقسم الكهنة إلى فريقين ومعهم مصابيح
ليفتشوا كل الهيكل ويجتمعون عند مكان إنعقاد السنهدريم.
·
بسبب الحماسة والغيرة وحتى لا تحدث خلافات
يتم تخصيص العمل لكل كاهن بالقرعة.
·
يبدأ العمل عند الفجر بتقليب وإعداد الحطب
للحصول على لهب جديد. ومع نور الفجر تلقى القرعة ثانية لتحديد من سيشترك فى تقديم
الذبيحة. ومن سيدخل للقيام بإعداد فتائل المنارة (قص الفتائل المحترقة والإبقاء
على الفتائل مضيئة). ثم إعداد مذبح البخور.
·
الآن وعند ظهور نور الصباح يُدعى الشعب
الآتى للعبادة للدخول، وإحضار الحمل الذى سيقدم ذبيحة والتأكد من سلامته وأنه بلا
عيب. ويغسلونه بالماء الموجود فى الإناء الذهبى المعد لذلك.
·
يُربط الحمل إلى ناحية المذبح من جهة
الشمال، ناظرا تجاه الغرب لتمثيل مشهد تقديم إسحق ذبيحة.
·
يجتمع الكهنة مع الشعب، ويقف الكاهن الذى
يرش دم الذبيحة من إناء ذهبى على جهتين من المذبح، تحت الخط الأحمر الذى يفصل بين
الذبائح التى تقدم كلها للمذبح والذبائح العادية.
·
وبينما يجرى إعداد الذبيحة تجرى قرعة أخرى
لتحديد الكاهن الذى سيقوم بالدور الأكثر مهابة وقداسة وهو تقديم البخور على مذبح
البخور هذا الذى يمثل قبول الله لصلوات شعبه إسرائيل. هذا العمل هو عمل كهنوتى
شفاعى، وعمل له كرامة كبيرة. وربما لا يأتى الدور والقرعة على الكاهن ليحصل على
هذا الإمتياز سوى مرة واحدة فى حياته. وكانوا يطلقون على من يصيبه الدور فى تقديم
البخور "الغنى" وذلك للإشارة لوعد الله "يعلمون يعقوب احكامك
واسرائيل ناموسك.يضعون بخورا في انفك ومحرقات على مذبحك. بارك يا رب قوته وارتض
بعمل يديه. احطم متون مقاوميه ومبغضيه حتى لا يقوموا" (تث33 ، 10 ، 11).
ويتمتع بين إخوته الكهنة بتقدير عظيم. ويسبق القرعة صلوات للكهنة الذين ستلقى
القرعة بينهم يعلنون فيها إيمانهم وإعترافهم بالنيابة عن إخوتهم المجتمعين.
·
يختار الكاهن الذى وقعت عليه القرعة
لتقديم البخور إثنين من أصدقائه أو أقربائه ليساعدونه فى هذه الخدمة المقدسة. كان
أحدهم يزيل ما تبقى على مذبح البخور من بقايا الخدمة المسائية التى كانت بالأمس ثم
يتراجع للخلف مصليا فى خشوع. حينئذ يتقدم الثانى ويملأ مذبح البخور حتى حافته من
الفحم الجديد المأخوذ من على مذبح المحرقة التى إشتعلت عليها المحرقة. ويقدم صلاته
وينسحب. وحينئذ يصدح صوت الأرغن الذى يصل إلى أقصى أطراف الهيكل لينتبه كل كاهن
وكل متواجد للعبادة، ويقوم كل بدوره. فهذا الجزء من الطقس هو صلب موضوع العبادة.
·
يقف الآن الكاهن المحتفل به الذى وقعت
عليه القرعة لتقديم البخور حاملا المجمرة الذهبية وحده فى القدس، والقدس لا يضيئه
شئ سوى المنارة الذهبية ذات السبع شعب. وعلى يمينه ويساره المنارة ومائدة خبز
الوجوه. وأمامه على مذبح البخور الفحم المشتعل.
·
ينتظر الكاهن داخل القدس حتى تأتى علامة
متفق عليها ليضع البخور وينشره على مذبح البخور. ويقف الشعب فى الخارج مع الكهنة
مقدمين عبادتهم وصلواتهم فى صمت وخشوع، طالبين الرحمة والخلاص الموعود به.
والبركات والسلام من قبل الله. ويرون أن صلواتهم تصعد للسماء مع سحابة البخور
المتصاعد من على المذبح. وبعد أن يقدم الكاهن البخور يقدم عبادته وصلواته ناظرا
لسحابة البخور أمامه ثم ينسحب خارجا من القدس ليقف ويبارك الشعب بالبركة الكهنوتية
"يباركك الرب ويحرسك. يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك
ويمنحك سلاما" (عد6
: 24 – 26).
ملحوظة:-
كان داود قد قسم فرق الكهنة إلى 24 فرقة. ولكن بعد العودة من السبى لم يستطع
كثيرين من الكهنة تحديد فرقهم، إذ لم يعد من بابل سوى 3 أو 4 من الفرق القديمة.
فكان أن إحتفظوا بأسماء الفرق كما قسمها داود وقاموا بتقسيم الكهنة الموجودين
الذين عادوا من بابل على الفرق الـ 24 .
وفى هذا الصباح جاءت القرعة لتقديم البخور
لأول مرة فى حياته وهو فى سن الستون، على زكريا الكاهن المشهور بورعه وسط الهيكل.
وهو كان يعلم أن هذا التميز عن طريق القرعة إنما هو إختيار إلهى. وكان اللاويين
يتقاعدون عند سن معينة، أما الكهنة فلا يتوقفون عن الخدمة إلا لسبب صحى أو عجز
يمنعهم عن أداء دورهم. وكان له كرامة مضاعفة إذ هو كاهن ومتزوج من إبنة كاهن. وكان
أمام الله والجميع بلا لوم.
كان المعلمين الربيين القدامى مثل هليل
وغمالائيل على النقيض من الربيين الموجودين أيام زكريا الكاهن. فالحاليين كانوا
متعصبين فى سطحية ومظهرية بلا روحانية، يمجدوا أنفسهم. يهتمون بطريقة مشيتهم
وملابسهم بثقة فى النفس، مختلفين فى أصواتهم وصلواتهم التى يظهرون بها عظمتهم أمام
الناس والملائكة، محدثين ثراء. ولنا أن نستنتج أن زكريا الكاهن المنعزل عنهم فى
المكان فهو لا يسكن أريحا أو بجوار الهيكل، بل هو فى قرية بجانب مرتفعات يهوذا.
ومنفصل عنهم فى الصفات، فهو رجل عبادة، نقى تجاه الله والناس لايهين أحدا أو يجرح
أحد بكلمة. له رجاء فى خلاص إسرائيل. ومن المؤكد أنه كان هناك الكثيرين أمثاله فى
إسرائيل. وكانت مشكلة زكريا الوحيدة أنه بلا نسل وهى موضوع يؤلمه هو وأليصابات
زوجته. وبينما كانت تعاليم الربيين تعطيه الحق فى الطلاق والزواج من أخرى إلا أنه
إلتزم بقول الله على فم ملاخى النبى (ملا2 : 12 – 16) وفيه يتكلم الله ويحذر من
الغدر بإمرأة شباب الرجل، وأن الله يكره الطلاق" فلم يفعل بل إنتظر الرب
العمر كله. وفى هذا اليوم قطعا لم يكن يشغله سوى الخدمة التى وقعت القرعة عليه
ليقوم بها، ليقوم بها على الوجه الأكمل. وقام زكريا الكاهن بدوره وقدم البخور
وبينما كان يستعد للخروج وهو يصلى صلواته قبل أن يخرج. ظهر له منظر عجيب جعله يقف
مكانه. إذ رأى الملاك غبريال (ومعنى إسمه قوة الله). ولم يحدث فى التاريخ أن حدثت
ظهورات سماوية لكاهن عادى وهو فى القدس. كانت هذه هى المرة الأولى. ربما حدث هذا
كما يسجل التاريخ مع إثنين من رؤساء الكهنة، وحدث هذا يوم الكفارة بينما هم داخل
قدس الأقداس. وبينما هو مأخوذ برهبة الموقف أخذ الملاك يذكره بصلواته القديمة
وتضرعاته ليرزقه الله بولد. وأن الله إستجاب لها أخيرا، وكان هذا ليهدأ ويخرج من
خوفه، ثم يستمع من الملاك عن عظمة هذا الإبن الموعود به. ولكن زكريا عوضا عن أن
يبتهج ويفرح روحيا أولا بأخبار مجئ المسيا وأن إبنه الموعود به سيكون عظيما ويعد
الطريق للمسيا. وسيكون سبب فرح لكثيرين وليس للعائلة فقط. وبينما كان من المفروض
أن يفرح بهذه الأرسالية السماوية، أبدى عدم إيمانه وتصديقه لما سمعه. إذ أـطفأت
مشاعر الفرح الروحى عنده مشاعره الطبيعية وأحزانه بسبب مشاكله الخاصة. [البذور
نزلت فى أرض بها أشواك هموم هذا العالم]. وسأل زكريا "كيف أعلم هذا"
وكانت العلامة له وللشعب المنتظر ولأليصابات زوجته. ولكنها كانت عقوبة له أيضا إذ
لم يصدق. ولكن سؤال زكريا "كيف أعلم هذا" كان يحمل أيضا نوعا من الرجاء
والإيمان. وكان الشعب يتشاءم ويرتعب إذا تأخر الكاهن عن الخروج من القدس بعد أن
يقدم البخور. وتأخر زكريا وحينما خرج ليبارك الشعب بالبركة الكهنوتية لم يستطع
الكلام، وفهم الشعب أنه رأى رؤيا.
لماذا لم يتهم اليهود زكريا بإختلاق
القصة؟
من يختلق قصة مثل هذه فهو يريد الشهرة وسط
الناس. ولكى يصدقه الناس فعليه أن يقول لهم ما يتوافق مع أفكارهم ومعتقداتهم
ليصدقوه. ولكن قصة زكريا كانت ضد هذا فضلا عن الصمت الذى حدث له :-
1. هو
فى نظر المعلمين والدارسين قروى ساذج غير دارس للناموس. ولكننا هنا نجد زكريا
يتكلم فى أمور لا يفهمها سوى الدارسين، فهو يتكلم عن المسيا والسابق للمسيا الذى
يعد الطريق له. والبسطاء والعامة يخافون أن يقتربوا فى أحاديثهم عن كل ما يخص
الله. فهل يكذب زكريا فيما يخص الله؟
2. هذه
رؤيا غير مسبوقة فى التاريخ. فلم يذكر التاريخ أن كاهن عادى رأى رؤيا وهو فى
القدس.
3. لم
يكن أحد من الربيين أو الدارسين يتوقع حدوث رؤيا فى ذلك الوقت.
4. يعتقد
اليهود أن الملاك غبريال أقل درجة من الملاك ميخائيل. وأن الملاك ميخائيل يقف عن
يمين المذبح بينما الملاك غبريال يقف عن يساره. أما زكريا فى قصته يقول أنه رأى
الملاك غبريال عن يمين المذبح. وهذا ضد معتقدات اليهود.
5. اليهود
يعرفون أن إيليا لم يمت وأنه موجود ولكنه مختفى، وأن ظهوره يكون إعلانا عن مجئ
المسيا. ولا يعرفون سابقا للمسيا غير إيليا. وهنا نجد أن زكريا يقول أن إبنه
الموعود به سيكون هو السابق للمسيا ليعد الطريق له. وهذا ضد إعتقاد اليهود.
الفصل
الرابع
البشارة
بالمسيح – وميلاد السابق
من الهيكل إلى الجليل
كان من المناسب جدا أن تبدأ قصة ميلاد
المسيح من الهيكل أثناء تقديم الذبيحة، والعمل الكهنوتى. وبهذا يرتبط الإنجيل
بالتدبير الإلهى ووعود الله فى العهد القديم. فعند المذبح ومع عمل الكهنوت ممثلا
فى زكريا الكاهن بدأ عصر تنفيذ وعود الله لشعبه. وهذا حدث من قبل أن تجديد وإصلاح
شعب الله بدأ فى خيمة الإجتماع على يد صموئيل النبى. وكما ترك الله رئيس الكهنة
عالى وكلم صموئيل الطفل، ترك الله الربيين والعلماءالمتكبرين، وتكلم مع كاهن قروى
بسيط. وإذا ما إتجهنا من الهيكل إلى الناصرة – الهيكل حيث الكاهن البسيط
الذى إختاره الله ليبدأ به الإنجيل، تاركا مدارس الربيين وأكاديمياتهم – إلى الناصرة
حيث العائلة المقدسة البسيطة المتواضعة، يتسع الفارق جدا بين الإنجيل وطريق
الربيين. فهؤلاء الربيين كانوا يحتقرون الجليليين ويزدرونهم هم ولهجتهم العامية.
ولنا أن نتصور كيف كانت نظرتهم لهذه العائلة الموجودة فى الجليل. هذه التى بلا نسب
معروف. لم يتصور أحد من الربييين المعاصرين أن يكون تحقيق الخلاص بدايته من فتاة
صغيرة عذراء مخطوبة لنجار بسيط، بل الفكرة مرفوضة وينفروا منها. ونلاحظ أن ندرة
المعلومات عن حياة المسيح الشخصية أو العائلة المقدسة التى وردت فى الإنجيل كان
مقصودا ليكون التركيز على تنفيذ وعود الله فى العهد القديم فى إقامة مملكة الله
على الأرض.
كان وادى يزرعيل الخصب يقسم الجليل عن
باقى أرض فلسطين. وكان وادى يزرعيل هذا أرض معارك وحروب. وهناك فى الجليل عدة تلال
وعلى سفح أحدها توجد المدينة الصغيرة الناصرة. وكانت الناصرة تتبع سبط زبولون
عندما قسم يشوع الأرض بين الأسباط. وعندما تصعد هذه التلال ستجد أرضا خصبة مثمرة
مليئة بالورود بروائحها العطرة. وهكذا كانت الجليل أرضا خصبة ومركز كل صناعة
معروفة حينئذ. وإلى الشمال تجد جبل حرمون. وناحية الغرب تجد أراض غنية وفى الأفق
تجد جبل الكرمل، وبعده البحر المتوسط وبه موانئ للتجارة. أما على الشرق فهناك جبل
طابور. ويربط بين كل هذا طرق للتجارة. أما عن الناصرة فهى ترقد هادئة فى حضن هذه
الجبال، هى مكان رائع للتأمل والهدوء. وعلى البعد يحيط بالناصرة المدن الكبيرة
التى تستضيف المسافرين فيها. ويوجد بهذه الأراضى أشجار التين والنخيل والبرتقال
والمراعى. ولم تكن الناصرة مدينة منعزلة تماما بل يمر من خلالها طرق القوافل من
عكا إلى دمشق، وإلى بحيرة جنيسارات. وفى الناصرة يلتقى الرجال ويتبادلون الأفكار
والأمال. وفى الناصرة يجتمع الكهنة المتجهين إلى أورشليم عندما يصيبهم الدور
للخدمة فى الهيكل (كان الكهنة مقسمين إلى 24 فرقة ويذهب كل فريق مرتين فى السنة
للخدمة فى الهيكل ثم يعود لمنزله الريفى). وكان الكهنة يتجمعون فى مدينة متفق
عليها، ويقضون مدة أسبوع فى خلوة للصوم والصلاة قبل أن ينطلقوا معا إلى أورشليم.
وكانت الناصرة واحدة من مراكز تجمع الكهنة قبل السفر لأورشليم. ومع أن الناصرة
كانت بعيدة عن أورشليم، إلا أن إختيارها كمركز لتجمع الكهنة كان له تأثير دينى
كبير على أهل الناصرة. إذ كان الكهنة يشتركون فى مجامع الناصرة فى فترة وجودهم
فيها، وكان أهل الناصرة يلاحظون صلواتهم وأصوامهم. بل إجتمع فى الناصرة التجار مع
الكهنة.
وكان أهل الناصرة مثل باقى المدن الصغيرة
تلقائيين، عفويين، ذو دم حار وشجعان. هم متحررين عن التزمت الفريسى لكن لهم الشكل والقالب
اليهودى، وهكذا كان حال الجليليين. وحياتهم فى بيوتهم أنقى مما كانت عليه بيوت
وعائلات أورشليم. ولم تكن كلماتهم وعباراتهم خارجة كما يحدث فى أورشليم. وأفراحهم
كانت بسيطة وليست فى بذخ وسفه أفراح الأورشليميين. وكانوا يعطون للأرملة الحق فى
الحياة فى بيت زوجها. هذه هى البيئة التى أخذ يوسف النجار العذراء مريم خطيبته
لتعيش فيها.
كان يوسف والعذراء مريم كلاهما من بيت
داود. وكان هناك قرابة للعذراء مريم مع أليصابات (من قرابة بين والدة العذراء
ووالد أليصابات). ويتضح فقر العائلة من التقدمات التى قدموها فى الهيكل، وبالتالى
نفهم أن إحتفال الخطبة ومهر العروس كانا فى أضيق الحدود. والخطبة كانت إما بتعهد
شفوى أو كتابة فى حضور شهود. ثم تتلى كلمات البركة على كأس من النبيذ وهى
"مبارك أنت يا رب إله إسرائيل وملك كل العالم، الذى قدستنا بوصاياك ومنعتنا
عن زنا المحارم. وسمحت لنا بأفراح الخطبة والزواج، مبارك أنت يا رب إله
إسرائيل". ويتذوق كلا الخطيبين من كأس النبيذ. وبهذا تصبح الآن العذراء مريم
إجتماعيا كزوجة ليوسف النجار (هذا النظام شبيه بنظام كتب الكتاب عند الإخوة
المسلمين). وهذه العلاقة تنفصم بورقة طلاق رسمية. وعادة ينقضى عدة أشهر بين الخطبة
والزواج (وهو ما يسمى عند الإخوة المسلمين بالدخلة).
ويظهر الملاك غبريال للعذراء مريم فى بيت
يوسف النجار المتواضع فى الناصرة ليبشرها بالميلاد العجيب ويعطيها علامة لتأكيد
بشارته، بأن نسيبتها أليصابات فى شهرها السادس بينما كنت عاقرا فتسرع لخدمتها.
وكانوا عند ختان الطفل وقبل الختان يتلون
كلمات البركة على كأس من النبيذ "يا رب إله أبائنا أقم هذا الطفل لأبويه
وإجعل إسمه فى إسرائيل زكريا بن زكريا وليفرح به أبواه كما فى (أم23 : 25 + حز16 :
6 وكلمات أخرى من البركة مأخوذة من الكتاب) ولينمو الطفل ملتزما بالتوراة ومطيعا
لوصايا الله".
وعند ختان الطفل فوجئ الحاضرين أن
أليصابات قاطعت من يتلو البركة وقالت بل يدعى الطفل يوحنا. وهنا إنفكت عقدة لسان
زكريا وأمَّن على كلام زوجته أليصابات بأن يكون إسم الطفل يوحنا.
الفصل
الخامس
ماذا كانت توقعات اليهود عن المسيا
الآتى
حقق المسيح كل النبوات الخاصة به فى العهد
القديم. ولكن كان لليهود أفكارهم الخاصة وتفسيراتهم المختلفة للنبوات فكانت
توقعاتهم لشخص المسيا تختلف كثيرا عن مسيح الناصرة كما عرفه المسيحيون. يشبه هذا
ببعض الحروف حين تجمعها بشكل ما تخرج جملة معينة وحين تجمعها بشكل مختلف تخرج جملة
أخرى. لذلك إختلف فهم الربيين فى مجامع اليهود للنبوات عن فهم المسيحيين لنفس
النبوات بحسب إيمان ورجاء المسيحيين فى شخص المسيح.
[1] العهد القديم هو
وحدة عضوية وهو صورة نبوية مهيبة، لا تنفصل فيها الأحداث التاريخية والشرائع
والطقوس والتوقعات والنبوات عن بعضها. فيه يعلن الله عن نفسه كإله محب لخليقته
التى هى مملكة الله على الأرض. ونرى كرم الله نحو خليقته. وهذه المملكة تؤسس فى
المسيح. ونلمح علاقتين أساسيتين هما علاقة الله تجاه الإنسان (الله هو الأب) –
وعلاقة الإنسان تجاه الله (الإنسان هو العبد). وبجمع الفكرتين نجد تعبير الإبن-العبد.
وفهم اليهود وتوقعوا أن المسيا المنتظر سيعطى سيادة كاملة للبشر على الخطية وفهموا
هذا من "هو يسحق رأسك" (تك3 : 15). والوجود السابق للمسيا الذى يؤسس
مملكة الله على الأرض هو الإبن- العبد، هذا ما أشار له السيد بقوله "قبل أن
يكون إبراهيم أنا كائن" (يو8 : 56).
وبدأ تأسيس مملكة المسيح مع إبراهيم
"أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى يومى وفرح" (يو8 : 56). وكل ما
جاء بعد إبراهيم كان له وجهين أحدهما سماوى وهو الإبن – والآخر أرضى وهو العبد.
وإسرائيل كان إبن الله البكر ، وإسرائيل
هم عائلة الله وأهل بيته. وهم أيضا عبد الرب كما قيل "عبدى يعقوب" وفهم
إسرائيل أنهم هم ليسوا فقط عبد الله بل هم الإبن- العبد – الممسوح أى المخصص لخدمة
معينة. وتبلورت الفكرة فى ثلاث محاور أو مؤسسات. عبد الرب فى علاقته مع
التاريخ هو مملكة إسرائيل. وعبد الرب فى علاقته مع الطقوس هو الكهنوت. وعبد الرب
فى علاقته مع التوقعات هو النبوات.
ولم يقدم المسيا كشئ منفصل أو شئ مضاف إلى
العهد القديم. بل كل شئ التاريخ والتوقعات الكل يشير إليه. فهو نموذج الإسرائيلى،
لا بل هو نموذج لإسرائيل نفسها، التاج أو ممثل لإسرائيل نفسها. هو إبن الله وهو
عبد الرب. وهو ممسوح ليس بزيت إنما بروح يهوه نفسه الذى يحل عليه، وهو الإبن بشكل
مميز. وعن علاقته العضوية مع إسرائيل فهو نسل إبراهيم وهو نسل داود. ولكن إسرائيل
خاضعة له "يا إبنى أنا اليوم ولدتك". ونرى ذلك فى فهم الإنجيليين فى
أنهم طبقوا ما يقال عن إسرائيل على المسيح مثل "من مصر دعوت إبنى".
وهكذا نرى أن نبوات إشعياء عن عبد الرب تنطبق على المسيح، وفيه كممثل لإسرائيل
يجتمع وظائف النبى والملك والكاهن. وهو أيضا الإبن والعبد. وفيه نرى التطبيق
المثالى لوظيفة إسرائيل التى كان من المفروض أن تقوم بها، وأنها تؤسس مملكة الله
وسط البشر.
وهكذا جاء المسيح ليؤسس مملكة الله على
الأرض، جاء كعبد الرب، جاء الممسوح ليعزى البشرية، كصديق للخطاة، مصالحا الكل أمم
ويهود، أتى بالخلاص الأبدى. وبهذا إنتهت وظيفة إسرائيل. وقد سمح الله نتيجة
لخطيتها أن تذهب لسبى بابل، وكان هذا لتقترب هذه المملكة من ممالك العالم. فلم يكن
سبى بابل عقوبة فقط لليهود، فالله كان يؤدبهم ولكن من ناحية أخرى كان الله يعلم
الشعوب الأخرى التى عاشوا وسطها شيئا عن مملكة الله.
[2] فهم اليهود أن
كل معجزات العهد القديم وخلاصهم سابقا سيحققها المسيح المنتظر وبصورة أوسع، وأن كل
الماضى كان مجرد رمز لما سوف يحدث فى أيام المسيا. وقال التلمود أن كل النبوات
تنصب على هذا المسيا، وأن كل الأحداث فى الماضى هى صورة لمرآة للبركات التى سيحصل
عليها إسرائيل فى كل العالم فى المستقبل، وقال التلمود أن العالم قد خلق فقط
للمسيا. وأخرج الربيين القدماء من العهد القديم 456 نبوة عن المسيح [75 من أسفار
موسى و 243 من النبوات و 138 من بقية الكتب] وهم يضعوا هذه النبوات عن العصر
المسيانى المجيد لإسرائيل كنجوم تتلألأ فى أيامهم المظلمة وهم مشتتين فى الأرض.
ولكن وسط بريق هذه التخيلات والأوهام المادية لمملكة المسيا على الأرض التى
سيؤسسها لإسرائيل، إختفت تماما أى عناصر روحية. فقط دراسة الناموس والأعمال
الصالحة وإنتظار رجوع إسرائيل وإستعادة الأمجاد. وعمل المسيح الأساسى هو رجوعهم.
عمل المسيا فى نظرهم هو رفعة إسرائيل مفضلين هذا عن خلاص العالم. بل نجد أن تصور
الربيين عن مركز إسرائيل فى الأيام الأخيرة لهو تصورات غير عقلانية. هم لا توجد
لديهم أى أفكار أو تصورات عن المسيح المخلص الذى يعمل على خلاص البشرية وتسديد
إحتياجاتها وفى هذا يعمل ما لم تقوم به إسرائيل من وظيفة أساسية أرادها الله منها
بوجودها وسط شعوب العالم، بل هم لهم موقف مناقض لذلك تماما. لذلك حدث التصادم بين
الربيين وبين المسيح. ولم نرى فى تعاليم المسيح إلا نادرا من توقعات الربيين عن
مملكة الله. بل نجد أن المسيح فصل نفسه تماما عن الأفكار التى كانت سائدة فى عصره،
لذلك لم يعتبره الربيين أنه المسيا المنتظر، أو أن مصادره مجهولة.
[3] ومع هذا فلأن
أفكار الربيين مستمدة من العهد القديم، نجد أن الكثير من إقتباسات العهد الجديد عن
المسيح ولا عجب مدعمة بأفكار الربيين عنه. فمثلا قالوا عن المسيح أنه موجود قبل
العالم، وأنه أسمى من موسى ومن الملائكة، وأنه سيعامل بوحشية وإستهزاء ويموت موتا
عنيفا ويكون ذلك من أجل شعبه الموجود والذين سبق وإنتقلوا، وأنه سيفدى إسرائيل
ويعيدها. وأن الأمم سيقاومونه ولكنهم سيؤمنون به. وتكلم الربيين عن بركات الأيام
الأخيرة ومملكته. ولكن تسود تعاليمهم الأراء المتضاربة وغير الممكن تفسيرها. بل
نجد فى بعض تعاليمهم إشارات لألام المسيا بل وموته وذلك لأجل خطايانا، وإستندوا فى
هذا إلى (إش53) وغيره من نبوات. ولكنهم قالوا أن المسيا سيأخذ هذا على عاتقه لصالح
شعب إسرائيل الأحياء منهم ومن ماتوا ومن لم يولدوا بعد. وبهذا يتصالح الله مع شعبه
إسرائيل ويطرح الشيطان فى الجحيم. ولكن يظل غامضا فى مفهومهم عمل المسيح كحامل
لخطايا البشر كنائب عن البشر. كما غاب عن فهمهم موضوع الخطية الأصلية وطبيعتنا
الخاطئة. هم تكلموا عن خطية آدم ولكنهم لم يفهموا أن طبيعتنا الخاطئة إحتاجت لفداء
المسيح آدم الأخير الذى إستعاد ما فقده آدم الأول.
ونسبوا
سقوط آدم لحسد الملائكة. وكان ذلك قبل سقوط بعض الملائكة. ولقد أسقط الله الملائكة
الذين أفسدوا الإنسان. ولم يكن هناك ملائكة ساقطين قبل سقوط آدم. وقالوا أن
الملائكة حاولوا عبثا منع خلقة الإنسان، فلما فشلوا تآمروا لإسقاط الإنسان
لتدميره. وأن هناك ملاك يسمى صمائيل ذو رتبة عالية جدا، وتبعه ملائكته وقاموا
بالمؤامرة ضد آدم، وكانت الآداة المستخدمة هى الحية. ونتيجة الخطية الأولى كانت
إنسحاب الشاكيناه من الأرض إلى السماء الأولى. ومع الخطايا التى تبعت ذلك إنسحبت
الشاكيناه إلى السماء السابعة. ولكن الأعمال الصالحة لرجال الله بدءاً من إبراهيم
وحتى موسى أعادت الشاكيناة إلى الأرض (الضوء السماوى الذى كان يظهر فوق تابوت
العهد).
وقالوا أن آدم خسر بالخطية 6 أشياء
وسيعيدها المسيا :- هيئته المشرقة وبهاءه حتى أن كعبه كان كالشمس، وحجم جسده
العملاق الذى كان كالمسافة من الشرق إلى الغرب أو من السماء للأرض، ثمار الأرض
الرائعة وكل الأشجار المثمرة، والنور الذى يشمل كل شئ وأخيرا حياته الأبدية فبغير
الخطية ما كان له أن يموت وهذا مثل أخنوخ وإيليا. وإنطبق مصير آدم فى الموت على كل
نسله وفقد كل نسله كمالهم. وفهم البعض أن الموت ليس فقط بسبب خطية آدم ولكن أيضا
بسبب خطايانا الشخصية وإعتمدوا على قول الكتاب فى (حز18) أن الإبن ليس مسئولا عن
خطية أبيه. وفهم البعض العكس أن خطية آدم جلبت الموت وفهموا هذا من قول الكتاب
"الله يفتقد ذنوب الأباء فى الأبناء".
وقالوا إن ملاك الموت لم يكن له سلطان
مطلق على هؤلاء الستة – إبراهيم وإسحق ويعقوب – وموسى وهارون ومريم. وكان هناك وقت
حين عرض الله الناموس على الأمم فرفضوا الخضوع له، فعرضه على اليهود فى سيناء
فقبلوه فتحرروا من الموت وكان من المفرض أن لا يموتوا بل صاروا كالملائكة بل وأعلى
من الملائكة. وصاروا أبناء الله. وفهموا هذا من قول المزمور "أنا قلت أنكم
آلهة وبنو العلى تدعون" (مز82 : 6). ولكنهم خسروا كل هذا بعد خطية العجل
الذهبى. وقال التلمود أن إسرائيل لو لم تسقط فى خطية العجل الذهبى لإستمروا فى
الحالة الملائكية ولتوقف اليهود عند هذا الجيل (توقف الموت وتوقف النسل).
وقال معلمى اليهود أن الإنسان مخلوق وله
ميل للشر وميل للخير والصلاح. ويبدأ الميل للشر مع الإنسان من بدايته. أما الميل
للخير فهو يأتى بالتدريج مع الزمن. وكان لا بد من وجود الميل للشر حتى يستمر
العالم. وقال التلمود أن الله هو الذى خلق هذا الميل للشر فى الإنسان، ولكن الله
حينما رأى نتائج هذا ندم على ما فعله. وقطعا فهذا التفكير يعطى مبررا لسقوط
الإنسان وأنه غير مسئول عن تصرفاته. وأنه فى مقدور الإنسان أن يتغلب على الخطية
تماما، ويقتنى الحياة بالدراسة وأعماله، وهذا ما عمله إسرائيل على جبل سيناء
فتطهروا تماما من كل ميل للشر وصاروا أبرارا بالكامل ولم يتبقى فيهم أى أثر لخطية
آدم.
[4] فى غياب الشعور
بالإحتياج للخلاص من الخطية لا نجد فى تقاليد الربيين أى وظيفة كهنوتية للمسيح. بل
ظل أى دور للمسيا كنبى للشعب مختفى تماما وراء تصورهم فى أن المسيح سيأتى كملك
ومخلص. وظل هذا هو مطلبهم وإحتياجهم فى المسيا المنتظر. وحتى أيامنا هذه نجد
إشتياقهم لهذا المسيا كلما إشتدت ألامهم التى لم يستطيعوا أن يجدوا لها تفسيرا.
وكانت ألامهم ومعاناتهم فى تضاد شديد مع المجد المنتظر الذى يتوقعونه بحسب تعاليم
الربيين.
ولكن من أين جاءت هذه الألام؟ من الخطية،
الوثنية قديما وحديثا من الجرائم والرذائل وتجاهل الشريعة وحب المال. ولكن لقد
إنتهت سنوات السبى السبعين فلماذا هذا التشتت؟ لأن الرياء أضيف على كل الخطايا
السابقة، ولم يقدموا توبة صادقة بل إنتشرت الإباحية ولم يعد القلب مستقيما أمام
الله. والنتيجة ليست فقط فشل سياسى بل إنعدام البركة وتوقف المطر وتوقف النبوة.
ولقد صارت إسرائيل بلا كهنوت ولا ناموس ولا إله. بل تصوروا أن العالم كله أصبح
يعانى بسبب خراب الهيكل. فقال الربيين أن الــ 70 ثورا الذين يقدموا يوم عيد
المظال كانوا من أجل أمم العالم. وتأسف الرابى يوحانان على حال العالم إذ لم يعد
هناك من يقدم عنه الــ 70 ثورا. لقد إنطفأ النور الذى كان يشع على العالم من
الهيكل. ولكن بشفاعة الملائكة لم يدمر الله العالم. بل وبلغة شعرية قيل أن كل
العالم… الشمس والقمر والنجوم والجبال والأشجار بل وحتى الملائكة… الكل ينوح
على الهيكل، وإختفى كل جمهور الملائكة المحيطين بالخبز المقدس فى الهيكل. ومع أن
الشاكيناة (المجد الإلهى) قد إنسحب إلا أنه ما زال متابعا شعبه حزينا وآسفا على
أورشليم وعلى هدم الهيكل، وما زال المجد الإلهى متمسكا بوجوده عند الحائط الغربى
الذى ما زال باقيا من الهيكل. ومنذ هدم الهيكل لم يدخل الله قصره حتى الآن وقد
إبتل شعره من ندى الليل، بل ما زال يبكى على أولاده وعلى خرابهم.
ولكن حين يأتى المسيا سيقوم وبمجد عظيم
بإصلاح كل شئ ويفك سبى إسرائيل. ولكن متى يأتى ولماذا كل هذا التأخير فى مجئ
المسيح لفداء إسرائيل؟! هنا يتوقف الربيين عن الإجابة والتوقعات ويتحاشوا الكلام
فى هذا الموضوع وهذا من السلطات العليا. وليس أمامهم سوى الحزن والبكاء على حالهم.
[5] كان سؤالهم
المستمر – متى يأتى المسيا؟ فلم تكن هناك أيام أكثر ظلمة من التى هم فيها منذ أيام
عزرا ونحميا. لقد إنتهى السبى الأول فهل خطاياهم الحالية أكثر من خطاياهم قبل
السبى الأول، أو أن خطاياهم الحالية لم تغفر بينما غفر لهم الله الخطايا الأولى.
ما هى نوعية وشكل التوبة المطلوبة لغفران خطاياهم؟ ولكن كانت الإجابات متناقضة مع
تأكيد الربيين على أنه لو قدم إسرائيل توبة ولو ليوم واحد سوف يظهر المسيا. ولكن
قال آخرين أن المسيا لن يأتى إن لم يأتى إيليا أولا. وكان هناك من يتمسك بوعود
الله "إرجعوا إلىَّ أرجع إليكم" (زك1 : 3). فوضعت المجامع على فم الشعب
صلاة المزمور (85 : 4) "أرجعنا يا إله خلاصنا، وإنفِ غضبك عنا". ويظل
الجدال محتدما بلا إجابة. وقال آخرون أن ظهور المسيح سيكون كمكافأة على الإيمان.
وسيكون فداء الله لشعبه وسط بكاءهم. وقال البعض أن مجئ المسيا يعتمد على فضائل
الأباء. وقال البعض أنه متوقف على الإلتزام بالناموس، ونجد فى التلمود أن مجئ
المسيا يتوقف على رحمة الله. ولكن كل هذا يلقى بنا فى شك أن ظهور المسيا سيسرع أو
يبطئ متوقفا على مدى تحمل إسرائيل.
ووسط كل هذا فإن تحديد ميعاد لظهور المسيا
لا يعتمد على أرضية واضحة بل هم وضعوا تصورات معتمدة على تفسيرات رمزية وتخيلات.
فقال البعض أن المسيا سيأتى بعد 4000 سنة من خلق العالم، وقال البعض تواريخ أخرى.
وفى الأيام الأخيرة قال البعض أن المسيا سيأتى بعد عصور خمس ممالك وهم البابليين
والفرس واليونان والرومان وأولاد إسمعيل. وقالوا أن المسيا سيأتى نتيجة إستجابته
لصرخات إسرائيل ولكن ذلك سيكون بعد حرب رهيبة بين أولاد إسمعيل وروما (الغرب
والشرق). وهناك تخمينات كثيرة ولكنها فشلت. وقالوا أن ميعاد ظهور المسيا لم يُخبِر
به الله سوى إثنين هما يعقوب وداود، ولكن كلاهما لم يخبرا به أحد. عموما هم كانوا
متأكدين أن ظهور المسيا سيكون يوم عيد فصح الذى يوافق 15 نيسان.
[6] ماذا كانت توقعات
مجمع الربيين وبالذات المعاصرين للمسيح، وماذا كانت تعاليمهم عن المسيا المنتظر
بالنسبة لطبيعته وشخصيته ومؤهلاته؟
أولا موضوع إتحاد الطبيعتين اللاهوتية
والإنسانية فى المسيح كانت بعيدة عن أذهانهم وعن أذهان تلاميذ المسيح وعن أذهان
تلاميذ المسيح أولا. ثانيا كانوا يعتبرون أن المسيا المنتظر أنه يسمو كثيرا عن
الطبيعة البشرية والملوكية والنبوية وحتى عن الطبيعة الملائكية، لدرجة أن الحدود
التى تفصل طبيعة المسيا المنتظر وبين الطبيعة الإلهية هى ضيقة جداً. لذلك فحينما
بدأ الإقتناع بشخص المسيح إختفى هذا الحد الفاصل بين طبيعة المسيح وبين الطبيعة
الإلهية وآمن به تلاميذه وآمن به الكثيرون كإبن الله، وكان الروح القدس هو الذى
عمل فى القلوب ففهموا طبيعة المسيح وآمنوا به. وإستندوا على أقوال الكتاب وبالذات
من الترجمة السبعينية. وفهموا هذا بالذات من (تك49 : 10 + عد24 : 7 ، 17 + مز72 :
5 ، 7 + مز110 : 3) وبالذات من (إش9). وإعتبروا أن المسيا له وجود سابق للخليقة
وقبل القمر ونجمة الصبح. وهو أبدى مخلد وسرمدى (Eternal) ويسمو على كل بشر وعلى الملائكة. قالوا هو ملاك المشورة العظيمة
وقالوا هو ملاك الوجه وإستندوا على(إش9 : 6) "لانه يولد لنا ولد ونعطى ابنا
وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام"
وهذا ما إستخلصوه وواضح فى الترجوم.
وقالت كتب اليهود عن المسيا أنه ملك مرسل
من الله ليؤسس مملكة أبدية لا تزول (كان هذا التعليم قبل المسيح بـ 170 سنة) وهو
يسمو عن الطبيعة البشرية. وقالوا عنه أنه إبن الله ليس كبنوة جوهرية لكن هو سمو لا
نهائى عن كل خدام الله وهو يحكمهم كلهم. وأن المسيا الذى يؤسس هذه المملكة هو من
بيت داود، وهو إبن داود وسيأتى فى وقت لا يعلمه سوى الله ليحكم ويملك على إسرائيل.
وسيكون ملكا بارا متعلما من الله، قيل عنه "مسيح الرب" وذلك فى سفر
المراثى (4 : 20). وهو سيكون بارا بلا خطية وهذا سيعطيه الحق أن يعاقب الخطاة
بكلمته. ولن يكون فى أيامه من هو متردد أن يسلك فى طريق الرب لأنه سيكون مدعما
بقوة الروح القدس، فيكون حكيما فى مشورته قديراً فى الكلام والعمل. وتكون بركة
الرب عليه ولا يفشل. قوته مستمدة من الله وليس من أى مصدر آخر، وهو يُعيد شعبه
ليتملك أرضه التى لكل أسباطه ويباركهم الرب. وهو سيحطم أعداءه تماما ليس بسلاح بل
بكلمة من فمه. وهو سينقى أورشليم وسيحكم الأمم التى ستخضع له. وواضح من تفكيرهم
هذا أن هذا المسيا ليس ملكا أرضيا ولا هذه مملكة أرضية.
ولو نظرنا لأقوال الربيين اليهود الذين
أتوا بعد المسيح نجدهم قد غيروا هذه التعاليم وتراجعوا عنها. فهم قدموا صورة
للمسيا المنتظر على أنه أقل سموا من الصورة التى قدمها أباءهم قبل المسيح [فقالوا
أن من يقول عن نفسه أنه الله لهو كاذب، ومن يقول عن نفسه أنه إبن الإنسان فهو
سيتوب عن قوله هذا أخيرا. ومن يقول أنه سيصعد للسماء فلن يستطيع ولن يصعد. وكان
هذا ليردوا على اليهود المتنصرين]. ومع هذا إستمر تعليمهم عن أن المسيا الذى
ينتظرونه له وجود سابق للخليقة. وكان هذا مبنيا على (إش9 : 6 + مى5 : 2). وعلق
المدراش اليهودى على (أم8 : 9) أن المسيا خُلِق وسط 7 أشياء قبل الخليقة. وقالوا
إن إسم المسيا خُلِقِ قبل أن يكون هناك عالم. كل هذا يظهر أن المسيا المنتظر هو
أعلى من البشرية، ووجوده سابق للخليقة. وقال التلمود بالرجوع لفكرة أن المسيا
سيولد من بيت الملك داود، أن المسيا يجلس على أبواب إمبراطورية روما وأعطوه إسم
مناحيم أى المعزى. وقالوا أنه بعد زواج يهوذا (تك38 : 1 ، 2 – فيهوذا هو جد المسيا
بالجسد) إنشغل الله بخلق نور المسيا. وأضافوا أنه قبل أن يولد فرعون أول من إضطهد
الشعب اليهودى، كان المسيا المخلص مولودا. ورجعوا إلى (إش9) نجدهم يفسرون (مز36 :
9) "ان عندك ينبوع الحياة. بنورك نرى نورا" أن
النور هو نور المسيا الذى خلقه الله قبل خلق العالم وخبأه تحت عرشه لحين ظهور
المسيا. وحين سأل الشيطان لمن هذا النور أُخبِر بأن هذا النور مخصص لمن سيجعله فى
عار ويدمره. وبناء على طلبه حين أراد أن يرى المسيا رآه فخر على وجهه وسجد له
وإعترف به بأنه هو الذى سيطرحه فى المستقبل فى جهنم ومعه الأمم. وما يتضح من هذا
الفكر الأخير سَبْقْ وجود المسيا قبل خلق العالم.
وقالوا كما أن موسى تربى وسط أعداء الشعب
فى قصر فرعون هكذا سيظهر المسيا فى روما أو أدوم أعداء الشعب. وكما عمل موسى إذ
ظهر ثم إختفى ثم ظهر ثانية هكذا سيحدث مع المسيا. وكما خلص موسى الشعب هكذا سيخلص
المسيا شعبه، ولكن بينما كان خلاص موسى وقتيا سيكون خلاص المسيح لشعب إسرائيل
أبديا، وأن كل الأعاجيب التى صنعها موسى سيكررها المسيا ولكن بكثافة أكثر. وسينزل
المسيا المن من السماء ويفجر الماء كما أخرج موسى الماء من الصخرة. وأن المظهر
المتواضع للمسيح بركوبه على أتان يكون راجعا لخطايا إسرائيل. وليس فقط ليكرر عودة
موسى إلى مصر راكبا على حمار بل كما ذهب إبراهيم راكبا على حمار ليقدم إبنه إسحق
ذبيحة.
وقالوا أن المسيا يأخذ حكمته ومعرفته
ونعمته من الله مباشرة. وأن الله أظهر لموسى أنه لو جمعوا حكمة ومعرفة كل من يأتى
بعده، فإن حكمة المسيح ستفوقهم مجتمعين. وسيكون المسيا متفوقا على الأباء البطاركة
وموسى بل والملائكة. وحينما نضع أمامنا كل هذا لن نتعجب من فهم المدراش لما قاله
(مز21 : 3) "لانك تتقدمه ببركات خير. وضعت على رأسه تاجا من إبريز"
فقالوا فى تفسير هذه الآية أن الله سيضع تاجه على رأس المسيا، ويلبسه ثوب كرامته
وعظمته وجلاله. ويتوافق مع هذا أن نفس المدراش خصص ونسب للمسيا ما ينسب لله مثل
"يهوه هو رجل الحرب" و "يهوه برنا" أو الرب برنا. ويلبسه الله
ثوب بهاء وجلال من نهاية العالم من ناحية إلى نهايته من الناحية الأخرى لأنه مكتوب
"فرحا افرح بالرب. تبتهج نفسي بالهي لانه قد البسني ثياب الخلاص كساني رداء
البر مثل عريس يتزين بعمامة ومثل عروس تتزين بحليها" (إش61 : 10). وسوف ينذهل
ويندهش إسرائيل من نوره. مباركة هى الساعة التى خُلِق فيها ومباركة هى البطن التى
تحمله، ومبارك الجيل الذى يراه والعين التى تستحق رؤيته. فتح شفتيه بركة وسلام.
المجد والجلال فى هيئته ويعطى الشعور بالأمان بكلمته. وعلى لسانه كلمات المغفرة
والرحمة. صلاته لها رائحة زكية. طوباك يا إسرائيل ما ينتظرك. وسيجلس المسيا الملك
عن يمين الله، والله يحارب عنه، ويجلس إبراهيم عن يساره.
بل لقد كان من الملاحظات اللافتة للنظر
أنهم نسبوا للمسيا الإسم الفائق الوصف يهوه. وقالوا عنه أنه سيأتى فى سحب السماء
(دا7 : 13). [ونلاحظ أن الرب كرر على مسامع اليهود قوله "إن لم تؤمنوا إنى أنا
هو" ولفظ "أنا هو" هو نفسه يهوه (يو8 : 24 ، 28)].
من كل ما رأيناه كان من الواضح أن تعليم
المجمع اليهودى أن للمسيا شخصية إلهية كما تعلم الكنيسة. وأنه يفوق أعظم خدام الله
بل والملائكة. والحدود بين طبيعته، والطبيعة الإلهية هى متقاربة جدا، بل ومن الصعب
التمييز بينهما فى أفكار المجمع اليهودى.
لقد سمح الله بأن يمهد الطريق لإعداد
الفكر اليهودى فوصلت أفكارهم لهذه المفاهيم قبل ظهور المسيح. وكانت هذه هى
التعاليم فى المجامع اليهودية. ومع تعاليم العهد القديم عن المسيا المنتظر صار كل
هذا راسخا فى أذهان اليهود وبالذات تلاميذ المسيح. وكانت أعمال المسيح وتعاليمه
وأقواله تثبت تماما لمن رآه وسمعه أنه هو إبن الله الحى. وقطعا نقول ومع عمل الروح
القدس بدأ ينمو إيمانهم بالمسيح تدريجيا عن طبيعة السيد المسيح. وهذا ما إتضح فى
تعاليمهم وكتاباتهم بعد ذلك مما شكل مفهوم وعقيدة الكنيسة عن طبيعة المسيح.
الفصل
السادس
ميلاد
السيد المسيح
عاش الشعب اليهودى وسط سنوات طويلة مظلمة
فى تاريخهم وعيون قلوبهم معلقة على بيت لحم والناصرة من حيث يأتى المسيا المخلص.
إلى أن أمر أغسطس قيصر بعمل تعداد للدولة لتنظيم الضرائب، وبحسب الفكر اليهودى كان
لا بد أن يكتتب كل فرد بحسب سبطه والمدينة التى ينتمى إليها، وصعد يوسف النجار
الذى من الناصرة إلى بيت لحم مدينة أبائه فهو من بيت داود. وكان الطريق من الناصرة
إلى بيت لحم طويلا ووسط ظروف مناخية صعبة. وحول بيت لحم هناك أراض خصبة ومراع
ومزارع، وخلف هذه المزارع تلال تخفى المدينة المقدسة أورشليم.
وبسبب التعداد (بحسب أمر أغسطس) والإكتتاب
(بحسب التقليد اليهودى بأمر من هيرودس) كان عدد زوار بيت لحم ضخما وإمتلأت الأماكن
والبيوت من الزوار. حتى الفنادق إمتلأت ولم تجد العائلة المقدسة مكانا للراحة إلا
مذود (ومكانه الآن كنيسة الميلاد). والإنجيل أمسك عن تقديم معلومات كثيرة عن قصة
الميلاد وغيرها، لأن الإنجيل ليس هدفه تقديم سيرة ذاتية عن المسيح، بل أن المسيح
إبن الله وأنه أتى ليخلص البشر. ومن الواضح أن أحداث قصة الميلاد تتناقض تماما مع
تصورات المجمع اليهودى عن المسيا – فالربيين اليهود لم يتصوروا أبدا أن المسيا
العظيم يولد فى مذود. فهم يحيطون أبطالهم بهالات من المجد.
قال الربيين أن المسيا سيولد فى بيت لحم.
وهناك رأى آخر موازٍ له أن المسيح سيظهر فى مجدل عَدَرْ وتقع مجدل عدر ما بين بيت
لحم وأورشليم. وأصحاب الرأى الأخير إستندوا على نبوة ميخا النبى (4 : 8). [مجدل
عَدَرْ = هو إسم عبرى معناه قلعة أو برج القطيع. ويذكره ميخا النبى "وانت يا
برج القطيع اكمة بنت صهيون اليك ياتي. ويجيء الحكم الاول ملك بنت اورشليم"
مجدل عدر. الآن قرية صغيرة بجانب صير الغنم (دائرة المعارف الكتابية)]. ومجدل
عدر هذه ليست برجا لمراقبة قطعان الغنم العادية بل الغنم التى ستقدم ذبائح فى
الهيكل (كتاب المشناة اليهودية). والرعاة الذين يرعون هذه الأغنام ليسوا رعاة
عاديين. فهؤلاء الرعاة يقعون تحت الحظر بحسب الشرائع الدينية، ومعزولين بالضرورة
عن العالم الخارجى ويراقبهم الربيين. ولهم حياتهم المختلفة. [هذه الخراف التى
يرعونها كانت تفحص بواسطة الكهنة ويختمون الصالح الذى لا يوجد به عيب (فهو يرمز
للمسيح الذى بلا خطية) وهؤلاء الرعاة وظيفتهم رعاية هذه الخراف. وقال عنهم الإنجيل
"رعاة متبدين" ومن يريد أن يقدم ذبيحة يذهب لهم ويشترى خروفا
مختوما ويذهب ليقدمه فى الهيكل. ومن هذه الخراف يأخذون ما يقدم كذبيحة فى أعياد
الفصح].
هؤلاء هم الرعاة الذين ظهر لهم الملائكة
ليبشرون بميلاد المسيح الذى سيكون الحمل الذى يقدم ذبيحة عن العالم. وتحققت توقعات
من قال أن ميلاد المسيح فى بيت لحم. وتحققت أيضا توقعات من قال أنه سيظهر فى مجدل
عدر، إذ أن الملائكة كشفوا عن شخصه المبارك لرعاة مجدل عدر المكان المقدس المخصص
لخراف الذبح فى الهيكل [كان الرمز فى مجدل عدر والمرموز إليه فى بيت لحم. وكأن
الملائكة تعلن أن مولود بيت لحم هو حمل الله الذى يحمل خطية العالم كما قال
المعمدان عنه. أى سيقدم ذبيحة لخلاص البشر وأنه بلا خطية وقد ختمه الله الآب أى
شهد له (يو6 : 27) كما يشهد الكهنة بخلو الخراف التى ستقدم ذبيحة والموجودة فى
مجدل عدر من أى عيب. وُلد المسيح فى بيت لحم وأُعلِن فى مجدل عدر عن وظيفته ولماذا
أتى إلى العالم]. فى مجدل عدر أعلن الملائكة أن إنتظار إسرائيل الطويل لمجئ
المخلص قد تحقق اليوم. وليس من المستبعد أن الملائكة رنمت الترنيمة الخالدة
"المجد لله فى الأعالى …" بينما كان الكهنة يقدمون على المذبح التقدمة
المسائية اليومية. وهذه التقدمة اليومية تقدم وسط التسابيح. فكان هناك تسابيح
السمائيين مع تسابيح الأرضيين بميلاد ملك السلام. ونشر هؤلاء الرعاة البسطاء الخبر
فى كل مكان وبالذات فى الهيكل فهم يتعاملون مع الهيكل يوميا. ونشروا عن هذا
الميلاد العجيب لطفل تبشر به السماء يولد فى مذود لعائلة غاية فى التواضع.
الفصل
السابع
تطهير
العذراء فى الهيكل
حفظت العذراء كل هذا فى قلبها. هذا الطفل
هو إبنها لكن كانت تعلم أنه إبن العلى. وكانت تفكر قطعا فى كل ما سمعته من الملاك
ومن بشارة الملائكة للرعاة، لكن لم يكن لها صورة واضحة عما سيحدث فى المستقبل لهذا
الطفل العجيب. ولكن يوما بعد يوم كانت ترى العجب فى حياته. ولكن كان مخفى عن
العيون ألوهيته، بل ما ظهر للعذراء وللقديس يوسف أنه خاضع لهما كوالدين. سر التجسد
وألوهيته كانا مخفيين. بل عاش وسط البشر كطفل وكشاب وأحبه الناس وعرفوه وهكذا صار
أخا لنا – كان "بكرا بين إخوة كثيرين" وإقترب من البشر فى حوار معهم، إقترب
إليهم وإقتربوا منه. ولم يظهر لاهوته وإلا لخاف الناس منه وإرتعبوا [ولنذكر
ماذا حدث حينما تكلم الله مع الشعب فى سيناء فإرتعبوا وطلبوا أن لا يكلمهم الله
ثانية. فوعد الله موسى بأن يرسل المسيح ليتكلم مع الإنسان دون خوف (تث18 : 15 –
18)]. وكان واضحا أن المسيح عرف من البداية الخط الذى سيسير فيه حتى الصليب
والقيامة والصعود.
كانت فكرة إتحاد الطبيعة الأقنومية للمسيح
مع الطبيعة الإنسانية فكرة بعيدة تماما عن فكر اليهود. لذلك تذمروا بشدة على
المسيح حين قال لهم "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح" (يو8 :
56). فهم يعرفون وعد الله لإبراهيم بأن يرثوا الأرض من الفرات إلى نهر مصر (تك15 :
18). وهم يعرفون أن الوعد صادر بفم الله. ويفهمون أن المسيا الذى ينتظرونه هو الذى
سيحقق لهم هذا الوعد. فحينما قال المسيح هذا تذمروا إذ فهموا من قوله أنه هو من
أعطى الوعد لإبراهيم.
والعذراء مريم كيهودية كانت ملتزمة
بالناموس. وقامت بكل وصايا الناموس تجاه إبنها كالختان الذى به ينتمى الطفل لشعب
الله من نسل إبراهيم. وكان هذا يتم فى اليوم الثامن وفيه أخذ الطفل الإسم يسوع
الذى أخبر به الملاك أمه العذراء. وهناك طقس آخر يتمم لكل مولود بكر وهو مبلغ يدفع
للهيكل بحسب الناموس (فضة الفداء) لفداء الطفل. وأضاف الربيين زيادات وكان هذا
كإحتيال شرعى. وكان عندهم شيئا مرعبا أن يموت الطفل قبل أن يتم فداءه. وكانوا
يمارسون طقس تطهير المرأة الوالدة مع تقديم فضة الفداء فى نفس الوقت.
وكان الطقس الذى يمارس :- يقدم الطفل
للكاهن بعد تقديم فضة الفداء، فيتلو عليه الكاهن صلوات بركة، الأولى هى صلوات
الفداء والثانية للعطية الخاصة بالبكر. ويكون هذا بعد دفع فضة الفداء. وكان تقديم
الطفل للكاهن ثم أخذ الطفل مرة أخرى هو إشارة لتقديمه لله أولا. وكان طقس تطهير
الأم يشتمل على تقديم ذبيحة خطية وذبيحة محرقة. ذبيحة الخطية خاصة بالنجاسة بحسب
الشريعة اللاوية، ورمزيا تشير لبداية الحياة. وذبيحة المحرقة تشير لعودة الشركة مع
الله. وكانت التقدمة حمام أو يمام للفقير أما الأغنياء فكانوا يقدمون خرافا. وكان
الدم يرش حول المذبح. وكان هناك مراقب بجانب صندوق به فتحة كبوق فوق صندوق يضع
فيها الشخص الفضة كثمن للحمام أو خلافه. وبوضع الفضة فى الصندوق من خلال هذا البوق
يصدر صوتا عاليا.
ونلاحظ مع أن المسيح ولد متواضعا فى مذود
إلا أن السماء شهدت له مرارا، يوم ميلاده ويوم عماده، والملائكة جاءت لخدمته فى
البرية، وساندته فى بستان جثسيمانى. ولم يستطع اليهود مرارا أن يقتلوه. وكان الله
يشهد له بصوت من السماء. وتزلزلت الأرض وإختفت الشمس عند صلبه. وأعلنت الملائكة
قيامته. وملأ الروح القدس سمعان الشيخ فعرفه وتنبأ بخلاصه. وتنبأ بأنه سيضع حدا
لرياء ومظهرية الفريسية. وكان هناك أيضا حنة النبية من سبط أشير، وبسبب صلواتها
وأصوامها وعبادتها فتح الروح القدس عينيها فعرفت المسيح ووقفت تسبح الرب فى وسط
الهيكل وتكلمت عنه. وكان سمعان وحنة الأبرار وأمثالهم كثيرين هم ملح الأرض الذى
حفظ أورشليم بسببهم فلم يحرقها الله. [فالله كان لن يحرق سدوم وعمورة لو وجد 10
أشخاص أبرار].
الفصل
الثامن
زيارة
المجوس والهروب إلى مصر
قدَّم القديس لوقا قصة الرعاة وقصة سمعان
الشيخ وحنة النبية الذين فتح الله عيون قلوبهم فعرفوا من هو هذا الطفل وفرحوا به
وسبحوا الله على الخلاص. أما رؤساء الكهنة فكانت لهم المعلومات ولكن عيونهم مغلقة.
وقدَّم القديس متى قصة المجوس الأمم. وكان هذا عجيبا. فالقديس متى يكتب إنجيله
لليهود وها هو يقدم سجود الأمم للمسيح، بينما يتسبب ملك اليهود فى هروبه إلى مصر.
بينما القديس لوقا الذى يكتب للأمم نجده يقدم فرحة وتسبيح اليهود الأتقياء بالمسيح
الذى كانوا ينتظروا مجيئه. ولكن إذا بدا هذا متناقضا لكنه تناقض ظاهرى مقصود. فما
حدث فعلا أن اليهود صلبوه أما الأتقياء منهم فرحوا به. والأمم قبلوه وآمنوا به.
والكلمة مجوس وردت فى الترجمة السبعينية
وإستعملها فيلو ويوسيفوس لمن يقومون بأعمال السحر. والكلمة تشير للكلدانيين (كهنة
الأوثان من بابل). أتى هؤلاء المجوس ليقدموا ولاءهم وهداياهم لهذا الملك الذى أعلن
عنه النجم، وفى بساطة نشروا الخبر فى أورشليم فهم تصوروا أن ملك اليهود سيولد فى
العاصمة أورشليم. ووصل الخبر إلى هيرودس الملك الوحشى الطبع، فترك عنده أثرا مضادا
لما فى قلب هؤلاء المجوس. كان هذا السفاح لا يتردد فى قتل أى إنسان يتخيل أنه من
الممكن أن يهدد عرشه. بل قتل من أبنائه وزوجاته. وكان لليهود تصور أن المسيا سيظهر
فترة ثم يختفى ويعود للظهور، ومع ظهوره الثانى ستأتى ويلات رهيبة وهذا كان السبب
فى سؤال التلاميذ عن علامات مجيئه الثانى (مت24). ولهذا السبب أى الخوف من الويلات
الآتية إضطربت المدينة (مت2 : 3)، ليس بسبب الويلات فقط بل لأنهم يعرفون رد فعل
هيرودس الوحشى إن سمع أن هناك ملك لليهود. وإستعلم هيرودس من المجوس عن ميعاد ظهور
النجم وقدَّر الوقت اللازم لهم للوصول من مكانهم إلى أورشليم وقتل كل الأطفال دون
سنتين ليضمن أنه قتل المنافس له على العرش. وبحسب (مى5 : 2) فالمسيح يولد فى بيت
لحم. ونلاحظ أن توقعات اليهود لخضوع الأمم للمسيا شئ مختلف تماما عن ما حدث، أن
عدد قليل من المجوس يأتوا ليسجدوا للمسيا.
قام بعض علماء الفلك اليهود بدراسات فلكية
وحددوا من النجوم ميعاد ظهور المسيح. ويستبعد الكاتب تماما أى صلة بين نجم المجوس
وبين نبوة بلعام عن الكوكب الذى يبرز من يعقوب (عد24 : 17) وأيضا لا يجد أى صلة
لهدايا المجوس مع نبوة إشعياء (60 : 6). ويستبعد تماما دراسات اليهود الفلكية هذه.
ولكنه يقدم دراساتهم.
[القديس يوحنا ذهبى الفم قال أنه لا يوجد
نجم يقود مجموعة من البشر ويقف فوق المكان الموجود به يسوع، إنما أرسل الله ملاكا
فى شكل نجم نورانى ليقودهم. وكان الله يتكلم معهم بحسب فكرهم، فهذه هى لغتهم التى
يفهمونها. وهكذا الله دائما يرشد كل من يبحث عنه بإخلاص "أتريد أن
تبرأ". الله أرشد من طلب المسيح أما اليهود وملكهم فكان لهم رأى آخر فلم
يجدوه]
كانت هدايا المجوس من نتاج بلدهم لتعبر عن
تقديرهم لشخص المولود ولكن إتضح أن لها معان رمزية. ربما هم قدموا الذهب فهذه هدايا
الملوك وهم يعرفون أنه ملك.
قتل هيرودس الطاغية أطفال بيت لحم فكانوا
باكورة الشهداء على إسم المسيح. أما المسيح فقد ذهب إلى مصر ليهرب من المذبحة لكى
يتمم الخلاص بعد ذلك.
الفصل
التاسع
حياة
الطفل يسوع فى الناصرة
كانت أعمال هيرودس السيئة وراء بؤس حالته
فى أيامه الأخيرة. فخوفه من ضياع عرشه جعله يضحى بالآلاف وكان من بينهم من أقربائه
الأقربين. ومع كل هذا لم يهدأ هذا الطاغية السفاح. بل قتل زوجته المحبوبة لديه
مريم وأبناءها بل لقد وصل إلى حافة الجنون. وقد أصيب بأمراض مؤلمة عند نهايته
وفشلت معه كل محاولات أطباءه الذين فعلوا معه المستحيل، إذ كان يتشبث بالحياة
بشدة. وعندما إقتربت نهايته قام إثنين من الربيين المحبوبين والأكثر إحتراما عند
الشعب وهما يهوذا ومتياس، بإزالة النسر الذهبى الذى وضعه هيرودس على أكبر أبواب
الهيكل فى محاولة منهم لإزالة أثار حكم هيرودس الوثنى. فقام هذا الطاغية فى محاكمة
هزلية كان فيها هو المدعى والقاضى وحكم بحرق الربيين الغيورين أحياء هم وأربعين من
أتباعهم، بينما كانت إجاباتهم خلال المحاكمة فى منتهى النبل والغيرة على هيكل
الله. وقام بعزل رئيس الكهنة الذى إعتبره شريكا فى المؤامرة.
وحينما عرف أن نهايته قد إقتربت جمع كل
نبلاء وكبار البلد وطلب من أخته قتلهم حتى لا يفرح الشعب بموته بل يتحول فرحهم إلى
أحزان بسبب موت هؤلاء. ولكن أخته وزوجها كانوا حكماء فلم ينفذوا أمره، وكان هذا مع
موت هيرودس سبب فرح للشعب. وقبل موته بخمسة أيام جاء من أغسطس قيصر خطاب كان كشعاع
أعطى هذا الطاغية نوع من الفرح، إذ سمح أغسطس بقتل إبنه أنتيباتر. وكان أنتيباتر
هو القاتل الحقيقى لنصف إخوته ألكسندر وأريستوبولوس بإفتراءات ظالمة. وبعد خمسة
أيام من إعدام إبنه أنتيباتر مات هذا الطاغية بعد حكم حوالى 37 سنة. وضاع العرش من
نسله بعد عدة سنوات، هذا العرش الذى عمل المستحيل وسفك دماء كثيرين من أجله. وكانت
زيارة المجوس خلال فترة ملك هيرودس الطاغية هذا.
وقبل موته حدد هيرودس من يخلفه من أبنائه.
وكان أول وعد منه لإبنيه ألكسندر وأريستوبولوس أبناء مريم زوجته ليصبحوا ملوكا.
ولم تعرف المناطق التى عينهم عليها. وبعد إعدام الأخوين بسبب مؤامرة أنتيباتر كان
الوعد الثانى بوراثة العرش لإبنه أنتيباتر وفى حالة موت أنتيباتر يرث العرش هيرودس
إبن مريم. وبعد أن إكتشف هيرودس مؤامرة أنتيباتر الكاذبة لقتل أخويه أعطى هيرودس
الوعد الثالث لإبنه هيرودس أنتيباس (المعروف فى العهد الجديد). ولكن مرة رابعة
وقبل موته بأيام كان لهيرودس تدبيرا آخر، فأعطى لإبنه أرشيلاوس الشقيق الأكبر
لأنتيباس (وكلاهما كانوا أولاد مالثاكى السامرية) الملك ، وجعل أنتيباس رئيس ربع
على الجليل وبيرية، وفيلبس (إبن كليوباترا من أورشليم) رئيس ربع على شرق الأردن.
وكانت هذه التغييرات تعكس شكوكه وكرهه لعائلته وخوفا من غدرهم. ومع أن الإمبراطور
أعطاه الحق فى تعيين من يخلفه إلا أنه كان من الحصافة أن حدد هو الأسماء وترك
إعتمادها للإمبراطور. ولكن قام الجيش مباشرة بإعلان أرشيلاوس ملكا، ولكن كان
أرشيلاوس من الذكاء أنه ترك اللقب حتى يتم إعتماده من الإمبراطور. وقضى أرشيلاوس
ليلة موت أبيه والليالى التالية فى إحتفالات صاخبة مع أصدقائه. ولم يشعر أهل
أورشليم بالراحة أو الإقتناع بسهولة بالرغم من إعلان أرشيلاوس عفو عام وتعديل فى
السياسة. وسرعان ما حدثت حالة سخط وحزن إذ علم الشعب بقتل الربيين وقاموا بثورة،
سرعان ما أخمدها أرشيلاوس بذبح ليس أقل من 3000 شخص فى محيط الهيكل.
وكان أن ذهب أرشيلاوس إلى روما يطالب
بالملك تاركا الحكم لأخيه فيلبس. وذهب من قبله أنتيباس. ثم ذهب فيلبس لتدعيم أخيه
أرشيلاوس وباحثا هو أيضا عن حقوقه. وذهب بعده كثيرين منهم من أيد هذا ومنهم من أيد
ذاك. وقامت ثورات فى أورشليم أُخمِدت بالسيف والصلب والنار. ووسط كل هذا التنافس
بين أفراد عائلة هيرودس وصل وفد من فلسطين إلى روما يطالبون بإزاحة عائلة هيرودس
من الحكم لجرائمهم العديدة، وكان هؤلاء يطالبون بما يشبه الحكم الذاتى إذ كانوا
يطالبون بضم مدنهم من فلسطين إلى سوريا فلهم جميعا الإنتماء للفكر اليونانى. فكان
أن إعتمد أغسطس قيصر فكرة هيرودس فى تقسيم مملكته إلى أجزاء وجعل أرشيلاوس رئيس
ربع لاغيا لقب الملك، على أنه إذا وجده خلال حكمه مستحقا يمنحه لقب ملك. (الفكرة فى
لقب رئيس ربع أن يكون رئيسا على مجموعة من الناس متجانسة فى الأفكار). وكانت منطقة
حكم أرشيلاوس هى اليهودية وأدومية والسامرة. وكان على أرشيلاوس أن يسدد لخزينة
الدولة الرومانية 600 وزنة. وعلى أنتيباس 200 وزنة وعلى فيلبس 100 وزنة.
وبدأ أرشيلاوس حكمه بسحق كل مقاومة من
خلال مذابح جماعية لكل خصومه. وفاق أرشيلاوس أبيه فى وحشيته ودمويته وأنانيته وموت
مشاعره، بل ولم يكن له مواهب أبوه فى الإدارة والحكم، ونتيجة فساد حكمه حرمه أغسطس
قيصر بعد 6 سنوات ونفاه إلى بلاد الغال. وكانت عودة العائلة المقدسة من مصر
خلال فترة حكم أرشيلاوس. ولكنهم عادوا إلى الناصرة فى الجليل ومنها كان إسم
يسوع الناصرى. وهذا ما أشار إليه القديس متى فى إنجيله أنه يُدعى ناصريا (مت2 :
23)، فإنجيل متى مكتوب لليهود الذين يعرفون النبوات "ويخرج قضيب من جذع
يسى" (إش11 : 1) (قضيب = غصن. وغصن تعنى نازارت وهى نفس كلمة ناصرة =
نازارت). ولم تذكر الأناجيل إلا كلمات قليلة عن حياة الرب يسوع فى طفولته وشبابه،
فالإنجيل لم يكتب سيرة ذاتية عن المسيح. بل قدم الإنجيل تعاليم المسيح وفدائه لأجل
خلاصنا.
اليهودية والجليل
هناك قول شائع "إذا أراد إنسان أن
يكون غنيا فليتجه إلى الشمال (أى إلى الجليل) وإذا أراد أن يكون حكيما فليتجه إلى
الجنوب (أى اليهودية) وذلك ليتعلم الناموس. فقرب الجليل من عالم الأمم وإتصالهم
بمراكز التجارة الكبيرة القريبة منهم وتواصلهم الدائم مع الأجانب الذبن يمرون
بالجليل، جعل الجليليين منفتحين على العالم وليسوا مثل أهل اليهودية المنغلقين على
أنفسهم. وبالنسبة لليهودية كان الجليل مقرا للأمم أما مدارس الربيين فى اليهودية
فهى فى المكان المقدس. وكان أهل اليهودية ومدارس الربيين لا يتعاطفون مع أهل
الجليل ولا أرض وتراب الجليل. أما أهل اليهودية فكانوا يميلون للتأمل فى الأحداث
الماضية وتوقع ما سيأتى. وهذا وصل بهم إلى حالة من التعصب. وكلما إتجه المسافر
للجنوب تتزاحم فى ذهنه أحداث التاريخ الماضى والأفكار التى تأتى على الفكر حول
المستقبل. وكان المسافر من الشمال متجها للجنوب يتحاشى المرور بالمدن الكبيرة التى
يكثر فيها الأمم الوثنيين. وكان اليهود يكرهون وثنية هؤلاء الوثنيين ويحتقرون
تفاهة طقوسهم وأفكارهم بالمقارنة مع ناموسهم. هذا الناموس الذى تبحروا فى دراسته
حرفا حرفا، ما هى الخطايا وكيفية التكفير عنها بالذبائح، ما هو المحلل وما هو
المحرم، وما هى العقوبات هنا فى هذا العالم أو العالم الآتى. وكان اليهودى ينحنى
بتواضع وتوقير للربيين الكبار ويرى فى هذا أنه يوقر الله، فالربيين هم وكلاءه وهم
الذين يوضحون لهم إرادة الله.
كانت أراضى اليهودية قاحلة ومنعزلة ولكن
فيها أورشليم المقدسة. وهذه العزلة ساعدت على زيادة الحياة التأملية. بينما كانت
أراضى الجليل خصبة جميلة بمناظرها الطبيعية والبحيرة التى فيها. وهكذا قال موسى عن
سبط أشير "يغمس رجليه فى الزيت" (تث33 : 24). وكان الربيين يقولون
"أن تتعهد غابة من أشجار الزيتون فى الجليل لهو أسهل من تربية طفل فى
اليهودية". وكان القمح والكروم وهكذا كل الثمار. وكانت تكاليف المعيشة فى
الجليل تعادل خمس تكاليف المعيشة فى اليهودية. ولذلك إكتظت مدن الجليل بالسكان
وقال يوسيفوس أنه كان فى الجليل 240 مدينة وقرية تعداد كل واحدة لا يقل عن 15000
نفس. وإمتلأت الحقول بالفلاحين وبحيرة جنيسارات بالصيادين وكان الخير كثيرا والعمل
كثير فلم يكن هناك وقت للدراسة والتعصب. بالتالى لم تكن الجليل المكان المناسب
للربيين.
وكان هناك إثنين من الربيين المشهورين فى
أراضى فلسطين هما أكيبا وخصمه خوزيه. وكانت تعاليمهم الدينية أكثر بساطة. وكان
أكيبا أكثر ميلا للإعتدال والمعقولية، والتطبيقات الإنسانية للتقليد المتوارث.
وأورد التلمود الفروق فى تعاليم الربيين فى اليهودية وبين الربيين فى الجليل وكلها
فى إتجاه التخفيف من التشدد. وهذا ما جعل الربيين فى اليهودية أن ينظروا بإزدراء
لأراء هؤلاء الذين فى الجليل. وبينما كانت لغة يهود اليهودية بعيدة جدا عن اللغة
النقية، إلا أن أهل اليهودية كانوا يعيبون على أهل الجليل دراستهم للغة وأخطاءهم
اللغوية وأن الكثير من ألفاظهم كانت تقود لأخطاء مضحكة. ومع كل مركز الرابى خوزيه
وعلمه سخرت منه فتاة من اليهودية إذ قالت عنه "الجليلى الغبى" إذ قال
كلمات خاطئة عندما سألها عن الطريق. وكان ذلك قبل أن يعرف الناس من هو خوزيه.
فى وسط الجليل هذه نما الطفل يسوع. وكان
تعليم الأطفال يبدأ فى المنزل، أولا عن طريق ما يراه بعينيه ويسمعه وذلك قبل
التعليم من الكتب. فكان الطفل يتعلم أولا كيف يحترم أبويه. فكان إكرام الأب هو
نموذج لإكرام إله إسرائيل. وكانت رعاية الأم والمحبة والعاطفة تجاهها هى تجسيد
لمحبة الله لشعبه إسرائيل. وبحسب الناموس كانت عقوبة كسر وصية "إكرم أباك
وأمك" عقوبة من أصعب العقوبات. وكان الطفل يعيش من أول يوم فى جو دينى
ويختنونه لينضم لشعب الله ويُنطق إسمه وسط صلوات طقس الختان. وتصير له كل البركات
الموعودة لشعب إسرائيل وأيضا تصبح عليه الواجبات المفروضة على كل إسرائيلى، فعليه
أن يسلك فى البر ملتزما بالناموس فقد صار مكرسا لله، وبعد ذلك عليه دراسة الناموس.
وكان أول تعليم يأتى من الأم. وكانت
الممارسات التى يراها الطفل تحفر فيه أثرا لا ينسى. فكان يرى المازوزا التى توضع
كبركة على أبواب المنزل، وهى عبارة عن بعض أيات من الناموس مكتوبة على ورق ومحفوظة
فى غلاف. وهذه يلمسها الداخل إلى البيت أو الخارج منه بأصابعه، ثم يقبل أصابعه
التى تلامست مع إسم الله المقدس. وهذا ما نشأ عليه الطفل تيموثاوس وتربى عليه فى
بيت جدته لوئيس وأفنيكى أمه، وشرحا له معنى هذه الممارسة بينما هم فى الشتات. وكان
يرى طقس يوم السبت ووجبة السبت المخصصة للإحتفال بيوم السبت مثل إشعال مصباح خاص
بيوم السبت. وهكذا فى بقية الأعياد والمناسبات مثل عيد التجديد، الذى طهر فيه
يهوذا المكابى صاحب القلب الحديدى الهيكل من أثار الوثنية اليونانية. وكانوا
يضيئون فى أول ليلة من هذا العيد شمعة واحدة، ثم فى الليلة الثانية شمعتين حتى
الليلة الثامنة. وكانت الأم تشرح لإبنها معنى هذا. كانت الأم تحكى لإبنها تاريخ
إسرائيل والمستقبل المجيد الذى ينتظرها، وهذا قبل أن يذهب إلى المدارس أو المجامع.
ثم تأتى أفراح عيد الفوريم ثم الفصح وتجتمع العائلة فى أورشليم، ويزيلوا كل أثر
لخمير فى المنزل. وبعد ذلك أعياد الحصاد ثم يوم الكفارة الذى لا ينسى، ثم أفراح
وطقوس عيد المظال المبهجة والسكنى فى مظال خارج المنزل. وكانوا فيه يقدمون الشكر
لله على كل ما أعطاهم من خيرات.
كانت الحياة فى إسرائيل دينية من بدايتها
وكانوا يلقنون الأطفال الوصايا ليحفظونها. وذلك بالإضافة لأن الطفل كان يُحفر فى
ذهنه وقلبه هذه الممارسات التى يراها، وأيضا تقليد ما يرى أبائه يمارسونه أمامه.
وكان على الأب أن يعلم إبنه التوراة، فمن إستلم التوراة من الله على جبل سيناء كان
رجلا. وكان عليه أن يعلم إبنه الصلوات والترانيم والمزامير التى تتلى كل يوم
والمزامير التى ترنم عند الذهاب لأورشليم فى المواسم.
وكانت المدارس منتشرة فى البلاد وكان
الأطفال يذهبون للمدارس فى سن الخامسة أو السادسة. وكانت هناك أكاديميات للدراسات
العالية. وإعتبروا أن الحياة فى مكان ليس به مدارس هو عمل غير قانونى. وكان لفترة
طويلة لم يكن غريبا أن تدور المناقشات اللاهوتية فى الهواء الطلق. ولكن تعليم
الأطفال كان فى المدارس والمجامع، وكان التعليم يتم إما وقوفا للمدرس والتلاميذ أو
جلوسا فى حلقة. وكان المدرس يواجه التلاميذ. أما وجود كراسى ودكك للطلبة فبدأ فى
وقت متأخر. وكان على التلاميذ إحترام المدرس والتعليم بأعلى درجة من الإحترام.
وكان التعليم يشتمل على قراءة وكتابة الحروف وتعليم الناموس. وكان التعليم بصبر لا
يعرف الكلل ويمتزج فيه الشدة مع الشفقة. وكانوا يعلمون الأطفال بشاعة الخطية
وتبعاتها الثقيلة وأثارها المخيفة. ويعلمونهم الإلتزام بالنقاوة والسلوك بأدب
وذوق.
وحتى العاشرة كان الطفل يتعلم الناموس
ويكون الكتاب الذى يستعمله هو الكتاب المقدس. ومن العاشرة حتى الخامسة عشرة يتعلم
المشناة (كتاب التقاليد). وبعد هذه السن ينتقل الطالب للأكاديميات للمناقشات
اللاهوتية ولم يكن هذا التقدم الدراسى للجميع ولكن بحسب قابلية وإستعداد كل واحد
للتعليم. ودراسة الكتاب كانت تبدأ بسفر اللاويين ويلى هذا بقية أسفار موسى الخمسة،
ثم الأنبياء وأخيرا بقية الكتب المقدسة (هذه تسمية اليهود لبقية العهد القديم =
هاجيو جرافا). وكانت الدراسة بالمدارس مدعمة بالمجامع والتأثير العميق للحياة
المنزلية. وفى أيام الإضطهاد اليونانى كانوا يفتشون البيوت ومن يجدوا عنده نسخة من
الكتاب المقدس كان يعاقب بشدة. ولكن مع هذا كان منتشرا وجود نسخ من الكتاب المقدس
فى البيوت. أما بعد إنتصارات يهوذا المكابى كثر عدد من يقتنى نسخة من الكناب
المقدس فى المنازل وهذا كان للأغنياء. وكان البعض يقتنى أجزاء من الكتاب ويكون هذا
مصدرا للفرح إذ إقتنت العائلة كنزا عزيزا عليهم. ولكن المدارس كانت تحتفظ فى
مكتباتها بعدة نسخ. وللحفاظ على دقة الكتاب وعدم تحريفه كان نسخه بواسطة أحد غير
الكتبة المعتمدين يعتبر عملا غير قانونيا، مع إستثناء أنهم سمحوا بكتابة أجزاء
لتعليم الأطفال.
الفصل
العاشر
فى
بيت أبيه السماوى – وفى بيت أبيه الأرضى
ثم
الإعتزال فى الناصرة
لم يذكر الإنجيل عن حياة يسوع قبل بدء
خدمته سوى قصة زيارته للهيكل فى سن الثانية عشرة. فكيف نفهم هدف ذكر هذه القصة
فقط؟ بالنسبة لكل يهودى تقى نجد أن الحياة العادية والدين متشابكان وكلاهما لهما
إرتباط عضوى بالهيكل وبشعب إسرائيل. وكل إسرائيلى عميق التفكير يفهم أن حياته
الحقيقية ليست فى المكان الذى يحيا فيه بل تجرى نحو الوحدة الكبرى مع شعب الله
وتدور حول الهيكل وهالة التقديس التى تحيط به. بل كل يهودى فى أعماق مشاعره أنه
مولود فى صهيون فهناك منبع حياته. إذاً لم تكن مشاعر اليهودى أين كان هى مشاعر
الإشتياق الطبيعى لرؤية مدينة أبائه أورشليم المجيدة، ولا هى مشاعر الحماس بأن تقف
أقدامه على أبواب أورشليم حيث وقف الأنبياء والملوك والكهنة. ولكن هى مشاعر أعمق
تجعله فرحا حين يقول "هلم ندخل بيت يهوه". وحتى حينما يكون الهيكل خربا
فاليهودى يتمسك بذكريات الماضى المجيد، ويتمسك بوعود الله عن مجد أورشليم الآتى،
والذى يراه اليهودى أنه آتٍ قريبا. بل ويعود عرش داود فى أورشليم وسط قصورها.
وكان هناك قانون مشدد أنه على الصبى فى سن
الثالثة عشرة أن يتواجد فى الهيكل ليرى ويلاحظ الشعائر التى تمارس فى الهيكل فى
الأعياد، وحينئذ يطلق على الصبى "إبن التوراة أو إبن الشريعة". وكانوا
ينفذون هذه الوصية للصبى قبل سن الثالثة عشرة بسنة أو بعد هذا السن بسنتين على
الأكثر. وبحسب هذه الوصية إصطحبت العائلة المقدسة الصبى يسوع بصحبة الناصريين فى
أول عيد فصح للصبى يسوع بعد أن إجتاز سن الثانية عشرة. ويتضح أن هذه كانت عادة
العائلة المقدسة أن يذهبوا إلى أورشليم سنويا فى عيد الفصح. ولم تكن النساء ملزمة
بالذهاب إلى الهيكل، ولكن العذراء مريم إستفادت فرحة بأراء الرابى هليل الذى سمح
للنساء بحضور هذه الإحتفالات المقدسة.
ولقد إختلفت الظروف السياسية فقد عاقب
الإمبراطور رئيس الربع أرخيلاوس ونفاه إلى بلاد الغال، وضم اليهودية والسامرة
وأدومية إلى ولاية سوريا الرومانية. وعيَّن واليا على هذا الجزء من أرض فلسطين،
وهذا كانت إقامته فى قيصرية. وكان اليهود يأملون فى مثل هذا التغيير ليتخلصوا من
حكم عائلة هيرودس الطغاة. ولكن أحلامهم ذهبت هباء. فلم تعود لهم إمتيازاتهم
وإستمرت معاناتهم وجرد الرومان السنهدريم من قوته الحقيقية. ولكن الرومان لم
يتدخلوا فى الأمور الدينية لليهود. ولكن وجود الرومان كقوة حاكمة مسيطرة فى
أورشليم كان بمثابة إهانة لليهود. وتسبب هذا فى مقاومة كانت أشبه بـمعركة
"حياة أو موت". وكانت أول ممارسات الوالى الجديد لسوريا "سالبيسيوس
كيرينيوس" أنه إستباح أموال أرخيلاوس، هذه التى كان أرخيلاوس قد حصلها بطرق
غير شرعية. بل وأمر بعمل تعداد للسكان لتحديد ضرائب عليهم. وهذا التعداد أثار
الشعب إذ إعتبروه علامة إستعباد ومضاد لفكر الحكم الإلهى لإسرائيل. ولأن هذا
التعداد كان فى نظر كبار الربيين ضد الناموس لم يخضعوا له. ولم تفلح محاولات رئيس
الكهنة الذى كان يمثل الوالى فى إخماد هذه الثورة، ولكن نجحت محاولاته فى أن يتم
التعداد. وشكل هذا التعداد والثورة التى حدثت بسببه جزءا من التاريخ ووصل كل هذا
إلى أسماع الصبى يسوع.
كان ملك هيرودس الكبير الذى لا يستحق هذه
التسمية، علامة على فترة من التاريخ اليهودى إنتهت بالحرب اليائسة بين اليهود
والجيش الرومانى التى إنتهت بحريق أورشليم والهيكل. وخلال هذه الفترة نشأت جماعة
أسماها يوسيفوس المؤرخ اليهودى "القوميين أو الوطنيين" كحزب رابع
بجانب الفريسيين والصدوقيين والأثينيين [وهذه جماعة من النساك اليهود عاشوا ما
بين سنة 200ق.م. وسنة 100 ب.م. وسكنوا شمال البحر الميت وكلمة نساك بالإنجليزية Ascetics]. وإنقسم الشعب بين مؤيد لهؤلاء القوميين
أو مضاد لهم. وكان مبدأهم أنه لا سيد مطلق عليهم إلا الله. وهذه كانت حركة لإحياء
فكر المكابيين (كلمة المكابيين مأخوذة من مقاطع "مى كاموكاه بعليم يهوه"
وتعنى "من يشبهك يا رب بين الآلهة"). وهى كانت حركة قومية وطنية أكثر منها
دينية، مع أنه من الصعب الفصل بين الإثنين عند اليهود. ولم يُطلق على أتباعهم لقب
الحسيديين أى الأتقياء كما كان فى أيام المكابيين بل قيل عن أتباعهم لقب الغيورين
وبالعبرية القانويين. وكان موطنهم الأصلى الجليل وليس اليهودية. وسادت معاقل
الهيرودسيين والفريسيين والصدوقيين مشاعر مناوئة لهؤلاء الوطنيين. ولم يكن من
المتوقع أن يؤيدهم الأثينيين المنشغلين بتأملاتهم الصوفية ونسكهم منسحبين من
العالم. ولم يتعاطف معهم أيضا الربيين أتباع مدرسة هليل. ويبدو أن هؤلاء الجليليين
الوطنيين ورثوا شجاعة يفتاح وحماسة إيليا. هؤلاء لم تلقنهم المدارس الموجودة هذه
الحماسة بل إشتعلت قلوبهم بالغيرة على الله وشعبه إسرائيل.
وخرج منهم فى بداية حكم هيرودس ثوار
فدائيين ضده تحت قيادة "حزقيا" [ربما هو ثوداس أع5 : 36]
وأبدوا مقاومة شديدة ضده، ولكنها لم تكن منظمة. وأسماهم يوسيفوس اللصوص لأن السنهدريم
وافق على إعدام حزقيا هذا. ولكن مع بداية هيرودس صار السنهدريم شبح له، وصار أعضاء
السنهدريم بترشيح من هيرودس من الكهنة والصدوقيين وأساتذة الشريعة الباحثين عن
سلام حياتهم أولا بل كانوا يحتقرون الشعب. وهؤلاء لم يكن لهم أى تعاطف مع الطموحات
والأمال الوطنية. هؤلاء كان الملكوت السماوى المثالى يتمثل بالنسبة لهم فى أن
السماء تعطى بعمل إعجازى حكم مطلق للربيين.
وبالتبعية، بعد ذلك حين ظهرت الحركة
الوطنية لم تلق أى تعاطف من قادة الربيين. وظهرت الأثار الكبيرة لهذا قبل أن يأخذ
يوحانان بن سكاى الشهير أورشليم بفترة قليلة. وذلك قبل خراب أورشليم بفترة قليلة.
ولوحظ وقتها أن أبواب الهيكل قد فتحت من تلقاء نفسها بدون يد إنسان. وإعتبروا هذا
نذير شؤم كما يفهمون تفسير (زك11 : 1) ففى الكتابات التلمودية يطبقون كلمة لبنان
على الهيكل. وفهموا أن هذا علامة على خراب قريب. وهناك قصة عن الأحداث الأليمة فى
هذه الفترة. فحينما رأى يوحانان أثار المجاعة الحادثة فى أورشليم نتيجة الحصار
الرومانى، والشعب يحتفل بعمل حساء من القش، سخر من هذه الحامية الضعيفة التى تتحصن
بأسوار أورشليم ضد جيوش فاسباسيان قيصر روما وصمم على ترك المدينة. وحاول كقائد لمدرسة
هليل أن يقنع الشعب بالإستسلام والخضوع لروما ولكن ذهبت محاولاته هباء. وبينما نجد
أن مدرسة الرابى هليل إتجهت للسلام والإهتمامات الفلسفية، ولم تهتم بالإتجاهات
الوطنية، وكان شعار مدرسته "العقلاء هم شعب الله أما هؤلاء الناس الذين لا
يعرفون الناموس فهم ملعونين". كانت مدرسة الرابى شماى قمة فى التعصب، فهم لا
يتعاملون مع الأمم بل كانوا يطردون من يريد أن يدخل لدين اليهود، وتعاطفت مدرسة
شماى مع المشاعر الوطنية. بل وصلوا لقتل عدد من أتباع مدرسة هليل حضروا لمناقشة
فكر شماى حول 18 قانون لمقاطعة الأمم تماما. ومنها عدم البيع أو الشراء من الأمم
وعدم تعلم لغتهم (عقد هذا الإجتماع فى بيت حنانيا بن حزقيا أحد كبار مدرسة شماى،
وحينما وصل أتباع هليل قتلوهم). وحددوا فى هذا الإجتماع قادة ليدعموا الحركة
الوطنية.
رأينا كيف ظهرت الحركة الوطنية مع بداية
ظهور هيرودس وكيف حاول إخمادها بدون رحمة، أولا بإعدام حزقيا. وبعد جلوسه على
العرش ذبح أعضاء السنهدريم. وهذه الممارسات الوحشية لهيرودس أعطت الربيين إتجاها
آخر. فبينما إتجهت مدرسة هليل وهى تضم الأغلبية إلى النظريات اللاهوتية، إتجهت
مدرسة شماى وهى تضم أقلية إلى الحركات الوطنية. ولم يكن مثل هيرودس الذى كان يخمد
بعنف أى حركة وطنية، ويتضح من هذا لماذا كان ناويا على قتل المسيح إذ سمع أنه ملك
اليهود. ونلاحظ أنه بعد ذبح أعضاء السنهدريم أن تغير فكر الربيين من الإهتمام بملك
المسيا، ولأن هيرودس كان يعلم تأثير رئيس الكهنة على الشعب كان يعطى الوعود لرئيس
الكهنة. ومع علمه بصعوبة تغيير رئيس الكهنة إلا أنه كان يفعلها. وتغير رؤساء
الكهنة بين أربع عائلات إمتصوا أموال الهيكل. بل إهتم هيرودس فى أيامه بأن يكون
رؤساء الكهنة من خارج أرض فلسطين. ومن الطبيعى مع كل هذا لم يعد لرؤساء الكهنة أى
إهتمامات قومية أو وطنية. ونفس الإحتقار لوظيفة رئيس الكهنة ساد أثناء حكم
أرشيلاوس. وعلى فراش موته أعطى هيرودس رئاسة الكهنوت إلى يوعازار بن بويثوس الكاهن
السكندرى الثرى. وكانت مريم الثانية التى تزوجها هيروددس هى بنت بويثوس هذا.
وتحالفت أسرة بويثوس مع هيرودس مؤلفين حزب الهيرودسيين الملتزمين بالفكر الفريسى
مع ولائهم التام لعائلة هيرودس الحاكمة. ولكن يوعازار إتخذ الموقف الشعبى ضد
أرشيلاوس. فعند بداية حكمه عزله أرشيلاوس وعين بدلا منه إبنا آخر لبويثوس هو
العازار. ولكن إنقلب فكر أرشيلاوس من ناحية عائلة بويثوس وبدأ يشك فيهم. ووجدنا أن
رئاسة الكهنوت قد ذهبت ليشوع وهو شخص غير معروف. ثم مرة أخرى وجدنا رئاسة الكهنوت
قد عادت ليوعازار بن بويثوس ثانية أثناء تعداد كيرينيوس. وغالبا فقد حدث هذا
لشعبيته وإلتفاف الناس حوله. فأعاده الحكم الجديد بعد عزل أرشيلاوس. وهذا يفسر
تأثيره على الشعب وهدوءهم، وقبولهم لتعداد كيرينيوس.
وإستمرت هذه الثورات التى بدأت فى الجليل،
ولم يقتنعوا بموقف يوعازار الذى هدأهم وجعلهم يقبلون بالجزية التى فرضها عليهم
كيرينيوس. وقام من يُدعى يهوذا الجليلى وإعتبر أن موقف يوعازار هو خيانة، ودعمه فى
هذا الرابى صادوق من مدرسة شماى، وبدأوا فى تمرد جديد. ونرى فى موقف غمالائيل (أع5
: 37) كيف كانت نظرة مدرسة هليل لهذه الحركات الثورية. وقدمت عائلة يهوذا الجليلى
شهداء كثيرين فى هذه الثورات وصلبوا أبناءه ولقوا عذابات كثيرة، إذ ظلوا فى حالة
تمرد وحرب ضد روما سعيا وراء أمل إسرائيلى فى الحرية. ومات هؤلاء فى ماسادا [قلعة
بناها هيرودس الكبير على مرتفعات البحر الميت وفيها إستشهد المئات من ثوار اليهود]
. لاحظ أن أحد التلاميذ الإثنى عشر كان من هؤلاء الغيورين وهو سمعان الغيور
(لو6 : 15) أو سمعان القانوى (مت10 : 4). ولكن مفهوم مملكة المسيح كانت شيئا مختلفا
تماما عن فهم هؤلاء الغيورين.
وكان صعود الصبى يسوع إلى الهيكل فى العيد
فى أثناء ولاية كيرينيوس. وكانت الجزية قد تقررت وأخمدت ثورة يهوذا. ولكن كيرينيوس
لم يكن لديه ثقة تجاه يوعازار رئيس الكهنة فإستبدله بحنان بن شيث. وهو حنان السيئ
السمعة فى العهد الجديد. وظل هو وإبنه فى رياسة الكهنوت حتى تولى بيلاطس البنطى
ولاية اليهودية. وتبعه قيافا زوج إبنته فى رياسة الكهنوت. وقد خضعت فلسطين تحت حكم
الولاة الرومان وأولهم كان كوبونيوس وتلاه ماركوس أمبيفيوس ثم أنيوس روفس ثم
فاليريوس جراتوس وهؤلاء نعرف القليل عنهم. وقاموا كلهم بإضطهاد وظلم اليهود ولكنهم
إحترموا مشاعرهم الدينية حنى أنهم أزالوا صورة الإمبراطور من على أعلام الجنود
الرومان أثناء سيرهم فى أورشليم. وذلك حتى لا يثيروا مشاعر اليهود العدائية لهم إذ
أن صورة الإمبراطور تعنى عبادته. ولكن أعاد بيلاطس البنطى هذا الرمز المكروه من
اليهود عندما تولى ولاية اليهودية. ولنتصور أن ظهور المسيح كان فى هذه الفترة
الحرجة من تاريخ إسرائيل. وكان صعود المسيح الأول للهيكل بعد إخماد ثورة يهوذا
الجليلى وفرض الجزية وتولى حنان رئاسة الكهنوت. وعاصر بدء خدمة المسيح تولى بيلاطس
البنطى ولاية اليهودية وتولى قيافا رئاسة الكهنوت. وكان الصعود الأول للمسيح إلى
الهيكل فى عيد الفصح سنة 9 م. وكان الوالى وقتها هو كوبونيوس، وكان حنان هو رئيس
الكهنة. وكانت هذه فترة هدوء مؤقتة فى البلاد، لقد إحتفظ الثوار بالثورة فى قلوبهم
إذ عجزت أيديهم عن فعل شئ. وبحسب العادة صعدت العائلة المقدسة وسط قافلة الجليليين
إلى أورشليم وهم يرنمون ترانيم المصاعد وهذا كان يثير فى الجميع المشاعر الروحية
المقدسة. وبالنسبة للصبى يسوع فهذه هى الزيارة الأولى لبيت أبيه السماوى وبداية
وعيه لإرساليته. هذا ما كان يشغل فكره وليس عظمة مبانى الهيكل. وكان الهيكل من
الضخامة حتى أنه يتسع لمئات الألوف من الذين يصعدون للهيكل فى الأعياد. كان من
يأتون لعيد المظال أكثر ممن يأتون فى الفصح ويقابلهم سكان أورشليم بالترحاب وكرم
الضيافة. وكان الهيكل على تل محاط بقصور عديدة ومغطى بالرخام الأبيض ورقائق الذهب.
كثير الأروقة مثل رواق سليمان الضخم. والهيكل كثير الأبواب الهائلة مثل باب
الجميل. وتقدر مساحته بــ 300 × 300م. على أحد زواياه قلعة أنطونيا وبها الحامية
الرومانية. وهناك باب يفتح على جبل الزيتون. وهناك أماكن لمن يقصدون الهيكل للصلاة
والمناقشات للتعليم. وهناك برج يوحنا والذى منه تجد فتحة ومنها منزل إلى وادى
قدرون أسفل الهيكل بحوالى 150 متر. ومن هذا البرج يعلن الكاهن فجرا بدء الطقوس
اليومية التى تمارس فى الهيكل. وفى الهيكل هناك مقر السنهدريم حيث يعقدون جلسات
مجمعهم. وهناك دار الأمم والممنوع على أى أممى أو من هو غير طاهر شرعيا أن يجتازه
وحجر موجود عليه تحذير بعدم إجتيازه. وفى دار الأمم يوجد الصيارفة وباعة الذبائح
الطقسية. ومن باب الجميل تدخل إلى دار النساء وفيها الخزانة بأبواقها الثلاثة عشر [كانت
الصناديق التى يلقى فيها بالنقود لها فتحات بها أبواق يسمع منها رنين العملات التى
تلقى فى الصندوق]. وفوق دار النساء يوجد 15 درجة تقود للدار العليا من خلال
باب نيكانور المغطى بالنحاس الكورنثى، وهنا تجد اللاويين المرنمين بألاتهم
الموسيقية. والدار العليا بها دار الكهنة ودار إسرائيل ومذبح المحرقات الكبير
والبحر. ثم هناك 12 درجة تقود للمقادس حيث القدس وقدس الأقداس الذى لم يوجد فيه
تابوت العهد بعد تخريب الهيكل بواسطة البابليين سنة 586 ق.م. ووضعوا فيه حجر غطى
حفرة ظنوا أن العالم وجد منها. ويوجد خارج المقادس موائد رخامية يوضع عليها خبز
الوجوه. وباب المقادس عليه كرمة ذهبية.
وسط هذا الهيكل ووسط الشيوخ أساتذة
الناموس جلس الصبى يسوع يسمع ويسأل لمدة ثلاثة أيام. وكان على الشعب حضور اليومين
الأولين للفصح، وكان يسمح للشعب بالعودة إلى بيوتهم بعد منتصف اليوم الثالث. ولذلك
قرر يوسف والعذراء مريم العودة إذ لم يكن هناك داعٍ لبقائهم بقية أسبوع الفصح بعد
أن أتموا كل طقوسه، وهكذا فعل الكثيرون وبدأوا رحلة العودة. ولكن وجدنا الصبى يسوع
لا ينضم لأقربائه أو للصبية من سنه. بل يذهب ليجلس فى حلقات الدرس التى يعقدها
شيوخ السنهدريم من الصباح حتى وقت التقدمة المسائية للرد على التساؤلات
والإستفسارات. وكانت هذه عادة لهم حسب ما ذكره التلمود. وليس بالضرورة أن الشيوخ
شعروا فى المحادثات التى دارت مع الصبى يسوع أنهم أمام شئ خارق للطبيعة. فهم بحسب
عادة الشيوخ كانوا يعطون أهمية ويولون إهتماما أكبر لمن يجدوا فيه نضوجا مبكرا أو
نبوغا غير عادى. وحتى لو لم يجدوا شيئا فائق للطبيعة فى حوار الصبى يسوع إلا أن كل
من سمعه تعجب من الفطنة فى إجاباته وكيفية ربطه للأحداث. ولكننا لا نستطيع تصور
ماذا دار فى الحوار بينه وبين الشيوخ، لكن يمكن تصور أن الحوار دار حول معانى
الفصح. وربما أظهر الصبى يسوع المعانى المخفية فى رموز الفصح وأنها تدور حول
المسيا المخلص حمل الله الذى يرفع خطية العالم (أى هو نفسه). ومن المعروف أن هليل
الكبير حاز على درجته الرئاسية إذ أثبت أن الفصح يجب أن يقدم حتى فى السبت.
وهناك تصور جائز أن العذراء مريم أخبرت
الصبى يسوع ما حدث يوم البشارة بميلاده، ويوم ميلاده، ويوم دخولها الهيكل معه وما
قيل عنه من سمعان الشيخ وحنة النبية. وكانت إجابة يسوع على شكواها من تخلفه عن
موكب القافلة، فقد قال لها "ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فيما لأبى"
وهذا يعنى "ألا تذكرى كل ما سمعتيه وتعرفى أن لى رسالة وأننى مكلف من أبى بأن
أتممها، وعلىَّ أن أكون فى كل لحظة فيما لأبى الذى أرسلنى". ومعنى إجابة
الصبى يسوع أنه بوجوده فى الهيكل بيت أبيه أُخِذَ تماما بفكرة أثيرت فى ذهنه عن
هدف إرساليته فكان أن تغافل عن كل ما يدور حوله. ويمكننا القول أن الصبى يسوع فى
تغافله وعدم إهتمامه بحياته كطفل وكصبى يحيا حياته مثل بقية الصبية، واضعا عينيه
على إرساليته، كانت هذه أول ذبيحة يقدمها يسوع. وبنفس المعنى أغفل الإنجيل سرد
حياة يسوع بل فقط تعاليمه وفدائه. وبنفس الفكر قال لتلاميذه "طعامى أن أعمل
مشيئة الذى أرسلنى وأتمم عمله" (يو4 : 34). وهناك ملاحظة أن إجابة يسوع التى
قالها لأمه العذراء "ينبغى أن أكون فيما لأبى" تترجم بمعنى أنه
"ينبغى أن أكون فى عمل أبى" ويمكن أن تترجم أيضا " ينبغى أن أكون
فى بيت أبى". وهذا ما جعل يوسف والعذراء لا يفهمان ما يقول فلا يوجد صبى فى
إسرائيل يقول عن الهيكل بيت أبى. وهكذا إعتادت العذراء الأم أن تستمع لكلمات إبنها
وأفعاله وتصرفاته، تفهم البعض ولا تفهم البعض الآخر وتندهش له. فإذا فهمت أن
الهيكل هو بيت أبيه فلماذا عاد إلى الناصرة وظل خاضعا لهما بعد ذلك. وكان خضوعه
لهما خضوعا إراديا. وظلت هى تحفظ هذه الأمور فى قلبها وتفكر فيها بينما هو ينمو
أمامها. ونحن الآن يمكننا فهم قول المسيح ليوسف وللعذراء أمه فى ضوء ما عرفناه عنه
من خلال الإنجيل وأنه إبن الله فى الجسد. أما العذراء فكانت تجمع كل هذا يوما
فيوم.
يسوع فى بيته وعائلته :- كانت
الحياة بسيطة فى بيت بسيط فهم ليسوا من الأغنياء، وهكذا طعامهم وملبسهم، وهكذا كانت
كل بيوت الناصرة فهى مدينة فقيرة بسيطة لا تأثير لها فى المجتمع. وفى وسط هذا
المجتمع البسيط كانت العلاقات بين الأسر وبعضها مترابطة. وهكذا داخل كل أسرة.
وبالطبع كان هذا هو الوضع بين يسوع وإخوته وأخواته [من أبناء العمومة أو خلافه
فالأقارب هم إخوة عند اليهود. فقد قيل عن إبراهيم أنه أخو لوط بينما هو عمه].
ومن إخوته يعقوب ويهوذا (كاتبى رسالتى يعقوب ويهوذا). ويوحنا ويعقوب إبنا زبدى
أبناء سالومة أخت العذراء (قارن مر15 : 40 مع يو19 : 25) [جاءت الآية يو19 : 25
فى الترجمة الإنجليزية هكذا "وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه، وأخت أمه.
مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية" فنلاحظ فى هذه الترجمة نقطة توضع بين أخت
أمه تفصلها عن مريم زوجة كلوبا. وبهذا تكون أخت أمه هى سالومة المذكورة فى إنجيل
مرقس]. ويبدو أن إخوته كانوا من أتباع الفكر الفريسى والقومى ولهم أحلامهم
الوطنية فى الحرية والمستقبل المسيانى المجيد. وورث يسوع من يوسف النجار مهنته
فعمل نجارا (مر6 : 3). واليهود لم يحتقروا المهن اليدوية كما يفعل الوثنيون، بل
كان هذا يبدو أنه واجب دينى بل ويشدد على أن يتعلم الأولاد حرفة على ألا يعوقهم
هذا عن دراسة الناموس. وكانت المحبة تسود العائلات اليهودية بين الأباء والأمهات
وأولادهم، وأيضا إكرام الأبناء للوالدين. ولم يعرف فى العائلات اليهودية أنهم
يستأجرون مربيات للأطفال من الوثنيات فهذا مفسدة للأطفال. ولأن يسوع عاش حياة
طبيعية كان يرى كيف يلعب الأطفال، وأعطى مثالا لذلك (لو7 : 32) فى حديثه عن رفض
اليهود له وليوحنا المعمدان.
يسوع والحياة اليومية والطبيعة :- تكلم
المسيح عن جمال زنابق الحقل وفى هذا نرى نظرة المسيح للطبيعة ومشاعره الحساسة
بجمال الطبيعة، وهكذا رأى الطيور التى تجد طعامها بعمل إلهى. وشاهد بحس مرهف عاطفة
الأمومة عند الطيور وكيف تضع الدجاجة أفراخها كأم تحت جناحيها. وكيف تعرف الخراف
صوت راعيها، وكيف يرد الراعى الخروف الضال باذلا نفسه لأجله. وتكلم عن أوجرة
الثعالب والطيور فى أوكارها. وكان المسيح يشعر بتعاطف مع مشاعر الجموع ولم يقبل أن
يصرفهم وهم جائعين. ونرى فى أمثاله مشاعر حساسة تجاه المديونين والحزانى والظلم
الذى تعانى منه الأرامل والفقراء ويقارن مع ترف الأغنياء. ونرى مشاعر يسوع
الإنسانية فى بكائه على أورشليم وعلى لعازر، وفى محبته لعائلة لعازر. المسيح لم
يكره العالم الذى خلقه، بل هو لا يحتمل ألام المتألمين ويتعاطف معهم. وهو كان
ينسحب من وسط هذا العالم لا لأنه يكرهه بل لأنه كان فى إحتياج للخلوة والهدوء
والصلاة. المسيح لم يرفض العالم بل أراد تجديده ليصل به للآب السماوى، وهو فى
محبته للخليقة، فتيلة مدخنة لا يطفئ وقصبة مرضوضة لا يقصف.
يسوع والأفكار السائدة :- سادت
أيام المسيح الأفكار القومية ودعمها تعليم الرابى شماى، ووجدت أيامه جماعة
الغيورين وكان أحد تلاميذه واحدا منهم. وكان فكرهم مبنيا على مملكة يحكمها الله،
ويحلمون بها مملكة مثالية. وتعاطف المسيح مع هؤلاء لكنه شرح لهم المفهوم الحقيقى
للملكوت [مت13 مثلا. وشرح لهم أن الخلاص الحقيقى هو الخلاص من الخطية وليس من
الرومان]. أما بالنسبة للفريسيين والكتبة وغيرهم من المعلمين فقد ساد عليهم
الحرفية مع الرياء والكبرياء والإعجاب بالذات مع فراغ داخلى، وهذا ما واجهه المسيح
بشدة وفى مجامعهم. وأنار المسيح الفهم الروحى للناموس، وإهتم هؤلاء بحرفيته دون
إدراك لأعماقه الروحية.
الفصل الحادى عشر
صوت
صارخ فى البرية
فى
السنة 15 لطيباريوس قيصر. وأيام حنان وقيافا
أحاط تاريخ الثلاثين سنة الأولى من عمر
المسيح الغموض، إلى أن ظهر المعمدان السابق للمسيح [ليمهد الطريق له ويعمده
فيؤسس المعمودية]. وكان ظهور المعمدان كما كان ظهور إيليا لإصلاح مجتمع مزدهر
لكنه كان يعانى من مرض خفى قد تقيح وقارب على الهلاك. كان مجتمعا يبدو متدينا
ولكنه منحرف وفاسد. ورأى الله فيه أملا وإمكانية للإصلاح والتجديد. وكان كلاهما
إيليا ويوحنا المعمدان متشابهان فى أشياء كثيرة. فلقد ظهر كلاهما فجأة ليخيفوا
الناس من أحكام مخيفة، ولكن لم يغفل كلاهما أن هناك أمل فى الإصلاح. وظهر كلاهما
فى مظهر نسكى متقشف وملابس نسكية، بعكس عادات معاصريهم. جاء المعمدان فجأة من
البرية كما جاء إيليا من برارى جلعاد. وكانت رسالتيهما متشابهتان. وتشابه غرض
كليهما فى أنهم برسالتيهما كانوا يعلنون بداية عصر جديد [المعمدان كسابق للمجئ
الأول وإيليا كسابق للمجئ الثانى].
كان الوقت فى كلا العالمين فى روما وفى
فلسطين قد قارب على ملء الزمان، ليس فى توقع شئ معين بل فى الإحتياج المطلق. لقد
كان حكم أغسطس قيصر علامة ليس فقط على الوصول للحد الأقصى بل إلى حد الأزمة للعالم
الرومانى. وصل العالم إلى الحدود القصوى فى أيام أغسطس، بالنسبة للسياسة والفلسفة
والدين والمجتمع، هذا النضج كان إما أن يصل بالدولة الرومانية إلى الدمار أو
التجديد والإصلاح. وكان يمكن الإحساس بأن الدولة لا يمكن أن تمتد لأكثر مما هى
عليه، بل من الآن فصاعدا كان كل الهدف المحافظة على ما هو موجود من الأمم التى
إستولوا عليها. كان مصير الدولة فى يد رجل واحد هو قيصر وهو فى نفس الوقت رئيس
مجلس الشيوخ ورئيس لجيش مكون من 000,340 رجل،
والكل
خاضع لأوامره وهو أيضا الرئيس الدينى ويؤلهونه. كانت كل القوى فى يده. وإختلف
الشعب ما بين فقراء لحد العوز وبين أغنياء مرفهين جدا. وكان تعداد روما حوالى 2 مليون،
ونصف عدد هؤلاء عبيد، وهناك من الباقين من هم من المحررين بعد أن كانوا عبيدا
وأيضا هناك أجانب. وكان لكل من هؤلاء نصيبه فى إنهيار الإمبراطورية.
فلقد كان النظام السائد فى معاملة العبيد،
ما جعل العبيد كتلة ضخمة متقدة غضبا من الوحشية فى المعاملة والظلم والدسائس
والفساد. وكان هذا هو السبب الرئيسى لإنهيار الدولة الرومانية والمجتمع الرومانى.
أما المحررين بعد أن كانوا عبيدا، فلقد إجتمع فيهم الرذائل التى بدون خجل مع حقارة
وخسة تصرفات العبيد. أما الأجانب من اليونان ومن سوريا فلقد جلبوا معهم كل الفساد.
أما المواطنين الرومان فكانوا غارقين فى المجون والفساد، يقضون أوقاتهم فى المسارح
والإستادات. ومع أنه فى أيام أغسطس كان عدد المواطنين الرومان حوالى 000, 200 وهم مدعمين من الدولة، إلا أن عددهم كان يتناقص إذ إنصرف
الناس عن الزواج إلى الفجور والدعارة، وإنتهت بذلك الحياة العائلية. وكانت الحياة
فى الأمم المحتلة أفضل كثيرا، إلا أن سياسة الدولة الرومانية كانت تدمير القوميات
ونشر الفكر اليونانى وسط الكل. وكانت المقاومة الحقيقية الوحيدة لهذه السياسة
الرومانية هى من اليهود. وكان ترابطهم بسبب دينى، وكانوا متزمتين إلى أضيق الحدود،
إلا أن هذا قد حقق لهم حماية إلهية. وكما كانت روما مركزا لجذب الكل، كان هذا سببا
فى فسادها المدمر. فوصلت روما إلى الحد الميئوس منه فى الإصلاح.
ساد فى روما فلسفتين الرواقية
والأبيقورية. الأولى نشرت وسطهم الكبرياء، وكان هذا متفقا مع ميولهم، والثانية
أشبعت شهوتهم. وكلاهما قاد لفكرة الإلحاد واليأس، أحدهما قاد الناس لتجنب كل فكر
طموح، والآخر أغرقهم فى الشهوانية. فإنصرفوا لتمجيد ذواتهم وعبادة المادة. وتوقف
الإيمان بحياة أخرى بعد الموت. ولقد نادى الرواقيون القدماء بأن الروح تستمر بعد
الموت فى الوجود، وقال المحدثين منهم بإنطلاق الروح للإتحاد بعالم الأرواح ولكنهم
أحاطوا هذا الفكر بالشكوك والغموض، حتى أنهم وصلوا بالناس لعدم الأمل فى الحياة
بعد الموت فجعلوا الناس بلا تعزية. أما شيشرون فكان الوحيد الذى نادى بخلود الروح،
ولكنه أحاط كلامه بالشكوك. وأنكر غيرهم وجود الروح أصلا. أما الأمل الوحيد كان فى
المدرسة الأفلاطونية الحديثة، ومع أنه كان لها بعض الأخطاء، إلا أن أفكارهم أوجدت
نقاط إتصال مع الإيمان الجديد.
وبينما أعطت روما حرية التدين للشعوب
المختلفة إلا أنه وسط هذا الجو كان من الصعب أن يقبل الناس أى إيمان حقيقى. ووصل
الأمر لأن عامة الناس قالوا عن التدين الحقيقى أنه مجرد خرافات. وإنتشرت العبادات
الحقيرة بين الناس. أما الفلاسفة فقد إنقسموا ما بين من يقول أن الأديان كلها
حقيقية وبين من يقول أن كلها زائفة. أما الدين الذى إجتمعت عليه الدولة كلها فهو
تأليه الإمبراطور وعبادته، والرفض الحقيقى لهذا كان من جانب اليهود وقيل من جانب
البريطانيين أيضا. وإنتشرت فكرة التأليه إلى زوجات الأباطرة وأبنائهم بل حتى
عشيقاتهم، بل ألهوا بعض المخلوقات. وهناك أشخاص تم تأليههم وصل عددهم 53 شخصا من
رجال الدولة، فى الفترة من أيام أغسطس إلى أيام دقلديانوس. وإنتشرت الخرافات فى
العبادات وألهوا الأرواح التى كانوا يرتعبون منها. وإتبع الرومان ديانات عجيبة
وإلتزموا بطقوسها، وكلما إزداد غموض ديانة إنجذبوا لها. ولذلك وجدنا البعض من
الرومان يتحولون لليهودية. وقدم الرومان العبادة للشهوات غير الطبيعية وكانوا خلالها
يجدفون بطريقة بشعة. ولقد ساد الفساد عبادات الرومان، وسادت عباداتهم تشخيص
الآلهة والتنجيم وتحضير الأرواح وغيرها من العبادات الفاسدة. وكل هذا أدى لإنهيار
الدولة. ولم يعرف هؤلاء الوثنيون معنى الضمير كما نعرفه الآن ولم يعرفوا معنى
لحقوق الإنسان. القوة هى الحق فى نظرهم. وتوقف فى نظرهم قدسية الزواج. وكان فساد
الفتيات والفجور سببا أساسيا فى إنهيار وضياع فكرة الزواج فإنهارت الأسر. وساد وسط
هذه المجتمعات الإجهاض. وكان قتل الأطفال مسموحا به. وإنتشرت هذه الرذائل أيضا وسط
الفلاسفة.
ولكن بين كل هذا كان هناك ثلاثة أشياء
كعلامة على أن وقت الدولة الرومانية قد إقترب… معاملة العبيد/ أحمال الفقراء/
اللهو والمتع الحسية. فعن معاملة العبيد.. كان كلا العبيد رجالا ونساء بلا حماية
ويعاملونهم بوحشية، يلقونهم للوحوش للتسلية، أو يدفعونهم للقتال فى الإستادات ومن
يبقى يتحرر. وإذا مرض العبد أو تقدم به السن يلقى خارجا إلى أن يموت من العوز.
وكان الفقراء… بلا أى رعاية أو مصدر دخل ويعاملونهم بوحشية وبلا رحمة. ولم يعرف
القدماء أى رحمة بهؤلاء سوى فى العهد القديم والعهد الجديد. ولم يعرف المجتمع
الرومانى أى شئ عن الزكاة للفقراء بل تركوهم يموتون جوعا بدلا من أن تطول أعمارهم
وهم بلا فائدة للمجتمع. وإحتقر المجتمع الرومانى كل العاملين باليد ما عدا
الفلاحين. كان المجتمع يدمر نفسه بلا أمل فى إصلاح، فكلا الفلسفة والدين عند
الرومان عاجزين عن تقديم شئ يصلح المجتمع. ولقد شعر بعض الفلاسفة بنذر الإنهيار ولكنهم
لم يقدموا حلولا.
هل كان يتصور أحدا أن هناك مملكة للمسيح
على وشك أن تأتى وسط كل هذا الفساد. لقد إحترقت روما وكل مقادسها يوم 19 ديسمبر
سنة 69 م. وبعد ثمانية أشهر ويوم 9 أغسطس سنة 70 م. إحترقت أورشليم وهيكلها. ولم
يكن هذا مصادفة بل هو ترابط يشير لأن كنيسة المسيح ستقوم على خرائب عاصمة الوثنية
وخرائب اليهودية الجاحدة المرتدة.
وكما كان ظهور المسيح فجأة ولا نعرف
الكثير عن حياته قبل الثلاثين من عمره، هكذا كان ظهور يوحنا المعمدان الذى لا نعرف
عنه خلال الثلاثين سنة سوى أنه كان فى البرارى إلى يوم ظهوره لإسرائيل (لو1 : 80).
لم يتشبه يوحنا بالأثينيين، فهو لم يشبههم فى طعامهم وملبسهم، فهو كان يأكل الجراد
والأثينيين يمنعون أكل أى شئ فيه حياة كاللحوم والأسماك والجراد. [الأثينيين هم
طائفة يهودية صوفية فلسفية زاهدة]، لكنه فقط عاش لله 30 سنة فى البرية. وعن
يسوع فلقد خرج من بيته وعمله كنجار مباشرة إلى خدمته، أما يوحنا فقد إحتاج 30 سنة
إعداد فى البرية. وقد حدد القديس لوقا بالضبط ميعاد ظهور المعمدان، ليس فقط لتحديد
الوقت ولكن لنرى صورة للمجتمع اليهودى وظروفه أيام ظهور المعمدان ثم المسيح. فكانت
الأحداث تشير لإقتراب ملكوت الله. فلقد كان الوالى الرومانى هو الحاكم المطلق
لليهودية، واليهود يكرهون الرومان ويعرفون أنهم الوحش الرابع فى رؤيا دانيال.
وكانت رئاسة الكهنوت مقسمة ما بين حنان وقيافا وكلاهما لا يستحق هذا المنصب. ولقد
أخذ بيلاطس منصبه قبل ظهور المعمدان بفترة قليلة. وإستمر بيلاطس وحنان وقيافا فى
مراكزهم خلال خدمة المسيح وحتى صلب المسيح. ولقد إنقسمت مملكة هيرودس الكبير إلى
أربعة أقسام. فكانت اليهودية تحت إدارة روما مباشرة. وكان ربعين آخرين تحت حكم
إثنين من أولاد هيرودس، هما أنتيباس وفيلبس. وكانت هناك إمارة صغيرة هى الأبلية وهى
تحت حكم ليسانيوس.
هيرودس أنتيباس :- إمتد حكمه أكثر من 43
سنة على الجليل وبيرية، وهما مناطق خدمة المسيح والمعمدان الأساسية. وكان حكم
أنتيباس فاسدا أكثر من أخيه أرشيلاوس ولم تكن له مواهب أبيه لكن كان له مفاهيم
دينىة أعمق من أبيه، وبالرغم من فساده كان ضميره يقيده بعض الشئ. وكان ضعفه
المتأصل فيه قد جعله خاضعا تماما لزوجته حتى خربت كل ثروته. كان طماعا شرها بخيلا
مرفها فاسدا وشكاكا، محتالا كالثعلب. ومثل والده أشبع رغباته فى البناء، ولكى يرضى
الإمبراطور كان يطلق أسماء الأمبراطور على ما يبنيه. فقد بنى مدينة طبرية سنة 22
ب.م. شمال بحيرة طبرية فى الجليل تكريما لطيباريوس قيصر. وكانت قبل ذلك منطقة
مقابر. وبحسب الفكر اللاوى تكون مدينة دنسة، لذلك تحاشى اليهود لفترة طويلة السكن
فيها. ولأن المدينة كانت مكانا مملوءا بالبوص، إتخذ البوص رمزا للمدينة التى كانت
فخمة وسكن فيها هيرودس أنتيباس الذى بنى فيها أيضا قلعة حصينة وقصرا فخما منقطع
النظير ليسكن فيه. ومن سكن فى المدينة كانوا مغامرين ومعظمهم من اليونانيين.
فيلبس :- كان أفضل إخوته. وككل عائلة
هيرودس قدم الخضوع لقيصر، وأطلق إسمه على المدينة التى بناها عند منابع الأردن
وأسماها قيصرية فيلبس. وبعد أن جعل مدينة بيت صيدا ميسورة الحال غيَّر إسمها إلى
جولياث على إسم إبنة أغسطس. وكان حاكما عادلا معتدلا إستمر حكمه 37 عاما. وكان
حكمه مختلفا تماما عن عائلته، فكانت الأرض هادئة وخيرها كثير وشعبها راضى وسعيد.
أما من خضع للولاة الرومان فكان لهم
الأسوأ خصوصا بعد أن إنتهى حكم أغسطس قيصر. ففى أيام أغسطس لم يجرؤ أحد فى كل
الدولة الرومانية أن يتعدى على يهودى، وهذا ما سجله الفيلسوف اليهودى فيلو
السكندرى. ولذلك إلتزم اليهود بأن يقدموا يوميا وفى أعيادهم ذبيحة عن الإمبراطور
وشعب الرومان، ويقدمون صلوات عنهم فى المجامع لأن الإمبراطور سمح لهم بحرية
العبادة. ولكن الأمر إختلف بعد أن ملك طيباريوس قيصر وجعل اليهودية ولاية تابعة
يرسل لها الولاة الرومان. إذ كان لطيباريوس مشاعر عدائية لليهود واليهودية، بينما
كان هو نفسه لا يهتم بأى ديانة. وتحت حكمه قام الولاة الرومان بإضطهاد اليهود حتى
ما عاد لهم إحتمال على الصبر والإحتمال. وقام أول الولاة الذين عينهم طيباريوس على
اليهودية بتغيير رياسة الكهنوت 4 مرات حتى وجد فى قيافا الأداة الصالحة الخاضعة
للطغيان الرومانى. ولقد ساد حكم هؤلاء الولاة عدم الإهتمام بمشاعر اليهود وإغتصاب
حقوقهم. وربما كان الأسوأ أيام بيلاطس الذى سادت أيامه الرشوة والوحشية والسرقة
والإضطهاد والإهانة والقتل من خلال محاكمات باطلة. وبينما إحترم الولاة قبل بيلاطس
الوساوس اليهودية فى تزمتها، كان لبيلاطس موقف التحدى والمواجهة لهم مرات ومرات فى
اليهودية والسامرة والجليل حتى تدخل الإمبراطور شخصيا. وفى وسط هذه الظروف
السياسية ظهر يوحنا المعمدان ليبشر بإقتراب ملكوت الله مما جعل اليهود يفرحون.
ولكن وجد آخرين لم يهتموا.
نرى أن القديس لوقا قد جمع بين حنان
وقيافا فى رئاسة الكهنوت. وكان الوالى كيرينيوس قد عَيَّن حنان رئيسا للكهنة
وإستمر فيها 9 سنوات. ثم تم خلعه من رياسة الكهنوت وتعيين غيره 4 مرات حتى إستقرت
رياسة الكهنوت لقيافا زوج إبنته. ووصف التلمود تصرفات رؤساء الكهنة فى تلك الفترة
بأوصاف مرعبة. ووجه التلمود تهمة خاصة لبيت حنان أنهم كانوا كالحيات يوسوسون فى
أذان القضاة ليؤثروا على أحكامهم. وبهذا فسدت الأخلاق، وإنحرفت أحكام القضاء
فإنسحبت الشاكيناة من إسرائيل. وفى تطبيق لهذا نرى كيف أن أصوات العقلاء والحكماء
من أعضاء السنهدريم، مثل نيقوديموس ويوسف الرامى، قد إختنقت وسط شر بقية الأعضاء
فى الحكم على المسيح. وهكذا كان غمالائيل بلا قوة وسطهم أثناء محاكمة تلاميذ
المسيح من بعده. ويبدو أنهم أطلقوا على بعض أبناء رؤساء الكهنة، بل وبعض من
عائلاتهم لقب رؤساء كهنة. وواضح من قول القديس لوقا "وفى أيام رئيس الكهنة
حنان وقيافا" وإستخدامه لإسمين كرؤساء كهنة، أنه مع أن حنان قد تم تجريده من
حبريته إلا أنه إستمر مسيطرا على السنهدريم. وهذا يمكن فهمه أيضا من (أع4 : 6) حيث
يظهر حنان على أنه الرئيس الفعلى، بينما يظهر قيافا كأنه واحد من السنهدريم إذ
يقول "مع حنان رئيس الكهنة وقيافا ويوحنا والإسكندر، وجميع الذين كانوا من
عشيرة رؤساء الكهنة". وذهب القائد والجند بيسوع موثقا إلى حنان أولا فكان
حنان مشتركا فى الإدانة النهائية للرب يسوع (يو18 : 13).
كانت هذه الظروف السياسية والدينية تعلن
عن إحتياج واضح لإسرائيل. فكانت دعوة المعمدان بأن الملكوت قد إقترب وعليهم
الإستعداد قد أيقظت صدى عميق فى نفوس الشعب. وأيضا أثارت بعض المخاوف وربما عدم
التصديق. وكان ظهور يوحنا المعمدان فى برية اليهودية وهى منطقة برارى مهجورة بجانب
الأردن. ومن غير المعروف فى أى الأماكن بدأ المعمدان يمارس عمل المعمودية ولكنه لم
يقتصر على مكان واحد، فقد وجدناه بعد ذلك فى بيت عبرة. وكانت دعوة المعمدان
الرئيسية هى الإستعداد لملكوت الله الذى إقترب. وكان ينذر من لا يتجاوب ليخيفهم.
وكانت المعمودية هى علامة على من يتجاوب مع دعوته ويتوب. كان ملكوت السموات هو
رسالة المعمدان العظيمة التى يبشر بها، لكنه كان عمل المسيح العظيم. هذا الملكوت
الذى كان العهد القديم يرفع أنظار الناس إليه، أما العهد الجديد فقد حققه. ولكن
كانت هناك مقاومة داخلية لملك إسرائيل الآتى وأيضا كانت هناك مقاومة خارجية من
ممالك العالم.
كانت هناك أمال إستمرت ألاف السنين أن
الملك القادم يُكَوِّن مملكة خاضعة له تحيا فى البر، وأنه سيكتسح كل المقاومين
وتخضع له كل ممالك الأرض. وكانت هذه الأمال مبنية على نبوات مثل "ويكون الرب
ملكا على كل الأرض"(زك14 : 9) وأيضا (دا7 : 13 ، 14). ومواصفات هذه المملكة
1) عالميتها 2) سماويتها 3) ديمومتها. وبقدر إتساع خليقة الله سيكون ملكوته مقدسا.
كما ترتفع السموات عن الأرض والله عن الإنسان، هكذا ستكون صورة ملكوت الله بعد
الإنتصار العظيم والنهائى الذى بلا نهاية. كان هذا هو تعليم إسرائيل ورجاءها
العظيم. وحفظ الربيين فى إسرائيل وفى الإسكندرية هذا الرجاء فى قلوبهم كلما إشتدت
ضيقتهم. وضعوا رجاءهم فى شخص المسيا الآتى ليؤسس المملكة. وبمقارنة هذا الرجاء
العظيم الذى عاشت عليه إسرائيل قرون عديدة، نرى تفاهة أفكار الأمم والأفكار
الباهتة لأمم العالم اليوم.
ولكن فى أيام المسيح تشوهت الفكرة ووضع
الناس كل أمالهم فى الحزب القومى ليؤسسوا هذه المملكة بالسيف، ولكن النتيجة كانت
ما لخصه السيد المسيح "لأن كل الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يهلكون"
(مت26 : 52). وقُتِل كل من قاموا بهذه الثورات. أما مفهوم الرب يسوع عن مملكته
فشرحه لبيلاطس حين سأله"وقال له: «أنت ملك اليهود (يسأل بيلاطس عن موضوع
الملك بحسب ما يفهمه العالم) أجاب يسوع: «مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت
مملكتي من هذا العالم، لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم الى اليهود. ولكن الآن
ليست مملكتي من هنا" (يو18). [ولاحظ قول الرب الآن
= والسبب كما قال القديس بولس الرسول أنه ليس الكل بعد قد خضع له الآن (عب2
: 8). المسيح يملك الآن على قلوب من يؤمنوا به ويحبونه فملكوه على قلوبهم. ولكن فى
الدينونة سيملك على الكل، إما بالحب على من أحبوه. أو سيكون الباقين من أعدائه عند
موطئ قدميه. هو الآن يؤسس ملكوته على من يؤمنوا به ويحبونه. وراجع أيضا تفسير
(1كو15 : 24 – 28).]
وعند الربيين كانت عبارة ملكوت الله
(ملكوت يهوه فى الترجوم) وملكوت السموات هما متكافئتان. وعادة كان اليهود يستخدمون
كلمة "السموات" بديلا عن "الله" حتى لا يستخدموا إسم الله على
نحو غير ملائم أو بإفراط، وحتى لا تتعود الأذن على إستخدام الإسم المقدس. وغالبا
فإن هذا هو السبب فى إستخدام القديس متى تعبير ملكوت السموات فى إنجيله فهو موجه
لليهود. ويتضمن تعبير ملكوت السموات تضاد مع مملكة الأرض، فالله حين يملك على شعبه
فى الأرض يجعله يحيا فى السموات [أف2 : 6 + فى3 : 20]. وعند اليهود ينبغى
التمييز بين تعبير "ملكوت السموات" وتعبيرات مثل "مملكة
المسيا" و "الدهر الآتى الذى للمسيا". و"أيام المسيا" و
" الدهر الآتى" و "نهاية الأيام". فتعبير ملكوت السموات عند
اليهود إختلط مع فكرة إعلان الإنتصار النهائى أيام مملكة المسيا. وقد توقع اليهود
أنه بين قدوم المملكة والظهور النهائى الإنتصارى أن تكون هناك فترة إختفاء للمسيا.
ويسبق ظهوره الإنتصارى الأخير فترة ألام وكرب شديد.
وكان تعبير ملكوت السموات عند اليهود يشير
ليس لفترة معينة ولكنه يشير لحكم الله – أى يُعترف به ويعلن وفى النهاية يصبح
كاملا. وفى كثير من الأحيان فهذا يساوى الإعتراف الشخصى بالله : أن يقرر إنسان حمل
نير المملكة أو أن ينفذ الوصايا. والقرار يسبق التنفيذ، وأعطت المشناة سببا لهذا
.. أنه فى الكتاب سبقت صلوات الشيماه (تث6 : 4 وما بعده)… التحذير من عدم
تنفيذها (تث11 : 13 وما بعده). وإعتبروا أن ترديد وتكرار الشيماه، أن هذا يعنى
المعرفة الشخصية بقوانين يهوه. وهذا يعنى أن الإنسان قرر أن يحمل نير ملكوت الله
وبعد ذلك ينفذ الوصايا. وقالوا أن وضع الأحجبة وغسل الأيادى هو أيضا نوع من حمل
نير ملكوت الله. [الأحجبة عند اليهود هى أيات مكتوبة يضعونها فى علب من الجلد
ويربطونها على جباههم وعلى أياديهم ويسمونها المازوزا فى تنفيذ حرفى للآيات تث6 :
8 ، 9] وقالوا أن شعب إسرائيل حمل نير ملكوت الله على جبل سيناء، وهكذا حين
قبل إشعياء عمله النبوى من يد الله. ويشددون على أن هذا يجب أن يكون بإرادة حرة
وبسرور. وقالوا أن أبناء عالى الكاهن وأبناء أخاب رفضوا ملكوت الله. وقالوا أن
معرفة حكم الله فى كلا الإيمان المجاهر به وفى ممارسته عمليا وتنفيذه سيؤسس ملكوت
الله، وسيظهر بإعلان كامل عند مجئ المسيا، وسيملك الله على كل العالم. وسيظهر عدم
إيمان إسرائيل فى رفض 3 أشياء :- 1) ملكوت السموات و 2) مملكة بيت داود و 3) بناء
الهيكل. وذلك بحسب (هو3 : 5) "بعد ذلك يعود بنو اسرائيل ويطلبون الرب الههم
وداود ملكهم ويفزعون الى الرب والى جوده في آخر الايام". وبعد فترة عدم إيمان
إسرائيل سيأتى الخلاص الماسيانى وكل بركات العالم المستقبل أو الأيام الأخيرة.
ونأتى إلى تعاليم العهد الجديد بعد هذه
اللمحة عن الفكر اليهودى. فنجد أن الروح واحد ولكن فكر الربيين وتعاليمهم تختلف.
فتعليم المسيح أنه بغير الولادة من الماء والروح لا يقدر أحد أن يدخل ملكوت الله،
بينما كان فكر الربيين هو أن ملكوت الله هو شئ يقرره الشخص ويحمله كنير. وهذا يعنى
أنه لا بد من الولادة الجديدة حتى ندرك الأمجاد المعدة. وبتحليل 119 مكان تكلم
العهد الجديد عن تعبير الملكوت، كان يتكلم عن ملك الله المعلن فى المسيح. هذا
الملكوت معلن الآن وسط الكنيسة ولكن وسط مقاومات وعثرات فى العالم، ولكن الكمال فى
السماء. وكانت رسالة المعمدان دعوة الناس للخضوع لملكوت الله الذى سيعلن فى
المسيح. لذلك دعا يوحنا المعمدان الناس للتوبة وهذه تعنى تغيير الفكر من فكر
الخطية إلى البر وكانت علامة هذا المعمودية بالماء فى الأردن. وكانت دعوة يوحنا
لهؤلاء الذين بالرغم من خطاياهم كانوا شاعرين بأمان زائف أنهم لن يهلكوا فهم أولاد
إبراهيم، فعاشوا فى بر ذاتى غير مهتمين. وحذر المعمدان هؤلاء بأن يخافوا من مقاومة
ملكوت المسيا الآتى. ودعا لأن تكون التوبة علنيا وفى الباطن، وهذا يؤدى لأن تكون
للشخص ثمار صالحة وظاهرة. وكان هؤلاء يتصورون أن كأس غضب الله سينصب فقط على
الأمم. وفسر التلمود قول إشعياء "قال الحارس أتى صباح وأيضا ليل. إن كنتم
تطلبون فاطلبوا.إرجعوا تعالوا" (إش21 : 12) أن الصباح هو لليهود أما الليل
فسيأتى على أمم العالم أما اليهود فسيهربون. ولقد إستقر فى قناعة اليهود وبلا أى
سند، أن لهم مكان ودور فى العالم الآتى. وذلك فقط لعلاقتهم الجسدية بإبراهيم.
ويتضح هذا ليس فقط من العهد الجديد بل من كتابات فيلو ويوسيفوس وأقوال الربيين.
وكانت عبارة بركات وفضائل الأباء فى فم الربيين. وصور الربيين إبراهيم أنه جالس
على أبواب جهنم ليخرج أى إسرائيلى قد أودع فيه. وقال الربيين أن كل إسرائيلى من
نسل يعقوب هو نبيل شريف وهو أعلى بما لا نهاية له بالنسبة حتى لأى مهتدى حديثا إلى
الإيمان. وقالوا "وهل يقف الإسرائيلى على الأرض والمهتدى حديثا فى
السماء". وقالوا أن الله يحفظ المراكب فى البحار ويسقط الأمطار بإستحقاقات إبراهيم.
ولأجله إستحق موسى أن يصعد إلى السموات ليأخذ الناموس، ومن أجله غفر لهم الله
خطية العجل الذهبى فى سيناء. وأن بر إبراهيم لهو السند الحقيقى لإسرائيل. وقال
المدراش فى مبالغة كبيرة عن إبراهيم.. أنه حتى لو مات بنو إسرائيل روحيا وصاروا
بلا عظام وبلا أوعية دموية فهم سيستفيدوا من بركات بر إبراهيم. لذلك كله قال لهم
يوحنا المعمدان أن الله قادر أن يقيم من الحجارة المنتشرة على جانبى النهر أولادا
لإبراهيم. (هناك ما يسمى بالتلاعب اللفظى فى قول المعمدان : فكلمة أولاد بالعبرية
هى "بنيم" وكلمة حجارة بالعبرية هى "أبهانيم"
وكلاهما مشتق من "بنا" من كلمة يبنى أو ينشئ أو يؤسس. وإستخدم
الربيين الكلمة بمعنى التبنى. وبهذا كان كلام المعمدان فيه إشارة خفية للأمم الذين
سيتبناهم الله وليصيروا أبناء له، [مع أنهم الآن وقبل المعمودية فهم كحجارة
ميتة بالنسبة لشعب إسرائيل إبن الله البكر]. وإلحاقا لكلامه أنه يجب أن تكون
لهم ثمار فى حال توبتهم، قال أيضا أن ملكوت المسيح هو فى نفس الوقت مساويا لوضع
الفأس على جذع الشجرة غير المثمرة. وكان طبيعيا أن تختلط الأمور على السامعين
فظنوا أن المعمدان هو المسيا إذ كانت دعوته هى التوبة. وهذا كان قريبا جدا من
أفكارهم فى قدوم مملكة المسيا، فكان يقال أنه لو تابت إسرائيل ولو ليوم واحد سيأتى
إبن داود حالا. ووجه المعمدان الناس للمسيح مقارنا بين المسيح وبينه، ليظهر عظمته
فقال أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه وهذا عمل العبيد، وأن معموديته ستكون بالروح
ونار، وليست بالماء فقط مثله. وهذه المعمودية تقدس وتطهر فتُعِّد المعمد للملكوت.
فكان المعمدان يطلب تغيير الفكر من الماضى إلى فكر المسيح الجديد.
لم تكن المعمودية التى مارسها المعمدان مع
التائبين كعلامة لتوبتهم شيئا جديدا تماما، إذ كان اليهود يمارسون مع الأممى
الوثنى الذى يريد أن يدخل لليهودية ويتمتع ببركات وعود الله لشعبه ثلاث طقوس :- 1)
الختان 2) معمودية بالماء كرمز لنزع النجاسات الطقسية 3) تقديم ذبائح. ولكن لم
تمارس المعمودية مع أى يهودى كعلامة للتوبة من قبل.
الفصل
الثانى عشر
معمودية
يسوع
جمع صوت المعمدان المنادى بالتوبة حوله
ألوان عديدة من المدن والقرى والكفور، من الفريسيين والصدوقيين والأثينيين والجنود
والعشارين المكروهين. ويقول الكاتب أن هذه السنة كانت سبتية أى لا يزرعون فيها ولا
يتاجرون، لذلك أتى كثيرون إلى يوحنا. وجمع كل هؤلاء رجاء إسرائيل المشترك فى المملكة،
وسط ظلام ليل محيط بهم لا يجدون له نهاية. وكان اليهود يدركون أن هذه المملكة هى
التدبير الأخير والصورة النهائية لإسرائيل. بل ما حدث بعد السبى كان إعدادا لملكوت
المسيح بمفهوم العهد الجديد :-
بعد السبى وإحتراق الهيكل وتوقف تقديم
الذبائح، إتجه الربيين لتعليم الشعب أن الذبائح الدموية ليست بالضرورة شيئا
جوهريا، بل هناك شئ أهم وهو تقديم الصلوات مع التوبة والندم على الخطايا مع
الأعمال الصالحة. وقال البعض أن من يقدم توبة يكون كأنه صعد إلى أورشليم وبنى
الهيكل وقدم الذبائح. ولكن قطعا كان هناك معارضين وإستندوا فى هذا لقول إرمياء
"ولا ينقطع للكهنة اللاويين انسان من امامي يصعد محرقة ويحرق تقدمة ويهيئ
ذبيحة كل الايام" (إر33 : 18). [ولم يفهم أحد فى العهد القديم الكهنوت
المسيحى وتقديم ذبيحة إفخارستية]. ولكن سريعا ما إنتشر هذا الفكر فكانت
الصلوات والدراسة لهما درجة أعلى من تقديم ذبائح دموية. بل قال أحد الربيين أن
تقديم الذبائح الدموية هو فقط لحفظ إسرائيل من الوثنية وتقديم ذبائح للأوثان. وعلى
النقيض كان بعض أفراد الشعب يقدمون ذبائح بالرغم من عدم وجود هيكل.
لذلك ففى كلا مدرستى أورشليم والإسكندرية
رأى المفكرين أن وراء الذبائح الدموية شيئا آخر تشير إليه، وأن رش دم الذبائح يقدس
فقط لحد تطهير الجسد، ولكن كل الشرائع الطقسية لا يمكن أن تصل لتطهير الضمير. ورأى
هؤلاء المفكرين أن هذه الذبائح الدموية هى فقط ظل لأشياء جيدة لم تأتى بعد، وهى
تشير لعهد جديد أفضل لم يأتى بعد. وهذا هو ما شرحه القديس بولس الرسول (عب8 : 6 ،
13 + 9 : 9 ، 13 ، 14 + 10 : 1).
لم تتوقف أمال الشعب اليهودى لحظة عن قيام
هذه المملكة، وكانوا متمسكين بوعود الله للأنبياء. وقالوا أنه بالرغم من الليل
الطويل الذى يعيشون فيه تحت الحكم الرومانى فهناك أمل. ألم يدوس المصريين والبابليين
والفرس واليونانيين أرضهم سنوات طويلة ثم جاء المكابيين كنور أشرق وسط هذا الليل.
وإنتظروا تكرار ما عمله المكابيين ثانية وتقوم مملكة إبن داود أقوى من الأولى.
ولقد قام وسط الأمة كثيرين من المحتالين مستخدمين السيف، ولكن كلهم إنكسروا
بالسيف. وها هو المعمدان يدعو للتوبة والمعمودية وقد إجتمع حوله الكثيرين. ولا
نعرف من منهم قَبِل المعمودية وقَدَّم توبة ومن منهم قد رفض. وأيضا من منهم قد
إنصرف إذ لم يجد فى المعمدان الصورة التى توقعها للمخلص فمضى محبطا. فهم كانوا
متصورين أنه لا بد أن يسبق مجئ المسيا إستعداد بالأسلحة للمقاومة. كانت دعوة يوحنا
للنقاوة الداخلية وليست لكراهية أحد أو لأى أعمال عنف. وملابسه الخشنة ليست كملابس
الفريسيين الذين يطيلون أهداب ملابسهم ليراها الناس. كان متواضعا إلى أبعد مدى، لا
يشير لنفسه بل لمن يأتى بعده قريبا وأن هذا الملكوت قد إقترب… فإستعدوا. ولقد
تجمعت الجموع حوله وإنتشرت أخباره فى كل مكان، وكان يتنقل بطول نهر الأردن. وذكر
الكتاب 3 أماكن كان المعمدان يعمد فيهم. والآن قد وصل لأقصى مكان وصل إليه شمالا
وهو بيت عبرة (بيت أو مكان العبور أو المراكب) وكان المكان مخاضة مشهورة فى بيرية
وكان يعمد هناك. وكانت بيت عبرة على بعد تقريبا 30 كم من الناصرة.
[بدأ الكاتب بعد ذلك تحليل موضوع لماذا
ذهب المسيح ليوحنا ليعتمد. وأورد أراء كثيرة لكتاب غربيين لا يؤمنون قطعا بفاعلية
المعمودية فى غفران الخطية وولادة المعمد من الماء والروح. وهذا هو الفكر
البروتستانتى. وإضطر هؤلاء ومنهم الكاتب أن يعطوا تحليلا كلٌ بحسب فكره فإختلفوا.
وقطعا هؤلاء لا يرجعون لأراء الأباء كما نفعل نحن فى الكنيسة الأرثوذكسية. فلقد
قال الأباء أن المسيح لم يكن محتاجا للمعمودية ولكن المعمودية هى التى كانت تحتاج
المسيح. المسيح بمعموديته أسس سر المعمودية، فصار كل من ينزل فى ماء المعمودية
يجعله الروح القدس يموت بإنسانه العتيق، ثم يخرج من المعمودية ليقوم متحدا بالمسيح
رو6 . وهذا ليس رمزا ولا علامة بل هو حقيقة فعالة. ولأننى لا يمكن أن أتفق مع ما
قاله الكاتب فلم أورد هذه الأفكار].
الصعود
من نهر الأردن إلى جبل التجلى
هذا الكتاب يتكلم عن حياة السيد المسيح وخدمته.
وسأقتطف فقط ما يعنينا من هذا المؤلف وأقصد المعلومات عن اليهود أيام المسيح وطريقة
عبادتهم وحياتهم وتفكيرهم.
الفصل الأول
تجربة يسوع
أتى المسيح ليؤسس ملكوت الله على الأرض، وليملك هو
عليها. فكان لا بد من التصادم مع الملك السابق، رئيس هذا العالم، عالم الخطية، ولا
بد من هزيمته. وبدأ الملك السابق فى تجربة الرب يسوع. وهذا ما حدث مع كل أباء
العهد القديم. وكانت هذه البداية، أى تجربة الشيطان للمسيح غريبة تماما عن الفكر
اليهودى الذى تصوروه عن المسيا المنتظر. ففى أقوال اليهود "أن الشيطان سيسقط
على وجهه مدحورا ومهزوماً هزيمة كاملة أمام المسيح" وفى أسطورة أخرى قال
أحدهم أن المسيح سيجلس على جناح الهيكل ليعلن مملكته ويعلن عن ساعة الخلاص وخضوع
الأمم الكامل. ويقف المسيح أعلى الهيكل ويقول لليهود "يا مساكين إسرائيل، لقد
إقتربت الساعة لفداء إسرائيل فإفرحوا فى نورى الذى أشرق عليكم". وفى هذا
الوقت يجعل الله نور المسيح يشرق على إسرائيل فقط". ويأتى كل العالم ليلحسوا
التراب الذى تحت أقدام المسيح، ويسقطوا بوجوههم أمام المسيح وأمام شعب إسرائيل
قائلين "نكون خداما للمسيح ولإسرائيل". وسيكون لكل إسرائيلى 2800 خادم
[هذه مأخوذة عن زك8 : 23]. وفى هذه اللحظة يرفع الله المسيا إلى سماء السموات
ويُسْقِط عليه من مجده وعظمته أمام كل الأمم. وواضح التناقض بين ما كان عليه الفكر
اليهودى عن موقف المسيح على قمة الهيكل، وبين تجربة الشيطان له على جناح الهيكل.
ففى الإنجيل نجد الشيطان يقترح أفكارا على المسيح ضد فكر الله ليجربه.
وهزم المسيح الشيطان فى هذه التجارب، ليكون هذا
الإنتصار لحساب البشر. فكل ما إنتصر فيه المسيح يمكن لنا نحن الآن كبشر أن ننتصر
فيه، فنحن على خطى المسيح. كل إنتصار كان للمسيح كإنسان، ولحساب الإنسان. المسيح
إنتصر بإنسانيته لحساب الإنسانية. "صعدت الى العلاء. سبيت سبيا. قبلت عطايا
بين الناس وايضا المتمردين للسكن ايها الرب الاله" (مز68 : 18 + أف4 : 8).
ونلاحظ أن المسيح فى إنسانيته كان قد شابهنا فى كل شئ،
كان إنسانا كاملا، كما كان آدم إنسانا كاملا ولكنه كان له الضعف الإنسانى، عرضة
للخطية ولكنه لم يخطئ. ولكن كما كان آدم قبل السقوط بلا فساد هكذا كان المسيح.
وبينما كان آدم قادرا على أن لا يخطئ، كان للمسيح أيضا طبيعة قادرة على أنها لا
تخطئ، ولكنه أيضا غير مؤهل لأن يخطئ.
كان آدم قادرا على أن يكون كاملا، وقادرا على أن ينتقل
من حالة القدرة على عدم الخطية إلى حالة عدم القدرة على الخطية، ويكون ذلك من خلال
الطاعة لله. وكانت الطاعة لإرادة الله هى العمل العظيم الذى قام به المسيح وفشل
فيه آدم. وكان ذلك لأن المسيح إبن الله، وطبيعته الإنسانية متحدة بالطبيعة
الإلهية، وأنه وضع أمام عينيه دائما أن يصنع إرادة أبيه.
والفرق بين روايتى القديس متى والقديس لوقا هو أن
القديس متى أورد تجربة الهيكل قبل تجربة ممالك الأرض، بينما فعل القديس لوقا عكس
ذلك. وربما فعل لوقا ذلك لأنه يوجه إنجيله إلى الأمم. وهذا التدرج يتفق مع فكر
الأمم.
وبعد معمودية الرب قاد الروح القدس المسيح للبرية (مت4
: 1). وكان هذا ليس ضد رغبته ولكن هو منقادا تماما بالروح القدس لينفذ إرادة أبيه
ليجربه الشيطان. وكان أن جرب الشيطان آدم الأخير (المسيح) كما جرب آدم الأول.
وكانت تجربة آدم الأول أسهل كثيرا فهو فى جنة فرحا لا ينقصه شئ، بينما كان المسيح
فى البرية صائما تماما. ولكن المسيح كان واضعا أمام عينيه تأسيس ملكوت الله على
الأرض وأن هذا سيكون بالخضوع الكامل لقيادة الروح القدس. وهكذا بدأت الطاعة لأبيه
فى البرية بإحتمال ألام الجوع والعطش وإستمرت خلال ثلاث سنوات ونصف من المعاناة من
رفض اليهود، وإنتهت بألام الصلب وتخلى الكل عنه. كل ذلك طاعة لأبيه وبدون أى معونة
إلهية. وكان عرض المجرب أن يطلب من الآب ليحول له الحجارة إلى خبز وتنتهى معاناته،
ولكن أليس فى هذا الطلب رفضا لكلمة الله أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل
كلمة من فم الله. وهنا السيد لا يريد أن يغير إرادة أبيه ويطلب شيئا لنفسه. ونفس
ما قيل هنا يقال عن التجربتين الأخيرتين، ففى الأولى عرض الشيطان على السيد وسيلة
سهلة لجذب الناس للإيمان بأن يلقى نفسه والملائكة تحمله لينزل وسط الكهنة والجموع
فيؤمنوا به. والتجربة الأخرى أن يعطيه كل ممالك العالم، ويعطيها هو ويقسمها على من
يشاء. ويجعل كل الأمم تأتى لله خاضعة مسبحة ومعها تقدماتها لله، وبهذا يملك الله
على كل العالم. ولكن كلا الطريقتين ليستا بحسب إرادة الله أبيه.
الفصل
الثانى
بعثات منتدبة من أورشليم إلى يوحنا
المعمدان (يو1)
طوائف اليهود. الفريسيين
والصدوقيين والأسينيين
وما يميز كل منهم عن الآخر
بعيدا عن الأفكار الخاطئة التى كانت لليهود عن المسيح،
وبالرغم من الإضطهاد الذى عانوا منه زمانا وتشتت 10 أسباط وإنقضاء قرونا طويلة على
الوعد بالمخلص، وفساد الكهنوت فترات طويلة والإحتلال الرومانى الحالى لهم، إلا أن
توقعهم بمجئ المسيا لم يتغير. فعقيدة المسيا المخلص هى ثابتة فى تعاليم العهد
القديم، بل كانت القلب النابض للحياة الدينية عند اليهود. وقطعا وصلت الأخبار التى
تجرى على ضفاف الأردن إلى مسامع القيادات الدينية فى أورشليم العاصمة الدينية.
فعلى ضفاف الأردن ظهر معلم جديد لا ينتمى لأى حزب دينى أو سياسى معروف، له مظهر
وعادات غير مألوفة ويدعو للتجديد وممارسة التوبة والطهارة والنقاوة، وله ممارسات
غير معتادة، ولا ينادى بأعمال معينة للنقاوة كما كان الفريسيين والكتبة يعملون.
إستعدادا لملكوت الله الذى إقترب. وقد إلتف حوله الكثيرون فى توبة وندامة.
وكان أن أرسلت الهيئات الرسمية فى أورشليم وفدا رسميا
لسؤال القديس يوحنا المعمدان عن معنى ما يفعله ومن الذى أرسله. وأتى هذا الوفد إلى
المعمدان بعد أن كان المسيح قد إعتمد منه. وقال القديس يوحنا الإنجيلى عن هذا
الوفد أنه من اليهود (يو1 : 19). فيوحنا الإنجيلى إعتبر أن كلمة يهود تشير لكل من
كان فى تضاد مع المسيح. ونرى هذا أيضا فى وفد مرسل من السنهدريم للمسيح، بالرغم أن
هؤلاء الذين أطلق يوحنا الإنجيلى عليهم لقب يهود كان لهم الصفة الرسمية كما فى
(يو7 : 15). وكان التحقق أو التحقيق مع كل من يدعى النبوة هو واجب السنهدريم، لذلك
أرسلوا للمعمدان ليتحققوا من طبيعة إرساليته مع أنه لم يقم بأى فعل مخالف للناموس.
وهو لم يدعى النبوة. وكان هناك أيضا ما يسمى "مجمع الكهنة" ومؤلف من 14
كاهنا من شيوخ الكهنة ولهم حق مقاضاة المخالفين. وهؤلاء كان لهم دور فى إدانة
المسيح.
ولا ننسى وجود الجماعتين الكبيرتين من الفريسيين
والصدوقيين. وهؤلاء لم يكونوا طائفتين منفصلتين عن وحدة الجماعة بل كان إختلافهم
حول المسائل العقلانية الميتافيزيقية الغير ملموسة ولا محسوسة كما يتضح هذا فى
العهد الجديد وأقوال يوسيفوس.
الفريسيين :- مدققين
لدرجة الغلو فى الإلتزام بالعشور والحياة اللاوية النقية. أما بقية عامة الشعب
فيقول عنهم الفريسيين "عامة الناس" ويقولون عنهم أنهم ملاعين (يو7 :
49). وهناك تدقيق شديد فى قبول شخص لينتمى للأخوية الفريسية ويلزمه شهادة 3 شهود
على الأقل، ليتأكدوا أنه ملتزم بأدق التفاصيل. ويرفض الفريسى أن يتعامل مع غير
الفريسى فى الشراء والبيع، وبالذات فى الزيوت والفاكهة. ولا يستضيف الفريسى غير
الفريسى ولا يدخل بيته، لئلا يكون هذا الشخص غير طاهر أو أنه لا يسدد لله كل
الإلتزامات. وكان عدد الفريسيين حوالى 6000 شخص. وكان هناك للفريسيين درجات أربع
للنقاء اللاوى. ورأى الفريسيين أن ممارساتهم هذه كانت نوع من تعذيب أنفسهم، ولن
يحصلوا على أى فائدة منها على الأرض، ولكن سيكون لهم نصيب فى المستقبل.
الصدوقيين :-
كانوا يسخرون من ممارسات الفريسيين بل وقولهم أن الشمس تشرق على العالم بسبب
نقاوتهم. ولكن إختلط عند الصدوقيين فكرهم عن النقاوة مع قول الأبيقوريين المأثور
والذى يشير لفكر مختلف تماما "إسرع وكل وإشرب لأننا سريعا ما نغادر هذا
العالم الذى يشبه بحفلة زواج" ويقولون أيضا "يا إبنى إن كان لك شئ فى
هذا العالم فلتتمتع به، فالهاوية ليس بها أى نوع من المسرات والموت ليس فيه
تأجيل" ويقولون لا تقل لنفسك "ماذا سأترك لإبنى أو بنتى إن أنا تمتعت
بأموالى؟" فالهاوية ليس فيها من يشكرك لو تركت له شيئا".
أما الإختلافات الأساسية فى العقيدة بين الصدوقيين
والفريسيين فتكمن فى قواعد الإيمان والممارسات، وما بعد الموت. فأنكر الصدوقيين أن
هناك قيامة للأموات. وأنكروا وجود الملائكة والأرواح. وإختلفوا فى الإرادة الحرة
والقضاء والقدر. فقال الصدوقيين أن إرادة الإنسان الحرة هى التى تحدد حياته، أن
يعيش فى سعادة أو شقاء. ولا يوجد شئ مقدر من الله. ولكن لم يفهم الصدوقيين أن
التاريخ والكون كله سبق الله وصوره فى ذهنه، ودبر كل الأمور للبشر فى أبوة ومحبة
كاملة. ولكن أفعال الإنسان الشريرة تضره، ولكن إن حاول إصلاح نفسه يجد معونة
إلهية. ولم يخالف الصدوقيين الفريسيين فى الإلتزام بالتقاليد بل فى فهم الفريسيين
للتقاليد. وخالفوهم فى تطبيق أقوال الناموس، إذ ثقل الفريسيين العقوبات على
المخالفين أكثر مما جاء فى الناموس. كما كانت هناك خلافات طقسية بين الفريقين …
فعلى سبيل المثال قال الفريسيين أن من يلمس المقدسات يتنجس، فسخر منهم الصدوقيين
وقالوا كيف؟ فهل المقدسات تنجس من يلمسها، وكتب هوميروس لا تنجس من يلمسها؟! ألسنا
نطهر الإناء النجس بأن نسكب فيه بعض الماء، أفلا يقدس الإناء المقدس من يتلامس معه
بل ينجسه؟! وهكذا فهناك بعض الإختلافات فى العقوبات على المخطئ، وتقسيم الميراث. ونجد
أن الفريسيين جذبوا وراءهم أغلبية الشعب، بينما سار وراء الصدوقيين الأقلية ولكن
من علية القوم. وكان رؤساء الكهنة من الصدوقيين. وبينما كان نفوذ الصدوقيين فى
الناحية المدنية والسياسية، كان نفوذ الفريسيين فى الناحية الدينية. وكانت
الممارسات الدينية تقام بحسب تعاليم الفريسيين بل كان كثير من الكهنة من
الفريسيين.
وكان الوفد المرسل للمعمدان من أورشليم من الكهنة
واللاويين وكانوا فريسيين (يو1 : 19 ، 24).
وقيل فى التسميات أن الفريسيين أطلقوا على أنفسهم إسم
الحسيديم بمعنى الأتقياء. أما مقاوميهم فقد أطلقوا عليهم الفريسيين بمعنى
المفروزين (1مك2 : 42 + 7 : 13 + 2مك14 : 6).
أما إسم الصدوقيين فقيل عنه عدة أراء فمثلا أن الإسم
مأخوذ من صادوق رئيس الكهنة أيام سليمان ولكن هذا التفسير ووجه بإعتراضات كثيرة.
وغيره من التخمينات ولكن لا يوجد رأى مؤكد. أما رأى الكاتب هنا أنه فى مقابل إسم
الحسيديم = الأتقياء الذى أطلقه الفريسيين على أنفسهم، أطلق الصدوقيون على أنفسهم
هذا الإسم بمعنى الأبرار. صادوق = بار.
الأسينيين :- الإسم
غير معروف مصدره. وربما كان المعنى المقصود هو الإنعزاليين أو الخارجين فهم جماعة
إنعزالية لا يتعدى عددهم الـ 4000 شخص. وبينما كان للفريسيين والصدوقيين ممثلين
لهم فى السنهدريم نجد أن هؤلاء كانوا معتزلين عن كل من ليس تابعا لجماعتهم. ولا
يذكر العهد الجديد عنهم شيئاً، بل نسمع عنهم فى كتابات الربيين. وكانوا يربطون
أنفسهم بأقسام مرعبة للحفاظ على سرية عقائدهم ويمتنعوا عن أى مناقشة دينية حرة.
وما نعرفه عنهم هو ملاحظات من حولهم عنهم. ولم نسمع عن أى حوار بينهم وبين
المعمدان ولا مع المسيحية. إلا أن الملاحظة الواضحة أن هناك تناقضا واضحا بين
أسلوبهم وأسلوب المسيح وهكذا المعمدان، إذ كان تعليم المسيح وتعليم المعمدان علنا
وجهارا (يو18 : 20). بينما أن تعاليم هؤلاء الأسينيين سرية. وربما تكون لهم مشابهة
مع الفريسيين فى البحث عن الطهارة، لكن بينما إتخذ الفريسيين وصايا الناموس اللاوية
ليتطهروا ويتنقوا، إتخذ الأسينيين مبدأ الإنفصال عن المادة ليتطهروا. هم رأوا
المادة نجاسة وأنهم بالإنعزال عن المادة يتساموا عليها للوصول لله. طريقتهم كانت
قريبة من الأفكار الفارسية. وأول مرة نسمع عن هؤلاء الأسينيين كان فى حكم
أريستوبولوس المكابى حوالى سنة 150 ق.م.
والمعلومات القليلة التى نعرفها عنهم مأخوذة من
يوسيفوس وفيلو وبللينى. فهم كان لهم نظام يشبه نظام الرهبنة الآن. فمن يريد أن
ينضم إليهم يلبس ملابس تشير أنه طالب الإنضمام وإذا نجح فى الإختبار يرتفع درجة
ولكنه يظل تحت الإختبار … وهكذا لأربع سنوات يحصل فيها على رمز النقاء يصبح عضوا
كاملا. وهناك 3 علامات للعضوية *جاروف ليحفر حفرة بعمق 30 سم كمرحاض. *مأزر ليربطه
حول حقويه عند الإستحمام. *ثوب أبيض وكان دائما مهترئ فهم لا يهتمون بالأناقة.
والثوب الكتانى يلبسونه أثناء الوجبات. وبعد الحصول على الدرجة الرابعة يسمح للعضو
بالإنضمام لهم فى وجباتهم. ومن حصل على الدرجة الرابعة لو تلامس مع غريب أو حتى مع
من هم فى درجة أقل منه يتنجس، ويلزمه أن يتطهر بحمام. ومن حصل على هذه الدرجة هو
من يقسم على ألا يبوح بأسرار الجماعة ولا بأسماء الملائكة.
لا يتكلمون كثيرا ولا يقطع صمتهم إلا ترانيمهم. ولكن
لا يوجد عندهم تأديبات وعقوبات. ومن ينضم لهم يكون كمن يحيا فى عالم آخر. يتحاشون
الحياة فى المدن فهى لا أخلاقية، ويفضلون القرى الصغيرة وتوجد مستعمرة كبيرة لهم
بجانب البحر الميت. ولكن يوجد لهم منازل فى المدن ومنها أورشليم بل أن أحد أبواب
أورشليم بإسمهم. ولكنهم حتى فى المدن، يعيشون كل مائة شخص تحت قيادة واحد منهم.
لهم ملابس موحدة ويعملون معا ويأكلون معا ويُصَلُّون معا وينخرطون فى أعمال الخدمة
العامة والفقراء والمرضى ومن أموالهم الخاصة. كرماء مع الأغراب. يحيون حياة إنكار
الذات. يطهرون أنفسهم ليس فقط من كل خطية بل من كل شئ مادى. يستيقظون فى الفجر ولا
يتكلمون حتى يتمموا صلواتهم ويوجهون وجوههم تجاه الشمس التى أشرقت. ويفهمون هذا
على أن شروق الشمس هو رمز للنور الإلهى. ولكن كانوا فى صلواتهم هذه كمن يبتهل
ويتضرع كمن يتعبد للشمس. ثم يذهبوا للعمل، وبعده يتطهروا أو يستحموا ثم تأتى وجبة
الإفطار وهم يرتدون ملابس كتانية فى صالة للطعام. وكانت صالة الطعام تعتبر مقدسا
لهم. ويعتبرون كل طعام لهم كمن يقدم ذبيحة. ومن يخبز لهم هو كاهنهم. وهم لا يأكلون
إلا ما يعده لهم كهنتهم. ويضع أمام كل منهم رغيفا وبعض الخضروات. وقبل الطعام
يرفعون صلواتهم. وربما كان كهنتهم من نسل هرون لكنهم كرسوا أنفسهم لهذه الجماعة.
ثم يصلون وبعدها يخلعون الملابس الكتانية المقدسة ويعودون للعمل. ووجبة العشاء
نسخة مكررة من وجبة الإفطار. وكل أعمالهم تكون كجماعة تحت قيادة قائد لها. وهذه
الحياة النقية قادتهم لبعض الخفايا كمعرفة أسماء الملائكة، وتنبأوا ببعض النبوات،
وعرفوا أسرار التداوى ببعض الأعشاب لعلاج أمراض الجسد بل وأمراض الروح.
وهم رفضوا فكرة الزواج وتبنوا أطفالا ليربونهم على
إحترام تقاليدهم. وهم يتحاشون كل ما هو باطل وغير طاهر وما فيه غش وخداع وعدم
أمانة وأن يحافظوا على تقاليد الجماعة وكتبهم. وفى تقديسهم للسبت إمتنعوا حتى عن
الأكل وإعداد الطعام أو تحريك وعاء، بل تحاشوا حتى نداء الطبيعة (المرحاض) يوم
السبت حتى لا يتدنسوا. وقطعا مع كل هذه الأفكار، نجد رفضهم لفكرة القيامة من
الأموات، فهل يقوموا مرة أخرى بجسد نجس!! وهم تحاشوا اللحوم والزيوت والخمر بل وكل
رفاهية، ورفضوا فكرة العبودية. وكان لهم ضمير مدقق لدرجة الوسوسة فى البحث عن
الحق. وملابسهم البيضاء كانت رمزا لنقاوتهم. ولم نسمع أن لهم ذبائح دموية ولا
كهنوت هرونى. وهم لم يرفضوا عبادة الهيكل رسميا لكن لم يكن لديهم الوقت لها خلال
ممارساتهم. وكانوا يرسلون للهيكل تقدمات شكر ولكن قطعا ليست بالمفهوم اللاوى ولكن
بطريقة مجازية.
الفصل
الثالث
شهادة
يوحنا – السبت الأول لخدمة المسيح
الأحد
الأول – تلاميذ المسيح الأوائل (يو1)
إعتمد المسيح من المعمدان وذهب للبرية صائما وهزم
الشيطان. والآن قد إنقضى منذ إعتمد المسيح 40 يوما ورأى المعمدان ما رآه يوم
المعمودية من علامات، وعرف أن من عمده هو المسيا المنتظر. وتأمل المعمدان خلال الـ
40 يوما فى كل ما حدث، عرف أن مهمته قد إنتهت بعد أن أعد الطريق للمسيح. وعليه الآن
أن يُسَلِّم من أعدهم للمسيح ليكونوا تلاميذه. وبدأ فى تسليم الأفضل من تلاميذه
هؤلاء الذين شربوا من روحه. فلما عاد المسيح بدأ المعمدان فى تحويل التلاميذ
للمسيح شاهداً عنه أنه "حمل الله الذى يحمل خطية العالم".
كانت رسالة المعمدان الكرازة بأن الملكوت قد إقترب
(مت3 : 2). والآن صارت كرازته "هذا هو إبن الله، الملك الذى سيؤسس
المملكة" (يو1 : 34). ولقد أكمل رسالته مع كل أنواع الخطاة ليتوبوا ويكون لهم
نصيب فى هذه المملكة. فالملك المسيح هو الحمل الحقيقى الذى يحمل خطايا التائبين
ويعطيهم نقاوة داخلية وخليقة جديدة. هو الذبيحة الحقيقية التى تعطى معنى لكل ذبائح
العهد القديم. ولما جاءته اللجنة التى شكلوها فى أورشليم ليسألوه عمن هو – كانت
إجابته فى منتهى الإنسحاق والتواضع ولم يقل عن نفسه حتى أنه نبى بل صوت صارخ …
وكشفت كلمات المعمدان عن نفسه عن عظمة معدنه، فمن الصعب على النفس بعد كل هذا
الإرتفاع وإلتفاف الناس حوله أن يهبط سريعا ويقول عن نفسه كل ما قاله [هذا عكس
موقف الشيطان تماما، الذى حين أدرك جماله وقوته أراد أن يساوى نفسه بالله].
وكانت عين المعمدان قد تركزت على المسيح الذى رآه وعمده ليؤسس بذلك سر المعمودية
التى ستكون بالروح القدس ونار لتجديد الخليقة. وقد أنكر أنه إيليا أو النبى أو
المسيح مشددا على أن المسيح الآن هو فى وسط إسرائيل.
وكانت نتيجة إنسحاقه هذا أن أتت له المكافأة فى اليوم
التالى "فى الغد" (يو1 : 29) إذ إنفتحت عينه وقارن خروف الفصح مع الحمل
الذى يقدم ذبيحة صباحية والحمل الذى يقدم ذبيحة مسائية، مع (إش53) الذى يتنبأ فيه
إشعياء عن المسيح ذبيحة الإثم، وفهم أن هذا الإصحاح عن المسيح الذى عمده فأطلق
عليه لقب "حمل الله الذى يحمل خطية العالم". وكانت هناك مكافأة أخرى بعد
ذلك إذ شهد عنه المسيح أنه أعظم مواليد النساء. فمن يتضع يرفعه الله والعكس.
ملحوظة :- يحمل
خطية العالم ترجمتها السبعينية أبعد أو أقصى. وكلمة أبعد قطعا تشمل أنه حملها
أيضا.
ونرى المعمدان يحول تلميذيه يوحنا وأندراوس إلى
المسيح، وهذان أتيا بأخويهما يعقوب وبطرس ثم إختار المسيح آخرين. ثم يذهب المسيح
ومعه تلاميذه لعرس قانا الجليل. وكان اليهود يقيمون حفلات العرس للبنت البكر أيام
الأربعاء وللأرملة يوم الخميس. وغالبا كان عرس قانا الجليل لبكر بتول، فالإحتفالات
الكبيرة عادة لا تقام فى حالة زواج الأرامل. ولنرى الأيام المذكورة فى (يو1).
يوم الأربعاء …. عرس قانا الجليل (فى يو2 : 1 قيل أن
العرس فى اليوم الثالث لرجوع المسيح للجليل).
يوم الأحد …… يسوع يرجع إلى الجليل ويختار تلاميذه
فيلبس ونثنائيل. فيكون اليوم الثالث للرجوع الأربعاء.
يوم السبت ….. المعمدان يحول تلميذيه يوحنا وأندراوس
للمسيح.
يوم الجمعة …. المعمدان يشهد للمسيح أنه حمل الله.
يوم الخميس … حوار يوحنا مع اليهود.
ولاحظ أن المعمدان قال نبوته عن أن المسيح هو حمل الله
يوم الجمعة، والمسيح قُدِّم حملا لله على الصليب يوم الجمعة. ثم يأتى يوم السبت
الذى حول فيه المعمدان تلاميذه للمسيح معلنا بهذا أنه أنهى مهمته ليبدأ المسيح
خدمته. ويأتى يوم الأحد وفيه يبدأ المسيح خدمته وتأسيس ملكوته، وبدأ المسيح
بإختيار تلاميذه. فيوحنا ينهى عمله بتسليم يوحنا وأندراوس للمسيح، والمسيح يبدأ
عمله بأن يختار هو فيلبس ونثنائيل.
الفصل
الرابع
عرس
قانا الجليل – المعجزة التى هى علامة مجد المسيح (يو2)
نرى فى قصة قانا الجليل ناسوت المسيح ولاهوت المسيح.
ناسوت المسيح نراه فى حضوره عرس، وإشتراكه مع الناس فى حياتهم وأفراحهم. أما
لاهوته فنراه فى معجزة خلق، فتحويل الماء إلى خمر فيه خلق مادة جديدة غير موجودة
فى عناصر الماء وهى الكربون الموجود فى الخمر.
أهمية الزواج عند اليهود :- كان
الزواج عند اليهود يحمل معنى السر كما نفهمه فى الكنيسة الآن، فهو ليس أفراح وأكل
وشرب. فكانوا قبل الزواج يصومون ثم يذهبون للإعتراف بخطاياهم. فالدخول للزواج كان
يحمل فكرة غفران الخطايا. وكانوا بحسب ما نراه فى كتابات الربيين يقارنون بين
العريس وعروسه وبين علاقة يهوه بشعبه إسرائيل. وأن زواج العريس بعروسه هو رمز
لوحدة يهوه بشعبه. وهذا عين ما قاله بولس الرسول فى (أف5). ومع أن هذا قد يكون نوع
من التفاخر عند شعب إسرائيل إلا أنهم أيضا إعتبروا أن ولادة أى طفل فى إسرائيل هى أكثر
أهمية من العالم كله. وهذا يشير للحماس الشديد الذى كان يدفع اليهودى للإسراع
بزواجه. وهذا ما كان يدفع اليهود للعواطف الأخوية والمشاعر الصادقة ومشاركة
الآخرين فى أفراحهم وأحزانهم. وقالوا قصة رمزية أن الله قال كلمات بركة على كأس
زواج آدم وحواء، وكان الملاك ميخائيل والملاك جبرائيل أصدقاء العريس والملائكة
تنشد ترانيم الفرح. وكان على من يرى موكب فرح أو جنازة أن يشارك فيها لذا وجدنا
كثير من المشيعين من أهل البلدة فى جنازة إبن أرملة نايين. ومن لا يستطيع أن يسير
فى موكب الفرح كان عليه أن يحييه عن طريق تصفيق اليدين، وقالوا فى هذا أن الكلاب
التى أكلت إيزابل زوجة آخاب ملك إسرائيل لم تأكل كفيها لأنها كانت تصفق لمواكب
الأفراح (2مل9 : 35).
طقس الزواج عند اليهود :- مع
هذا التفكير اليهودى لا بد أن نتصور الإهتمام بالزواج وترتيب كل شئ بنظام
فالمناسبة مقدسة ومفرحة. وكانت الخطبة تسبق الزواج بمدة لا تزيد عن شهر. وعند
الخطبة يعطى العريس عروسه مبلغا من المال وورقة تعلن زواجه منها. ومن هذه اللحظة
يعتبر العريس وعروسه قانونيا كزوجين (فى الميراث بل والإحتياج إلى الطلاق لو أرادا
الإنفصال)، لكنهما لا يعيشان سويا. وهناك وجبة إحتفالية بعد عقد الخطبة.
وفى ليلة العرس تذهب العروس من بيت أبيها إلى بيت
عريسها فى موكب ويصحبها فرقة موسيقية ومعها صاحباتها اللواتى يغنون لها أغانى تمدح
مميزاتها وفضائلها حاملين مصابيح وعقود أزهار وورود، ويعتبر هذا كواجب دينى. وكل
من يرى الموكب عليه أن يحييه. وهناك من يوزع النبيذ والزيوت والمكسرات على
المصاحبين. وتضع العروس على وجهها قناع العرس. وعندما يصلون لمنزل العريس يأخذون
العروس لعريسها ويوقع العريس ورقة بأنه مسئول عنها، يعمل من أجلها ويرعاها ويحميها
ويقوم بكل واجباته نحوها وهذا بحسب قوانين موسى وإسرائيل. ثم يكللون العريس وعروسه
بأكاليل الورود. ثم يغسلون أياديهم وتصلى كلمات البركة وبعد هذا يبدأ حفل العشاء.
وهذا يبدأ بملأ الكأس الذى يصلى عليه كلمات البركة. وقد يمتد الإحتفال لأكثر من
يوم. وبعد الإحتفال يقود أصدقاء العريس العروسان إلى مخدعهم.
والعادة فى الجليل أن غرفة العروسين تدخل فى الخصوصية،
أما عند اليهود فى اليهودية فنرى أن أصدقاء العريس يقودان العروسان إلى غرفتهما.
ولاحظ دقة القديس يوحنا ومعرفته الدقيقة بكلا التقليد فى اليهودية وفى الجليل.
فنرى أن فى عرس قانا الجليل لا يذكر أن هناك صديق للعريس، أما فى (يو3 : 29) فلأنه
يكلم يهود أورشليم نسمع موضوع صديق العريس على فم المعمدان.
أجران ماء التطهير :- موضوع
التطهيرات ويشمل الأيادى والأوعية من النقاط الأساسية فى تعاليم الربيين. فنجد أن
المشناة 6 مجلدات واحد منهم بل هو أضخمهم عن التطهيرات. وموضوع تطهير الأوعية وحده
يشمل 30 فصلا فهم يتناولون شرحه بتفاصيل دقيقة ومطولة. ونجد نفس الموضوع يعالج
بالتفصيل أيضا فى التلمود. وهذا يفسر وجود هذا الكم من أجران الماء. ونلحظ هذا فى
متابعتنا للموضوع فى العهد الجديد، وكيف هاجم الرب رياءهم فى هذا التدقيق (مر7 : 2
– 5 + مت23 : 25 ، 26 + لو11 : 38 ، 39).
الفصل
الخامس
تطهير
الهيكل – معنى العلامة التى طلبوها منه (يو2)
الرب طهر الهيكل مرتين. وهذه المرة هى الأولى فى بداية
خدمته. والمرة الثانية كانت فى نهاية خدمته. وفى الهيكل تجد الصيارفة الذين
يتواجدون وبكثرة فى المواسم وبالذات الفصح. فكانت أعداد الحجاج بمئات الألوف من كل
أنحاء الدنيا. وبحسب الشريعة كان على كل واحد ما عدا الكهنة تسديد ضريبة للهيكل
نصف شيكل. ومن يرفض دفع النصف شيكل يتعرض للحجز على بضائعه. لكن حجاج اليهود
الآتين من بلاد مختلفة كان الموجود معهم عملات بلادهم. فكان عليهم أن يذهبوا
للصيارفة لتغيير نقودهم إلى العملة اليهودية أى الشيكل ليدفعوا الضريبة السنوية
للهيكل. وشرع الصيارفة لأنفسهم نسبة أرباح لهم من تغيير العملات، وكان ما يحصلون
عليه مبالغ ضخمة. بل كان هؤلاء الصيارفة يدخلون فى صفقات وحوارات مع كل من يأتى
إليهم للحصول على أكبر كم من الربح. وكان هناك غش كثير فى الموازين. كل هذا سبب
أرباحا ضخمة لهؤلاء الصيارفة. ويقال أن "كراسوس" إستولى من هؤلاء
الصيارفة فى الهيكل ذات مرة على مليونين ونصف إسترلينى (هذا الرقم مقدر من أيام
تأليف هذا الكتاب فى منتصف القرن التاسع عشر).
يضاف لهذا تجارة المواشى والطيور التى تقدم كذبائح فى
الهيكل. وحتى فى هذه التجارة إنتشر الغش بسبب الشرط أن يكون الحيوان الذى يقدم بلا
عيب. وكان التلاعب فى هذا الموضوع سببا فى أرباح عالية بالإضافة للمغالاة فى أسعار
الذبائح. وتصور الحال فى هيكل العبادة لله، مع كل هذا الكم من الطمع والغش والخداع
والتجارة والمشاحنات بين الصيارفة وبائعى الحيوانات والطيور (والفصال فى الأثمان)
والمشاحنات بين الناس ومن يقوموا على الكشف على الحيوان ليتأكدوا من خلوه من
العيوب. وكان هناك أيضا تجارة السكائب وكل ما يقدم كتقدمات فى الهيكل. وفى أيام المسيح
كان من يقومون بهذه التجارة هم أولاد حنان رئيس الكهنة. وكانت المحال التى يتم
فيها هذه التجارة تسمى "بازار أولاد حنان".
وحقا كان التجار والصيارفة يكسبون مكاسب ضخمة من هذه
التجارة. ولكن كان المكسب الأكبر للكهنة الذين يحصلون على جزء من الأرباح. والمعروف
وقتها أن عائلة رئيس الكهنة تربح من كل هذه التجارة أرباح خيالية. بل صارت عائلة
رئيس الكهنة مشهورة بالشراهة والجشع والفساد. وبعد كل هذا … هل يصح أن يكون هذا
بيت صلاة؟! بل صار مغارة للصوص كما قال الرب. ولقد صوَّر فساد هذه العائلة يوسيفوس
المؤرخ وكثير من الربيين الذين أعطوا صورة مرعبة عما كان يحدث. وقال يوسيفوس عن
حنان الإبن وهو إبن حنان رئيس الكهنة أنه كان خزينة للنقود، وإغتنى غناء فاحشا. بل
كان يغتصب بالعنف حقوق الكهنة الشرعية. وسجل التلمود اللعنة التى نطق بها (آبا
شاول) أحد الربيين المشهورين فى أورشليم على عائلة حنان رئيس الكهنة وعائلات رؤساء
الكهنة الموجودين، والذين صار أولادهم وأصهارهم مساعدين لهم فى جباية الأموال،
وصار خدامهم يضربون الشعب بالعصى. وهم يعيشون فى رفاهية ونهم وشراهة وفساد وسفه فى
صرف أموالهم. وقال التلمود عنهم "لقد كان الهيكل يصرخ فى وجوههم .. أخرجوا من
هنا يا أولاد عالى الكاهن لقد دنستم هيكل الله". وهذا كله يساعد على فهم ما
عمله يسوع، وسبب عداء رؤساء الكهنة له. وهذا أيضا يعطى تفسير لماذا لم يعترض
الجمهور الموجود على ما عمله يسوع. وخاف المسئولون عن مواجهته أو القبض عليه من
هياج الجماهير والحامية الرومانية على بعد خطوات فى قلعة أنطونيا. [أضف لذلك
هيبة المسيح التى أخافت الجميع كما حدث ليلة القبض عليه، فالمسيح حين يريد تظهر
هيبته وإذا إستسلم لهم يكون هذا بإرادته]. ولكنهم خزنوا حقدهم ضد المسيح ليوم
الصليب.
وكان اليهود (الكهنة) موقفهم ضعيفا وطلبوا من الرب أن
يريهم آية (أى علامة تثبت أحقيته لفعل هذا). وكانت العلامة التى رد بها
الرب "أنقضوا هذا الهيكل، وفى ثلاثة أيام أقيمه" وكان يتكلم عن صلبه
وقيامته التى بها سيطهر الهيكل. ولكنهم لم يفهموا معنى كلامه بل إتخذوه ضده فى
محاكمته. وكان أيضا يشير لأنهم مهما عملوا وخططوا ضده حتى الصليب فهو سينتصر
ويقوم، ليقيم كنيسة طاهرة هى جسده ويتمم مشيئة أبيه السماوى. بل كانت هذه هى
العلامة الوحيدة التى أعطاها المسيح لأعدائه … قوموا وهيجوا ضدى أو ضد الكنيسة
هيكل جسدى وسأنتصر وتنتصر كنيستى ولن يقوى عليها عدو حتى الموت. وهذا ما أثبتته
الأيام فالمسيح قام بعد ثلاثة أيام والكنيسة باقية للآن بالرغم من كل الإضطهاد
التى عانت منه عبر العصور ولكنها ما زالت صامدة وباقية وللأبد. قال المسيح
""ينبغى أن أكون فيما لأبى" (لو2 : 9) ولذلك بدأ المسيح ظهوره
العلنى بتطهير الهيكل، فتطهير الهيكل بيت أبيه كان هو الهدف الذى أتى من أجله، وهو
بهذا يعلنه. وأنهى خدمته بتطهير الهيكل ثانية قبل صلبه بأيام، سواء الهيكل بمعنى
الكنيسة أو الإنسان هيكل الله. وتطهير الهيكل للمرة الثانية كان قبل صلبه ليشير
لطريقة التطهير وأنها بدمه.
الفصل
السادس
المسيح
ونيقوديموس – المعلم الآتى من الله ومعلم إسرائيل (يو3)
جاء نيقوديموس الفريسى عضو السنهدريم للمسيح وقال
"نعلم أنك قد أتيت من الله معلما .." إذاً كان هناك غيره قد بدأوا فى
الإقتناع بالمسيح. ولكن من تصرفات نيقوديموس نجد أنه شخص حريص وخجول، وكان تردده
قد وصل لأقصى تحدى يتحمله التفكير اليهودى وهو الصليب. ولكن العجيب أنه بعد الصليب
يعترف بجرأة بالمسيح. ولذلك نفهم أن تساؤلاته للمسيح كانت صادرة عن أمانة ليعرف
ويفهم. وأن التعليم الذى أعطاه له المسيح فى المقابلة الأولى أتى بتأثيره فيه.
ولنتصور حجم الصعوبات التى كان يجب عليه أن يتخطاها ليأتى إلى المسيح، وأنه إحتاج
لقوة جبارة ليخطو هذه الخطوة. فهو اليهودى عضو السنهدريم والمعلم الفريسى يأتى
لهذا الجليلى الذى لم يُعرف عنه من أى المدارس تعلم، وليسأله فى اللاهوت اليهودى.
لذلك غلف نيقوديموس زيارته الأولى بقناع من السرية. بل لنفهم أيضا مدى الصعوبة
فلنتصور كم العداء والخصومة التى نشأت مع الجهات الرسمية مع المسيح بعد تطهيره
للهيكل. وهو كعضو بالسنهدريم كان من السهل له أن يتنبأ بماذا ستكون عليه نهاية هذا
العداء – أى أنهم سيحكمون بموته.
الولادة الجديدة :- تعبير
الولادة الجديدة إستخدمه اليهود فى عدة مناسبات كتشبيه. أمثلة لذلك : دخول
أممى لليهودية، هذا تم تشبيهه عند اليهود بأنه كطفل وُلد جديدا بتوبته وقد بدأ
علاقة جديدة بالله. وهكذا قالوا عن العريس الجديد بل إستخدموا هذا التشبيه حين يتم
ترقية أحد ليصير رئيسا للأكاديمية أو جلوس ملك على عرشه. ويسمى الداخل للإيمان
مولودا جديدا فهو قد دخل إلى علاقة جديدة مع الله وغفرت خطاياه وهو قد قطع وترك كل
علاقة قديمة بينه وبين العالم القديم حتى أهله وأصدقاءه. ولكن كلام المسيح مع
نيقوديموس لم يعطه أن يفهم كلامه فى ضوء هذه التشبيهات اليهودية، أو أن المسيح
يطلب منه التوبة عن أعمال سابقة. بل هو فهم أن المسيح يتكلم عن ولادة جديدة حقيقية
وليست كتشبيه. ثانيا اليهود يتكلمون عن هذه الولادة الجديدة كنتيجة لأن هذا الشخص
قد تقبل تحمل مسئولية جديدة، فالملك يتحمل مسئولية المملكة الجديدة. أما كلام المسيح
فهو عكس هذا إذ يقول أن شرط دخول هذا الملكوت الجديد أن يولد الشخص من جديد. كما
أن المسيح يقول أن هذه الولادة هى من فوق. واليهود يفهمون التوبة والغفران
والعلاقة الجديدة بين الله والإنسان، وأن هذا مسئولية الشخص. ولكنهم لا يفهمون
تجديد الداخل بخليقة جديدة وولادة روحية وأن هذا شرط لكى يرى الإنسان ملكوت الله.
ولا يفهمون كيف أن اليهودية ليست هى ملكوت الله، أو أن هناك ملكوت آخر لله غير
اليهودية. لكل هذا كانت هناك صعوبة شديدة لنيقوديموس ليفهم شئ جديد عن شرط الملكوت
والولادة الجديدة ضد ما تأصل فى عقله وقلبه.
بحسب فهم نيقوديموس هو قادر أن يفهم كيف أن إنسان ربما
يصبح آخر (وهذا يحتاج إلى توبة وإلى جهاده ليتغير إلى شخصية جديدة) ويصبح فى
النهاية له شخصية جديدة. وكان هذا معنى معمودية المعمدان، القرار الإنسانى وجهاده
ليبدأ بداية جديدة.
ولكن كان لا يمكن أن يفهم أن الإنسان يجب أولا أن يصبح
إنسانا آخر حتى يمكنه أن يصبح آخر فى النهاية، وأن هذا يلزمه أن يولد من فوق أولا.
هذا سر يصعب فهمه على اللاهوت اليهودى. وهذه هى معمودية المسيح بالروح القدس ونار،
من فوق وليس بالإنسان. وهنا أراد نيقوديموس أن يفهم كيف يحدث هذا قبل أن يؤمن، ولكن
كيف يفهم وهذه الأمور سماوية، فهو سيولد من فوق وليس على الأرض، والسماء لا يقدر
أحد أن يصعد إليها. لذلك كان عليه أن يصدق المسيح الذى أتى من السماء وهو فى
السماء. وإن كانوا لا يصدقون سوى موسى فليرجعوا لما حدث أيام موسى وكيف أمطرت
عليهم السماء المن (رمز المسيح الآتى من السماء) ولما تمردوا عليه ماتوا بسبب
لدغات الحيات وأنقذهم النظر للحية النحاسية (رمز المسيح الذى رفضوه وصلبوه) فعادت
لهم الحياة. ولعل نيقوديموس وهو أمام جسد المسيح الميت المصلوب قد تذكر كلمات
المسيح عن الحية النحاسية ورفع إبن الإنسان ليعطى الميلاد الجديد للإنسان والحياة
الأبدية.
دار هذا الحوار بين المسيح ونيقوديموس غالبا فى
عُلِّية منزل يملكه يوحنا فى أورشليم. فكان يوحنا شاهدا على هذا الحوار. والروح
القدس هنا يُذَكِّره بكل ما دار فى هذا الحديث بعد حوالى 70 سنة. وهذا ما قاله
القديس يوحنا عن عمل الروح القدس الذى إختبره "يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما
قلته لكم" (يو14 : 26).
الفصل
السابع
فى
اليهودية خلال السامرة – فكرة عن تاريخ السامرة وإيمانهم
اليهود
والسامريين
الطريق
المباشر ما بين اليهودية والجليل يمر بالسامرة، وهذا الطريق يستعمله الجليليين كما
سجل يوسيفوس المؤرخ ذلك. أما يهود اليهودية فكانوا يتحاشون المرور فى السامرة لئلا
يتنجسوا من السامريين، وفى نفس الوقت يتحاشون مواقفهم العدائية منهم. لذلك كانوا
يلتفون حول السامرة ويأخذون طريقا أطول عبر بيرية. وسبب العداء بين اليهود
والسامريين أن السامريين كانوا خليطا من اليهود والوثنيين وحتى عبادتهم كانت
مختلطة بالوثنية، فإحتقر اليهود السامريين. وتبلور العداء وصار الإنفصال نهائيا
حين بنى السامريين لهم هيكلا منافسا فى جرزيم وإعتبروه هيكل الله الرسمى بدلا من
هيكل أورشليم، وكان ذلك بتزوير فى أسفار موسى الخمسة. وحين تزوج منسى شقيق رئيس
الكهنة اليهودى يادوا من إبنة سنبلط السامرى رفض يادوا هذا الزواج وأبطله، فذهب
منسى إلى سنبلط الذى جعله رئيس كهنة على هيكل جرزيم. ومن الصعب الآن الوصول لصورة
للتعليم والعقائد السامرية، لكنها عموما هى صورة مشوهة للعقائد اليهودية. بل هناك
نسخة سامرية لأسفار موسى الخمسة. وجعل السامريين من شكيم عاصمة لهم.
وتاريخيا
تعرضت السامرة لتدمير شديد خلال الحروب بين ملوك مصر البطالمة وملوك سوريا
السلوكيين. وكانوا يتبادلون إمتلاكها، فحين ينتصر ملك مصر على ملك سوريا يضم ملك
مصر السامرة لأملاكه وبعد سنوات يهزم ملك سوريا ملك مصر فيضم ملك سوريا السامرة
لأملاكه. وخلال حكم الملك اليونانى أنطيوخس إبيفانيوس، – هذا الذى دمر اليهود ودمر
أورشليم – تفادى السامريين هذا المصير بأن قطعوا كل علاقة لهم باليهود. بل خصصوا
هيكلهم لجوبيتر وذلك بحسب يوسيفوس. وفى خلال حروب المكابيين مع اليونان أخذ
السامريين جانب اليونان. وفى سنة 130 ق.م. دمر يوحنا هركانوس المكابى ملك إسرائيل
هيكل جرزيم ولم يعاد بناءه ثانية. وبعد سنوات إمتلك أولاد هركانوس السامرة
ودمروها. وأعاد جابينيوس بناءها بعد سنوات قليلة. وجاء هيرودس بعد ذلك وقام
بتوسيعها وتجميلها وأطلق عليها سبسطية تكريما لأغسطس وأنشأ بها هيكلا ضخما. وتمتعت
المدينة بمزايا كبيرة تحت الحكم الرومانى. وكان لها مجلس شيوخ خاص بها. وقد صدر
قرار خلع بيلاطس من الحكم من مجلس شيوخ السامرة هذا. وبجانب السامرة أو سبسطية
كانت هناك العاصمة الدينية شكيم. وتكريما للعائلة المالكة أطلقوا عليها فلافيا
نيابوليس والآن هى نابلس. وكان للسامريين جاليات فى دمشق والإسكندرية وبابل وعلى
شواطئ البحر الأحمر ولكنها ليست بحجم الجاليات اليهودية.
ونرى
من الكتاب المقدس أن أرض فلسطين تنقسم إلى الجليل شمالا واليهودية جنوبا والسامرة
فى الوسط، لكن الربيين قسموها على أنها الجليل واليهودية وبيرية وأهملوا جزء
السامرة. وبرغم ذلك لم يعتبروها كأراضى الأمميين فى النجاسة بل إعتبروا أراضيهم
ومياههم وينابيعهم وطرقهم طاهرة. ولم يتفق اليهود على إعتبار السامريين كالوثنيين،
وفضلوا تشبيههم باليهودى الجاهل، وإختلف أباء اليهود فى توصيفهم فمنهم من قال أنهم
كالوثنيين ومنهم من قال لا بل هم كاليهود. وقال بعضهم إن من يستضيف سامرى فلا يلوم
إلا نفسه حين يؤخذ أبناءه سبايا. وأجمع الكل على كراهيتهم. وكانت مساحة السامرة 48
ميلا من شمالها إلى جنوبها و40 ميلا من شرقها إلى غربها. وأراضيها مثمرة وأجمل من
أراضى اليهودية.
كان
السامريين ينتهزون أى فرصة لإهانة اليهود أو إصابتهم بجروح لو مروا فى أراضيهم. بل
وصل الأمر أيام الملك اليونانى أنطيوخس الثالث أنهم باعوا كثيرا من اليهود كعبيد.
وكانوا يضللون حجاج اليهود فى طريقهم إلى أورشليم للحج. فكان المعتاد وضع مشاعل
مضيئة تعلن عن الطريق إلى أورشليم. وحاولوا مرة تدنيس الهيكل فى عشية عيد الفصح.
وكانوا يترصدون حجاج اليهود ليقتلونهم. وفى المقابل كان اليهود يحتقرونهم
ويعاملونهم بتعالى وبمنتهى الإحتقار.
اليهود
لا يعاملون السامريين :- قالوا أن من يأكل خبز السامريين
فكأنه أكل من خبز الخنازير. وكانوا يقولون "أنا لم أنظر إلى سامرى ولم أدخل
فى شركة مع سامرى". وقالوا أنهم لا يقبلون حتى من أراد منهم أن يدخل لليهودية
وقالوا ليس لهم قيامة من الأموات.
وقد
تحسن الوضع أيام المسيح وصاروا يشبهونهم باليهود ولهم حقوق وليس كالوثنيين.
وإعتبروا أيام المسيح أن أكلهم وخمرهم طاهر. لذلك أرسل المسيح تلاميذه ليبتاعوا
طعاما.
وكانت
معظم العقائد السامرية مشتقة من المصادر اليهودية. ولكن ميولهم إتجهت نحو
الصدوقيين وليس الفريسيين. ومن المشكوك فيه قضية عدم إيمانهم بالقيامة من الأموات،
فهذه التهمة ألصقها بهم الربيين اليهود كما ألصقوا بهم تهم أخرى غير صحيحة
وتوارثوا هذه التهم ورددوها دون إثبات.
والسامريين
يؤمنون بالله الواحد. ولهم إيمان بالملائكة والشياطين. وإستلموا توراة موسى أى
الأسفار الخمسة لموسى، على أنه الكتاب المقدس والتشريع الإلهى الوحيد. وإعتبروا
جبل جرزيم أنه المكان المختار من الله، وأنه المكان الوحيد الذى لم يغطيه الطوفان،
بينما أن اليهود أصروا وأكدوا أنه جبل المريا. وكانوا ملتزمين ومتشددين وغيورين
على الإلتزام بالناموس والتقاليد التى تسلموها. والأهم أنهم كانوا ينتظرون مجئ
المسيا والذى فيه يتحقق الوعد عن النبى الذى يقيمه الله من وسطهم مثل موسى، والذى
تكون كلمة الله فيه والذى يجب أن يستمعوا له. ومن بعض النواحى كان الوصول إليهم
أصعب كثيرا من اليهود، إلا أن الرب وجد فيهم التربة الصالحة ليضع فيها بذاره
الإلهية. أو قل على الأقل أنه لم يجد فيهم معوقات التزمت الناشئ عن التقاليد
الفريسية.
الفصل الثامن
يسوع عند بئر سوخار
(يو4)
فى
طريق الرب يسوع إلى الجليل مر بالسامرة، وإذ جاع أرسل تلاميذه ليبتاعوا طعاما وبقى
معه يوحنا الذى سجل هذا الحوار بين الرب وبين السامرية، كما سجل الحوار بين المسيح
ونيقوديموس. [وظل يوحنا متذكرا هذه الحوارات مدة 70 سنة، كما ظل متذكرا ما قاله
الرب ليلة القبض عليه (يو13 – يو17) وهذا عمل الروح القدس الذى قال عنه الرب
"هو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو14 : 26)]. ونجد
المسيح متعبا جائعا عطشانا، لكننا سنفهم فى النهاية أنه كان جائعا وعطشانا لنفوس
السامرة وأهل بلدتها. لقد تعب المسيح وذهب وهو فى هذه الحالة المتعبة لأنه وجد فى
هذا المكان خرافا ضالة له أراد أن يعيدها. وسيشبع برجوعها وإيمانها وخلاص نفوسها
كما قال إشعياء النبى "من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر
كثيرين وأثامهم هو يحملها" (إش53 : 11). ونراه يتعب لمن خالفوا شريعته
وأقاموا هيكلا بخلاف إرادته غير هيكل أورشليم، بل خلطوا عبادته بعبادة الأوثان.
ونشعر
فى بداية الحوار مع السامرية أن لهجتها غير ودية مع المسيح، فقد ميزت أنه يهودى من
لهجته وملابسه، وكان اليهود يتعاملون مع السامريين بعجرفة وكبرياء. (كانت أهداب
ثياب اليهودى بيضاء والتى للسامريين زرقاء، ونُطق اليهود لبعض الحروف مخالف لنطقها
عند السامريين). ولكنها لم تكن تدرى أنها تقف أمام رجل يهودى حقا ولكنه ليس
كاليهود العاديين الذين رأتهم. كان المثل الكامل لليهودى كما أراده الله أن يكون،
فيراه الأمم المحيطين ويمجدوا إله هذا اليهودى فيؤمنوا. ولكن المسيح الذى كانت
تخرج منه قوة للشفاء وللحياة وسط المرض والموت، إستطاع أن يشفى هذه السامرية
فتقبله بل وتجذب غيرها.
لم
تكن هذه السامرية تدرى أن العلاقة بينها وبين المسيح ستنعكس وبدلا من أن يأخذ منها
هو ماء أعطاها هو ماء حياة. وتصير بئر يعقوب رمزا لماء الحياة الذى يعطيه المسيح
والذى يجب هى أن تسأله فيعطيه لها. وهكذا دائما أمثال المسيح وإشارات المسيح، هى
تشير لما هو مرئى على أنه رمز لما هو غير مرئى وروحى. فكانت إشارات المسيح تنظر
إلى السماء، ولمن له الأذن التى تسمع تكون لهم أمثال المسيح هى سلم يعقوب الذى
يقود من الأرض للسماويات. وكان أن كلا نيقوديموس المعلم وهذه السامرية الجاهلة لم
يفهما كلمات المسيح. لم يفهم نيقوديموس الولادة من فوق ولم تفهم السامرية الماء
الحى. ونرى المعلم يتصاعد مع كليهما ليعرفوا ويفهموا حقائق أعلى. فالماء العادى
يطفئ عطش الجسد أما الماء الحى فهو يطفئ عطش كل إحتياج للروح بل تنبع هذه المياه
الحية لحياة أبدية. وكان من الصعوبة جدا لهذه المرأة الجاهلة شرح مثل هذه الأمور،
ولكن المعلم الآن ليس مثل أى معلم آخر لذلك إستطاع أن يصل إلى قلبها. وبدأ المسيح
بسؤاله عن زوجها ليوقظ داخلها الشعور بالخطية [فالخطية هى ما يغلق العينين
والقلب] ومع بداية إنفتاح عينيها أدركت أنها أمام نبى، وهذا ما جعلها تقفز
للخطوة التالية وهى أن من يكلمها هو المسيا المنتظر. وذلك لأن السامريين لا يعرفون
نبيا آخر سوى موسى. ولاحظ كيف أن السيد بدأ برفع عينيها وتفكيرها ليصبح لها أفكارا
عالية وإشتياقات سامية وقادها للتفكير فى الحقائق الروحية الأخروية "الماء
الذى أعطيه ينبع إلى حياة أبدية". ثم أيقظ داخلها الشعور بالخطية فإعترفت،
وصل المعلم الإلهى لقلبها. ومن المعروف أن من تستثار فيه مشاعر الندم وبداية
الشعور بالإثم يبدأ بالتفكير فى الأمور الروحية. لذلك نجد المرأة هنا تسأل عن
المكان الصحيح للعبادة.
جاءه
التلاميذ بالطعام ولم يأكل وطلب من السامرية ماء ولم يشرب. هو شبع وإنطفأ عطشه
بسبب هذا الحصاد. ولكن تلاميذه لم يفهموا هذا.
الباب
التاسع
الزيارة
الثانية إلى قانا – شفاء إبن خادم الملك (يو4)
هذه القصة هنا هى تضاد مع إيمان أهل السامرة الذين
آمنوا دون أى معجزات. ولذلك يلوم السيد هنا خادم الملك هيرودس أنتيباس على عدم
إيمانه "لا تؤمنون إن لم تروا آيات وعجائب". وضعف إيمان آخر لهذا الرجل
فى مقابل إيمان قائد المئة الذى قال "قل كلمة فيبرأ إبنى". وهنا عدم
الإيمان لأنه لم يؤمن بأن واهب الحياة له السلطان أن يعطى الحياة من بعد.
الفصل
العاشر
مجمع
الناصرة – وترتيب العبادة فى المجمع (لو4)
المجامع اليهودية :-
لا يمكن لليهودى أن يقدم ذبيحة سوى فى الهيكل الذى فى أورشليم (تث12). ولكن بعد
تدمير الهيكل سنة 586 ق.م. على يد نبوخذ نصر وبدء السبى البابلى، بدأ اليهود فى
إقامة المجمع ليجتمعوا فيها يصلون ويقرأون الكتاب المقدس ويحتفلون بالسبت
والأعياد. وإستمر هذا بعد ذلك فى كل الأنحاء حيثما وجد الشتات اليهودى. وحتى بعد
الرجوع من السبى إستمرت هذه المجامع بل إنتشرت حتى فى أورشليم نفسها. بل صار لكل
مهنة مجمعها وصار فى أورشليم مجمع لكل جنسية يجتمع فيه الحجاج الآتين من كل بلاد
العالم. وكانوا يقرأون التوراة ويترجمونها إلى لغاتهم فلم يعد الكل يتكلم العبرية
(ومن هنا نشأ الترجوم). وتم تنظيم الصلوات، وبدأ الأمر بوضع صلوات وتخصيص قراءات
لأيام السبت والأعياد والأصوام وصارت بعد ذلك لكل يوم من الأسبوع. وهذه الصلوات
متوازية مع الصلوات فى الهيكل. وكان للخدمات أيام الإثنين والخميس وضع مميز ففيهما
يأتى التجار من القرى المجاورة ليبيعوا بضائعهم، وذلك لأن هؤلاء التجار كانوا
يستفيدون من وجود الشيوخ فى المجمع ليعرضوا مشاكلهم ويجدون لها حلا شرعيا عند
هؤلاء الشيوخ. وكانت كفرناحوم بحسب مكانتها تحتاج لمجمع حتى قام قائد المئة وشيد
لهم هذا المجمع (لو7 : 2 – 5). وربما كان هناك عرف أنه إذا وُجِد 10 رؤوس عائلات
فعليهم أن يقيموا مجمعا (وأخذ رقم 10 من قول الله لإبراهيم أنه لو وجد 10 أبرار فى
سدوم فإنه لن يحرقها). ولكن لا يقام مجمع إلا بشرط أن يوجد 10 رجال متطوعون بوقتهم
لخدمة هذا المجمع فى الإدارة والعبادة. والشرط الثانى أن تكون الصلاة تجاه الغرب
مثل الهيكل، وهناك إدانة لمن يتجه للشرق. ولذلك فمداخل المجامع من الشرق. وهناك
فكر آخر أن ينظر المجمع تجاه أورشليم لكل من فى أرض فلسطين أى إما ينظر للجنوب أو
إلى الغرب فالبحر يحد الأرض من الغرب. وبالتالى لن يتجه أحد إلى الشرق. وظهر إتجاه
آخر أنه طالما أن الشاكيناة فى إسرائيل فلننظر لأى إتجاه.
وداخل المجمع نجد الكراسى مصفوفة والشيوخ والقادة لهم
الأماكن الأمامية. وأمام الجلوس يوجد ما يسمى الـبيما أو الكرسى أو العرش وهذا
يوجد عليه المنبر ومن عليه يقرأون التوراة والأنبياء، وهذا العرش هو ما قال عنه
الرب "كرسى موسى" (مت23 : 2). وكان من يقرأ يكون واقفا بينما أن من يعظ
يكون جالسا. وبجانبهما المترجم، وهذا المترجم إما يترجم أو يكرر كلام الواعظ بصوت
عالٍ. وللمجمع إحترام وتقديس عظيم كمكان مكرس لله. فيمنع الدخول للمجمع وهم حاملين
معهم عصا ويدخلونه بدون أحذية ولا يحملون معهم طعاما وأرجلهم نظيفة غير متربة،
ويمنع أى تصرف بخفة أو كلام أو ضحك. ولا يستعمل المجمع كملجأ من الشمس أو المطر.
ولكنهم كانوا يسمحون للفقراء والغرباء أن يعطونهم طعاما فى المجمع. وكان يسمح
بتحويل المجامع إلى أكاديميات فالأكاديمية لها درجة تقديس أعلى من المجمع، والعكس
غير مسموح به، فلا يتم تحويل أكاديمية إلى مجمع.
وكان للسبت وضع مقدس عند اليهود فهو عهد بين الله وبين
اليهود. يعتبرون إستقبال السبت كإستقبال العروس أو الملكة. ويقوموا ليلة الجمعة
بتزيين بيوتهم وإضاءة مصباح يوم السبت، ويلبسون ملابس الإحتفالات. ويوضع على مائدة
السبت أفخم ما تملكه العائلة. وتتلى كلمات البركة على كأس النبيذ المخلوط بالماء.
ومع الصباح الباكر يذهبون إلى المجمع. يذهبون فى خطى سريعة ويعودون بخطى بطيئة حسب
تعليمات الربيين. وعليهم الإلتزام بكل هذه التعليمات بكل تدقيق.
ويوجد لكل مجمع مدير للمجمع كناظر المدرسة وتقع عليه
مسئولية كل الخدمات ولذلك كانت هناك شروط صارمة فى إختياره، فيجب أن يكون بلا لوم
والأفضل أيضا أن تكون عائلته هكذا أيضا. يكون عارفا بالكتب يحسن نطق حروفها ويكون
متواضعا. ولكل مجمع شيوخ للمجمع ولهم رئيس وهذا له وضع عظيم بينهم. وهذا له
الإشراف على الخدمة الإلهية ولأن هذه الخدمة لم تكن لها نظام واضح فكان لهذا
الرئيس أن يختار من يقرأ الناموس ومن يقرأ الأنبياء ومن يعظ أو من يريد أن يقول
شئ. وعليه أن يلاحظ ويمنع أن يحدث أى شئ خاطئ فى المكان.
ونجد الرب يسوع حسب عادته يتوجه للمجمع يوم السبت
(لو4). وفى يوم السبت هذا دعا رئيس الشيوخ الرب يسوع ليقوم بطقوس الصلوات. وبحسب
المشناة كان الشخص الذى يقرأ النبوات كان مسئولا عن القيام بأكبر قسم فى خدمة
العبادة. ولذلك حين دُعى يسوع كان عليه أن يتوجه إلى البيما (العرش = كرسى موسى)
ويذهب إلى المنبر ويبدأ الصلاة بتلاوة صلوتين :-
1) مبارك أنت يا رب ملك العالم الذى صنع النور وخلق
الظلمة. صانع السلام وخالق كل شئ. الذى برحمته خلق كل شئ وأعطى النور للعالم….
2) بحب كبير خلقتنا يا إلهنا، وبرأفة كبيرة غمرتنا
بإحساناتك. يا رب من أجل محبتك لأبائنا الذين آمنوا ووثقوا بك وعلمتهم شرائع
الحياة إرحمنا يا رب وعلمنا. أنر عيوننا وأمل قلوبنا لتنفيذ وصاياك. وَحِّد قلوبنا
فى مخافة ومحبة إسمك……
ويتلو ذلك ما يسمى بقانون الإيمان اليهودى المسمى
الشيماه (أى إسمع) وهى الكلمة التى يبدأ بها ويتكون من 3 مقاطع من التوراة (تث6 :
4 – 9 + 11 : 13 – 21 + 15 : 37 – 41) وفيها يتعهد الإنسان بأن يعبد الله الواحد
ويطيع وصاياه. وفى نهاية الشيماه يقولون هذه الصلاة … حقا أنت يا رب إلهنا وإله
أبائنا. خالقنا وملكنا ومخلصنا ومخلص أبائنا، صخرة خلاصنا .. لا يوجد إله سواك.
تحكم العالم إلى نهاية الأزمان مبارك أنت يا رب مخلص إسرائيل.
وفى نهاية هذه الصلاة يتلو الواقف على المنبر عدة
تسابيح شكر وصلوات بركة (هم 18 أو 19 وإختلف العدد بحسب الأزمنة. وفى أيام السبت
يقولون الثلاثة تسبيحات الأول والثلاثة الأخر وبينهم صلوات بركة وهذه التسبيحات
الأولى هى:-
1) مبارك أنت يا ربنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله
يعقوب الله القدير المرعب العلى. الذى يظهر مراحمه خالق كل شئ. الذى يذكر كل وعوده
الكريمة لأبائنا … مبارك أنت يا رب ترس إسرائيل.
2) أنت يا رب القدير للأبد الذى تسرع لإنقاذ من يشرف
على الموت الذى تقيم الموتى وتشفى المرضى …
3) أنت القدوس وإسمك قدوس. سلاه. مبارك أنت يا رب
القدوس الواحد.
ويدخلون صلوات البركة وطلب المطر والندى ثم صلوات ضد
الهراطقة وبعد ذلك صارت ضد المسيحيين. ثم يتلو الثلاثة تسبيحات الأخيرة (وهم الـ
16 – 18 أو 17 – 19) :-
1) فلتسر يا رب بشعبك إسرائيل وبصلواتهم وبمحبة إقبل
محرقاتهم ولتكون سبب رحمة لإسرائيل …
2) هذه الصلاة وهى صلوات شكر يكون الكل ساجدين أثناءها
…. نسبحك يا رب أنت إله أبائنا من دهر إلى دهر وللأبد. صخرة حياتنا. ترس خلاصنا
…
بعد ذلك لو وجد كاهن فى المجمع يتلو البركة رافعين
أيديهم ويسمى هذا رفع الأيادى. وهذه البركة على ثلاثة مقاطع وبعد كل مقطع يرد
الشعب بقوله آمين. وقد إستبدل إسم الله يهوه بكلمة أدوناى أى الرب أو السيد. وإذا
لم يكن هناك كاهن يتلو كلمات البركة، يتلوها قائد الصلاة. وبعد ذلك يصلون التسبحة الثالثة
3) التسبحة الثالثة :- ضع يا رب على شعبك إسرائيل
سلامك للأبد لأنك أنت ربنا ملك السلام …
وكانت عادة الربيين أن يضيفوا بعض الصلوات بعد كل
تسبحة.
وفى كلمات البركة وكان ذلك غالبا فى الهيكل، كان
الكهنة يغسلون أيديهم. ويخلعون أحذيتهم ويستديرون نحو الشعب ليباركوه. وكان على
الكاهن الذى يتلو البركة أن يكون بلا عيب فى وجهه أو يديه أو قدميه حتى لا يلفت
أنظار المصلين. ولم يكن يسمح للكهنة من الجليل أن يتلون كلمات البركة لأن طريقة
نطق الجليليين ليست سليمة. ولكن بحسب التلمود الأورشليمى لم يمنع الكاهن الذى به
عيب أخلاقى أو خطية أن يتلو كلمات البركة إذ قالوا أنه مجرد قارئ لكلمات البركة
لكن الذى يبارك حقيقة هو الله. وفى المجامع لو كان من يردد صلوات البركة ليس بكاهن
ينظر نحو المقادس أى يكون ظهره للشعب. وكان الشعب لا ينظرون لوجه الكاهن وهو يتلو
كلمات البركة. وفى نهاية كل صلاة يرد الشعب بقولهم آمين. إلى هنا إنتهت الصلوات
الطقسية ليبدأ الجزء الأهم الذى إجتمعوا لأجله وهو قراءة التوراة والأنبياء.
هنا يتوجه من يدير الصلوات إلى المنبر ليخرج التوراة
من غلافها (توضع داخل ستر من القماش). وقراءات السبت يخرج 7 أفراد ليقرأوا، كل
واحد يقرأ عدة أيات. وفى وسط الأسبوع يخرج ثلاثة للقراءة. وفى أوائل الشهر
والأعياد يخرج خمسة أفراد. ويوم الكفارة يخرج ستة أفراد للقراءة. وكانت التوراة
مقسمة إلى أجزاء على مدار السنة، وتختلف القراءات أيضا لتتناسب مع الأعياد. ولو
وجد كاهن يبدأ هو القراءة ويأتى بعده اللاويين. وقبل وبعد قراءة التوراة تتلى
صلوات بركة مختصرة. وبعد قراءة التوراة يأتى قراءة النبوات. ولأن الشعب بعد السبى
ما عاد يفهم العبرية كان يقف بجانب القارئ مترجم يترجم إلى الأرامية آية آية أثناء
قراءة التوراة وكل ثلاثة أيات أثناء قراءة النبوات. (وقطعا ليهود شتات الغرب كان
المترجم يترجم لليونانية مستخدما الترجمة السبعينية).
وبعد قراءة جزء النبوات مباشرة يأتى الدور على من يقوم
للوعظ أو الخطبة أو من يدير حوارا. وهذا يكون لو وُجِد رابى متمكن من الشرح أو ضيف
مميز. وهذا ليس دور من يدير الصلوات أو المترجم. وشروط من يتقدم للوعظ أن تكون
سمعته الأخلاقية لا غبار عليها، وتكون قدراته تؤهله لذلك. وقد يتكلم المتكلم
بالعبرية أو يهمس للمترجم ويقوم المترجم بترجمة ماقيل إلى الأرامية أو اليونانية
أو اللاتينية أو لأى لغة يفهمها السامعين. ثم يجيب الواعظ على الأسئلة أو يواجه
الإعتراضات.
وعادة ما ينهى الواعظ كلامه وووعظه بالإشارة لرجاء
إسرائيل الكبير فى العصر المسيانى. وتنتهى الخدمة بصلاة قصيرة.
الفصل
الحادى عشر
الخدمة
الأولى فى الجليل
مت4
: 13 – 17 + مر1 : 14 ، 15 + لو4 : 15 – 32
أول زيارة للمسيح لمجمع الناصرة بلده "حيث كان قد
تربى " لخصت تاريخ عمل المسيح مع اليهود "إلى خاصته جاء وخاصته لم
تقبله". وكما لم تقبله خاصته فى مجمع الناصرة لم يُقبل فى هيكل أورشليم (يو2
: 18 – 21). بل إتخذت كلماته شهادة ضده عند محاكمته. أما فى الناصرة فأخرجوه من
المجمع وحاولوا قتله. وغالبا فقد تمت دعوة المسيح لكى يعظ بسبب شهرته التى سبقته،
وما عمله فى كفر ناحوم ومعجزة قانا التى تبعد عنهم 4 أميال. بل وحمل الناصريين فى
عودتهم من أورشليم أخبار ما عمله فى الهيكل. وربما أراد أهل الناصرة وطنه أن
يختبروا هل يستحق كل ما سمعوه عنه أو أرادوه أن يصنع ما صنعه فى كفر ناحوم.
وبحسب ما تم شرحه فى الفصل السابق عن طريقة العبادة فى
الهيكل. فكان على المسيح الذى سوف يعظ أن يقوم بالصلاة والتسابيح وصلوات البركة
قبل الكلمة. ثم يقرأ الكهنة الموجودين أجزاء التوراة ثم اللاويين. وبعد هذه الطقوس
كان يقف على المنبر المدعو ليعظ وكان هو المسيح فى هذا اليوم. وكانت القراءات التى
تقرأ مرتبة من قبل الربيين لتقرأ فى كل المجامع [نفس نظام القطمارس أى القراءات
اليومية فى كنيستنا الأرثوذكسية]. وواضح طبعا الترتيب الإلهى الذى حدد هذه
القراءات فى هذا اليوم فكانت القراءة التى وضعت أمام المسيح ليقرأها هى (إش61 : 1
، 2). فلا توجد آيات تعطى رجاء لإنسان بقدر هذه الآيات "روح الرب علىَّ، لأنه
مسحنى لأبشر المساكين، أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب، لأنادى للمأسورين بالإطلاق
وللعمى بالبصر، وأرسل المنسحقين فى الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة" (إش61
: 1 ، 2). بل ولا توجد أنسب من هذه الآيات ليبدأ بها المسيح رسالته. وكان النظام
المتبع كما سبق شرحه أن يصمت الحاضرون تماما إلى أن ينتهى الواعظ من وعظته ثم تبدأ
الأسئلة والحوار.
وتعجب الجميع من كلمات النعمة التى قالها والتى لم
يسمعوا مثلها من أىٍ من الربيين من قبل. وإنتظر المسيح أن يكون هنا أسئلة أو حوار
روحى حول "كيف نبدأ أو ما هو المطلوب منا لنحصل على هذا الخلاص" أو
أسئلة عما وعظ به. لقد كانت عظة المسيح بحرارة قلب راجيا إيمانهم لأجل خلاص
نفوسهم. فهذا المكتوب فى إشعياء قد تحقق فيه. ومن العجيب أن من يصلى ويعظ فى
وسطهم هو إبن الله نفسه والذى لا بد أن تشعل حرارة صلواته قلوب الحاضرين، ولكن كان
تعليقهم "أليس هذا إبن يوسف النجار الذى نعرفه". وهذا ما أثار فى السيد
غضبا مقدسا. والقول القديم المعروف أن "أعمال الخير تبدأ من بيتك ووطنك"
أو كما يقول اليهود "أيها الطبيب إشف نفسك". ولكن كيف يعمل المسيح لهم
أعمال خير وهو فى حالة الغضب هذه. فهو أتى لأجل خلاص النفوس ولهدم مملكة الشر وليس
لعمل معجزات. ولكنهم لم يلتفتوا إلى كل ما قاله فى عظته، لكنهم بحثوا عن معجزات.
فكان تعليقه أنه غير مقبول فى وطنه. وأشار الرب لعدم إستحقاقهم لعمل أعمال معجزية
وسطهم إلى ما حدث أيام إيليا وإليشع. وواضح من إشارة المسيح إلى أرملة نايين
ونعمان السريانى أن الأمم هم الأولى بأعماله وأنه سيتجه للأمم. وهذا ما أثار
المجمع ضده ودفعوه خارج المجمع وحاولوا إلقاءه من فوق صخرة إرتفاعها حوالى 40 قدم (حوالى
13 متر). ولكن هيبته الإلهية أوقفتهم ومر فى وسطهم دون أن يمسه أحد.
وإتجه الرب يسوع بعد ذلك إلى كفر ناحوم ليستقر هناك،
وتصير كفر ناحوم وطنه فى الجليل. هناك على الأقل أصدقاءه وتلاميذه الأوائل بطرس
وأندراوس ويعقوب ويوحنا إبنا زبدى. والأهم وهذا هو ما يبحث عنه المسيح أن هناك فى
كفرناحوم الكثيرين الذين سيقبلون عمله ويؤمنون به ويملأون كنيسته مثل قائد المئة
الذى بنى المجمع فى كفرناحوم وهناك يايرس.
الفصل الثانى عشر
العيد المجهول – وعند بركة بيت
حسدا (يو5)
كان
هدف القديس يوحنا من كتابة إنجيله إثبات لاهوت المسيح. وهذا الإصحاح من الإصحاحات
التى تتكلم بوضوح عن لاهوت المسيح ومساواته للآب.
وبهذا أوضح تماما عمله الماسيانى، وبدأ الطريق الذى إنتهى بالصليب. ولكن شفاء هذا
المريض يوم السبت والحوار اللاهوتى الذى دار مع اليهود عن مساواته مع الآب أثارا
الرياسات جدا. وعاد المسيح للجليل بعد هذه الرحلة لأورشليم ليبدأ دعوة تلاميذه
لعملهم الرسولى.
من قبل وجدنا الإشارة لخدمة المسيح فى الجليل مختصرة
ولكن من الآن نجد تفاصيل التعليم وإظهار أعمال المسيح الإعجازية لإظهار حقيقته.
وفى هذه المعجزة وهى شفاء مريض بيت حسدا نرى المطروحين عند البركة فى حالة عجز
محزنة تدعو للرثاء ومن أجل هذا أتى المسيح للبشرية.
دخل المسيح وسط هؤلاء المرضى وخرج دون أن يعرفه أحد،
لذلك عند سؤال اليهود للرجل عن الذى شفاه لم يعرف. ثم رآه بعد ذلك وسأل من هذا
وأخبره الناس فذهب وقال لليهود أن المسيح هو الذى شفاه.
الفصل الثالث عشر
على بحر الجليل – النداء الأخير
للتلاميذ – معجزة صيد السمك
مت4 : 18 – 22 + مر1 : 16 – 20 +
لو5 : 1 – 11
بخروج المسيح من أورشليم وذهابه إلى كفر ناحوم، خرج
الرب من الجو الروحى الخانق الذى فى أورشليم. وعلى شاطئ بحيرة الجليل هناك وجد
البساطة ووجد أناس أمناء بدلا من الربيين ذوى القلوب المغلقة والذين بدأوا فى تعقب
المسيح وإرسال الجواسيس وراءه. وهناك بجانب البحيرة وفى مجمع كفرناحوم بدأ المسيح
تعاليمه. وذُهِلت الجموع من قوة كلماته وأعماله فأحبوا كلمة الله الخارجة من فمه
فتجمعوا حوله.
المهنة الشهورة فى كفر ناحوم هى صيد السمك، فكانوا
يصطادون السمك من البحيرة ويبيعونه طازجا أو مجففا أو مخللا، ويصدرونه لمن حولهم،
وكانوا يرسلونه إلى أورشليم، وهناك باب فى أورشليم يأتى منه بائعو الأسماك يسمى
باب السمك. وعلى شاطئ البحيرة ذهب يسوع وقال لتلاميذه الذين كانوا يصطادوا
"هلم ورائى" فتركوا كل شئ وتبعوه. والتلاميذ لم يخطئوا فهم يسوع عندما
تركوا صيد السمك وتبعوه ليصبحوا له تلاميذ مرافقين دائما، إذ كانت هذه عادة
الربيين الكبار الذين يحيطون أنفسهم بتلاميذ دائمين. وكان واضحا أنه بعد عودة
المسيح من أورشليم وشفاء مريض بيت حسدا أن مرحلة جديدة فى خدمته قد بدأت. ونلاحظ
أن هذا قد بدأ بعد:-
1. بداية ثورة السلطات
الرسمية ضده فى أورشليم وبداية ترصده. وبهذا فهى دعوة لتلمذة لمعلم تحيط به
المشاكل مع المجمع. وبالتالى سيواجهون هم مشاكل مع المجمع.
2. دعوة للتخلى عن كل
الإلتزامات السابقة وعن كل ما يربطهم بالعالم.
3. هو المعلم الذى لا يشبه
أى معلم آخر فى إسرائيل، فمعلمو اليهود يعطون تعليمات وأوامر. ولكن هى بداية حياة
جديدة كانت حياتهم السابقة فى صيد السمك رمزا لها.
والقصة بدأت بأن الجموع إزدحمت حوله، فدخل سفينة سمعان
وجعلها منبرا كلم منه الجموع، وبعدها طلب منهم الدخول للعمق فإصطادوا السمك
الكثير. ومن هنا فهم التلاميذ أن الدخول للعمق يعنى الإيمان به ومحبة شخصه والثقة
التامة فيه وعدم التساؤل والتسليم الكامل له هذا ما يجعلهم صيادى الناس، وستنجح
خدمتهم وتجذب أناسا كثيرين كما إمتلأت الشباك والسفن بالسمك الكثير. لذلك سلموا
حياتهم له وتركوا سفنهم وتبعوه. وكلما تصور بطرس فى نفسه أنه غير قادر على الخدمة
وجذب النفوس قطعا كان يتذكر قول الرب له "أدخلوا إلى العمق". ونلاحظ
معنى التسليم فالله يعرف أين يوجد السمك الكثير لذلك فليخضع الخادم ويذهب حيث
يوجهه الله.
الفصل الرابع عشر
سبت فى كفر ناحوم
مت8 : 14 – 17 + مر1 : 21 – 34 +
لو4 : 33 – 41
فى السبت الأول بعد رجوعه من أورشليم وشفاء مريض بيت
حسدا، ودعوة تلاميذه الأول ذهب للمجمع كعادته. ولم ينسى رؤساء اليهود صدامهم معه
فى أورشليم. ولم يتمكنوا من تلفيق التهم ليرسلوه للمحاكمة ولكن كلفوا جواسيسهم
لترصد حركاته وأعماله وأقواله فى الجليل. وقبله الجليليين وفرحوا به وتعجبوا من
تعاليمه التى لم تكن مثل الكتبة بل بقوة ولم يجدوا فى كلامه تجاديف ولا فى شفائه
فى السبت أى تدنيس للسبت. وهناك فى المجمع كان رجل به روح نجس. ولأن المسيح إبن
الله تجسد وأتى لهدم أعمال الشيطان كان من الطبيعى أن يتهيج الشيطان وتزداد
الأعمال العدائية لمملكة الظلمة. وكما أراد إبن الله أن يسكن فى جسد بشريتنا نجد
الشيطان يعمل نفس الشئ ويسكن فى البعض إقامة مؤقتة لغرض تدميرهم. أما المسيح فأراد
أن يسكن فينا للشفاء والحياة والخلاص. وظهرت قوة المسيح وسلطانه فى تحرير الرجل من
هذا الروح النجس. فالمسيح أتى ليحرر البشر من سلطانه.
شفاء حماة سمعان:-
الكلمة المستخدمة للحمى التى أصابت حماة سمعان تعنى "حمى حارقة أو
ملهبة" وكان اليهود لهم أسلوب سحرى فى علاج هذه الحمى كما هو مذكور فى
التلمود، وللعجب إستندوا فيه لقصة العليقة (خر3 : 2 – 5) فكانوا يأتون بسكين من
الحديد ويربطونه بحزمة من الشعر فى عليقة (شجرة) ويكرروا هذا ثلاثة أيام ثم يقطعون
الشجرة وهم يرددون جمل سحرية. ولكن ومع وجود المسيح فهناك شفاء، فمع المسيح لا
يستمر المرض والبؤس. ونجد المسيح قد تقدم وإنتهر المرض من جسدها كما إنتهر الشيطان
من قبل فى المجمع (والكلمة إنتهر المستخدمة واحدة فى الحالتين) فكل الألام
التى يتعرض لها البشر وأمراضهم وتسلط الشياطين عليهم راجع للخطية التى أتى المسيح
لينتهرها ويخلص البشر من أثارها.
الفصل الخامس عشر
الرحلة الثانية للمسيح فى الجليل –
شفاء الأبرص
مت4 : 23 ، 8 : 2 – 4 + مر1 : 35 –
45 + لو4 : 42 – 44 ، 5 : 12 – 16
خلال هذه الرحلة قام الرب بشفاء الأبرص. وكان الربيون
يضعون طرقا لعلاج الأمراض بعضها طبية وبعضها سحرية. ولكنهم أبدا لم يتعرضوا لمرض
البرص. وإعتبروا البرص نوع من الموت الأخلاقى والمعنوى. ومنع الأبرص من أى إتصال
بالآخرين. ويتم تمييز الأبرص بشكل خاص تتضح فى ملابسه ويترك شعره دون تهذيب، ويغطى
نصف وجهه الأسفل وشفته العليا ويصرخون نجس نجس. وقد يكون كل هذا كوسيلة حماية من
العدوى أو بحسب الشريعة. ويمنع دخولهم إلى الهيكل بل وكل أورشليم، بل وأى مدينة
مسورة. وفى حال دخولهم يعاقبون بالجلد 39 جلدة. ولا يخالطون سوى البرص مثلهم. وكان
من المفهوم أنه لا شفاء من البرص سوى بتدخل إلهى. وكان أى من له خبرة يقوم بفحص
الأبرص ولكن من يعلن طهارته ويعتمدها هم الكهنة. وفى ترتيب النجاسة يعتبر الميت هو
الأكثر نجاسة ويليه الأبرص مباشرة (هناك عدة أسباب للنجاسة ويسمونها أبو النجاسات
وأولها الموت ثم يليه مرض البرص)، وإن دخل الأبرص إلى أى مكان ينجسه بالكامل. وكان
الرابى مير لا يأكل بيضة تم شراؤها من شارع كان به أبرص. ورابى آخر كان يرميهم
بالحجارة ليبتعدوا عنه. وكان الربيين ينسبون المرض لأسباب أخلاقية، فلا موت بدون الخطية.
وهذا صحيح ونفهم هذا من الخطية الأصلية. وقالوا إن العقم والبرص هى من أمراض
التأديب. ويقولون أنه لا شفاء سوى بغفران كل الخطايا. حقاً كانوا بؤساء.
لقد تسلل هذا الأبرص من الربيين الذين يمنعون دخول
البرص، وذهب للمسيح قائلا "إن أردت تقدر أن تطهرنى". ولمس المسيح هذا
الأبرص وشفاه، عكس ما كان يفعله الربيين. فلهؤلاء البؤساء بل وكل البشر الذين
أذلتهم الخطية وجعلتهم عاجزين وبلا رجاء أتى المسيح ليشفيهم. وقطعا كان شفاء
الأبرص آية تظهر من هو المسيح وما هى قدرته المطلقة. فأتى إليه الكثيرين من المعذبين.
الفصل
السادس عشر
العودة
إلى كفر ناحوم – شفاء المفلوج بغفران خطيته
مت9
: 1 – 8 + مر2 : 1 – 12 + لو5 : 17 – 26
لم يذكر الإنجيل سوى حادثة شفاء الأبرص خلال رحلة
المسيح الثانية فى الجليل. وكان ذلك بعد عودته من أورشليم وصدامه مع الربيين بعد
شفاء مريض بيت حسدا (يو5). ونرى فى هذا التسلسل صورة واضحة لتناقض موقف المسيح مع
اليهود. ونجد أن طريقة المسيح مختلفة تماما عن منهج الربيين. فالربيين عجزوا تماما
عن أن يجدوا حلا للبرص، ولم نسمع من الربيين أى كلمة توجه للضمير المثقل بالخطايا
ولا غفران الخطايا ولا ترحيب بأى تائب. والعكس يأتى المسيح ليشفى الأبرص. الربيين
اليهود يطردوا الخطاة، والمسيح أتى ليقبلهم ويغفر خطاياهم. ونجد أن القصتين
التاليتين وضعوا بحكمة إلهية. الأولى شفاء المفلوج بغفران خطيته والثانية قبول متى
العشار والخطاة.
ونلاحظ أن الصدام بين المسيح والربيين الفريسيين بدأ
فى أورشليم، وكمل مع من أوفدوهم من أورشليم كجواسيس لمراقبته. والصدام بدأ حين
ساوى المسيح نفسه بالآب، وهنا يكمل المسيح الفكرة ويظهرها بأن يغفر خطايا المفلوج.
وبشفائه للمفلوج أثبت أن ما قاله عن مساواته للآب كان حقيقيا. فشفائه للمفلوج أظهر
فعلا أن له هذا السلطان أن يغفر الخطايا على الأرض. بل وكانت كلمات المسيح
"قم وإحمل سريرك وأمشى" هى نفس كلماته لمريض بيت حسدا. وكان هذا مما زاد
من كراهيتهم له وحاولوا قتله.
الفصل
السابع عشر
دعوة
متى – قبول المخلص للخطاة
مفهوم
الربيين للغفران فى تضاد مع إنجيل المسيح – دعوة الإثنى عشر رسولا
مت9
: 9 – 13 + مر2 : 13 – 17 + لو5 : 27 – 32
مت10
: 2 – 4 + مر 3 : 13 – 19 + لو6 : 12 – 19
بينما يطالب الربيين الخاطئ أن يتوب أولا ليقبلونه،
أتى المسيح للخطاة، فالمريض هو الذى يحتاج للطبيب. الربيين يطالبون الخاطئ أن
يتحول ويصير تائبا أولا حتى يكون مقبولا من الله، أما المسيح فهو يرحب بالخاطئ
ليحوله هو إلى تائب. الربيين لهم مطالب لقبول الخاطئ بينما المسيح جاء ليغفر
الخطايا وليشفى أمراض وليعطى حياة. أتى المسيح ليغفر خطايا المفلوج ويقبل متى
"لاوى العشار" وباقى العشارون والخطاة. وقف الفريسيين ضد الخطاة لعزلهم
بل أن كلمة فريسى هى بمعنى الإنعزال عن الخطاة وإحتقارهم. وفى هذا يتفق معهم
الصدوقيون. وبنى الفريسيون كبريائهم على فكرة أن الناموس هو ميزة ومجد لإسرائيل من
الله، وأن العالم قد خلق من أجله وهو محفوظ لأجله. فأى خطية أو حتى من يجهل
الناموس تجعل الشخص مخطئ بل ومجدف على الله، ويضيع أبديته. وإعتبروا أن حتى
الأفكار تدنس الإنسان حتى لو لم ينفذها بل هى أسوأ فهى تعبر عن تقصير داخلى تجاه
الناموس، وأنه لا إنسان يخطئ إن لم يتسلل لداخله روح الخطأ. وكما أن البر يأتى
بالناموس فهو أيضا يأتى عن طريقه. هم لا يقبلون سوى التائب. ونجد بركات ومكافآت
للتائب تتلى يوم الكفارة، فالتوبة تطيل العمر وتبعد العقاب وتأتى بالبركات. التائب
يحتاج إلى أعمال وله مكافآت. وأن التوبة وأعمال البر تعادل تقديم كل الذبائح. وقال
البعض أن الله هو من أوجد "دافع الشر" ولكن التائب الذى ينتصر عليه هو
القوى العظيم ويكون له مكانا عظيما أكثر من البار الذى لا يوجد لديه "دافع
الشر" هذا. وقالوا أن الخلاص المسيانى سوف يظهر لو تاب كل إسرائيل وعاشوا فى
بر ولو ليوم واحد. ولاحظ قول السيد المسيح "إن فعلتم كل البر فقولوا أننا
عبيد بطالون" وهذا أيضا عكس تعاليم الربيين – أن البر بالناموس – وما نفهمه
من (رو7) أن الناموس يؤدى للموت، [فمخالفة الوصية تؤدى للموت ومن ذا الذى لا
يخطئ]. لذلك كله نجد أن تعاليم المسيح تناقض تعليم الربيين اليهود.
وتعاليم الربيين كانت من التوراة ولكن بتفسيراتهم
الخاطئة. وهم قسموا الخطايا درجات فهناك خطايا تغفر عند الصراخ لله طلبا للغفران
عقب كسر الوصية مباشرة. ولكن هناك خطايا أخرى تحتاج التوبة وطلب الغفران ولكن على
من إرتكبها أن ينتظر ليوم الكفارة حتى تغفر الخطية. وهناك نوع ثالث لا توجد له
كفارة سوى عند موت الشخص. وللربيين أقوال غريبة فى تعاليمهم : * آدم حين رأى ندم
قايين على خطيته صرخ بكلمات المزمور "جيد هو الإعتراف للرب" . * قول ثانٍ
عجيب أنه مع خوف آدم وبعد إنقضاء الليلة الأولى أعطاه الله حجرين وعلمه أن يحكهم
معا فيخرج شرارا، وأن حَكْ الحجرين فى بعضهما هو رمز للتوبة. * باب التوبة مفتوح
للجميع حتى منسى، فعندما أغلق الملائكة أبواب السماء أمام صلواته، فتح الله
لصلواته مكانا تحت عرش مجده. وقالوا أنه لكى يحصل التائب على القرار الإلهى
بالغفران فيجب أن تكون توبته من القلب ويصاحبها أعمال صالحة. والأعمال الصالحة مثل
مضاعفة قراءة التوراة أو المشناة أو أعمال صالحة للمجتمع كتوزيع الصدقات.
تعليق
الأعمال الصالحة عند الربيين والفريسيين
اليهود هى أن يقوم الشخص بالعمل بدون أى مساندة إلهية. وقطعا نفهم أن هذا الفكر
يدفع للبر الذاتى والكبرياء وهذه مشكلة اليهود. وهى شرط لقبول الشخص فى الجماعة
اليهودية (الجماعة فى العهد القديم مترجمة الكنيسة فى العهد الجديد). أما الفكر
المسيحى نفهمه من قصة الإبن الضال. فالإبن الضال حال عودته بنجاسة الخنازير التى
لوثته قبله أبوه بفرح ولكنه قال "ألبسوه الحلة الأولى و …."
فمن هم الذين يلبسونه. يقول السيد "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئا"
(يو15 : 5) فماذا صنع الرب لنا؟ تمم الفداء والمصالحة مع الآب ثم أرسل الروح القدس
مؤسساً الأسرار الكنسية وبها نولد من جديد ويسكن فينا الروح القدس الذى يبكت
(يو16) ويعين ضعفاتنا. ووضع فى الكنيسة نظاما كهنوتيا لممارسة هذه الأسرار. ووحدنا
الروح القدس بالمسيح فى المعمودية وأسكن الروح القدس حياة المسيح فينا. ويساعدنا
أن تكون أعضاءنا ألات بر (رو6). وقوة الروح القدس هذه تسمى النعمة وبها نخلص (أف2)
ولكن إذ نعمل كل البر وكل ما أوصينا به علينا أن لا نفتخر فالنعمة هى التى ساندت
من أراد بحريته أن يعمل. وهذا الفكر يحمى المسيحى من الكبرياء والبر الذاتى إذ
يفهم أن البر هو عمل الله فيه. وهذا ما قصده بولس الرسول بقوله "لكى نصير نحن
بر الله فيه" (2كو5 : 21).
ولكن الواضح عموما أنه عند الربيين، شرط قبول الشخص
الخاطئ هو توبته وتغييره، حتى أنه فى بعض الخطايا مثل الهرطقة قالوا أنه حتى فى
حالة التوبة الحقيقية الصادقة يكون علامة المغفرة أن يموت الشخص، ويكون موته علامة
على أن توبته كانت صادقة. لأن هذا الشخص حتى لو تاب سيكون بقاءه فى الطريق الصواب
مستحيل وهو سينحرف ثانية. بينما نجد المسيح يقبل كل من يأتى إليه مهما كان ماضيهم.
ومن هذا نفهم معنى إعتراض اليهود وموقفهم من قبول متى "لاوى العشار". [كان
من الطبيعى عند الجليليين أن يكون للشخص إسمين أحدهما عبرى والأخر جليلى وغالبا
أسقط إسم لاوى بعد أن صار تلميذا للمسيح كما صار شاول بولس الرسول] وقال
الربيين فى رفضهم لقبول متى – أن متى حاول الهروب من القضاء عليه حينما وقف
أمام القضاء فى النهاية، وذلك بالتلاعب بإسمه إذ قال "مَتَى أجئ
وأتراءى قدام الله" (مز42 : 2) [متى فى العبرية هى كما فى العربية
تعنى حرف الإستفهام متى] فجاءه الرد من القضاة "مَتَّى يموت ويباد
إسمه" (مز41 : 5). ولقد سجل التلمود خمسة أسماء فقط من أسماء تلاميذ الرب
وهناك إسمين معروفين هما متى وتداوس، وسجلت التوراة أيضا إسم نيقوديموس وغالبا هو
من جاء للمسيح ليلا (يو3). وكان اليهود يكرهون العشارين ويحتقرونهم. لأن اليهود
أصلا كارهين الضرائب التى يأخذها منهم الرومان عن طريق العشارين، أضف لذلك أن
هؤلاء العشارين كانوا يحصلون منهم على أكثر من المفروض بالقوة. ومن الناحية الدينية
فهم رافضين دفع جزية لملك أجنبى فهذا يعتبر علامة على العبودية لغير الله. لذلك
نظروا على العشارين الذين يحصلون الجزية أنهم خارجين عن الجماعة وغير وطنيين.
وقالوا أن قبول توبة العشارين صعبة جدا. وكانت هناك عدة أنواع من الضرائب (الجزية
وضرائب المرور وخلافه) وكانت الضرائب تقدر بعشر المحاصيل الزراعية وخمس الفواكه
والنبيذ، وتحصل هذه الضريبة أما عينية من المحاصيل أو ما يوازيها من النقود. ويضاف
لهذا أن العشارين كانوا يوقفون البهائم المحملة بالمحاصيل أو البضائع وينزلونها
ويحلونها ليَحْصون كل شئ، وبعنف يفرضون الضرائب. ومن أرادوا أن يجاملوه يفعلوا،
ومن أرادوا تحميله بأكثر فرضوا عليه كما يريدون. وأمام هذه الوحشية والإستغلال
أعطى الناس لأنفسهم حق الخداع، فكان الرجل يقول عن عبده أنه إبنه، ويقول على
بضائعه أنها نذور. وحكم الربيين على هؤلاء بالعزل تطبيقا للآية (لا20 : 5). وقالوا
لا يمكن أن يخرج عشار من عائلة إلا لو كانت العائلة كلها على شاكلته، ولكن إن تاب
يقبلونه.
نلاحظ أنه بينما كان الربيين شخصيات طاردة للخطاة، كان
المسيح بمحبته جاذبا للنفوس. مر على لاوى العشار ودعاه فتبعه حالا. هو ربما سمعه
فى المجمع وسمع عنه الكثير. كان لاوى – متى يذهب إلى المجمع لكنه لم يتصور يوما أن
المسيا العظيم المعلم الذى يعمل المعجزات سيهتم به ويدعوه، فالربيين يقولون له أن
توبته شبه مستحيلة. ولكن نظرة المحبة والقبول فى وجه المسيح أثرت بشدة فى قلب متى
فتبع الرب حين دعاه. حقا هذا تطبيق لقول الكتاب "أريد رحمة لا ذبيحة"
(هو6 : 6) هذه الرحمة لم تدخل إلى أفكار الربيين والفريسيين. فهم إختاروا من
الناموس ما يتوافق مع كبريائهم.
ونجد أن عشارين وخطاة كثيرين ذهبوا إلى بيت متى يأكلون
مع الرب، وهذا ما أثار إعتراضات الفريسييين. هم رأوا فى المسيح المعلم رجاء فى قبولهم.
وبعد دعوة القديس متى ليصبح تلميذا للرب تبع ذلك دعوة
باقى التلاميذ. وهناك علاقات تجمع التلاميذ مثل بطرس وأندراوس فهم إخوة وكذلك
يعقوب ويوحنا إبنا زبدى. وفيلبس وبرثولماوس الذى هو نثنائيل ومتى العشار. وهناك
أشياء تضاف للبعض مثل توما بمعنى التوأم ويوضع بجانب متى، وذلك فى إنجيل لوقا
وإنجيل متى نفسه. وهناك يعقوب بن حلفى أو كليوباس وهو يعقوب الصغير إبن مريم وهى
نسيبة العذراء مريم. وهناك يهوذا أو لباوس (لباوس من لَبَّه وتعنى كلمة عبرية
بمعنى القلب) وإنجيل مرقس قال عنه تداوس (من كلمة عبرية تعنى صدر أو تسبيح) والكلمتين
معا يشيران لحياة الشكر من عمق القلب التى كان يحياها هذا الرسول. وقال عنه القديس
لوقا يهوذا أخا يعقوب. وهناك سمعان القانوى أو الغيور، إذاً هو من حزب الغيورين فى
الجليل، أو الغيورين على الناموس، وربما يكون إبن كليوباس وأخو يعقوب ويهوذا
لباوس. وهؤلاء الثلاثة هم إخوة المسيح بالقرابة الجسدية ربما من أولاد أخ ليوسف
النجار. بينما يعقوب ويوحنا إبنا زبدى هم أولاد خالة المسيح، فأمهم سالومى أخت
العذراء مريم.
أخيرا نجد يهوذا الإسخريوطى الخائن الذى سلم المسيح
وهو "الذى من قريوت" وهى مدينة فى اليهودية. وبهذا صار الخائن هو
التلميذ الوحيد الذى من اليهودية، أما بقية التلاميذ فهم من الجليل.
الفصل
الثامن عشر
عظة
الجبل – مملكة المسيح وتعاليم الربيين
مت5
– 7
لا يمكن مقارنة الجمال والحكمة فى هذه العظة على الجبل
مع أفضل ما كتبه الربيين المعاصرين للرب يسوع. فالفروق الأساسية بينهم تجدها فى
مادة التعليم وروح التعليم. فتعاليم المسيح مليئة بموسيقى إلهية تخضع لها قلب وروح
السامعين وتستجيب لها بالطاعة. كلمات كلها رحمة وليس إدانة. كلمات لا تتحدث عن
الماضى بل المستقبل الأفضل والقريب. وهذا عكس كلمات الأباء اليهود فى التلمود التى
تصدم القارئ وتؤلمه. وقد يتسلى بها البعض ويندهش من المكتوب. ستجد أقوال كلها غيرة
وحماس وصدق وستجد بجانبها أقوال كلها دنس مرعب ونجاسات وخرافات وجهل. نقول عن هذه
الكتابات أنها ليست روحية فقط، بل هى ضد الروحيات. إن من يجد شبعه فى تعاليم
المسيح يستحيل أن يعود ثانية لهؤلاء الربيين. وعجيب أن يقول البعض أن تعاليم
المسيح مأخوذة من تعاليم الربيين اليهود.
ونلاحظ أن معظم تعاليم هذه العظة كانت فى الجليل.
وهكذا معظم أحداث إنجيل متى جرت فى الجليل. بينما كانت أحداث إنجيل يوحنا معظمها
فى اليهودية. وكون أن القديس متى يضع معظم تعاليم الرب ويجمعها قبل أن يختار الرب
تلاميذه فالمقصود من ذلك أنه يناظرها مع الوصايا العشر التى أعطاها الله لموسى على
الجبل. وواضح من إنجيل متى أن المسيح أتى ليكون مملكة (ملكوت الله) وعظة الجبل
تمثل مبادئ هذه المملكة. هى تضع العلاقة الصحيحة بين الإنسان والله. وبين الإنسان
والآخر بل والزواج وبقية العلاقات والتلمذة وما شابه ذلك. ويلاحظ فى التعليم
التواضع المسيحى فى مقابل الكبرياء اليهودى. ونلاحظ أيضا التضاد بين الفكر اليهودى
والكمال المسيحى فى أن اليهودى يجاهد بذاته، أما المسيحى فقد حصل على حياة جديدة
نابعة من الله وفى الله. وهذه القوانين تضع الحد الأعلى للفهم للأخلاقيات الممكنة
التى يجب أن يسعى إليها كل من يريد أن يكون إبنا للملكوت. ولاحظ أن النعمة تعطى
معونة لمن يسعى لهذا بحرية. وحملت تعاليم المسيح الأخبار المفرحة عن الرحمة
والغفران.
وبدأت العظة بعشرة تطويبات فى مقابل العشرة وصايا
لموسى. وبينما نقشت وصايا موسى على ألواح حجرية، يكتب الروح القدس وصايا المسيح
على القلب. ونلاحظ هنا أن تعاليم المسيح هى إستمرار للعهد القديم فالمسيح لم يأتى
لينقض. وأول التطويبات كانت للمساكين بالروح، فهؤلاء لهم ملكوت السموات. ولنرى فى
المقابل تعليم الربيين للمسكنة بالروح وكلها تشاؤم "فلتسعى لأن تكون مسكينا
بالروح أى متواضعا فنهاية الإنسان أن يكون طعاما للدود". ويقول هليل معلم
اليهود العظيم عن التواضع "تواضعى هو عظمتى، وعظمتى هى تواضعى" وهو قول
لا يخلو من كبرياء. والقول مشتق من (مز113 : 5 ، 6).
ونلاحظ تضاد آخر بين تعاليم الربيين وتعليم المسيح
بخصوص ملكوت الله. ففى تعليم المسيح نجد أن مملكة المسيح متسعة وتشمل العالم كله
أمم ويهود، بينما أن ملكوت الله عند اليهود مقتصر عليهم فقط ولا يوجد مكان للأمم.
ونرى تعليمهم هذا بوضوح فى التلمود – عند بدء العصر الآتى، عصر الملكوت المسيانى،
يفتح الله التوراة ويبدأ فى إستدعاء الشعوب، واحدا وراء الآخر، ليكافئ من إنشغل
بالتوراة. وسيبدأ بالرومان ويسألهم عن مدى إنشغالهم بالتوراة. فيقول الرومان أن كل
ما كانوا يعملونه كان لخدمة اليهود وأن هذا كان أفضل من أن ينشغلوا بالتوراة.
فيطردهم الله من أمامه بقسوة. ثم يدخل الفرس ويقولون أنهم لم يهدموا الهيكل كما
فعل الرومان، ولكن يكون نصيبهم الطرد أيضا. ثم يقدم الأمم إعتراضا لله إذ أن
التوراة قدمت لليهود وليس لهم. ولكنه إحتجاج فارغ إذ أن الله كان أن قدم لهم التوراة
فرفضوها فذهب الله إلى اليهود فقبلوا التوراة. ورفع الله جبل سيناء وهدد اليهود
بأن ينزل الجبل على رؤوسهم إن لم يقبلوا التوراة، وإعتمدوا فى هذا التفسير العجيب
على الآية (خر19 : 17). فأطاع إسرائيل ليس بإرادتهم بل بالقوة. وهنا قرر الله أن
يحكم الأمم بقوانين نوح. وأنه حتى لو أطاع الأمم قوانين نوح فليس لهم مكافأة.
فيدخل الأمم فى خلاف مع الله حول إسرائيل ويقولوا أن إسرائيل لم يطيعوا الناموس.
ويرد الله أنه شاهد على طاعتهم. فيقولون لا يصلح أن يشهد أب عن أبنائه. ويقولون
أيضا أنهم لا يقبلون شهادة السماء والأرض عن إسرائيل، لأن الأرض خافت لأن إسرائيل
لو لم تقبل الناموس لكان الله قد دمر الأرض، وإعتمدوا فى هذا على (مز76 : 8).
وسكت الأمم بفم شهودهم نمرود ولابان وفوطيفار ونبوخذ نصر. لكنهم طلبوا فرصة أن
يعطيهم الله الناموس ووعدوا أن يطيعوه. ومع أن هذا من المستحيلات الآن، إلا أن
الله برحمته وافق وأعطاهم شريعة عيد المظال فهى الأسهل فى حفظها. لكن بينما هم فى
مظالهم جعل الله الشمس تشرق فى قوتها، فذهبوا فى سخط شديد يلجأون لمظالهم للحماية
وذلك حسب (مز2 : 3). وفهموا الآية (مز2 : 4) أن الله رأى هياجهم وسخطهم وكان يضحك
عليهم. وكان هذا هو المكان الوحيد الذى قيل فيه أن الله يضحك. ولو إحتجوا وقالوا
أنه فى نهاية الأيام سيصبح كل الأمم يهوداً، وهذا حقيقى، لكن مع أنهم سيتبعوا كل
الممارسات اليهودية، إلا أنهم سيرتدون عند حرب جوج وماجوج ومرة ثانية نجد أن الله
يضحك ويهزأ بهم.
وواضح الفارق الكبير جدا بين تعاليم المسيح وتعاليم
الربيين وفى هذا الكفاية للرد على من إدعى أن تعاليم المسيح مأخوذة من تعاليم
الربيين اليهود. ولا نجد أى علاقة بين التطويب الأول وتعاليم الربيين المملوءة بر
ذاتى وكبرياء كما يقول هؤلاء. ولا يوجد أى تشابه بين باقى التطويبات وتعاليم
الربيين مع الأخذ فى الإعتبار أن التطويب الثالث عن ميراث الأرض، فنجد أن اليهود
لهم فهمهم الخاص لهذا وهو مخالف تماما للمفهوم الإنجيلى. فهم يفهمونه حرفيا أن
اليهود كدولة سيمتلكون الأرض كلها. وأيضا مفهومهم عن الجوع والعطش إلى البر هو
مختلف تماما عن المفهوم المسيحى، فاليهود يبحثون عن أعمال بر ذاتى. فيقولون أن من
يتبرع لأعمال الصدقة ويقول هذه الصدقة ليعيش أبنائى وليكافئنى الله فى الدهر
الآتى، فهذا هو البر الصحيح. ولقد إعتبر اليهود أن أعمال البر الذاتى هى من أعمال
الرحمة وسيكافأ صانعها وتغفر له خطاياه. ويقولون أن مكافآت البر هى لليهود فقط،
بينما أن أعمال البر التى يعملها الأمم تحسب لهم على أنها خطية.
ولكن من العدل أن يذكر أن هناك رابى واحد هو يوحانان
بن زكاى قد إعترض بشدة على هذه التعاليم الرهيبة. ويذكر أيضا للحق أن هناك أقوال
لبعض الربيين اليهود تشابه تعاليم المسيح. ونرى هذا مثلا فى قول الرب يسوع
"فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم إفعلوا هكذا أنتم أيضا بهم". ونجد فى
هذا مشابهة مع تعليم الرابى هليل معلم إسرائيل الكبير "ما تكره أن يفعله
الناس بك، لا تفعله أنت بالآخرين".
أما عن الصلوات فهناك قطعا إختلافات كبيرة. فكان
الربيين لهم تعاليم تافهة عن الوضع الصحيح فى الصلاة ودرجة ميل المصلى. وهذه
التفاهات لم يتكلم عنها المسيح إطلاقا. ونجد صلاة تسمى صلاة حزقيا مملوءة بالبر
الذاتى "لقد أعطيتنى يا رب 248 عضوا وقد فحصتها كلها ولم أجد أننى أخطأت بأى
منها وأغظتك ولذلك قد أطلت حياتى". هذا غير الصلاة جهرا فى الشوارع ويطيلون
صلواتهم ليراهم الناس. أما الصلاة الربية التى علمها الرب يسوع لنا فلا يوجد لها
مثيل فى صلوات الربيين.
الفصل
التاسع عشر
الرجوع
إلى كفر ناحوم – شفاء غلام قائد المئة
مت8
: 1 ، 5 – 15 + مر3 : 20 ، 21 + لو7 : 1 – 10
عاد الرب إلى مدينته كفرناحوم المدينة المشهورة بالصيد
والواقعة على بحيرة طبرية، وكان إزدهار ورخاء كفرناحوم راجع لقربها من مدينة طبرية
التى بناها هيرودس أنتيباس قبل هذه الأحداث بعشر سنوات، وأطلق عليها إسم طبرية
إكراما لطيباريوس قيصر. وكفرناحوم هذه رفضت مجدها حين رفضت الرب يسوع فسمعت
دينونتها من فمه (لو10 : 15). وهذه جرت فيها أحداث كثيرة خلال فترة وجود الرب يسوع
بالجسد على الأرض فكان الرب يسوع يقيم فيها. فهناك جبل التطويبات، وهناك بيت بطرس
وأسرته وهناك شفى المسيح الأبرص غافرا له خطاياه، وهناك دعا يسوع لاوى العشار
(متى) فتبعه. ومن هذه الأحداث شفاء غلام قائد المئة الذى أحب اليهود وبنى لهم
المجمع الذى تقدس بدخول المسيح وتعليمه فيه. وأثار هذا المجمع باقية إلى الآن وتدل
على كرم قائد المئة الذى ظهر فى زخارف المجمع. وكان قائد المئة هذا قائدا لمجموعة
جند تتبع الملك هيرودس أنتيباس ومكان خدمتهم فى كفرناحوم. وكان هؤلاء الجنود يتم
تجنيدهم من السامريين والأمم من قيصرية. ولكن قائد المئة نفسه لم يكن ساكنا فى
كفرناحوم بل إلى جوارها وهذا يتضح من قول القديس لوقا (7 : 6).
وهناك خلاف فى رواية متى لقصة الشفاء ورواية لوقا
للقصة – فمتى يجعل الحديث مباشرة بين قائد المئة الوثنى وبين الرب يسوع، بينما
لوقا يجعل هذا الحوار من خلال اليهود الذين يشهدون لقائد المئة أنه مستحق لأنه بنى
لهم المجمع. وخلاف آخر فمتى يذكر إعجاب المسيح بإيمان قائد المئة وأنه سيكون للأمم
نصيبا فى الملكوت بينما يطرح بنو الملكوت (اليهود الرافضين للمسيح) خارجا. وقد حذف
لوقا هذا الكلام. فإذا فهمنا أن متى يكتب لليهود بينما لوقا يكتب للأمم، فيبدو
واضحا أن كلاهما يقوم بمحاولة مصالحة الأخ الأكبر (اليهود) مع الأخ الأصغر الذى
كان ضالا وعاد (الأمم خلال إيمانهم بالمسيح). فيظهر متى أن الأمم لهم نفس نصيب
اليهود، وأنه سيكون لكلا اليهود والأمم الذين يؤمنون مكانا فى حضن إبراهيم وإسحق
ويعقوب. بينما لوقا يظهر تعاطف اليهود مع الأمم.
ملحوظة :- هذه
الخلافات بين الإنجيليين لا نعتبرها دليلا على خطأ فى الإنجيل الموحى به من الروح
القدس، فكما رأينا فهناك حكمة وراء هذا الخلاف. وما لابد أن نفهمه أن الإنجيليين
ليسوا مؤرخين. بل هم أصحاب فكر يريدونه أن يصل للقارئ وهم مقودين بالروح القدس. بل
ومن المهم أننا إذا وجدنا خلافا بين روايتين فعلينا دراسة هذا الخلاف لنستنتج
الفكرة من وراءه، والتى يريدنا الروح القدس أن نفهمها.
قائد المئة هذا تعلم حب إله اليهود وإحترامه وحب
اليهود، ولكنه كوثنى يعتبر نجسا وليس من حقه أن يدعو يهودى للدخول إلى بيته
فاليهود يعتبرون أن دخولهم لبيوت الوثنيين ينجسهم. والعجيب أنه قبل هذا بتواضع
وقال للرب يسوع "لست مستحقا أن تدخل تحت سقفى". ولم يكن سؤال القائد
"هل يقدر يسوع أن يشفى الغلام" بل كان سؤاله "هل يقبل يسوع أن يشفى
الغلام". هنا نفهم أنه وضع يسوع على قمة شعب اليهود ومعلميهم وشيوخهم، فرأى
نفسه غير مستحقا أن يكلم المسيح مباشرة. فكلم شيوخ اليهود أن يكلموا هم المسيح
بالنيابة عنه إذ حسب نفسه غير مستحق أن يكلم المسيح شخصيا فهو وثنى. تواضع هذا
القائد جعله فى قائمة من قال عنهم الرب يسوع "المساكين بالروح" فإستحق
التطويب.
يتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت
السموات = لاحظ أن المسيح هنا
يتكلم باللغة التى يفهمها اليهود فى ذلك الوقت. فكان هناك إيمان عام أنه يوم يفدى
المسيا إسرائيل، سيُدعى اليهود إلى عيد عظيم مع الأباء البطاركة ومع أبطال الإيمان
من اليهود، وهى فكرة مأخوذة من أقوال الأنبياء كما فى (إش25 : 6). وفى كل سبت
وليمة ضخمة لتكريم اليهود، يقدم فيها لحوم من كل أنواع الحيوانات مثل لوياثان
وبهيموث المذكورين فى سفر أيوب وطيور ضخمة وأوز ضخم مخصص لعيد يوم السبت العظيم.
أما الخمر التى ستقدم لهم فهى معتقة من بدء الخليقة. وأرجعوا الفضل فى هذا النبيذ
لداود وإعتمدوا فى هذا على (مز116 : 13 + مز23 : 5). وطبعا لا مكان للأمم فى هذا
اليوم مع اليهود. أما كلام المسيح هنا فكان أن الأمم سيشتركوا مع اليهود فى هذا
اليوم.
الظلمة الخارجية، البكاء وصرير الأسنان = هناك
جهنم ودخانها أبدى، هذا أيضا تصوير يهودى للمكان المعد للأمم ولكن الرب غَيَّرَ
المفهوم اليهودى وجعله لغير المؤمنين عموما. وقال اليهود أنه فى يوم المسيا سيخرج
المسيا اليهود الخطاة الذين كانوا هناك وهذا بركة الختان، فهم مختونين. وقال
اليهود عن الأمم أنهم بنو جهنم حيث البكاء وصرير الأسنان. وهذا البكاء دليل الأسف،
أما صرير الأسنان دليل الغضب (مز112 : 10). بينما أن اليهود هم بنو الملكوت (مت8
: 12) هم أولاد الملك، أولاد السماء، أولاد الدهر الآتى، مكانهم فى الأعالى
(فقالوا أنهم أولاد العلية، والعلية توجد أعلى المنزل) وفى يوم المسيا سينشدون
نشيد الحرية (خر15). وهذا راجع لأن الأمم رفضوا الناموس بينما قبله اليهود.
وواضح الصدمة التى حدثت لليهود حينما سمعوا كلام
المسيح والذى كان ضد أفكارهم، وأن الأمم الوثنيين الذين يؤمنون لهم نفس حقوق
اليهود الذين يؤمنون. وأن اليهود بنو الملكوت الذين لن يؤمنوا سيكون مصيرهم الظلمة
الخارجية.
الفصل
العشرون
إقامة
إبن أرملة نايين (لو7 : 11 – 17)
رأينا الرب يسوع وهو يحول قائد المئة الوثنى النجس إلى
مؤمن طاهر، وفى هذه المعجزة يحول الموت وهو نجاسة إلى حياة. كان الرب فى كفرناحوم
وذهب مع تلاميذه إلى نايين التى تبعد 25 ميلا عن كفرناحوم ليصل عند مساء اليوم،
وهو الموعد الذي يدفنون فيه موتاهم. وهناك تقابل موكب رئيس الحياة مع موكب جنازة
حزين. وكانت مواكب الجنازات تسير وراء نعش الميت كنوع من إحترام الميت، إذ كانوا
يعتقدون أن روح الميت تظل تحوم حول الميت فترة من الزمان. ومن لا يستطيع السير
وراء الميت كان عليه أن يقف إحتراما عند مرور الجنازة. وبجانب الحزن المفهوم لدى
كل الشعوب على الموتى، نجد اليهود لهم طقوسهم المؤلمة. فيسير وراء النعش ندابات
يستأجرونهن للعويل وترديد بعض العبارات عن الميت مثل يا أسد و يا بطل [وهذا إلى
حد بعيد نراه فى مصر]. وحتى الربيين والفاهمين ما كان لديهم كلمات معزية فهم
أنفسهم بلا رجاء، أين سيذهبون بعد الموت. بل لديهم أفكار مخيفة طفولية عن الموت.
ولنتصور من كانت أفكارهم هكذا كيف سيعزون الأم الحزينة فى خطبهم التى يقولونها
عادة فى هذه المناسبات. وكان يصاحب الموكب الحزين قارعى طبول ومزمرين. وكانت الأم
الثكلى أو الأرملة لا تأكل لحما ولا تشرب خمرا فترة طويلة مكتفية بأكل زهيد.
ويقابل الرب يسوع رئيس الحياة هذا الموكب، يتقابل
الحياة مع الموت والحزن، ليغير الحزن إلى فرح. فهو لهذا أتى وتجسد. ولمس نعش الميت
ينجس، وكان الربيين يحذرون من العواقب الوخيمة وتحذيرات مرعبة بلا نهاية لمن ينجس
نفسه ويتلامس مع نعش ميت غير الذين يحملونه طبعا. ولكن القدوس الطاهر لمس النعش
وأقام الميت، فهو لا يتنجس.
الفصل
الحادى والعشرون
المرأة
التى كانت خاطئة (لو7 : 36 – 50)
كما بدأ المخلص فى بداية خدمته بتطهير الهيكل (يو2)
هكذا أنهى خدمته قبل صلبه بأيام بتطهير الهيكل، وذلك ليعلن هدف مجيئه – تطهير هيكل
الله (الكنيسة والإنسان). هكذا نجد قصتى ساكبات الطيب، وهذه هى الأولى فى بداية
خدمته، وفيها نراه يقبل هذه الخاطئة ويعطيها غفران الخطية ووعد بالخلاص، وأنهى
أيضا خدمته فى الأسبوع الأخير بمريم ساكبة الطيب إعلانا عن محبتها الكبيرة. فمن
عرف المسيح وغفرانه ومحبته سيبادله الحب، وهذا ما يريده أن يعيد الصورة الفردوسية
الأولى. ولكن لاحظ أن هذا الحب من مريم جاء بعد تلمذة طويلة ليسوع، إذ كان يسوع يذهب
كثيرا لبيت لعازر. ولاحظ أنه إحتراما لمشاعر المرأة التى كانت خاطئة أخفى الإنجيل
إسمها. وكون أن القصتين تحدثان فى بيت شخص إسمه سمعان، فهذا لا يدل على شئ لأن إسم
سمعان إسم منتشر بين اليهود.
ولاحظ التناقض الكبير بين المرأة التى جاءت فرحة بقبول
المعلم لها ولم يحتقرها كباقى معلمى اليهود بل غفر لها، وكانت تبكى وحينما نزلت
دموعها وبللت قدميه خجلت وإنحنت لتمسح دموعها من على قدميه بشعرها. وبين الفريسى
الذى دعاه وأدانه وفكر فيه أفكارا غير لائقة. وعند اليهود كانوا يعطون كرامة كبيرة
للمعلمين لم يعطها هذا الفريسى للمسيح. لذلك نقول أنه لم يدعه إلى بيته لأنه كان
مقتنعا به بل لأنه كانت هذه هى العادة أن يدعو الفريسيين المعلمين الكبار إلى
مائدتهم. وربما حدثت هذه الحادثة فى نايين بعد إقامة إبن الأرملة فإزدادت شهرة
المسيح لذلك دعاه هذا الفريسى. [لاحظ أن قصة المرأة أعقبت مباشرة قصة إقامة إبن
أرملة نايين]. وبهذا نتأكد أن هذا الفريسى المزهو بنفسه هو من أراد أن يستفيد
من شهرة المسيح، ولكنه فى داخله إستنكر وتضرر من قبول المسيح لهذه المرأة.
كان الجلوس حول المائدة هو وضع الإتكاء على مقاعد
طويلة [دكة] ويستندوا بيدهم اليسرى على المائدة ويتركوا أرجلهم تجاه الحائط. لذلك
حينما دخلت المرأة وجدت أمامها قدمى الرب يسوع.
الفصل
الثانى والعشرون
خدمة
المحبة – تجديف الكارهون وخطأ العواطف الأرضية – العودة لكفرناحوم
شفاء
أخرس به روح نجس – إتهام الفريسيين للمسيح – زيارة أمه وإخوته
لو8
: 1 – 3 + مت9 : 32 – 35 + مر3 : 23 + مت12 : 46 – 50
لم يهتم الإنجيل بتقديم تاريخ شخصى لحياة المسيح على
الأرض ولا حياة العذراء مريم ولا الرسل، بل كان هدف الإنجيل كما هو واضح من إسمه
تقديم بشارة الخلاص وتاريخ إمتداد ملكوت الله على الأرض. وهذا ما رأيناه أيضا فى
العهد القديم، فلم يقدم الكتاب تاريخا قوميا لمملكة اليهود ولأبطال اليهود بل
تاريخ ملكوت الله. رأينا المخلص فى رحلته فى الجليل حتى وصل إلى نايين أقصى جنوب
رحلته التبشيرية فى الجليل ثم عاد إلى كفرناحوم محاطا بتلاميذه وبعض النساء يخدمنه
من أموالهن (لو8 : 1 – 3). هؤلاء النساء خلصهن المسيح من تجارب صعبة مثل المجدلية
فقررن فى محبة أن يكرسن أنفسهن وأموالهن لخدمة المسيح. وصار هذا هو قانون مملكة
المسيح الحب المتبادل بين المسيح وخاصته، هو يُخلِّص، وخاصته تخدمه فى حب. ومريم
المجدلية كانت من مجدل بقرب طبرية، مدينة غنية إشتهرت بالتجارة والصباغة وتجارة
الحمام الذى يقدم فى الهيكل للتطهير، ولغناها إشتهرت بالفساد. ولذلك قال عنها
الربيين أنها قريبة من الخراب النهائى. والإنجيل سجل أسماء ثلاثة فقط من النساء
اللواتى تبعنه أما الباقيات فسُجِّلَت أسماءهن فى سفر الحياة.
وفى الطريق إلى كفرناحوم شفى الرب أعميين ومجنون أخرس.
ومع تزايد أعمال المسيح ومعجزاته خصوصا إقامة إبن أرملة نايين، وصلت هذه الأخبار
إلى قادة أورشليم. وهؤلاء القادة أرسلوا بعض الفريسيين ليقاوموا عمل الرب يسوع
(مر3 : 22). ومع تزايد أعمال المسيح تزايدت حدة كراهية الفريسيين والربيين له،
وهؤلاء لم يقدروا أن ينكروها فنسبوا هذه المعجزات لبعلزبول رئيس الشياطين. حقا كان
هؤلاء أبناء ظلمة وليسوا أبناء النور، إذ لم تنفتح أعينهم ليروا النور. وظلت هذه
الكراهية تتزايد حتى وصلت إلى الصليب.
الفصل
الثالث والعشرون
التعليم
الجديد بالأمثال
بالأمثال
– للناس عند بحر الجليل
والتعليم
للتلاميذ فى كفرناحوم
مت13
: 1 – 52 + مر4 : 1 – 34 + لو8 : 4 – 18
ملحوظة
:- زنابق الحقل التى قال عنها الرب "ولا سليمان فى
عز مجده كان يلبس كواحدة منها"، هى نوع معين من الزنابق قالت عنها المشناة
"الزنابق الملوكية" وليست أى نوع من الزنابق. ومن إسمها الملوكية أخذ
المسيح المثل مع ملابس سليمان الملك.
الأمثال
:- كان الربيين اليهود يستخدمون الأمثال بكثرة فى
تعاليمهم ولكن هناك فارق كبير بين أمثال المسيح وأمثال الربيين اليهود. فالربيين
يستخدمون الأمثال لشرح وتوضيح ما يقولون من تعاليم. بينما كانت الأمثال عند الرب
يسوع هى الأساس فى تعاليمه. مع الربيين كانت الأمثال لتظهر التعاليم الروحية فى
صورة يهودية وقومية. بينما الأمثال عند المسيح كانت لنقل التعليم الروحى فى شكل
ملائم ومناسب لوجهة نظر السامعين. ولنفهم هذا نأخذ مثال معروف قاله الرب عن
"المرأة التى فتشت على الدرهم المفقود ولما وجدته فرحت". فكان الربيين
يقولون مثلا مشابها ولكنهم يقصدون منه أن على الإنسان أن يبذل أقصى جهده ويشقى
ليدرس التوراة، أكثر من التعب الذى يجب أن يبذله للبحث عن دراهم مفقودة. فالبحث
ودراسة التوراة مكافأتها فرح أبدى بينما لو وجدت درهم مفقود يكون فرحك وقتى. أما
مثل الرب يسوع فيشير لإهتمامه بالبحث عن أى نفس ضالة ليعيدها وإن عادت النفس لله
يصير فرح فى السماء. وهذا المثل يشرح التناقض بين فكر الربيين وفكر السيد المسيح
فى إستخدام الأمثال.
"لكم
قد اعطي ان تعرفوا اسرار ملكوت الله واما للباقين فبأمثال حتى
انهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يفهمون" (لو8 : 10). لماذا قال الرب هذا
للتلاميذ؟ هل يريد المسيح أن البعض يفهم ويخلص والبعض لا يفهم فلا يخلص بل يهلك؟!
قطعا هذا التصور لا يتفق مع قول الكتاب "الله يريد أن الجميع يخلصون"
(1تى2 : 4). وحتى التلاميذ نجدهم قد إندهشوا وتساءلوا عن كنه هذا التعليم الجديد
بالأمثال (مت13 : 10). وكان رد الرب أن التعليم بالأمثال راجع لأن هناك نوعين من
السامعين. فالموضوع ليس أن الأمثال للناس والتعليم المباشر للتلاميذ لأننا نلاحظ
أن الرب قد وجه بعض الأمثلة للتلاميذ بعد أن صرف الجموع (مت13 : 36 ، 44 ، 55).
ونفهم من كلام الرب أنه يوجه تعليمه للتلاميذ ليشرح لهم أسرار الملكوت، وأما
للآخرين فيوجه لهم حديثه بالأمثال كنوع من الدينونة لهم، ليكمل قساوة قلوبهم التى
بدأت برفضهم له. وهذا كما قال إشعياء النبى "غلظ قلب هذا الشعب وثقل اذنيه
واطمس عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع باذنيه ويفهم بقلبه ويرجع فيشفى" (إش6 :
10). إذاً تقسية القلب لا ترجع للتعليم بأمثال فالمسيح كان يعلم تلاميذه بأمثال،
ولكن المعنى أن إدراك معنى المثل أو عدم إدراكه راجع للسامع – هل هو يريد أن
يفهم أو هو قد أغلق قلبه مقدما رافضا الفهم – فيكون ما سمعه دينونة له. تقسية
القلب راجعة ليس للتعليم بأمثال بل لعدم الحساسية الروحية التى فى القلوب التى
وصلوا هم لها بخطاياهم. [وهذا ما قاله الرب بعد ذلك لليهود "من رذلني ولم
يقبل كلامي فله من يدينه. الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الاخير"
(يو12 : 48) وأيضا ما قاله الرب لمريض بيت حسدا "هل تريد أن تبرأ"]
وبهذا المفهوم أضاف الرب قائلا "من له يعطى ويزاد ومن ليس له فالذى عنده
سيؤخذ منه" (مت13 : 12). ولفهم أكثر – هل كان من المتصور أن هؤلاء الفريسييين
الذين وضعوا فى قلوبهم أن الرب يصنع ما يصنعه من المعجزات وهذه التعاليم التى لم
يسمعوها من قبل – أنها بقوة بعلزبول. هل هؤلاء يستحقون الفهم، هؤلاء قسوا قلوبهم
بإرادتهم فكانت لهم الأمثال دينونة عليهم. أما من أراد الفهم طالبا ملكوت الله
كالتلاميذ فقد ذهبوا للمسيح طالبين الشرح والرب أعطاهم فهما أكثر ورؤية للملكوت.
ملحوظة
عن مثل القمح والزوان :- المفهوم الحديث للزوان هو أنه نبات
سام. وهو يشبه القمح تماما والخلاف بينهما يبدأ عند ظهور سنابل القمح. ولكن مثل
القمح والزوان يمكن فهمه بوضوح أكثر من فهم اليهود لكلمة الزوان. فهم يقولون عن
الزوان أنه قمح ولكنه فسد. ولهم قول ربما كان أسطورة أو مجرد رمز، أن الأرض نفسها
كانت فى حالة فسق قبل الطوفان، ولذلك فحينما زُرِع القمح أخرجت الأرض الفاسدة هذا
القمح الفاسد أى الزوان. ونجد أن الفرق بين القمح والزوان يبدأ فى الظهور عند
الإثمار. [لنرى شاول الطرسوسى فى إضطهاده للكنيسة، ألم يكن عبيد رب البيت
سيعتبرونه زوانا. والآن رأينا ثماره]. ونرى أن التلاميذ سألوا بالذات عن مثل
الزوان. والعجيب أنه كان وسطهم يهوذا وهو زوان.
حبة
الخردل :- ليست أصغر الحبوب فعلا ولكن السيد كان
يستعمل ما يجعل كلامه مقبولا عند السامعين، وكان الربيين اليهود يستخدمون حبة
الخردل للإشارة لأصغر شئ. وصار مثلا مشهورا لدى اليهود. إذاً كان الرب يسوع يتكلم
عن ما يريده بطريقة تعبير ملائمة لفكر من يسمعه. وكانت حبة الخردل حينما تنمو تصير
شجرة كبيرة بحسب ما أوضح القديس لوقا (13 : 18). حقا ليست كالأشجار الضخمة ولكنها
بالنسب للحديقة تكون شجرة كبيرة. والطيور تآوت فى أغصانها = هذا راجع لأن
الطيور مغرمة بحبة الخردل. وحبوب الخردل تستخدم كغذاء للحمام فى فلسطين، وحبوب
الخردل محبوبة لدى كثير من الطيور. وتشبيه الممالك الكبيرة التى تضم دولا كثيرة
تحت حمايتها هو تشبيه معروف فى العهد القديم (راجع مثلا دانيال4)، وهنا الإشارة
لملكوت المسيح. ولكن هذه المملكة ستبدأ صغيرة وسط العالم.
أمثلة
الكنز واللؤلؤة والشبكة :- مثل الكنز يشرح أن
إنسانا وجد بالصدفة كنزا فى حقل فباع كل شئ وإشترى الحقل. ومثل اللؤلؤة
يشرح أن إنسانا خبيرا يعرف قيمة اللآلئ فيفتش بجهد حتى يجد اللؤلؤة كثيرة الثمن.
وفى كلا الحالتين يشرح الرب القيمة العظمى للكنز واللؤلؤة مما جعل الإنسان يبيع كل
شئ. [أتصور أن الكنز يمثل مملكة المسيح واللؤلؤة هى شخص المسيح. والمعنى أن مثل
الكنز فى الحقل = أن من يفهم المسيحية وعمل المسيح لأجله سيترك كل الماضى أى
ما كان يؤمن به سابقا ليتبع المسيح. ولكن يأتى المثل التالى عن اللؤلؤة كثيرة
الثمن = ليقول أن من صار مسيحيا عليه أن لا يكف عن الجهد ليدخل إلى عمق محبة
المسيح ومعرفة شخصه. ومن يفعل يظل يترك كل ملذاته ليفرح بشخص المسيح]. ولكن
دخول ملكوت المسيح (الكنيسة = الشبكة) ليس هو النهاية وضمان الخلاص.
فالشبكة قد ألقيت فى البحر (العالم) فجذبت الكثيرين، ولكن سيتضح فى النهاية أن بعض
الموجودين فى الشبكة لم يكونوا مستحقين لدخول ملكوت الله. فحتى كون أحد قد صار
تلميذا فهذا لا يكفى (يهوذا مثال لهذا). ومن جذبته الشبكة ثم وُجِد غير مستحقا
فمثل هذا يلقى فى أتون النار مع الزوان فى النهاية.
الفصل
الرابع والعشرون
المسيح
يهدئ عاصفة بحر الجليل
مت8
: 18 ، 23 – 27 + مر4 : 35 – 41 + لو8 : 22 – 25
يقول القديس متى أن يسوع حين رأى جموعا كثيرة حوله أمر
بالذهاب إلى العبر. وهذا لا يتفق مع طريقة المسيح أن يترك الجموع التى تأتى إليه.
ولكن ما يفسر السبب فى ذلك الإنسحاب مع تلاميذه أن المسيح قضى يوما طويلا يعلم
بالأمثال أناسا قد أغلقوا قلوبهم فلم يسمعوا ولم يفهموا. وإنصرف الرب مع تلاميذه
فى سفينة إلى العبر منهكا وبدون طعام فنام. وحدثت العاصفة فخاف التلاميذ وأيقظوه. [لاحظ
الكاتب أن متى فى روايته يذكر أن يسوع وبخ التلاميذ على عدم إيمانهم ثم أمر
العاصفة فهدأت، أما مرقس ولوقا يذكران أنه هدأ العاصفة أولا ثم وبخ التلاميذ.
وأرجع الكاتب هذا لأن متى كان هو شاهد العيان الوحيد بينما أن كلا مرقس ولوقا
سمعوا القصة من آخرين. وهذا الرأى لا يمكن أن أوافق عليه :- 1) هذا ضد فكرة أن
الكتاب كله موحى به من الله، والروح القدس يحمى الكاتب من الخطأ. 2) ملحوظة
القديس مرقس أن المسيح كان نائما على وسادة هى ملحوظة شاهد عيان. 3) عند دراسة
الخلافات بين النصوص المتشابهة عند كل إنجيلى علينا أن نفهم كيف نستخرج الحكمة من
وراء هذا الخلاف. 4) الأكثر منطقية أن متى لأنه يكتب لليهود يوبخ عدم إيمانهم،
ومن يؤمن يحول الرب له حياته سلاما. وأما مرقس ولوقا فهم يكتبون للأمم، وهؤلاء
مدعوين لملكوت الله مملكة السلام. وبعد دخولهم لمملكة السلام يوبخون على أفعالهم
ونقص إيمانهم]. وهذه القصة نرى فيها المسيح الإله المتأنس فى سلطانه الإلهى
على الطبيعة، وضعفه الإنسانى ونومه من شدة التعب. ولا نعرف ماذا كان يتوقع
التلاميذ منه أن يفعله حينما أيقظوه، فهم لم يكونوا حتى هذه اللحظة مدركين لشخصه
الإلهى. وهم لم يعرفوا حقيقة المسيح إلا بعد حلول الروح القدس عليهم. لكنهم أيقظوه
عند خوفهم فهم كانوا يشعرون معه بالسلام فهو ملك السلام. [بعد أن علم المسيح عن
ملكوت السموات بالأمثال نجد فى هذه القصة مثل عملى. فالسفينة تمثل الملكوت،
والمسيح الملك قادر أن يحفظ السفينة وسط إضطرابات العالم. هذا السلام وسط الضيقات
هو لؤلؤة كثيرة الثمن نبيع كل ملذات العام لأجلها].
الفصل
الخامس والعشرون
طرد
الشياطين من مجنون كورة الجرجسيين
مت8
: 28 – 34 + مر5 : 1 – 20 + لو8 : 26 – 39
بحسب الفكر اليهودى تسكن الأرواح النجسة فى الأماكن
الخربة وفى القبور. وليلا تقيم الأرواح النجسة بالقبور. وبالنسبة لمن يسكنه روح
نجس نجد أنه واقع تحت سلطان الروح النجس. والقديس لوقا يقول "الروح النجس ..
منذ زمان كان يخطفه" (8 : 29) وهذا يعنى أنه يقع تماما تحت سيطرة الروح
النجس، فلا يستطيع المجنون المسيطر عليه الروح النجس أن يفصل بين فكره وإرادته هو،
وفكر وإرادة الروح النجس. وهذه السيطرة التى تختفى فيها شخصية المجنون قد تكون
مؤقتة وقد تكون دائمة. فيما سبق من أحداث رأينا ملكوت الله وهنا نرى العكس مملكة
الشيطان وأفعاله فيمن تحت سيطرته، والرب تجسد ليحررنا منه.
وحينما عبر الرب البحيرة نجد قوة قاهرة قد جذبت هذا
المجنون المنقاد بالأرواح النجسة إلى الرب وسجد له. فالروح النجس له سلطان على
البشر لكنه لا حول له ولا قوة أمام الله. لجيئون = هو تعبير عن كثرة وقوة الأرواح
الساكنة فيه. ولاحظ توحد شخصية المجنون مع الروح النجس، فالمتكلم هنا هو الرجل
المجنون منقادا بالروح النجس وهكذا أيضا فى سجود الرجل، كان هذا أيضا خضوع للروح
النجس أمام الرب.
[يتعجب الكاتب عن كيفية إتصال الأرواح
النجسة بالخنازير فهى بلا روح، وأتصور أن الأرواح النجسة لها القوة على ذلك. وأن
رب المجد أبطل كل سلطان لها على من هم له. ولم يتبقى للشيطان سوى الأفكار. ولذلك
يسميه الأباء قوة فكرية. وتم شرح ذلك فى (حز30 : 21 ، 22) هنا فرعون رمز للشيطان.
وقطع ذراعيه رمز لأنه صار بلا قوة ولكن رأسه ما زال موجودا ويظهر هذا فى الأفكار
الدنسة وأفكار الكراهية والإنتقام …إذاً كان للشياطين هذه القوة لدفع الخنازير
لتغرق].
الفصل
السادس والعشرون
مظهر
شخص يسوع – شفاء المرأة – إقامة إبنة يايرس
مت9
: 18 – 26 + مر5 : 21 – 43 + لو8 : 40 – 56
مظهر شخص يسوع :- ملابس
المعلمين والربيين لها شكل محدد بحسب كتب الربيين كالتلمود وغيره. والإهتمام بشكل
الملابس له فصول متعددة فى كتبهم. فلا يصح أن يظهر المعلم بشكل غير لائق. وقالوا
أن على المعلم أن يكون فى عوز ويحرم نفسه من الطعام لتكون ملابسه لائقة ومظهره يدل
على مركزه كمعلم. وكانت لهم بعض المظاهر لإظهار ثرائهم وكنوع من التفاخر والفخفخة.
وقطعا فهناك أشياء إلتزم بها الرب يسوع بحسب التقاليد، أما المظاهر المبالغ فيها
والتى كانوا يهتمون بها إظهارا لتقواهم أو ثرائهم. فهذه قطعا لم يبالى بها الرب
يسوع. بل لقد إعترض الرب ووبخ من يفعل ذلك "يعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب
ثيابهم" (مت23 : 5). وهذه العصائب والأهداب والجدائل منصوص عليها فى التوراة
(عد15 : 38 – 41 + تث22 : 12) ووصف الكاتب مواصفات للملابس التى نصت عليها تعاليم
الربيين. [وأرى عدم إهتمام القارئ بكل هذه التفاصيل ولكن ما يهمنا ما كان يلبسه
الرب يسوع]. داخليا يوجد ما يسمى "الكيتونا" وهو ينزل إلى
الكعبين. وهذا لا بد أن يلبسه كل من له عمل بالمجمع وكل من يقرأ فى الترجوم أو
الكتاب المقدس. وهذا الرداء أو القميص بحسب تسمية القديس يوحنا، يكون
منسوجا من أعلى إلى أسفل بدون أى شق وله أكمام. ويربط وسطه بزنار لتثبيت القميص
على الجسم. وكان الرداء الخارجى يسمى "الطاليث" ومزود فى أركانه
الأربعة بالعصائب والأهداب (والأهداب مصنوعة من جدائل بكل ركن. وإختلفت مدرسة هليل
عن مدرسة شماى فأحدهم قال يجب أن يكونوا ثلاثة جدائل والآخر قال أربعة. وإختلفوا
أيضا فى لونها فهناك من قال يجب أن تكون بيضاء وهناك من قال زرقاء). وكان يضع على
رأسه غطاء يسمونه "السودار" وهو على شكل عمامة. ويضع فى قدميه صندلا.
هذه هى الثياب التى إقتسمها الجنود عند صلب السيد (يو19 : 23 ، 24). وكانت أربعة
أقسام وهى غطاء الرأس والصندل والطاليث والزنار. وأما القميص فلم يقسموه.
* ظهرت قوة الرب يسوع غير المحدودة وسلطانه على البحر
والرياح والأرواح النجسة. وظهرت شخصيته المتواضعة الوديعة وسمع الناس تعاليمه التى
بسلطان. فآمن به الكثيرون وأحبوه، ومنهم يايرس أحد رؤساء المجمع والمرأة نازفة
الدم، فأتوا له بإيمان عندما صادفتهم التجارب الصعبة. وهناك إحتمالين بالنسبة
ليايرس * أولهما أنه لم يكن موافقا على من إحتج على الرب يسوع فى المجمع، * أما لو
كان من ضمن من إحتجوا وإعترضوا على كلام الرب فهو إذاً قد غيَّر موقفه من الرب
يسوع وآمن به.
شفاء نازفة الدم :- هذا
المرض مرض مستعصٍ وبحسب الناموس اللاوى يجعل المرأة غير طاهرة. وكان يوجد بالتلمود
ليس أقل من 11 علاج لهذا المرض، بعضها كأدوية مقوية وبعضها كسوائل قابضة للأوعية.
ولكن هناك أيضا عدة علاجات عبارة عن خرافات (مثال : يأخذون رماد بيضة نعامة ويوضع
صيفا فى لفافة كتانية وفى الشتاء يوضع فى لفافة قطنية – أو بعض حبات قمح أو ذرة
مأخوذة من خرء أنثى حمار) ومع هذه العلاجات الخرافية يقال للمرأة المريضة
"قومى". والنطق بالقول قومى يعتبر جزءا مهماً يتصورون أن بدونه لا شفاء.
والرب يسوع قال لإبنة يايرس قومى، بينما فى شفاء نازفة الدم لم ينطق بكلمة قومى
ولم يعطى علاجات، ومع بنت يايرس لم يستعمل أى علاجات. هذه المرأة وجدت نفسها غير
مستحقة أن تلمسه هو شخصيا، فرأت أن تلمس هذه الأهداب فى ثيابه (الموجودة فى أركان
الطاليث). فلمستها وإيمانها شفاها. وسؤال الرب عمن لمسه كان لإظهار إيمانها أمام
الجمع.
الفصل
السابع والعشرون
الزيارة
الثانية للناصرة – إرسالية الإثنى عشر
مت13
: 54 – 58 ، 10 : 1 ، 5 – 42 ، 11 : 1 + مر 6 : 1 – 13 + لو9 : 1 – 6
كان خروج السيد المسيح من كفرناحوم خسارة عظيمة لهذه
المدينة. فمنذ هذه اللحظة لم تعد مركزا لنشاط الرب ولكنه كان أحيانا يمر بها. وذلك
بسبب العداء المتزايد للفريسيين ضده، وأيضا بسبب قرب قصر هيرودس فى طبرية من
كفرناحوم. ولم يعد للرب مكان إقامة ثابت، وراجع قوله "ليس لإبن الإنسان أين
يسند رأسه". وقول القديس مرقس "وخرج من هناك وجاء إلى وطنه وتبعه
تلاميذه" (مر6 : 1). ويفهم من هذا وصول السيد إلى وطنه الناصرة بعد أن غادر
بيت يايرس. وربما تفاخر أهل الناصرة بالمسيح الذى ذاعت شهرته وأنه من الناصرة لكن
العجيب أنهم أصروا على عدم إيمانهم به، والسبب راجع لأن كل ما يعرفونه عن يسوع أنه
إبن النجار. ولكنهم لا يعرفون قصة تجسده وميلاده العجيب. فقد مرت 30 سنة على هذه
الأحداث ونسى الناس قصة الرعاة والمجوس وهذه حدثت فى اليهودية أما هم ففى الجليل
وصعب نقل الأخبار فى ذلك الزمان. وحكم هيرودس الدموى قاتل أطفال بيت لحم جعل الناس
ينشغلون عن الروايات التى يسمعونها. ولم يكن هناك غير العذراء الأم التى تعرف
السر.
لقد غادر يسوع الناصرة أول مرة ليذهب ليعتمد من يوحنا
المعمدان. وحدث ما حدث فى أورشليم وشفائه لمريض بيت حسدا وبداية صدامه مع الربيين
والرؤساء فى أورشليم. وعاد إلى الناصرة وصاحبته شهرته عن طريق الجليليين الذين
كانوا فى أورشليم وأتوا بالأخبار. وذهب للمجمع وإلتف حوله الكثيرين ليسمعوه فكلمهم
ليس عن مجد إسرائيل المنتظر كما يتكلم الربيين بل عن إحتياج الروح العميق للتعزية.
وكان كلامه حلوا جذب إنتباههم، ولكن كانت مشكلتهم أنهم يعرفون عائلته المتواضعة.
كأن شرط النبوة هو عراقة عائلة النبى. ولكن الإعتراض الكبير كان بسبب ذكره لموضوع
إيليا وإليشع وتفضيل الأمم عنهم. فحاولوا قتله. وغادر المدينة وها هو يعود لها بعد
حوالى 9 أو 10 شهور وبظروف مختلفة فقد إتسعت شهرته. ومع ذلك لم يقبله حتى إخوته
وأخواته ولم يعطوه كرامته كنبى. وإستمروا يسمعوه بإعجاب ولكن لم يؤمنوا به والسبب
أنهم يعرفون مهنته البسيطة السابقة كنجار وبساطة عائلته. وحتى اليوم فكل من لا
يؤمن بالمسيح له أسبابه التافهة دون البحث فى أقواله وسيرته وأعماله. وكان مجيئه
للمرة الثانية إلى وطنه الناصرة كمن يعطى شعبه فرصة ثانية وستكون هى الأخيرة فهو
سيبدأ فى إرسال تلاميذه بعد ذلك. والرب واضح من وصاياه لتلاميذه قبل إرساليتهم أنه
يرسلهم إلى عالم من ذئاب معادٍ لهم. وكانت وصية الرب لهم أن لا يقتربوا من حدود
للسامريين أو للأمم. فهم كيهود لهم إنحيازهم ضد السامريين والأمم بالإضافة لعدم
تأهلهم الكافى بعد. بل هم سيواجهون من اليهود بحوارات شديدة. وكان اليهود يعتبرون
أن حتى تراب بلاد الوثنيين نجس، أما بالنسبة للسامريين فبيوتهم وينابيعهم وطرقهم
وبعض مأكولاتهم طاهرة. ولكن السامريين أنفسهم فهم كالأمم تماما.
وكانت وصية الرب لتلاميذه بعدم حمل ذهب أو فضة أو مزود
للطريق، وكان للربيين تعاليم مناظرة. ولكن كان الربيين يقولون هذا عن دخول الهيكل،
حتى لا يبدو من يدخل الهيكل وكأنه منشغلا بأمور الدنيا. ونفس المنطق نجده فى تعليم
المسيح لتلاميذه فهم فى رسالتهم للعالم لا يجب أن ينشغلوا بأى شئ، أو يحملوا هم
شئ، فهم عاملين عند الرب والرب متكفل بهم. ولكن الرب هنا يخاطب تلاميذه بحسب
مفهومهم الذى درجوا عليه، وأن ذهابهم فى إرساليتهم للكرازة هو عمل مقدس كدخولهم
الهيكل. وهذا ما قاله المسيح لوالديه "ينبغى أن أكون فيما لأبى" (لو2 :
49). ومن لايقبلهم يكون مصيره كسدوم وعمورة، وعليهم أن ينفضوا غبار أرجلهم بعد
الخروج من المكان الذى رفضهم. نجد الرب فى حديثه هنا مع التلاميذ يستخدم اللغة التى
تعودوا أن يسمعوها من الربيين ليكون كلامه مألوفا لديهم فيفهمون كلامه، ثم بعد ذلك
ينطلق بهم إلى عمق الحياة السماوية. وقال أيضا "غنم وسط ذئاب وحكماء كالحيات
وبسطاء كالحمام" وهذه تعبيرات من المدراش اليهودى [بسطاء أمام الله وحكماء
أمام العالم]. لكن اليهود يستعملونها على أن الحملان هم اليهود والذئاب هم كل
الأمم فى العالم الذين يعيش اليهود وسطهم. أما الرب فكان يقصد أن تلاميذه حين
يبدأون عملهم وسط اليهود سيكونون كحملان وسط الذئاب أى اليهود، فهم سيواجهون
محاكمات السنهدريم مرات، وبعد ذلك حين يتوجهون للعالم يكون العالم هم الذئاب كما
كانت الدولة الرومانية. وهكذا أيضا الكرازة بلا مقابل "مجانا إعطوا" هو
تعليم من المدراش. بل حتى موضوع إحتمال الصليب كما إحتمله هو معلمهم كان تعليم من
المدراش مألوف عندهم فلم يندهشوا منه بل فهموا كلامه بسهولة. فيقول المدراش أن التلميذ
الذى أحب معلمه عليه أن يحتمل فى سبيله أكثر مما يحتمل لأجل والده، فالوالد أعطاه
حياة مؤقتة أما المعلم فأعطاه حياة أبدية. ثم يكمل الرب كلامه ويظهر لهم أن وقوف
العالم ضدهم هو موقف عام ضدهم وضد الأجيال التالية أى لكل الكنيسة. وعليهم
الإحتمال، فإن كان هو معلمهم قد إحتمل فعليهم أن يحتملوا. وإستخدم الرب يسوع قول
شائع عند الربيين "ليس التلميذ أفضل من معلمه". وقال لهم "إن كانوا
قد لقبوا رب البيت بعلزبول …". وهذه الكلمات كانت سببا لتعزية
المسيحيين بعد هذا حينما إضطُهدوا فى كل زمان ومكان ونهبت أموالهم.
رب البيت = هذا
التعبير الذى إستخدمه الرب هنا غالبا له معنى راجع لأنه حين طهر الهيكل المرة
الأولى، سخر منه الفريسيين إذ قال أن البيت هو بيت أبيه. وقالوا هو رب البيت بلهجة
ساخرة. بل أكملوا بل هو بعلزبول وهذه معناها:- بعل = رب + زبول
= تعنى الهيكل بالذات. وكان اليهود يعتقدون أن هناك 7 سماوات، وفى السماء الرابعة
وإسمها زبول (تكتب زبهول) يوجد أورشليم السماوية وبها الهيكل، وأن الملاك ميخائيل
هو الذى يخدم فى هيكلها. ومن الناحية الأخرى فهناك كلمة أخرى متشابهة ولكنها
مختلفة فى الهجاء هى (زببول) وهذه تعنى تقديم الذبائح للأوثان. وبالتالى يصبح
اللقب الذى أعطوه للمسيح بعلزبول هو رئيس هيكل عبادة الأوثان، وهو أسوأ أنواع
الشياطين وهو الذى يغوى الناس على العبادة الوثنية.
لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتى إبن
الإنسان = تعبير إبن الإنسان مأخوذ من (دا7
: 13 + 22) وفيه تصوير لإبن الإنسان الديان. فاليهود يفهمون التعبير على أنه
للدينونة. وهذا ما حدث فعلا سنة 70م. على يد تيطس الرومانى. ويعتبر هذا مجئ غير
مرئى لإبن الإنسان ليدين فيه أورشليم. لكن مجيئه الثانى العلنى سيكون للدينونة
العامة ولخلاص أبدى لمن ينتظرونه. وبهذا يمكننا فهم حجم الغضب عند قيافا عندما سمع
قول الرب يسوع أثناء محاكمته "من الآن تبصرون إبن الإنسان جالسا عن
يمين القوة .." (مت26 : 64) فمن قول الرب "من الآن" فهم
قيافا أن المسيح يقصد – أن دينونة إسرائيل تبدأ من الآن.
وطلب الرب من تلاميذه الكرازة جهرا وفى كل مكان وفى
النور وبلا خوف حتى من الموت. وعليهم أن يكرزوا بكل ما يخص ملكوت الله وبكل ما
يعرفوه عن شخصه. وهذا بعكس الربيين الذين كانوا يقولون التعاليم العالية والعميقة
للخاصة، وهذه تختلف عن التعاليم العامة. أو كما كان المعلم يهمس بما يريده للمترجم
والمترجم هو الذى يكلم الناس. بل أباحوا كل شئ فيما عدا القتل وزنا المحارم وعبادة
الأوثان لكى ما ينقذ المعلم حياته حال تعرضه للخطر. بل جعلوا هذا واجب، وحاولوا
إثبات هذا من الناموس. بل أباحوا عبادة الأوثان على أن تكون سرا فلا يعثروا أحد.
أما تعاليم الرب يسوع، فالعلن هو نفسه ما نؤمن به سرا. وعلى تلاميذه أن لا يخافوا
إنسانا بل الله فقط. فحماية الله تمتد ليس عليهم فقط بل حتى لأصغر المخلوقات.
الفصل
الثامن والعشرون
قصة
يوحنا المعمدان
1)
يو3 : 25 – 30 * 2) مت9 : 14 – 17 + مر2 : 18 – 22 + لو5 : 33 – 39 *
3) مت11 : 2 – 14 + لو7 : 18 – 35 * 4) مت14 : 1 – 12 + مر6 : 14 – 29 +
لو9 : 7 – 9
أرسل الرب تلاميذه إثنين إثنين للكرازة لفترة بسيطة،
وزودهم بموهبة الشفاء والسلطان على الأرواح النجسة. ويبدو أن مهمتهم نجحت (مر6 :
12 ، 13). بل وصلت أخبار المسيح إلى هيرودس أنتيباس رئيس الربع، ويبدو أن ما لفت
نظر هيرودس أن نشاط التلاميذ فى خدمتهم وصل لأماكن كثيرة. وربما كان هيرودس خلال
العشرة أشهر الماضية مقيما فى قصره فى بيرية شرق الأردن، وهناك أمر بقتل يوحنا
المعمدان. وما جعل هيرودس يهتم بعمل التلاميذ وبالمسيح، حالته النفسية ورعبه
وخيالاته بعد أن قتل المعمدان. ووصلت أخبار مقتل المعمدان عن طريق تلاميذ يوحنا،
وربما تكون أخبار مقتل المعمدان قد سرعت رجوع التلاميذ إلى المسيح. وإنسحب المسيح
مع تلاميذه بعيدا عن هيرودس ليعطى تلاميذه فترة راحة ومزيدا من الإعداد وليبتعدوا
عن التحركات الشعبية بسبب مقتل المعمدان وردود فعل هيرودس. وذهب الرب مع تلاميذه
أولا إلى الأراضى التى يحكمها رئيس الربع فيلبس شرق البحيرة. وبعد ذلك ذهبوا إلى
صور وصيدا.
ملاحظات عن حياة المعمدان المدونة فى
الأناجيل
1) الصورة
الأولى الرائعة التى نراها ليوحنا المعمدان هى صورة تواضعه، وفرحه بأن تلاميذه
تحولوا وذهبوا للمسيح فهذا إعلان لنجاح مهمته (يو3).
2) الصورة
الثانية نجد فيها المعمدان فى السجن وقد إعتقله هيرودس لعدة أسباب أولها إلتفاف
الجماهير حوله وخوفه من ثورة شعبية ضده، ولكنه أبطأ فى إعتقاله لخوفه من الناس. بل
كان يستدعيه من سجنه الذى كان أسفل قصره فى قلعة ماكاروس التى إستشهد فيها ليسمعه
وكان معجبا به. ثانيا كان هذا بفعل مؤامرات الفريسيين ضد المعمدان الذين إستمالوا
هيرودس لهم. ولكن الذى عجل بإلقاء القبض عليه، كان رفض المعمدان لزواجه من
هيروديا. وكان المعمدان يعمد فى عين نون القريبة من ساليم وهى تتبع هيرودس وقت أن
قبض عليه هيرودس. وفى هذا الوقت كان المسيح بجانبه فى اليهودية. ولذلك إنسحب
المسيح إلى الجليل خلال السامرة.
3) نرى
حيرة تلاميذ المعمدان حين رأوا معلمهم فى السجن، بينما كان المسيح وتلاميذه يأكلون
ويشربون مع الخطاة. فتحيروا وسألوا لماذا لا يصوم تلاميذك كما نصوم نحن
والفريسيين، فهكذا علمنا معلمنا يوحنا المعمدان. وكان من الصعب شرح مفهوم التجديد
الشامل والخليقة الجديدة لهم. ولكن إذا تذكروا كلام معلمهم أنه فرح إذ ذهبت العريس
لعريسها، وقارنوا هذا مع رد المسيح أنه طالما العريس موجود لا يصومون (مت9 : 14 ،
15). لفهموا الرد على تساؤلاتهم.
كان اليهود يعفون العريس والعروس وأصدقائهم (وهؤلاء
الأصدقاء يسمونهم بنو العرس كما قال عنهم الرب فى الآيات السابقة) من الصوم ومن أى
تذلل ومن واجبات الصلاة اليومية والزهد فى أسبوع فرحهم حتى لو جاء يوم الكفارة وسط
أيام فرحهم. ويعتبرون أن إسعاد العريس والعروس أسبوع فرحهم هو واجب دينى. وبالتالى
سيفهمون أنه بعد مغادرة المسيح بالجسد للأرض سيبدأ تلاميذه فى الصوم والتذلل ولكن
بالمفاهيم المسيحية الجديدة. بل أن مغادرة المسيح لن تكون بهذه السهولة، بل هو
سيصلب ومن بعدها يبدأ إضطهاد مروع ضدهم. [ولكنهم فى حبهم للمسيح الذى أحبهم
سيقبلون ليس فقط الصوم بل الموت. هذا هو الخمر الجديد. الحب الجديد الذى يجعلهم
يصومون فى فرح ويتألمون من أجل المسيح فى فرح ويحسبون هذا الألم هبة من المسيح أن
يشتركوا معه فى ألامه (فى1 : 29)].
4)
هيرودس كان يُحضر المعمدان من سجنه أسفل القصر كثيرا ليسمعه. وكان معجبا به
وبكلامه ويعلم أنه قديس (مر6 : 20). ولكنه كان فى صراع داخلى بين رغبته وغواية
هيروديا له، وبين نداء ضميره المعجب بكلام يوحنا = وهذا ما أطلق عليه بولس الرسول
صراع الجسد مع الروح (غل5 : 17). وكان هذا هو نفس موقف فيلكس مع بولس الرسول (أع24
: 25).
5) [يسمح
الله لصوت الضمير أن ينبه ويحذر الإنسان ومن يستجيب ينجو. ولكن يهرب الخاطئ ويحاول
أن يسكت الصوت الذى كان يمكن أن يكون سببا لخلاص نفسه. وهذا ما فعله فيلكس إذ أنه
حينما إضطرب من كلمات بولس صرفه. ومع هيروديا حدث نفس الشئ إذ أرادت أن تسكت صوت
المعمدان الذى يبكتها على ترك زوجها فيلبس لتتزوج من هيرودس أنتيباس أخيه. ولذلك
طلبت خنق هذا الصوت بقتل المعمدان].
ولكن كان هذا لعنة ودمار للعائلة. فبداية كان خبر قتل
المعمدان فى قصر هيرودس سبب هيجان فى الشعب. كانت هذه المرأة لعنة لزوجها
وللعائلة. [وكل من يسكت صوت الضمير أو صوت الروح القدس (لدينا نحن المسيحيين)
يحدث له نفس الشئ]. إذ كان هيرودس متزوجا من بنت أريتاس ملك العربية. وحين
علمت بنية زواج هيرودس من هيروديا هربت لأبيها فحارب هيرودس وهزمه. وقاده طموح
زوجته هيروديا وطلباتها إلى مشاكل تم إستدعائه بسببها إلى روما حيث صدر ضده حكم
بالنفى إلى ليون فى بلاد الغال وحرمانه من كل أملاكه. وملك هيرودس أغريباس أخو
هيروديا مكانه بل وحصل على لقب ملك، أما أنتيباس فكان رئيس ربع فقط. أما سالومى
بنت هيروديا التى رقصت فى الحفل، فقد تزوجت من عمها فيلبس رئيس الربع (الكاتب له
رأى أن هيروديا كانت زوجة لفيلبس إبن خال أو إبن عم أنتيباس وليس شقيقه فيلبس رئيس
الربع، وإطلاق لقب أخ على أولاد العم والخال شئ شائع عند اليهود). وكان موت سالومى
هذا عقابى إذ كان بوقوعها على الثلج.
الفصل
التاسع والعشرون
معجزة
إشباع الخمسة ألاف
مت14
: 13 – 21 + مر6 : 30 – 44 + لو9 : 10 – 17 + يو6 : 1 – 14
بعد ما حدث من إستشهاد يوحنا المعمدان قرر المسيح
مغادرة كفرناحوم ليعطى تلاميذه فرصة للراحة إذ كان معظمهم من تلاميذ يوحنا،
وليبعدهم عن أى محاولات للهيجان الشعبى ضد قاتل المعمدان، وليبعد عن المكان الذى
يسيطر عليه هيرودس. فخرج خارج حدود سلطة هيرودس وذهب إلى بيت صيدا على الضفة
الشرقية لنهر الأردن وبيت صيدا تعنى بيت الصيد وهى شرق الجليل التى كانت تحت سيطرة
فيلبس رئيس الربع. وهى على النهر، قبل أن يدخل النهر إلى بحيرة طبرية مباشرة. وهذه
كانت قرية صغيرة وجعل منها فيلبس مدينة وأطلق عليها إسم جولياس على إسم إبنة الإمبراطور.
ولاحظ أن هناك بيت صيدا أخرى على الشاطئ الغربى لنهر الأردن. وهذه القصة لإشباع
الجموع كانت آخر أحداث الرب قبل زيارته الأخيرة لأورشليم. وكما يقول القديس يوحنا
أن الرب حين صنع هذه المعجزة وأشبع الألاف "كان الفصح عيد اليهود
قريبا"، هذا الفصح الذى كان هو الأخير للرب على الأرض. ولاحظ الفرق بين
إحتفالات العالم وموائده، وموائد الرب. فقد إنتهت مأدبة هيرودس بإستشهاد المعمدان
ولعنة هذه العائلة. أما مأدبة المسيح فأشبعت الألوف ثم أنقذ حياة تلاميذه من
الغرق. وكانت آخر مأدبة صنعها المسيح هى مائدة الحياة الإفخارستية.
تبع كثيرين الرب يسوع إلى بيت صيدا بل وكان هناك ألاف
من المتجهين إلى أورشليم بسبب الفصح، وكان ذلك سببا فى وجود ألاف أمام الرب يسوع
فى هذا اليوم. وكان المسيح وسطهم يعلمهم ويشفى مرضاهم، ولم يقبل أن يصرفهم جائعين.
ونلاحظ من نوع الخبز الذى وجدوه مع الصبى إذ كان من الشعير، أن الذين تبعوا يسوع
كانوا من الفقراء فخبز الشعير هو طعام الفقراء والحيوانات. أما السمك فكان لوفرة
الصيد يأكلون ما يأكلون ويبيعون ما يبيعون ويملحون ويخللون الباقى. وكانت صناعة
تمليح وتخليل السمك منتشرة بين الصيادين. فما كان مع الصبى كان من نوع السردين
الصغير المملح (كالفسيخ والملوحة).
الفصل الثلاثون
ليلة المعجزات على بحيرة جنيسارات
مت14 : 22 – 36 + مر6 : 45 – 56 +
يو6 : 15 – 21
أحلام اليهود بمخلص يحررهم ويعيد لهم أمجاد مملكة داود
لم تنطفئ عبر السنين. وبعد هذه المعجزة رأت الجموع أن هذا المخلص الذى سيعيد لهم
مجد إسرائيل هو الرب يسوع. فقرروا أن يرغموه على ذلك. فقرر الرب يسوع الإنسحاب
وصعد إلى الجبل.
ونرى هنا :-
1) الرب يسوع المشبع (إشباع الجموع).
2) الرب يسوع ضابط الكل (الريح والبحر بل
والسفينة ترسو فورا على الشاطئ).
3) الرب يسوع يدركنا فى ضيقاتنا ويخلصنا
ولكن فى الوقت المناسب الذى يراه هو.
4) هو يأتى ليخلص ولكن علينا أن لا نكف عن
الطلب والصراخ إليه.
5) الرب المعلم، الذى ألزم تلاميذه
بالنزول وهو يعلم ما سيحدث ليعطيهم درسا أنه سيصعد إلى السماء (وصعوده للجبل كان
رمزا) وهم سيكرزون وسط عالم هائج يهيجه الشيطان ضدهم. ولكن المسيح له السلطان على كل
الأحداث (سير الرب على البحر الهائج) بل الله يجعلهم هم أيضا لا يهتمون بهياج
العالم ضدهم (سير بطرس على المياه لكن شرط هذا أن لا ينظروا للعالم الهائج ضدهم بل
ينظروا للمسيح بثقة وإيمان).
الفصل الحادى والثلاثون
إعتراضات الفريسيين التافهة حول
التطهيرات. وتعليم الرب الصحيح عنها
التقاليد الخاصة بغسل الأيادى
مت15 : 1 – 20 + مر7 : 1 – 23
بعد معجزة إشباع الجموع إلتف جمع كبير حول الرب يسوع
فى حب يريدون أن يجعلوه ملكا. وقرر الرب العودة للشاطئ الغربى من البحيرة للبحث عن
فترة راحة. ووجه الرب تلاميذه للذهاب إلى بيت صيدا الغربية. وبحسب شهادة كل من
يوسيفوس والربيين كانت موانئ الصيد محاطة بقرى أو بمدن كبيرة. وكانت بيت صيدا
الغربية محاطة بمدينة كفرناحوم لذلك نرى أن أحد الإنجيليين يقول أن القارب إتجه
إلى بيت صيدا (مر6 : 45) والآخر يقول أن القارب إتجه إلى كفرناحوم (يو6 : 16 ،
24). وقارن أيضا (يو1 : 44 + يو12 : 21 مع مر1 : 29) لنجد أن بيت صيدا هى مكان
للصيد فى كفرناحوم، وهنا نجد يوحنا يقول أن بطرس وأندراوس من بيت صيدا. ومرقس يقول
أن منزلهم فى كفرناحوم.
ويمكن لنا أن نتصور أن الحديث الذى دار بين المسيح
واليهود بعد معجزة الخمس خبزات كان فى مجمع كفرناحوم فى السبت (يو6). ولنضع تصور
زمنى للأحداث … فالرب إتجه مع تلاميذه إلى بيت صيدا الغرب (جولياس) يوم الخميس
وتمت معجزة الخمس خبزات مساء الخميس. وسير المسيح على الماء، وشجاعة بطرس ثم غرق
بطرس لضعف إيمانه، ثم إسكات العاصفة كان الخميس ليلا (ليلة الجمعة). وتبعت الجموع
المسيح صباح الجمعة إلى الشاطئ الغربى للبحث عنه. وتم الحديث بين الرب وبين اليهود
يوم السبت فى مجمع كفرناحوم. وكان ذلك قبل التوجه إلى شاطئ صور وصيدا. وقارن هذه
التواريخ مع العشاء السرى الذى كان أيضا ليلة الخميس. وأيضا كانت شجاعة بطرس
وإدعائه الثبات مع المسيح ثم إنكاره ليلة الجمعة أيضا. وأيضا كما سار المسيح على
البحر الهائج وإسكاته للعاصفة وإنقاذه لتلاميذه من الموت ووصول القارب إلى الشاطئ
بسلام كان ليلة الجمعة، وهكذا كان إنتصار المسيح على الموت يوم الجمعة، فبموته هزم
الموت، وبه كان خلاص كل من يتبع المسيح ويؤمن به ووصوله إلى بر الأمان السمائى.
وطبعا سرعان ما إنتشر خبر وصول التلاميذ المعجزى وسير المسيح على البحر الهائج،
فإلتف الناس واليهود حول المسيح، يشفى أمراض الناس ولكنه يواجه بإعتراضات اليهود
من الكتبة والفريسيين التافهة.
وكانت إعتراضات الفريسيين والكتبة حول غسل الأيدى
(مت15 : 1 – 20)، وأيضا حوار اليهود مع المسيح حول خبز الحياة (يو6) الذى إنسحب
بعده الكثيرين من تبعيتهم للمسيح. وغالبا فإن الحوار مع المسيح حول خبز الحياة
(يو6) جاء بعده الإعتراضات أن التلاميذ أكلوا يوم عمل المسيح معجزة الخمس خبزات
بدون أن يغسلوا أياديهم، ولم يمنعهم المسيح من ذلك. وإعتبروا أن عدم إعتراض المسيح
على ذلك يجعله مذنبا. والعجيب أن عدم غسل الأيادى كان هو الإنطباع الوحيد
للفريسيين على معجزة إشباع الجموع. وهداهم تفكيرهم المريض أن المسيح يعمل هذه
المعجزات بقوة بعلزبول. وبالتالى قالوا أن المسيح ليس من الله وأنه يضلل الناس.
وها هو يرتكب خطايا بكسر التقاليد والأكل بأيادى غير مغسولة، إذاً هو خاطئ. أما
التهمة الكبيرة التى يوجهونها إليه أنه يساوى نفسه بالله وهذا تجديف. وبالتالى فهو
ليس المسيا ويستحق أن يقبض عليه ويحاكم أمام السنهدريم. وإعتبروه مثل كثيرين إدعوا
أنهم المسيح وضللوا الكثيرين من الشعب وكانوا سببا فى هياج الرومان وإنتقامهم من
اليهود بمذابح كثيرة. وقالوا أن المسيح سيكون سببا فى ضياع ما تبقى من حرية
وإستقلال أمتهم. وكانوا بحسب تقاليد الربيين يعتبرون أن الأكل بأيدى غير مغسولة،
أن الأيدى تكون غير مقدسة، وأن هذا كسر كبير لتقاليد الأباء وتدنيس للجسد (مر7 :
3). وأن هذا يقود لدمار الشخص أو على الأقل يقوده للفقر. وقد دفنوا أحد الربيين
الذى كان يهمل هذا التقليد محروما. ولكن غسل الأيادى لم ينص عليه ناموس موسى، لكنهم
إعتبروا أن غسل الأيادى قبل الأكل أن هذا علامة أن الشخص يهودى.
والتطهيرات لها 18 قانون، وتختلف مدرسة هليل عن مدرسة
شماى فى التفاصيل. ولكن كلاهما يطبق التطهيرات بشدة. ولكن ما هى المصادر التى
إعتمدوا عليها فى موضوع التطهيرات طالما لم ينص عليها ناموس موسى؟ كانت البداية
أنه لا يجب أن يأكل من المقدسات إلا كل من هو طاهر. ثم جاءت سلسلة طويلة من
الحوارات بين الربيين وخلاصتها أن التلامس مع التوراة بل وكل الكتاب المقدس ينجس،
ويلزم التطهير بالماء بعد لمسه. ثم نجدهم قد وضعوا أمامهم نص وصية سفر اللاويين
"كل من مسه ذو السيل ولم يغسل يديه بماء، يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا
إلى المساء" (لا15 : 11). ورأى البعض أن وصية "قدسوا أنفسكم" أن
تطبيقها يكون بالإغتسال قبل الأكل. وفى وصية "لتكن مقدسا" أنه على الشخص
أن يغتسل بعد الأكل. ورأوا أن قول الله "لأننى أنا الرب إلهكم" – أن
تفسير هذه أن من يلتزم بتطهير يديه وغسلها فإن الله يبارك له الطعام. ونفهم بهذا
أن غسل الأيادى ليس فقط قبل الأكل بل وبعد الأكل. وكان الماء الذى يتم الإغتسال به
يعتبر نجسا لا يستعمل مرة أخرى. لذلك كانوا يحتفظون بأوانى حجرية ضخمة لتخزين
المياه (معجزة قانا الجليل). وهناك مقياس للوعاء الزجاجى الذى يُسحب به الماء من
الوعاء الحجرى ليتم صبه على يدى من يغتسل (لا يجب أن يقل حجمه عن حجم مرة ونصف حجم
قشرة البيضة). ويصب الماء على كلا اليدين مع حكهما معا وعلى أن يكونا مرفوعين
لأعلى حتى لا يرجع الماء الذى تنجس إلى الأصابع التى يأكلون بها مرة أخرى. والماء
يجب أن يصل إلى المعصمين. ويعتبرون أن الجسد كله يكون دنسا لو كانت الأيدى غير
طاهرة. ويكون صب الماء على دفعتين. واليهود المحدثين قالوا أن الماء يجب أن يصب
على ثلاث دفعات وأن هذا يصاحبه بركات. ومن ضمن القوانين الثمانية عشر نجد قوانين
لفصل اليهود عن الأمم. فأى إتصال مع أممى ينجس حتى لو تلامس اليهودى مع ملابس
الأممى، وعند عودة اليهودى من السوق فى هذه الحالة عليه أن يستحم تماما، وتكسر
الأوعية الفخارية التى تلامست مع أممى، أما الأوعية الخشبية أو الزجاجية فتغسل
بالغمر فى الماء، والآنية النحاسية تطهر بماء مغلى ثم بالنار أو على الأقل بجلى
الإناء. عموما هناك تفاصيل مطولة لقوانين هذه التطهيرات ذكرنا البعض منها فقط. وطالما
وضع الأباء الربيين تقليد فهو يعتبر قانون مقدس وملزم.
وحينما سأل الفريسيين الرب – لماذا
لا يغسل تلاميذه أيديهم؟ لم يبرر الرب عمل التلاميذ ولم يبالى بالرد على السؤال بل
هاجم تقاليد أبائهم – [يتخذ البعض من هجوم الرب على تقليد الأباء أن الرب
يهاجم أى تقليد. ولكن هذا غير حقيقى ولنرى أمثلة على التقليد الذى كان الرب
يهاجمه.]. أولا لأن اليهود إعتبروا أن تقاليد الأباء أهم عندهم من الكتاب
المقدس كلام الله. ثانيا لنرى مدى الجنون الذى وصل إليه هؤلاء الربين فى كبريائهم
وإعجابهم بأنفسهم وبأرائهم ولنأخذ بعض أمثلة على ذلك – قالوا أن الله ينشغل بدراسة
التوراة نهارا وبدراسة المشناة ليلا – وقالوا أن هناك سنهدريم سماوى يرأسه الله
بنفسه ويجلس فيه الربيين بحسب درجاتهم وذلك لمناقشة الهالاخاة (قوانين التقاليد
للربيين) وتتخذ القرارات بحسب ما جاء فى كتاب الهالاخاة – وجاء فى تقاليدهم ما يجب
أن يقال عنه أنه كلام دنس، إذ قالوا أن الله يلهو مع لوياثان آخر ثلاث ساعات كل
يوم – وقالوا أنه بعد دمار أورشليم إمتنع الله عن الضحك بل وكان يبكى فى مكان سرى
خاص به. وكل دمعتين من دموع الله حينما تسقط فى البحر تسبب الزلازل، وكان فى غضبه
عندما دُمِّر الهيكل يزمجر كالأسد ثلاث محارس من الأربعة محارس كل ليلة. وإستندوا
فى هذا على (إر13 : 17 + إر25 : 30) – وقالوا أن الله يصلى من أجل إسرائيل ورجعوا
فى هذا إلى (إش65 : 7) – وقالوا أن الله نفسه يلبس الطاليث وأن هذا الطاليث له
أهداب (إش62 : 8). وهكذا إستخرجوا من نصوص كثيرة أراء عجيبة بل تعتبر تجديف، فقد
رجعوا إلى (لا16 : 16) وقالوا أن الرب تطهر بواسطة هرون إذ نزل الرب إلى مصر فتنجس
من مصر، وأن الله قد غمر نفسه فى حمام من النار بعد أن دفن موسى. وقالوا أن تعاليم
التوراة لا تحتاج لإثبات أما الهالاخاة فتحتاج التشديد عليها إذ أنها لا تخالف
الناموس [وذلك بحسب تفسيرهم هم للناموس].
هذه التقاليد هى التى هاجمها الرب يسوع
وأوضح أنها تخالف الناموس.
ولا علاقة لتقاليد كنيستنا الأرثوذكسية
بهذا فتقاليد كنيستنا متفقة مع الكتاب المقدس
وهذا
أوضحه الرب فى موضوع تعليم الربيين بخصوص مخالفة وصية "أكرم أبام وأمك"
التى هى الوصية الخامسة من الوصايا العشر وهى تعتبر قدس أقداس التوراة، وكسر إحدى
الوصايا العشر هو شئ خطير. ومع هذا قالوا لا تعطى أباك وأمك شيئا بل ضعه فى الهيكل
كقربان (مر7 : 10 – 13). وذكرت المشناة "أن على الأب أن يسكت إذا نذر الإبن
ما له للهيكل". وما قاله القديس مرقس "قربان أى هدية هو الذى تنتفع به
منى" هذا النص باليونانية كما ذكره القديس مرقس هو بعينه ما جاء بالعبرية
تماما فى المشناة والتلمود. ووضع الربيين 11 فصلا فى المشناة بخصوص النذور
والقرابين. وقد وضعوا قوانين للحلف أى أن تقسم على فعل شئ، وهناك قوانين أخرى أن
تنذر شئ. وكل له قوانين لكيفية نطق هذا وكيفية نطق ذاك. [أورد الكتاب بعضها
والباقى طبعا لم يرد بالكتاب ورأيت عدم أهمية الدخول فيها]. وكان الكثير من
النذور والقرابين يذهب للكهنة.
الفصل الثانى والثلاثون
الأزمة الكبرى التى حدثت بين المسيح وبين اليهود عند
قوله "أنا هو خبز الحياة"
يو6 : 22 – 71
عمل
الرب معجزة إشباع الجموع على الشاطئ الشرقى لبحيرة طبرية، وبعدها ألزم تلاميذه
بركوب السفينة ليتجهوا للشاطئ الغربى وصعد هو إلى الجبل. وفى الليل هاجت الرياح
المعاكسة لسفينة التلاميذ وجاءهم المسيح سائرا على الأمواج. وسكنت الريح وصارت
السفينة على الشاطئ الغربى. وفى صباح الجمعة لم يجد الموجودون على الشاطئ الشرقى
يسوع أو تلاميذه، ولكنهم كانوا قد رأوا التلاميذ يركبون السفينة ويسوع لم يركب
معهم. والريح التى عاكست سفينة التلاميذ ساعدت بعض السفن المتجهة من غرب البحيرة
إلى شرقها، وربما كانت هذه الرياح سببا فى جنوح بعض السفن على الشاطئ الشرقى.
وربما تصور من على الشاطئ الشرقى للبحيرة أن المسيح إتجه للشاطئ الغربى سيرا على
الأقدام وهو طريق طويل وخطر. ولما وجدوا السفن الآتية من الغرب أخذوها وذهبوا
يبحثون عنه فى الغرب. ولما وجدوه إندهشوا وغالبا هم عرفوا ما حدث من التلاميذ.
ودار حديث طويل بينهم وبين المعلم، وغالبا كان جزء من الحوار عند وصولهم للشاطئ
الغربى وجزء كبير آخر فى مجمع كفرناحوم (يو6 : 59).
لأنكم
أكلتم من الخبز فشبعتم = أراد الجماهير أن يجعلوا المسيح ملكا
بالقوة. لكنهم لم يكونوا يطلبون مملكة الله، مملكة البر والفرح والسلام. بل كانوا
يطلبون مملكة بحسب تصوراتهم الجسدانية. هى مملكة مآدب إلهية وإنتصار على الأمم.
وقالوا عن هذه المملكة أن الأشجار تثمر يوميا أو ربما كل أسبوع، والقمح يكون
كالنخيل ويتم تذريته بدون تعب. وهناك بركات مثيلة لها خاصة بالخمر. وكلها أفكار
جسدانية عن هذه المملكة. وكان معنى كلام المسيح لهم لا أن يبحثوا عن مسيا يهودى
يحقق لهم أحلامهم بل عن إبن الإنسان الذى أتى ليعطيهم حياة أبدية. إبن الإنسان
الذى ختمه الله الآب. وهذه العبارة تعنى عند اليهود الحق فكلمة ختم تكتب
بالعبرية (إيه ميه ته) وهذه الحروف هى الحرف الأول والأوسط والأخير من الأبجدية
العبرية، ويعتبرونها الكلمة التى تشير للحق. وكان الرب يعنى أنه هو الحق فى مقابل
خيالاتهم عن مملكة جسدانية أرضية. وقد عثروا على بقايا مجمع كفرناحوم الذى كان المسيح
يعلم فيه، ووجدوا على العتبة العليا رسم محفور لطاس المن وكرمة بها عناقيد عنب.
وكان
اليهود يتصورون أن المن هو طعام الملائكة يتم تقطيره فى نور الصباح مع الندى.
ويناسب كل الأعمار وله مذاق مقبول عند كل واحد. ولكنه للأمم يكون مرا جدا فى
حنكهم. وقالوا أن ما عمله موسى لا بد أن يعمله المسيا، موسى الثانى. وهم قالوا أن
الله أعطاهم المن بسبب فضائل موسى، وأن المن توقف بموت موسى. ولما سألوا المسيح
ماذا تعمل لنثق فيك كما عمل موسى كان رد المسيح عليهم ليس موسى الذى أعطاكم المن
بل الله الذى أعطاكم المن. والآن أبى يعطيكم خبز الحياة الذى من يأكله لا يموت،
بينما أن من أكل المن ماتوا. الله أعطاهم المن فى المرة الأولى على يد موسى لأنهم
قبلوا الناموس كلمة الله، وهذه المرة الثانية عليهم أن يقبلوا المسيح كلمة الله،
الخبز الحى النازل من السماء فتكون لهم حياة أبدية. ولم يكن هذا الكلام صعبا على
مسامعهم فهو أقام أموات وهم مقتنعين أنه المسيا ورأوا أعماله ومن (مزمور 72 : 17)
يعرفون أن المسيا يدوم للأبد، وأنه فى نهاية الزمان سيقوم الأموات.
الفصل الثالث والثلاثون
المسيح والمرأة الكنعانية
مت15 : 21 – 28 + مر7 : 24 – 30
بعد أن صارت الجماهير تلتف حول المسيح ولا
تترك له فرصة للإختلاء بتلاميذه، كان عليه أن يبتعد معهم. وكان هذا أيضا بعد حواره
مع اليهود حول التطهيرات وحواره عن خبز الحياة، فكان يريد فرصة للحوار مع تلاميذه
فى هدوء. ونراه هنا قد ذهب إلى نواحى صور وصيدا أى بجانب الحدود الفاصلة بين
الجليل وبين صور وصيدا، ولكنه ما زال داخل حدود الجليل. وكانت مقاطعة أو ما يسمى
ربع صور وصيدا تمتد من البحر المتوسط حتى نهر الأردن وتقع شمال الجليل. ودخل بيت،
ومن المؤكد أنه كان بيت رجل يهودى فى الجليل. وسمعت هذه المرأة بأن المسيح قريب
منها فذهبت تطلب شفاء إبنتها وتزاحمت ودخلت وراءه للبيت. ويقول القديس متى أن
المرأة كنعانية، ويقول القديس مرقس أنها من فينيقية سورية. ومن كلا التعبيرين نفهم
أنها وثنية. فقول القديس مرقس أنها فينيقية سورية، كان ذلك ليميز بينها وبين من هم
من فينيقية لبنان. فكان من فينيقية لبنان من هم من اليهود.
وجاءت المرأة تصرخ فى تواضع شديد ساجدة
للمسيح وتقول "يا إبن داود"، وهذا تعبير يهودى واضح عن المسيا
المنتظر. وكان هذا غريبا أن يصدر من وثنية من سورية التى لم يحكمها داود وعائلته
أبدا. والسؤال هنا – هل كانت تلك المرأة الوثنية تدرك معنى إبن داود الذى
أتى ليؤسس ملكوت الله على الأرض، لشعب يقتنيه يحيا فى طهارة ويملك الله على قلبه
طائعا وصاياه؟. وهل تدرك هذه المرأة الفارق الشاسع بين الوثنية بقذارتها التى تحيا
فيها، وبين إسرائيل كما كان يجب أن تكون مملكة طاهرة بحسب قلب الله. فإذا لم تكن
تدرك كل هذا فهى ستكون كاليهود الذين أرادوا أن يجعلوه ملكا زمنيا بحسب تصوراتهم.
وتكون كل ما تريده مسيحا صانع عجائب ومعجزات شفاء فقط. وكما رفض المسيح أن يعطى
علامات وآيات لليهود الذين يريدونه مسيحا صانع عجائب يفرحون بعجائبه وهم باقون على
ما هم فيه من نجاسة، رفض عمل معجزة شفاء لهذه الكنعانية بصفته صانع عجائب، وأصر
الرب أن يشفيها من نجاستها أولا فتؤمن به كمسيح يملك على قلوب طاهرة نقية. تؤمن به
كمسيح أتى يؤسس ملكوت الله على الأرض. [المسيح هنا مع الكنعانية يعمل نفس ما
عمله مع المفلوج الذى دلوه من السقف، إذ قال له "مغفورة لك خطاياك".
إذاً هو يريد أن يشفى الكنعانية من خطيتها قبل شفاء الجسد فخلاص النفس أهم من شفاء
الجسد].
وهنا كان لا بد للرب أن يعطيها الدرس
لتعلم الفارق الشاسع بين طهارة مملكته التى جاء ليؤسسها وبين قذارة الوثنيين الذين
تحيا بينهم. وبدا فى رد الرب عليها القسوة حين قال عنها لفظ الكلاب (ولكن كان
اللفظ الذى إستخدمه الرب يقال على كلاب المنازل المدللة وليس كلاب الشوارع اللفظ
الذى كان اليهود يستعملونه عن الأمم). ولكن من سياق القصة نكتشف أن الرب كان يشفى
هذه المرأة من خطاياها ويظهر إيمانها للناس. وكان الرب يعلم أنها ستحتمل قسوة
الدرس وتشفى. وكان رد المرأة عجيبا "والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذى يسقط
من مائدة أربابها". [ والعالِم بكل شئ كان يعلم ما بداخلها وأراد إعلانه
للموجودين]. هذا بجانب الدرس الذى تعلمته المرأة أن الوثنية بجانب اليهودية هى
نفس موقف الكلاب بالنسبة للبنين [الوثنيين يعبدون الشيطان بالإضافة لممارساتهم
البشعة]. ولكن المرأة بإجابتها العجيبة أدخلت نفسها فى بيت الرب، وهذا ما جعل
الرب يعجب بإجابتها وقال "لأجل هذه الكلمة" (مر7) فهى قالت
"نعم فكلاب البيت تأكل من فتات مائدة البنين". وبهذا أعلنت إنضمامها
لبيت الرب، وفهمها أنها لوثنيتها فهى ما زالت كالكلب. فالبنين يجلسون على المائدة
بينما هى تحت المائدة. لكن صاحب البيت مسئول عن إطعام الجميع، البنين وكلاب البيت.
فهو يشرق شمسه على الأبرار والأشرار (مت5 : 45). أوليس هذا إعلانا لإيمانها بأن
المسيح ربا لها حتى وإن كانت ما تزال فى وثنيتها، ولكن واضح ندمها على وثنيتها
ونجاستها، فهى قبلت وصفها بالكلب. هى بإيمانها هذا أوجدت لنفسها مكانا بين أولاد
إبراهيم وإسحق ويعقوب. وإستحقت هذه المرأة أن تجلس على المائدة مع البنين وأن تحصل
على خبز البنين، وإنضمت هذه المرأة للملكوت الذى أتى المسيح ليؤسسه.
بهذا الإيمان صارت هذه المرأة تعنى ما
تقول عن المسيح "إبن داود" الآتى ليؤسس ملكوت الله على الأرض.
ليس بمفهوم اليهود الضيق الذين يظنونه ملكا زمنيا، بل هو الملك الذى يملك على كل
العالم يهودا وأمما (من كانوا بنين ومن كانوا كالكلاب يتبعون الملك السابق أى
الشيطان وحررهم المسيح) ليجعل الكل بنينا لأبيه السماوى. وهذا معنى خروج الشيطان
من إبنتها "قد خرج الشيطان من إبنتك" (مر7 : 29). [لقد حرر المسيح
الأمم من عبودية الشيطان، وكما قال القديس بطرس "طهر بالإيمان قلوبهم"
(أع15 : 9)].
إنسحاق هذه المرأة أمام المسيح هو درس
لكيف نحصل على القبول أمام الرب (إش57 : 15 + مز51 : 17). [والسبب بسيط ومفهوم
– كيف نتقابل مع المسيح المتواضع الحقيقى بل والوحيد النازل من السماء للأرض ونحن
نريد أن نصعد من الأرض ونصل للسماء فى كبرياء؟!]. والدرس الثانى فى قصة هذه
المرأة الكنعانية لكيفية الحصول على ما نريد هو مفهومنا لمن هو المسيح، وأنه
المسيح "إبن داود" وأنه الملك الذى أتى ليؤسس مملكة لله على
الأرض. فهل نحن قد مَلَّكْنا المسيح على قلوبنا حقيقة أو أننا نريده مسيحا بحسب
المفهوم اليهودى المرفوض من المسيح.. مسيحاً صانع معجزات.. مسيحاً يُرضى رغباتنا،
دون أن نملكه على القلب خاضعين له كـ "إبن داود" ملك الملوك.
الفصل
الرابع والثلاثون
مجموعة من المعجزات لخليط من اليهود والأمم
مت15 : 29 – 31 +مر7 : 31 – 37 ، مر8 : 22 – 26 + لو11
: 27 – 3
مع
إزدياد الزحام ترك المسيح بيت الجليل على تخوم صور وصيدا، وإتجه إلى حدود ربع
فيلبس ومنه إلى المدن العشر، متجها إلى الشاطئ الشرقى للبحيرة. والمدن العشرة هى
بين حدود ربع أنتيباس وربع فيلبس وتخضع لحاكم سوريا. وتغلب الوثنية على المنطقة
كما تشهد على ذلك أثار تماثيل الآلهة الوثنية الموجودة للآن. وسياسيا تعتبر من
المدن اليونانية الحرة وأخذت هذا الوضع من أيام بومبى. ومع أن الرب يسوع كان فى
هذه الأماكن موجودا داخل حدود إسرائيل القديمة إلا أن كل ما كان يحيط به كان وثنيا.
وهناك صنع يسوع معجزات شفاء كثيرة فمجد هؤلاء الناس إله إسرائيل (مت15 : 31).
1)
شفاء أصم أعقد (مر7 : 31) :- من ضمن معجزات الشفاء التى قام بها الرب فى
المدن العشر هذه المعجزة. وقطعا كان هذا الرجل وثنى والذين أتوا به أيضا وثنيين
ولكنهم يتعايشون مع اليهود فى نفس المكان فعرفوا المسيح. وحدثت هنا عدة أشياء تميز
هذه المعجزة * الرب يأخذ هذا الأصم على ناحية من وسط الجمع. *وضع الرب أصابعه فى
أذنيه. *أنَّ = تنهد الرب. *تفل ولمس لسانه (وهذا تكرر مع الأعمى فى بيت صيدا مر8
: 23). *رفع نظره نحو السماء. *قال له إفثأ أى إنفتح. وكل هذا يبدو واضحا أنه موجه
لهذا الوثنى أو للوثنيين الموجودين. ويمكن فهم هذا بأن الرب أراد أن يظهر أن ما
يعمله ليس بالسحر كما يفهم الوثنيون، بل يربط ما يعمله بالله الذى فى السماء وأن
الشفاء من عند الله. وأن الله هو الذى أرسله ليشفى. وأن وضع يده على الأصم كأنه هو
يفتح طريقا للسمع داخل أذنه، ووضع اللعاب على لسانه، كان ليظهر إرتباط الشفاء
بشخصه. وكان الشفاء باللعاب معروفا عند الربيين. وكان الرب بطريقته اللطيفة فى
معاملة هذا الشخص المريض، حين أخذه من بين الجمع ليكون مع الرب على ناحية، كأنه
يجذبه بلطف إليه بعيدا عن الجو الوثنى المحيط إلى حياة جديدة، ويشعره بمحبته.
وكانت حركات شفتيه وهو يئن يراها الأصم فيشعر بتعاطف المسيح معه وإحساسه بمعاناته.
ثم يشفيه جسديا وروحيا. كان كل هذا ليثير الرب فيه الإيمان به وبمحبته. فيؤمن
ويخلص. وكانت كلمة إفثأ = إنفتح، التى نطقها المسيح بلغة اليهود كأنها موجهة لكل
الأمم وكل الوثنيين لتنفتح أذانهم ويسمعوا ويفهموا فيؤمنوا.
2)
معجزة شفاء أعمى (مر8 : 22 – 26) :- الأعمى كان من بيت صيدا جولياس على
الشاطئ الشرقى للبحيرة وليست بيت صيدا الغربية. بدليل أن الرب فى (الآية27) نجده
قد خرج إلى قرى قيصرية فيلبس وهذه فى الشرق. والرب شفى الأعمى على مرحلتين وبنفس
طريقة الشفاء التى إتبعها مع الأصم. فالرب أخذه وأخرجه خارج القرية وتفل فى عينيه.
فهو ما زال وسط الوثنيين ويظهر لهم أن الشفاء منه وليس بالسحر. وأيضا هنا تم
الشفاء على مرحلتين وباللمس فى المرتين وهذا يشير أن الموضوع لا علاقة له بالسحر.
وكما قلنا أن الربيين كانوا يستعملون اللعاب فى الشفاء وبالذات مع العينين. وهناك
قصة مسجلة عن الربى مائير أن إمرأة كانت كثيرة التردد على محاضراته، وأثار هذا
زوجها فأمرها بالبصق على هذا الربى. ولما أخبرت الربى ما طلبه زوجها لم يُرِد أنها
تكسر أوامره. وكان أن إدَّعى أن عينيه مريضتين وطلب من المرأة أن تبصق فيهما
ليشفوا. [ولكن من ناحيتنا نقول أن لعاب المسيح بل وأى جزء من جسده المتحد
بلاهوته فيه الحياة والشفاء، وهذا ما نحصل عليه من سر الإفخارستيا أى حياة أبدية
لمن يتناول منه].
3)
هناك معجزة شفاء أعميين ويرى الكاتب أنها تالية زمنيا للمعجزة السابقة. وقد حدثت
وسط الوثنيين فى منطقة العشر المدن. وما يثبت هذا فى نظر الكاتب أن الرب طلب عدم
نشر المعجزة كما طلب فى المعجزتين السابقتين. والقديس متى يضع المعجزة خارج نطاقها
الزمنى فهو غير ملتزم بالتسلسل الزمنى، بل له فكره الخاص يعرض به وجهة نظر معينة
عن الرب يسوع. ونلاحظ كلمات الأعميان "إرحمنا يا إبن داود" وهو
نفس فكر المرأة الكنعانية. ولكن واضح أن القصة أظهرت أيضا أن المسيح أراد إظهار
إيمان الأعميين وأنهما يستحقان الشفاء، وأن قولهم "إبن داود" كان
عن إيمان وليس مثل المرأة الكنعانية التى كان لقب "إبن داود"
بالنسبة لها بحسب فكر اليهود كملك يهودى أرضى يعمل معجزات ويحقق لهم أحلامهم
وأطماعهم الأرضية. ونلاحظ أن المنطقة التى كانت فيها المرأة الكنعانية بعيدة عن
مكان معجزة الأعميين، والفكر فى المكانين مختلف. والمسيح يتعامل مع كل واحد بطريقة
تناسبه غير الآخر. ولكن إيمان هؤلاء الوثنيين يدين هؤلاء الفريسيين والكتبة
والربيين والرؤساء والكهنة الذين رأوا وسمعوا ثم رفضوه بل وصلبوه.
الفصل الخامس والثلاثون
مشكلتين بخصوص السبت 1- قطف السنابل 2- شفاء
ذو اليد اليابسة
مت12 : 1 – 21 + مر2 : 23 – 3 : 6 + لو6 : 1 – 11
الإنجيليين
ليسوا مؤرخين وهم لا يهتمون بوضع الأحداث كما حدثت زمنيا، إنما هم يقدمون فكرة
يريدونها أن تصل للقارئ عن الخلاص الذى تم بالمسيح. ونجد هنا الفريسيين الذين
يتابعون المسيح، ويحيطون به فى كراهية ليتصيدوا عليه أى خطأ، قد ظهروا فى الصورة
وأمسكوا عليه وعلى تلاميذه موضوع قطع السنابل وإبراء ذو اليد اليابسة. وكانت
قوانين الربيين مؤلمة بخصوص أى عمل فى السبت. فالسبت هو يوم راحة تامة ويوم بهجة،
يعمل الرجل طوال الأسبوع ليدخر أمواله لشراء أفخر المأكولات ويضعونها على المائدة
ليوم السبت. وللفقراء فهناك المشاركة العامة لهم ليستمتعوا بالسبت. والغريب فى هذا
أنهم قالوا أن الفقير إذا قام بشراء أطباق غالية الثمن سيكافأ على ذلك على الأرض
وفى الأبدية. وفى السبت يرتدون أفخم ملابسهم. ولا يجوز الحزن أو الحداد فى السبت
وطبقوا فى هذا قول سليمان "بركة الرب تغنى ولا يزيد معها تعب" وهذه جاءت
فى الإنجليزية "بركة الرب تجعل الإنسان غنيا، ولا يضاف معها حزن" (أم10
: 22). ويقف السبت متفردا دونا عن بقية الأيام. فحتى لو جاء يوم الكفارة يوم السبت
وهو يوم نوح يؤجل، فهو عيد أعطاه الرب لإسرائيل. وحتى عذابات جهنم تمتنع يوم
السبت. أما كسر السبت لأى عمل فهو يعاقب بالرجم حسب المشناة. وهناك قوانين معقدة
وكثيرة فى هذا الموضوع. فهم مثلا وبحسب المشناة يعتبرون أن من يقطع سنبلة فهذا عمل
يساوى الغربلة وبالتالى فقد كسر السبت. وحك السنابل بين راحتى اليد فهذا يساوى
عملية درس الحنطة. وهرس السنابل يعتبرونه مساويا لطحن القمح. وهذا ما جعلهم يلومون
التلاميذ حين فركوا السنابل. ولكن من المضحك فى كيفية التحايل على القوانين،
فتحريك حزمة قمح فى الحقل من مكان إلى مكان، هذا يعتبر عمل، وهذا ممنوع. لكن يأتى
الرجل ويضع ملعقة فوق الحزمة ثم يرفع الحزمة وعليها الملعقة وهذا ممكن إذ هو يريد
نقل الملعقة. مثلا يمنعون أن يضع أحد ضمادة على جرحه لو جُرِحِ. سُئِل أحد الربيين
– هل يحل فى السبت أخذ دواء ملين (مسهل للمعدة)، فقال لو كان للعلاج فهو ممنوع،
ولكن لو إستعمل ليفرح به الشخص فهذا مسموح به. ولو أصيب إنسان بألم فى أسنانه فهم
يمنعون الغرغرة بالخل لتسكين الألم، ثم يقولون يسمح بوضح فرشاة للأسنان فى الخل ثم
يمسح بها الأسنان. وتضيف الجمارا بأنه يسمح بالغرغرة على أن يبتلع الشخص السائل
الذى فى فمه بعد الغرغرة. وهذا كما هو واضح نوع من التحايل على قوانينهم. فهم
يضعون قوانين متشددة ويعطون معها طرق للتحايل عليها.
وهنا
نجد الرب يسوع يبرر موقف تلاميذه ويبرر لماذا يشفى يوم السبت. ونفهم الآن أن
الفريسيين هاجموا التلاميذ ليس لأنهم كسروا قانونا إلهيا من التوراة بل قوانين
موضوعة من قبل الربيين. والمقصود ليس التلاميذ بل إصطياد خطأ على المسيح لأنه لم
يمنعهم. وبالنسبة لشفاء ذو اليد اليابسة فالكتبة وضعوه فى الصف الأول ليحرجوا
المسيح إذ يعرفون محبته وحنانه، وحينما يراه يشفيه فيتصيدوا عليه الخطأ فى السبت.
وفى
السبت الثانى بعد الأول (لو6 : 1) = هذا التعبير يهودى صرف. إذ
كانوا يقدمون باكورات الشعير وباكورات القمح للهيكل. وحصاد الشعير يأتى بعد الفصح
وحصاد القمح يأتى بعد عيد الخمسين (50 يوما بعد الفصح). فكانوا بعد الفصح مباشرة
(ثانى أيام الفصح) يذهبون بملء عُمُر من الشعير للهيكل (العُمُر مكيال للحبوب). وفى
الخمسين يذهبون برغيفى خبز قمح للهيكل. وهناك عدد أيام محدود بين الفصح والخمسين.
وهذه الأيام يعدونها باليوم. والتعبير السبت الثانى بعد الأول لا يقال على أى سبت
بل هذا تعبير خاص بالأيام التالية بتقديم عُمُر الشعير للهيكل. وبعد تقديم هذا
العُمُر يبدأ عد الأيام فيقال الأول والثانى والثالث وهكذا حتى نهاية الخمسين.
وبالتالى يصبح السبت الثانى بعد الأول هو : إما أنه السبت الأول بعد اليوم الثانى
لتقديم عُمُر الشعير. أو أنه السبت الثانى بعد اليوم الأول لتقديم العمر. وهناك
أيضا تفسيرات أخرى لهذا التعبير.
ووصية
السبت أساسا ليكون السبت مقدسا لله = "قَدِّس يوم السبت" أى خصصه
لله، هو راحة للعبادة، والعبادة هى التى تعطى الراحة الحقيقية. ولكن بحسب قوانين
الربيين كان أى خطر على حياة إنسان يمكن معه كسر وصية السبت وإنقاذه، وهذا لو كان
الشخص المعرض للخطر يهوديا فقط. أما لو كان وثنيا أو سامريا فلا يجب كسر السبت،
وطبقوا فى هذا "إذا فعلها الإنسان يحيا بها" (لا18 : 5). وخرج الربيين
من هذا بأن أى وصية إيجابية تتفوق على وصية السبت. وهذا ينطبق على أى عمل فى
الهيكل، فكل أعمال الهيكل مبررة فى السبت. وأيضا كان هناك قانون للربيين "أنه
يمكن كسر أى قانون للربيين إذا تعرض الشخص للخطر". وكل هذا يجب أن نضعه
أمامنا لنفهم رد المسيح على الكتبة. فداود فى هربه من شاول أكل من خبز التقدمة حين
جاع وأعطى لمن يتبعه ليأكلوا، وأن الكهنة فى السبت فى الهيكل يدنسون السبت وهم
أبرياء. وكان ذلك فى أيام أبياثار رئيس الكهنة (لاحظ أن المسيح ينسب رئاسة الكهنوت
هنا لأبياثار بينما فى (1صم22 : 9) نجد رئيس الكهنة هو أخيمالك، والسبب إشتراك
أبياثار مع أبيه أخيمالك فى رئاسة الكهنوت). وكان هذا بحسب التوراة ممنوعا لأن خبز
التقدمة لا يأكله سوى الكهنة فقط (لا22 : 10). ولكن الربيين برروا داود فى هذا،
بأنه كان هناك خطورة على حياة داود هو ومن معه، فيحق له كسر قانون السبت وكل
القوانين المرتبطة به. وأضاف الربيين أسطورة من عندهم لإظهار غيرة داود للسبت إذ
قالوا أن داود قام بلوم الكهنة لأنهم خبزوا خبز التقدمة فى السبت. وفى الحقيقة فإن
السبب الحقيقى فى أن داود لا يلام على ما فعله هو نفس السبب الذى يبرر للكهنة كسر
السبت إذ يخبزون خبز التقدمة يوم السبت. فوصية السبت ليست فقط للراحة بل هى راحة
للعبادة، وهذا معنى قَدِّس يوم السبت. فخدمة الله هى الهدف المنظور من الوصية.
فالكهنة يعملون فى السبت فعملهم هذا هو الغرض من السبت. ورئيس الكهنة سمح لداود أن
يأكل هو ورجاله لأنه قال أنه كان ذاهبا ليعمل عمل الله بحسب أمر الملك، وليس لأنه
كان هناك خطر على حياته. وبنفس الأسلوب فإن التلاميذ يأكلون ويفركون السنابل لأنهم
فى خدمة الرب يتبعون المسيح أينما ذهب. وخدمة المسيح وتبعيته هى أسمى من خدمة
الهيكل. ولو فهم هؤلاء الفريسيين وصية الكتاب "أريد رحمة لا ذبيحة" (هو6
: 6) ما كانوا قد إعترضوا على المسيح ولا على تلاميذه.
وهم
إعترضوا على شفاء الرب للرجل ذو اليد اليابسة لأن حياته لم تكن معرضة للخطر. ولكن
من قوانين الربيين أنه لو إمتنعت عن إنقاذ من هو معرض للموت فإنك بهذا تكون قاتلا.
لذلك قال لهم الرب "تخليص نفس أو قتل" فمن لا يخلص النفس المشرفة على
الموت يكون قاتلا. وكان رد الرب عليهم – إذاً من تعاليمكم أن فعل الخير جائز فى
السبت، بل تخليص حيوان مسموح به. أو ليس شفاء هذا الرجل هو عمل خير. فلم يجيبوا بل
دبروا كيف يهلكوه.
الفصل السادس والثلاثون
إشباع الأربعة الألاف – إلى دلمانوثة – العلامة التى
من السماء
الرحلة إلى قيصرية فيلبس – ما هو خمير الفريسيين
والصدوقيين
مت15 : 32 – 16 : 12 + مر8 : 1 – 21
إشباع
الأربعة ألاف :- هذه المعجزة تمت فى محيط العشر المدن (مر7 : 31) حيث
غالبية الناس من الوثنيين. إذاً هذه المعجزة تمت فى نهاية خدمة المسيح وسط الأمم.
بينما كانت معجزة إشباع الخمسة ألاف فى نهاية خدمة المسيح فى الجليل وسط اليهود
الآتين من كفرناحوم وبيت صيدا. ونلاحظ أن المسيح فى نهاية خدمته فى كل مكان يقوم
بإشباع تابعيه. أما فى نهاية خدمته فى اليهودية فقد أشبع خاصته على مائدة العشاء
الربانى بجسده ودمه. [فالمسيح أتى لإشباع الجميع، أما لخاصته فالشبع يكون
بالإتحاد بجسده ودمه]. * المسيح فى المعجزة الأولى (الـ 5000) كان كملك وسط من
أرادوا أن يملكوه عليهم. وفى المعجزة الثانية (الـ4000) كان إبن الإنسان. أما فى
ليلة العشاء السرى كان رئيس كهنة يقدم نفسه ذبيحة بجسده ودمه. مع اليهود كان الشعب
يجلس على عشب أخضر كثير، فاليهود كانوا داخل الحظيرة الإلهية، كانوا شعب الله. *
ومع الأمم كان العشب قد جف وجلس الشعب على أرض برية جافة (مر8 : 4). وكان هذا هو
حال الأمم فهم بعيدين عن الله. [أما فى العشاء السرى فكان تلاميذه على مائدة
صارت مذبحاً]. وترتيب الثلاث له معنى فكل واحدة تقود للأخرى. أتى المسيح إلى
خاصته اليهود وخاصته لم تقبله، فذهب للأمم. [ومن قبله من اليهود أو من الأمم
صار من خاصته وهؤلاء يُوَحِّدهم بجسده ودمه]. ولاحظ مع إشباع اليهود تكرار رقم
5 وهو عدد أسفار التوراة، أما رقم 12 فهو عدد أسباط إسرائيل. ومع معجزة إشباع
الأمم نجد رقم 4 وهو رقم العالم، ورقم 7 رقم المقادس فالعالم كله صار مدعوا ليكون
من خاصته.
بعد
تلك المعجزة دخل الرب سفينة ويقول القديس متى أن الرب جاء إلى تخوم مجدل، ويقول
القديس مرقس أنه جاء إلى نواحى دلمانوثة. ومجدل نطقها الصحيح مجدان، وغالبا هى
مجدو وهى لفظ وسط بين النطق العبرانى مجدون والنطق السريانى مجدو. وهذا المكان
جنوب بحيرة الجليل ولكنه داخل محيط العشر المدن وهو قريب من حدود الجليل. وقدم
الكاتب بحثا فى أصل كلمة دلمانوثة وقال أنها غالبا خليج صغير أو مرفأ ترسو فيه
السفن على شاطئ البحيرة فى منطقة مجدل. وهناك مكان معروف لتمليح السمك والتلاميذ
كصيادين لهم صلات بهذا المكان.
وهناك
إلتف حول الرب الفريسيين والصدوقيين يسألونه أن يريهم آية من السماء. وهذا السؤال
كان سؤالا تعودوا أن يسألوه للربيين… كيف نميز المسيا حين يأتى؟ وكان للربيين
إجابات عجيبة على هذا السؤال. وأمثلة على الإجابات (*تسقط أسوار روما ويبنونها
فتسقط ثانية وهكذا حتى يأتى إبن داود. *حينما تتحول المياه الخارجة من كهف بامياس
إلى دم. *وقال الربى العازار حينما تصل شجرة الأكاسيا إإلى 400 قدم، وحينها ينعكس
إتجاه المياه فى مجارى الأنهار فترتد إلى خلف عكس إتجاهها الطبيعى). ولأن الرب
يسوع فى نظرهم لم يتفق مع تصوراتهم عن شخص المسيا المنتظر، هذه التى توارثوها من
أبائهم عن المسيا الذى يقيم مملكة بحسب فكرهم، فقد شكوا أنه هو المسيا وإعتبروه
مُدَّعى للنبوة بحسب (تث13). لذلك سألوا الرب على آية تأتى من السماء. وبالرجوع
للفصل 27 من هذا الكتاب نرى العلامات التى قالها الرب لتلاميذه عن وقوف الكل ضدهم
وتمرد الجميع الذى وصل لصلبه وأن هذا سينتهى بخراب عام وحريق كامل لمملكتهم
وهيكلهم قبل مجيئه فى ملكوته، وأن هذا يكون لهم علامة. ويكون هذا ردا على رفض
اليهود المسيح ملكا وطلبهم أن يكون قيصر ملكهم، فدمرهم قيصر. وكان رد المسيح على
طلبهم علامة أنهم قادرين على تمييز علامات الجو. لذلك لم يعطهم السيد سوى علامة
يونان النبى الذى هدد نينوى بنفس المصير وهو حريق نينوى إن لم يتوبوا. والمعنى أن
الرب يسوع يعطيهم إنذار بخراب آتٍ، ولكنه يطلب فى محبة ممن يسألوه أن يتوبوا
ووقتها سيفهمون ويعرفون من هو ويؤمنوا فلا تحترق أورشليم. وتحقق كلام السيد تماما
ففى هذه المنطقة التى رفضوا الرب يسوع فيها لأنه لم يعطهم علامة، جاء الإمبراطور
فاسباسيان بعد ذلك وذبح الألاف من منطقة مجدل ودلمانوثة وباع الألاف عبيدا. والرب
نفسه أنَّ وتنهد على أورشليم وبكى إذ كان يرى ما سوف يحدث لها. ولقد ترك الرب
دلمانوثة متجها إلى قيصرية فيلبس، ومن قيصرية فيلبس جاء الإمبراطور فاسباسيان
ليدمر ويذبح أهل المنطقة ويبيع الباقين أسرى.
وترك
الرب هؤلاء الفريسيين والصدوقيين، وفى نفس السفينة التى جاء بها إلى دلمانوثة عاد
إلى بيت صيدا جولياس فى طريقه إلى قيصرية فيلبس. وكان هذا قبل ذهابه فى رحلته
الأخيرة إلى أورشليم والتى بدأت بعيد المظال وإنتهت بعيد الفصح يوم الصليب. وعند
وصولهم حذرهم الرب من خمير الفريسيين الذى هو تعاليمهم الفاسدة التى أدت بهم لطلب
علامة من السماء. ولاحظ فهم التلاميذ الخاطئ لكلمة خمير الفريسيين إذ فهموها حرفيا
أنها على الخبز.
[وللآن
هناك نجد الكثيرين يسألون علامات من السماء ليصدقوا المسيح أو ليتأكدوا من محبته
وقوته ليطمئنوا. وهذا ضد الإيمان، "فالإيمان هو الثقة بما يرجى والإيقان بما
لا يرى" (عب11 : 1). إذاً علينا أن نثق فى المسيح ووعوده ومحبته ورعايته وحكمته
وأنه ضابط الكل، عينه علينا دائما لا يتركنا ولا يهملنا، وذلك دون أن نطلب علامات
ملموسة لنتأكد].
الفصل
السابع والثلاثون
الإعتراف العظيم – المهمة العظيمة – التعليم العظيم
الغواية الكبرى – القرار العظيم
مت16 : 13 – 28 + مر8 : 27 – 9 : 1 + لو9 : 18 – 27
عبر
البحيرة إتجه الرب من دلمانوثة إلى قيصرية فيلبس عبر الوادى بقرب بيت صيدا حيث
أشبع الخمسة ألاف. وقيصرية فيلبس هى عاصمة الربع الذى يحكمه رئيس الربع فيلبس.
وكانت قيصرية فيلبس قديما هى بانياس وبنى فيها هيرودس الكبير هيكلا ضخما إكراما
لأغسطس قيصر. ثم جاء فيلبس حين تولى الحكم وعمرها وصارت مدينة ضخمة جميلة وأطلق
عليها قيصرية فيلبس إكراما لقيصر، وحاليا عادت لإسمها القديم بانياس. ثم يسهب
الكاتب فى شرح جمال هذه المنطقة التى حدث فيها حدثين بالغى الأهمية وهما :-
1) إعتراف بطرس بأن المسيح هو إبن الله.
2) التجلى.
والمشهد
الذى يصفه الكاتب للموضوع الذى سأل التلاميذ فيه "من يقول الناس إنى أنا إبن
الإنسان" كان أمام صخرة عظيمة مبنى عليها قلعة ضخمة ويخرج من تحتها نهر
الأردن. ولاحظ أيضا أن سؤال المسيح لتلاميذه بعد أن سأله الفريسيين والصدوقيين فى
دلمانوثة دليلا على أنه المسيا. ونلاحظ أيضا أن المنطقة التى أخذ المسيح تلاميذه
إليها وحدث فيها إعتراف بطرس والتجلى هى منطقة يسكنها الأمم بعيدا عن اليهود
والجليليين. ومعنى هذا أنه كما أن القلعة مبنية على هذه الصخرة هكذا ستبنى الكنيسة
على المسيح صخرتنا، والماء المتدفق من تحت الصخرة إشارة لإيمان بطرس الصحيح الذى
نطق به بأن يسوع إبن الإنسان هو المسيح إبن الله. [والماء أيضا يشير للروح
القدس الذى سينسكب على الكنيسة بعمل المسيح الفدائى]. أما البعد عن أماكن
اليهود وبعيدا عن الهيكل، وأن يحدث هذين الحدثين فى وسط الأمم فهذا يعلن عن قبول
الأمم للمسيح. بل ويعلن عن المصير المشئوم لليهود رافضو المسيح. وكان التجلى بعد
إعتراف بطرس بستة أيام.
ملخص
الأحداث الماضية :- كان لابد للرب وتلاميذه أن يتركوا
كفرناحوم، فخدمة المسيح فى الجليل قد إنتهت، وأيضا تزايدت عداوة الفريسيين
ومؤامراتهم ضد المسيح، وتشكيكهم مما يفسد عمل المسيح مع الجليليين. بالإضافة
لتساؤلات هيرودس أنتيباس الذى تلوثت يده بدماء المعمدان عن المسيح، كل هذا جعل بقاء
المسيح فى الجليل بلا فائدة. وعند مغادرة المسيح للجليل أشبع الخمسة ألاف على
الشاطئ الشرقى للبحيرة، وكان هذا هو العشاء الأخير لليهود فأرادوا أن يجعلوه ملكا.
وإنسحب الرب مع تلاميذه بعد ذلك إلى نواحى صور وصيدا ثم إلى العشر المدن حيث
علَّمَ وشفى أمراضهم. وبعد ذلك أشبع الأربعة ألاف لينهى خدمته فى هذه الأماكن. ثم
ذهب إلى دلمانوثة، وهناك تحداه الفريسيين والصدوقيين أن يظهر علامة على صدق
إرساليته ولكنه لم يظهر لهم شئ فقلوبهم قد إغلقت ولن يفهموا إذ هم لا يريدون أن
يفهموا فقد إتخذوا قرارهم برفضه. لكن الرب حذرهم من مصيرهم المشئوم. وهذا ما حدث
لهم إذ رفضوا المسيح فكان هذا رفضا لهم من قبل الله وحدث ما حذر الرب منه أى
مصيرهم الحزين، وأخذ الأمم مكانهم. وكان هذا معنى أن الإعتراف بالمسيح من قبل بطرس
والتجلى، يحدثان فى حدود الأمم وليس اليهود. ولكن يبدو أن التلاميذ لم يفهموا بل
كان فى داخلهم تساؤلات – لماذا إنسحب المسيح ولم يظهر علامة فأعطى فرصة للفريسيين
أن يظهروا كمنتصرين. بل كان هذا السؤال هو سؤال رئيس الكهنة "هل أنت المسيح
إبن الله" وكانت إجابة المسيح بأنه أكد هذا لكنه لم يثبته أمام رئيس الكهنة.
وخاف المسيح على تلاميذه أن يسود عليهم الشك، بل سيزداد الشك إذ يجدونه قد صلب ولم
يُعلن عن ملكه. وهذا يحدث مع كل منا أننا نقع فى هذا الفخ حينما يكون رد فعل الله
مخالفا لتوقعاتنا، [وأنظر رد تلميذى عمواس على المسيح "هذا الذى كنا
متوقعين أنه المزمع أن يفدى إسرائيل"] ولذلك أخذ المسيح معه تلاميذه
وإنسحب إلى العشر مدن ليُثبِّت إيمانهم، وحذرهم أن يكون لهم نفس الشك الذى عند
الفريسيين = "تحرزوا من خمير الفريسيين" إذ أنهم كانوا يريدون أن يبدو
المسيح كمنتصر أمام الفريسيين ويظهر لهم علامة. وما حدث بعد ذلك من أقوال وأعمال
للمسيح كان تثبيتا لإيمان التلاميذ. ونلاحظ إصرار المسيح على تعاليمه، ومن يريد أن
يغادر فليغادر (يو6 : 67). ولكن من ناحية أخرى كان يثبت إيمانهم الذى كان قد بدأ
ينمو فى كفرناحوم. والرب يعمل معنا نفس العمل فهو يدربنا بطرق متنوعة ليثبت
إيماننا فنقبل أحكامه وأقواله الصعبة. ولكن هناك من التلاميذ من فشل أن يثبت
إيمانه فتحطم حينما لم تتوافق خطة المسيح مع تصوراته فى أن المسيح سيكون ملكا
بالمفهوم البشرى، ألا وهو يهوذا. هذا الذى كانت له أطماعه العالمية فى مملكة
عالمية يكون له فيها شأن عظيم، وبدأت أحلامه تتبخر أولا بإستشهاد المعمدان. ثم نمت
وإنتشرت خميرة الفريسيين تماما داخله، إذ لم يجد المسيح يعطى علامة من السماء
وينزل عن الصليب ويأخذ الملك كما كان يتوقع هو. ويمكن أن يحدث هذا داخل كل منا إذ
يكون حكم المسيح فى الأمور عكس ما تشتهى قلوبنا.
ماذا
عمل الرب يسوع لتثبيت إيمان تلاميذه؟ أخذهم فى رحلة هادئة فى البحيرة من دلمانوثة
إلى قيصرية فيلبس ليهدأوا، ثم بادرهم بالسؤال عن ماذا عرفوا هم عن شخصه بعد كل
خبراتهم معه طوال مدة وجوده معهم وبعد أن رأوا أعماله وأقواله. وهنا كانت إجابة
بطرس "أنت هو المسيح إبن الله الحى". وبدأ المسيح يخبرهم بأنه سيصلب،
حتى يعرفوا أنه كان عالما بكل شئ وأن هذا الصليب هو خطة إلهية، فحين يحدث لا
يتشككوا (قارن مع يو14 : 19). ولكن كانت قطعة صغيرة من خمير الفريسيين قد
تسللت للتلاميذ. فنجد بطرس يعترض على الصليب فهذا ضد فكره، فهو يتوقع ويريد المسيح
ملكا منتصرا، هذا ما يحدث مع كل منا حين نجد أن خطة الله وفكره لا تتفق مع مشيئتنا
وفكرنا. ونجد بعد ذلك أن الرب يعلم ويشرح عن ضرورة حمل الصليب. وعلى كل من يريد أن
يتبع المسيح فليحمل صليبه ويتبعه. هنا صار الصليب ليس فكرا نقبله أو نرفضه بل هو
طريق نتبع به المسيح. ولكن الصليب ليس هو النهاية بل "سيأتى إبن الإنسان فى
مجد أبيه مع ملائكته ليجازى كل واحد حسب عمله" (مت16 : 21 – 28). وترك المسيح
تلاميذه ستة أيام ليهدأوا. وكان بعد ذلك أن أخذ معه بعض التلاميذ، وأظهر لهم نفسه
على جبل التجلى ليعطيهم علامة لم ينسوها طيلة أيامهم. وهذا يتضح من تسجيل القديسين
بطرس ويوحنا لحادثة التجلى فى رسائلهما.
وسأل
الرب تلاميذه عن من يقول الناس إنى أنا إبن الإنسان" كان هذا ليس إستطلاعا
لرأى الناس بل لرفع فكر التلاميذ إلى مستوى معرفة حقيقة شخص المسيح. وكان رد
التلاميذ "يوحنا المعمدان أو إرمياء أو إيليا. وهذا مع أن إرمياء والمعمدان إنتقلوا
من هذا العالم. ولاحظ أن هذا كان رأى الناس وليس رأى التلاميذ، فبعض اليهود كانوا
يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن روح إرمياء تسكن فى المسيح، وأنه ينذر إسرائيل حتى لا
تخرب كما فعل إرمياء من قبل. أما أن روح المعمدان تسكن فى المسيح فهذا مستحيل
فالمعمدان كان معاصرا للمسيح. ومن لا يؤمن بهذا تصور أن المسيح كان إمتدادا لرسالة
إرمياء أو المعمدان. [ومن قالوا إيليا كان ذلك لفهمهم نبوة ملاخى النبى أن
إيليا يكون سابقا للمسيا (ملاخى4 : 5).] ولكن نرى أنه لم يوجد من قال أنه
المسيا. وفى هذا نرى أن تشكيك الفريسيين فى المسيح كان له هذه النتيجة، وأنه حدث
إرتداد وسط الناس بعد أن كانوا قد حسبوه أنه هو المسيا وأرادوا أن يجعلوه ملكا.
فلم يعترف أحد بأنه المسيا المنتظر، إلا أن ردودهم كانت تعنى أنه ليس شخصا عاديا
أو معلما عاديا، بل أن رسالته كانت من السماء مباشرة. ثم سأل الرب تلاميذه
"وأنتم من تقولون إنى أنا". وكان سؤال الرب لتلاميذه ليستخرج من أفواههم
إيمانهم تثبيتا لإيمانهم. ولذلك حين نطق بطرس بما قاله أمَّن الرب يسوع على كلامه
وقال أن من أعطى هذه الإجابة لبطرس هو الله الآب نفسه. وإختلف نص الإجابات
المذكورة فى الثلاثة الأناجيل، ولكن كل منهم كان يختار من إجابة بطرس ما يتفق مع
من يكتب له إنجيله. فمتى مثلا لأنه كان يكتب لليهود ذكر إجابة بطرس بما يتفق مع
الفكر اليهودى "أنت هو المسيح إبن الله الحى" وهذا تعبير يهودى صرف.
وكان نص الإجابة بحسب متى هو النص الكامل حسبما قاله بطرس فعلا، أما النصوص بحسب
القديس مرقس "أنت المسيح" وبحسب القديس لوقا "مسيح الله" فهى
ردود مختصرة.
كان
داخل التلاميذ بذرة إيمان، ظل ينمو فنرى أن بطرس قد نطق بإعتراف مشابه بعد حديث
المسيح عن خبز الحياة (يو6 : 69). ونما هذا الإيمان أكثر بعد سير المسيح على
الأمواج. وظل هذا الإيمان ينمو حتى كان إعتراف بطرس بإعلان من الله، تقبله بطرس
وخضع له بقية التلاميذ. وكان هذا الإعلان الإلهى لبطرس عقب صلاة المسيح قبل أن
يسأل سؤاله للتلاميذ (لو9 : 18). وبهذا الإعتراف إتضح أن خمير الفريسيين لم يفسد
إيمان التلاميذ. ولكن قطعا تعرض بعدها التلاميذ للحظات شك. ولم يستقر إيمانهم بما
نطق به بطرس إلا بعد القيامة ورؤية الرب. [ولكن هم لم يعرفوا حقيقة المسيح وأنه
يهوه المتجسد والمتأنس إلا بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين].
وجاء
رد الرب يسوع على إعتراف بطرس متفقا مع الفكر اليهودى. إذ كان رد الرب يسوع "أنت
بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى". وباليونانية "أنت بطرس وعلى
هذه البترا أبنى كنيستى" بطرس = كلمة مذكرة وتعنى
باليونانية حجر أو أحيانا بمعنى صخرة. بترا = كلمة يونانية مؤنثة ودائما
لا تعنى سوى صخرة. ونفس الكلام يقال عن الأرامية التى كان الرب يسوع يتكلم بها. وواضح
تغير كلام المسيح من المذكر بطرس إلى المؤنث بترا. فالمسيح لم يقل
أنت بطرس وعليك أبنى كنيستى، بل حوَّل الكلام إلى صيغة المؤنث بترا وهى لا تعنى
سوى الصخرة. وبطرس كان له إسمان كعادة أهل الجليل، أحدهما عبرى
"سمعان" والآخر يونانى "بطرس" فالجليليين يعيشون جنبا إلى
جنب مع اليونانيين. وفى أول لقاء بين الرب وبين بطرس إختار الرب له إسم صفا
"أنت تدعى صفا (كيفا بالأرامية) الذى تفسيره بطرس" (يو1 : 42). وكيفا
الأرامية تعنى كما فى اليونانية تعنى حجر أو صخرة. بل إستخدم الربيين لفظى بطرس
وبترا اليونانيتين، وإستعملوا الكلمتين باليونانية فى كتاباتهم. [وكان إختيار
هذا الإسم نبوة من المسيح عن أن الإعتراف أو هذا الإيمان الذى صدر من بطرس بأن
"المسيح هو إبن الله الحى" هو الذى ستبنى عليه الكنيسة]. وبناء
الكنيسة على صخرة هو صورة موجودة ومستعملة عند اليهود، فهم يقولون أن الله لم يكن
ليخلق العالم إن لم يكن له أساس أخلاقى ثابت وهو قبول وطاعة الناموس. يضرب الربيين
مثلا لذلك أن ملك أراد أن يبنى مدينة فذهب ليحفر فى المكان الذى سيبنى عليه هذه
المدينة فأخرج ماء فوجده غير صالح للبناء. وكرر هذا مرة أخرى فخرج ماء. وأخيرا
جاءوا إلى صخرة (بترا). [وكان خروج الماء من الأرض يشير للأمم الوثنية، أما
الصخرة فتشير لمن قبل الناموس وأطاعه أى اليهود فى شخص أبيهم إبراهيم]. وهكذا
حين أراد الله أن يخلق العالم لم يبنه على أنوش (إبن شيث بن آدم) ولم يبنه على جيل
الطوفان. لكن لما نظر للمستقبل ورأى إبراهيم الذى سيظهر فى المستقبل، ووجد أنه
سيكون صخرة ورجعوا فى هذا إلى النبوتين :-
1) "اسمعوا لي ايها التابعون البر
الطالبون الرب. انظروا الى الصخر الذي منه قطعتم والى نقرة الجب التي منها
حفرتم.
انظروا
الى ابراهيم ابيكم والى سارة التي ولدتكم".
2) "اني من راس الصخور اراه. ومن
الاكام ابصره. هوذا شعب يسكن وحده وبين الشعوب لا يحسب (إش51 : 1 ، 2 + عد23 : 9)
قرر أن يبنى ويؤسس الأرض عليها.
وهكذا
كان الإيمان المعلن من بطرس هو الذى سيؤسس المسيح عليه كنيسته، كما أسس الله الأرض
على صخرة إيمان إبراهيم.
ولأن
الكنيسة ستبنى على هذا الإيمان الذى أعلنه بطرس، وصارت كلمات بطرس هى إيمان
الكنيسة لنهاية الأيام، صار بطرس ممثلا للتلاميذ بل لكل الكنيسة فى إعلان هذا
الإيمان. وأعطى الرب يسوع للكنيسة ممثلة فى شخص بطرس مفاتيح ملكوت السموات
"كل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا فى السماوات …"، وهكذا أرسل بطرس
ليقبل كرنيليوس الأممى ويعمده فصار كما قال هو بعد ذلك "..بفمى يسمع الأمم
كلمة الإنجيل ويؤمنون.." (أع15 : 7). وكان بطرس يوم الخمسين هو من دعا
للمعمودية. وهذا كله يعنى قبول الكنيسة للأمم ودعوة الكل للإيمان وللمعمودية وصار
للكنيسة سلطان الأسرار الكنسية ومن خلالها يدخل الجميع إلى جسد المسيح الواحد وهو
الكنيسة.
ما
تربطه … وما تحله = كان الرب يكلم التلاميذ وهم لهم خلفية
يهودية وفكر ومفاهيم يهودية، لذلك كان الرب يسوع يصيغ تعليمه بطريقة تجعله يكون
مفهوما للتلاميذ. لذلك كان يستعمل كلمات وعبارات مفهومة لهم بحسب فكرهم اليهودى
فلا يتشتت فكرهم حينما يسمعون. ونجد أن أكثر الكلمات التى كان الربيين يستعملونها
بصفة دائمة مع الشعب هى كلمة يحل ويربط. ولكن المفهوم اليهودى للكلمات كان
مختلفا تماما. فالربيين فى كبريائهم وخيلائهم إستخدموا الحل والربط فى التحكم فى
الناس. أما الرب يسوع فقد تسامى بتلاميذه عن الأفكار اليهودية المريضة. فكان الربط
عند الربيين يعنى منع الناس من كذا وكذا، والحل معناه السماح لهم به، الربيين هم
الذين يحددون هل هذا الشئ قانونى أو غير قانونى. ويعنى الحل فى الكتابات التلمودية
الصفح والغفران، هم صاروا كهيئة قضائية. فهم كانوا يحكمون بالصفح أو بالغرامة أو
التعويض أو بالعقاب أو تقديم ذبيحة. وإدَّعى الربيين أن السنهدريم الأرضى يجتمع
ويناقش المشاكل ويتخذ القرارات، وهذه يتلقاها السنهدريم العلوى فى السماء ليؤكدها
ويثبتها. والآن أعطى الرب سلطانا للحل والربط بدلا من الربيين. وبينما إغتصب
الربيين هذا الحق أعطاه الرب للكنيسة فى شخص تلميذه بطرس :-
1) كممثل للكنيسة أولا ثم للتلاميذ كلهم
ثانيا [مت18 : 18] (يو20 : 23).
2) هو سلطان حقيقى وليس إغتصاب بزهو وغرور
وكبرياء كما فعل الربيين. [يُرجى الرجوع لمفهوم الحل والربط فى الكنيسة فى
موضوع الأسرار الكنسية تحت بند سرى الكهنوت والتوبة والإعتراف].
ومع
أن الرب يسوع كان يريد أن الناس تعرف حقيقته وأن ما قاله بطرس هو الحق، إلا أننا
نجده بعد أن نطق بطرس بإعترافه ُحذَّر تلاميذه بشدة من أن يخبروا أحدا بهذا. ففى
إنجيل متى يقول أوصى بمعنى أنه أعطاهم أمرا بأن لايقولوا – وفى إنجيل مرقس
نسمع أن الرب إنتهرهم وهذه تحمل معنى التوبيخ لو فعلوا – وفى إنجيل لوقا
نجده يستخدم كلا التعبيرين أوصى وإنتهر. وذلك ليشدد على عدم إذاعة هذه
الأخبار الآن، لأنه يعلم أن إشاعة هذه الأخبار الآن ستأتى بأثر عكسى لما يريده
الرب.
والسبب
عدم إستعداد الناس لفكرة الصلب ومفهوم الفداء حتى فى فكر من نطق بهذا الإعتراف
العظيم. وقد ظهر هذا حالا فى رفض بطرس لفكرة الصليب. ولذلك نجد الرب وقد بدأ
يُعَلِّم تلاميذه أنه لا بد أن يصلب ويموت ثم يقوم فى اليوم الثالث. وواضح أنه حتى
التلاميذ لم يفهموا ما يعنيه المسيح، وربما فهموا أن الصلب والألام تشير رمزيا
لمضايقات الكتبة وغيرهم. وإتضح عدم فهم التلاميذ بعد ذلك من عدم تصديقهم للقيامة
بعد أن قام المسيح فعلا. ولمحبة بطرس العاطفية لمعلمه قال منتهرا المعلم
"حاشاك يا رب" وتعنى حرفيا إمنع هذا يا رب وإرحم نفسك وليكن سلام لنفسك.
وهذه هى نفس كلمات الشيطان للمسيح على جبل التجربة [ولكل منا فى أى تجربة]
"لماذا تحتمل الألم، وعليك أن ترفضه – "أطلب من الآب ليحول لك الحجارة
خبزا فلا تتألم من الجوع". هذه التجارب يبدو أن لها منطق مقبول ولها مظهر
الرحمة والشفقة بالنفس، وألا نسمع هذا الصوت داخل كل منا لو تعرضنا لمرض أو ضيقة،
فنسمع صوت عدو الخير " لماذا يسمح الله بهذا"؟ ولكن علينا أن لا نعطى
أذاننا لعدو الخير بل نرفض هذه الأصوات، ونقول للشيطان كما قال له المسيح
"إذهب عنى يا شيطان". ونسمع هذه الأصوات من الشيطان عندما نتألم لمرض
قريب لنا أو من نحبهم، هنا يأخذ الشيطان شكل ملاك نور محب لنا ولأقربائنا. ولو
تماشينا معه وصدقناه نرفض هذا الألم متذمرين على الله. أمام محبة الله والثقة فيه
علينا أن لا نستجيب للعواطف البشرية ونتأثر بها فنتذمر على الله.
وإستغل
الرب يسوع خطأ بطرس ليشرح للتلاميذ أن المملكة التى يؤسسها هى بخلاف فكر اليهود
والربيين، هى ليست مملكة المجد الأرضى بل هى مبنية على إنكار الذات. من ينكر ذاته
حتى الموت يجد حياة أبدية. والعكس من يجد حياته على الأرض فهو يخسرها. وأمام هذا
التعليم نقف نحن وقد إتخذنا قرارا أن نبيع كل شئ ونخسر كل العالم ونقبل حتى الموت
حتى لا نخسر أبديتنا. وكان تعليم الرب أن الحياة والمجد ليست الآن بل حينما يأتى
إبن الأنسان فى مجد أبيه مع ملائكته حينئذ يكون لشعبه نصيب معه فى مجده وكلٌ حسب
أعماله. وقال لهم الرب أن بعض الموجودين سيظلوا أحياء ولن يروا الموت قبل أن يروا
إبن الإنسان آتيا فى مجد أبيه. وهذا قد حدث :-
1) بعد ستة أيام فى التجلى.
2) بعد 37 سنة أطال الرب أناته فيها على من
صلبه، كان عقاب أورشليم بحرقها.
النزول من جبل التجلى لوادى الهوان والموت
الفصل الأول
التجلى
مت17 + مر9 + لو9
كان
الإعتراف الذى نطق به بطرس هو الأساس الذى تُبنى عليه الكنيسة. ومن ناحية أخرى رفع
التلاميذ إلى أعلى نقطة إيمانيا لم يصلوا إليها ثانية غير بعد القيامة، لأن تعليم
المسيح عن موته والذى قاله بعد إعتراف بطرس مباشرة أصابهم بخيبة أمل. فتوقعاتهم
بحسب فكرهم اليهودى عن عظمة ومجد المسيا تصادمت مع فكرة موت المسيح. فكانوا كمن
إرتفع للقمة ثم هوى لأسفل. وكان على المسيح أن يقضى معهم ستة أيام ليشرح لهم
ويعلمهم الحقائق عن ضرورة موته وقيامته فى اليوم الثالث. ويقول القديس لوقا ثمانية
أيام فهو ضم الستة أيام على يوم الإعتراف العظيم لبطرس ويوم التجلى. وكان هذا
التعليم والتجلى بعيدا عن إزعاج الفريسيين والكتبة فى هدوء ليفهم تلاميذه.
وكان
التجلى هو الشرح العملى الذى عرفوا منه حقيقة المسيح وذلك لتثبيت إيمانهم. بل كان
حديث موسى وإيليا مع المسيح عن "خروجه الذى كان عتيدا أن يكمله فى
أورشليم" (لو9). وتعبير خروجه يُستخدم للتعبير عن الموت (2بط1 : 15). فهم
بهذا تأكد لهم من هو المسيح وأنه يجب أن يموت فى أورشليم، وأن كل هذا حسب خطة
أزلية تنبأ بها الأنبياء. لذلك ظهر معه الأنبياء وتكلموا عن خروجه كأنهم يعرفون
بحكم نبواتهم التى قالوها. أو كأنهم يذكرون التلاميذ بأن التعليم الذى قاله المسيح
عن أنه يجب أن يموت هو تعليم كتابى وبحسب النبوات، وهذا نفس ما عمله الرب مع
تلميذى عمواس أن شرح لهم من النبوات أن المسيا المنتظر كان يجب أن يموت ويقوم.
ونستنتج أن حادثة التجلى قد حدثت مساء من (لو9 : 37). وقد يفهم هذا من نوم
التلاميذ، إلا أن نوم التلاميذ كان عائدا لسبب آخر أهم هو أن ما رأوه لم يحتملوه،
كان فوق طاقتهم الروحية والنفسية وربما الجسدية لإحتماله مما سبب لهم إضطرابا
وخوفا فصاروا كمخدرين وثقلت عيونهم.
وقد
أخذ الرب معه بطرس ويعقوب ويوحنا الأقرب فى نظره لفهم ما سيحدث والقادرين على نقله
للآخرين. ونسمع أن المسيح كان يصلى حينما حدث هذا التجلى، ليفتح الله عيونهم
ليروا، فكان كإليشع الذى صلى ليفتح الله عينى تلميذه فرأى جيش الملائكة الذى
يساندهم ضد جيش الأراميين.
ونلاحظ
أيضا أن اليهود كانوا منتظرين أن المسيا سيكون صورة أخرى من موسى ويكرر ما صنعه
موسى وبصورة أعظم. وهنا نجد أن المسيح يضئ كالشمس، وموسى وجهه أضاء. وكما قادت
موسى سحابة فى البرية هكذا ظهرت سحابة نورانية أمام التلاميذ. [ومن قبل سار
المسيح على الماء كما شق موسى الماء وساروا فوق اللجج، وأيضا كان للربيين
رأيا أن كما عمل موسى لإسرائيل خروجا من عبودية مصر هكذا المسيا موسى الثانى
سيخرجهم من الهوان الذى هم فيه. ولذلك كان كلام موسى وإيليا مع المسيح عن خروجه.
ولم يفهم التلاميذ وقتها أن خروج العالم كله من الهوان سيكون بخروج المسيح أى موته
بالجسد]. وكانت هذه تعاليم الربيين أن المسيا لابد وأن تظهر معه سحابة ووجهه
يضئ. فكان الحدث كله تثبيتا لإيمان التلاميذ فلا يهتزوا أمام ما سوف يحدث فى
القريب العاجل فى أورشليم. وكانت قصة التجلى هى أعلى نقطة وصل بها المسيح مع
تلاميذه وهو بالجسد على الأرض، ومع نزولهم من على الجبل بدأ أيضا طريق ألام المسيح
وإحتماله الهوان والذى إنتهى بموته على الصليب. وبدأ ضعف إيمان التلاميذ الذى
إنتهى بتشتتهم يوم الصليب وإنكار بطرس وخيانة يهوذا.
ونرى
قطعا فى حادثة التجلى وعد إلهى متضمن فيما حدث وأن هذا الفاسد أى جسدنا الحالى سيكون
له صورة مجد فى الأبدية.
الفصل الثانى
ثانى يوم للتجلى
مت17 : 9 – 21 + مر9 : 9 – 29 + لو 9 : 37 – 43
نزل
الرب مع تلاميذه الثلاثة من على الجبل وكان صباحا (لو9 : 37). وكان الثلاثة يفكرون
كيف ينقلون أخبار ما رأوه فوق الجبل وفهموا منه من هو هذا المعلم وأنه لا بد وأن
يُرفض ويتألم ويموت. والرب أخذ معه الثلاثة تلاميذ الذين كانوا قد خضعوا لفكرة موت
المسيح ولكن دون فهم. والآن سقط أمامهم نورا سماويا على هذه الحقائق فوق الجبل.
إذاً كيف ينقلون ما فهموه للتسعة الباقين الذين يتضح عدم خضوعهم لفكرة موت المسيح
وقد بنوا أحلامهم على المجد الزمنى الذى ينتظرهم. ولكن الرب منعهم من الكلام حتى
يقوم من الأموات. فحتى التلاميذ التسعة لم يكن لديهم الإستعداد لتقبل الفكرة،
وسيكون تأكيد فكرة موت المسيح سببا فى رد فعل عكسى. ومن هنا نفهم أن الرب إختار
تلاميذه الثلاثة ليصعد بهم الجبل ليس لأنه يحبهم أكثر (كما قال الباقين عن يوحنا
أنه التلميذ الذى كان المسيح يحبه أكثر) بل لأن الثلاثة كانوا قد تم إعدادهم، أو
أنهم كانوا قد خضعوا وإستسلموا بالأكثر لفكر الرب. أما التسعة الباقين فكان نصيبهم
من خمير الفريسيين أكثر، أى تشكيكهم فى المسيح وطلب المزيد من العلامات بالإضافة
لأفكارهم اليهودية عن المسيح ومجدهم الأرضى حين يتمجد هو ويملك. ووضح هذا سريعا فى
فقدانهم السلطان على الروح النجس الذى فى الولد الذى أتى به أبوه لهم ليشفوه
ففشلوا. وكان هذا سببا لغضب الرب عليهم. وكان رفض المسيح إعلان تلاميذه لحقيقته
بداية طريقه هو لقبول الهوان حتى الموت، وأيضا كان هذا درسا للتلاميذ فى معنى
إخلاء الذات. وكانت علامة خضوع التلاميذ الثلاثة للمسيح عدم سؤالهم عن معنى
القيامة من الأموات مع أنهم لم يفهموا المعنى، وحفظوا كل هذا فى قلبهم كما كانت
العذراء مريم تفعل. وكان سؤال التلاميذ فقط عن إيليا فهم يعرفون أن إيليا ينبغى أن
يأتى قبل المسيح، وهم رأوا إيليا لدقائق وقد أتى ليتكلم مع المسيح. ولكن ليس ليرد
قلوب الناس كما يقول ملاخى النبى. حقا كان التجلى قد ثبت بذرة الإيمان عند الثلاثة
التلاميذ، ولكن ما زال هناك تساؤلات كثيرة بلا إجابة. ولكن نجد هذه البذرة تنمو
وتثمر مع الزمن.
وعندما
وصل المسيح ومعه التلاميذ الثلاثة، وجد التلاميذ الثلاثة منظرا مناقضا لمنظر المجد
الذى رأوه فوق الجبل. فقد إنتهز الكتبة فرصة غياب المسيح وأتوا بهذا الولد الذى به
الروح النجس وتحاوروا مع التسعة التلاميذ وأحرجوهم إذ لم يكن لهم سلطان على الروح
النجس. وهنا نجد المسيح يثور على التسعة بسبب ضعف إيمانهم مما جعل الكتبة يشعرون
بلحظات إنتصار على التلاميذ. ضعف الإيمان هنا يظهر فى أنهم ما زالوا يطلبون آيات
ليعرفوا أن معلمهم هو المسيا المنتظر، وهذا هو خمير الفريسيين الذى حذر منه الرب. [من
هنا نفهم لماذا لم يأخذ الرب معه التسعة، ونفهم بالأكثر بقايا الفكر اليهودى عن
المسيا المنتظر من مشاجرتهم عن من هو الأعظم. وهذه هى القصة التالية بعد شفاء
الغلام].
إن
كنت تستطيع شيئا … كان هذا قول الأب. وهو خطأ فالرب لا يستحيل عليه
شئ.
إن
كنت تستطيع أن تؤمن … كان هذا تصحيح الرب لقول الأب.
والمطلوب الإيمان بقدرة الرب.
إذاً
مع المسيح لا يقال ماذا يستطيع هو – ولكن ماذا نستطيع نحن. هل نؤمن أو لا نؤمن.
ومن لا يؤمن فليأتى كما فعل هذا الأب جاثيا أمامه (مت17 : 14)، وليقل مع هذا الأب
… أعن عدم إيمانى. والرب أيضا قادر على شفاء الإيمان.
لو
كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل إنتقل من هنا إلى هناك =
سبق وأشرنا إلى أن تعبير حبة الخردل للتدليل على أصغر الأشياء هو تعبير يهودى
دارج. وأيضا تحريك الجبل أو رفع الجبل هو تعبير يهودى أو مَثَلْ يهودى ويقولونه
على الأشياء الصعبة المستحيلة. وإستعملوا هذا التعبير على الربيين الكبار وأنهم
ينتزعون الجبال بمعنى يدوسونها أو يسحقونها. وكما فهمنا من قبل أن الرب يسوع كان
يتكلم بعبارات من التعبيرات اليهودية ليفهم تلاميذه والسامعين ما يقصده. والمعنى
المقصود أن كل شئ لنا ما دام المسيح لنا.
الفصل الثالث
الأحداث الأخيرة فى الجليل – ضريبة الهيكل – الخلاف فى
الطريق
منع التلاميذ لشخص يخرج الشياطين بإسم المسيح وتعليم
المسيح بخصوص هذا
مت17 : 22 – 18 : 22 + مر9 : 30 – 50 + لو9 : 43 – 50
عرف
الكتبة مكان وجود الرب وتلاميذه وأنهم فى قيصرية فيلبس، وسرعان ما أحاطت به الجموع
وما عادت هناك فرصة للهدوء لتثبيت فكرة موته فى أورشليم فى عقول تلاميذه. ونجد
الرب مع تلاميذه فى الجليل ليس بغرض الإقامة الدائمة والكرازة هناك. ولكن كما يقول
القديس متى "كان يتردد على الجليل" ويعد عدته ليذهب إلى أورشليم فى عيد
المظال. ويمكن تلخيص الأحداث القليلة التى حدثت خلال هذه الإقامة القصيرة
والتعاليم المتصلة بهذه الأحداث فى النقاط التالية :-
1)
كان التعليم الذى يشدد عليه الرب هو ضرورة صلبه وقيامته. وكان لا بد من هذا بسبب
ما سيحدث فى المستقبل القريب. ولكن كانت هناك تساؤلات كثيرة ولم يجرؤ أحد على
السؤال. حتى التلاميذ الثلاثة نجدهم لم يسألوا عن معنى القيامة. لكن واضح تسلل نوع
من الإحباط لهم والخوف من خطر قريب.
2)
كان على كل فرد ذكر سنه أكبر من 20 سنة من بنى إسرائيل أن يدفع نصف شاقل فضة ضريبة
سنوية للهيكل (خر30 : 13 – 16). وكانت هذه الأموال التى تجمع من ضريبة الهيكل
تستخدم فى الصرف على إحتياجات الهيكل مثل الذبائح اليومية الصباحية والمسائية، وكل
الذبائح التى تقدم عن كل شعب إسرائيل وهكذا. ونصف الشاقل هذا يعادل درهمين من
العملة اليونانية (درهم = دراخما ، الأستار = 4 دراخما). ومع أن النص الكتابى لم
يوضح أن هذه الضريبة تدفع سنويا إلا أن اليهود فى كل مكان حتى فى الشتات الشرقى أو
الغربى حسبوا هذه الضريبة فرضا دينيا أبائيا سنويا ألزموا أنفسهم به. وكانوا
يدفعون هذه الضريبة قبل الفصح. ومن هم فى الأراضى المجاورة يدفعونها قبل عيد
الأسابيع، أما من هم فى الشتات فيدفعونها قبل عيد المظال. وقبل المسيح بحوالى 78
سنة قررت ملكة من ملوك المكابيين الحجز على بضائع من لا يدفع، ولكن يبدو أن هذا لم
يعد متبعا أيام المسيح. ولما جاء الإمبراطور فاسباسيان ودمر الهيكل أمر بتحويل هذه
الجزية لبناء هيكل جوبيتر كابيتولينوس الوثنى. وكان هناك ضريبة أخرى تُحَصَّل من
قبل السلطات الرومانية بحسب التعداد، وعلى كل شخص أن يدفع درهمين. وهناك رأيين هل
الذين سألوا بطرس عن الضريبة – هل كانوا يحصلونها للدولة أم للهيكل. وكلا
الإفتراضين يمثل مشكلة. *فإن كانت هذه الضريبة لقيصر :- فلو دفع المسيح الجزية
لقيصر فهو شخص غير وطنى، وإن لم يدفع فهو خائن لقيصر. *وإن كانت الضريبة هى للهيكل
:- هنا موقفين – بعد تطهير المسيح للهيكل فى المرة الأولى كان هذا إعلانا منه أنه
المسيح إبن الله والجزية تدفع للهيكل أى لله. فهل يدفع الجزية لنفسه = "ممن
يأخذ ملوك الأرض الجزية أمن بينهم أم من الأجانب" وبهذا لو دفع فهو ينكر
صفته كإبن الله. وإن لم يدفع فقد يعثر هذا من لم يعرف بعد أنه هو المسيح إبن الله.
وكان حل المسيح أن الله يرسل هو هذه الضريبة. وهناك تفاسير كثيرة تقول أن المسيح
وتلاميذه لم يدفعوا لفقرهم. [ونفهم أن رأى المؤلف أن الضريبة كانت ضريبة الهيكل
وهذا رأى مقبول جدا بل أضيف أن ضريبة الهيكل تسمى فضة الكفارة (خر30 : 16) وهى
ترمز للفداء وهى تذكار للتكفير عن نفوسهم، فكيف يدفعها المسيح وهو المرموز إليه
الذى سيقدم الفداء ويكفر عن البشر حقيقة]. وجاء المحصلين لبطرس كنوع من إحراج
المسيح ليسألوا هل المعلم سيدفع الضريبة وأجاب بطرس بالإيجاب وأن المعلم سيدفع،
وكان ذلك دون أن يسأل المسيح. وبنفس طريقة الإحراج هذه كان هذا هو سؤال الفريسسين
للمسيح "هل ندفع الجزية لقيصر" وحينما طلب المسيح العملة المتداولة كانت
الدرهم اليونانى. ولكن السؤال هنا عن الجزية التى تدفع للرومان وليس عن نصف الشاقل
الذى يدفع للهيكل (فضة الكفارة). ولاحظ أن التلاميذ فى هذه الفترة كانوا فى حالة
من التشويش وغير قادرين عن أن يسألوا المسيح أى أسئلة.
3)
الأعظم فى ملكوت السموات :- كان الفكر اليهودى مسيطرا على التلاميذ،
فبالرغم من سمعهم أن المسيح سيتألم ويموت، لكن أحلامهم فى المجد الأرضى لم تكن قد
ماتت بعد. وهذه قصة تشير لطريقة التفكير اليهودى. مرض إبن أحد كبار الربيين
يوحانان بن زكاى مرضا خطيرا، وشُفِى بصلوات حانينا بن دوزا. وقال أبو الولد لزوجته
"لو قضيت اليوم واضعا رأسى بين قدمىَّ لما إكترث بى أحد" فسألته وهل
حانينا أفضل منك أمام الله؟ فتحركت كبريائه وأجابها "لا بل هو كخادم أمام
الله أما أنا فكأمير أمام الله، هو كخادم موجود دائما أمام الله فله فرص كثيرة
أكثر منى، أما أنا كسيد فلا أتمتع بهذه الفرص". ونفس هذا الفكر فى العظمة كان
موجودا فى التلاميذ. بل حتى اللحظات الأخيرة قبل الصليب جاءت أم إبنى زبدى تطلب
مراكز عظيمة لأولادها. وقال التلاميذ عن يوحنا "التلميذ الذى كان يسوع
يحبه" وكان هذا شعورا بالغيرة وأن المسيح سيعطى ليوحنا نصيبا أعظم منهم. وحينما
قال الرب لبطرس عن أن بطرس سيموت مصلوبا إستدار ونظر ليوحنا وسأل المسيح وماذا عن
يوحنا (هذا الذى تحبه أكثر منا).
ولنتتبع
الأحداث من إنجيل القديس مرقس. نجد أن الرب يخبر تلاميذه بخبر موته ثم قيامته. ثم
يتجهون إلى كفرناحوم وفى الطريق يتشاجر التلاميذ عن من هو الأعظم فى مناقضة واضحة
لفكر الصليب الذى كان المسيح يعلمهم به. ولما وصلوا البيت بادرهم الذى لا يُخفى
عليه شئ بالسؤال عن ماذا كانوا يتكلمون فى الطريق فسكتوا. وأعطاهم الرب درسا فيمن
هو الأفضل فى ملكوت السموات، وأنه مثل الطفل، هو من يقدم خدمة للمسيح فى محبة وتواضع
وإنكار للذات فقانون المملكة هو المحبة والبساطة. وحتى كأس ماء بارد لن يضيع أجره [وإن
كنت سأحصل على أجرى فى السماء فلأضع فى قلبى أن لا أطلب شيئا فى الأرض حتى تعظيم
الناس لشخصى أو تقديرهم لخدماتى. بل يكون تركيز نظرى على من أحبنى وأحببته أى الرب
يسوع وأقدم له أى خدمة]. وحركت كلمات الرب يسوع عن تقديم الخدمة بإسم يسوع وعن
إنكار الذات قلب يوحنا، إذ أنه منع إنسانا يخرج شياطين بإسم المسيح. وليس من المهم
أن نسأل هل نجح فى محاولته هذه أم لا ولكنه إنسانا تبع المسيح وعرف قوة إسمه
فإستخدم إسمه. ومثل هذا الإنسان من المؤكد ليس بعيدا عن ملكوت السموات. ولكن يوحنا
فى ظل فكر المجد الأرضى رأى أن مثل هذه المميزات هى خاصة بهم هم فقط فمنع الرجل.
وكان تعليم الرب "لا تمنعوه … لأن من ليس علينا فهو معنا".
وكان
تعليم المسيح هنا فى (مت18 : 15) "إن أخطأ إليك أخوك إذهب وعاتبه" أى أن
تعليم الرب يسوع أن الذى يبادر بالصلح هو الضحية. أما الربيين فكان تعليمهم أن
يذهب من أخطأ، إلى من أخطأ فى حقه ليطلب السماح وعلى أن يكون هذا أمام شهود
عديدين، وعند الضرورة يتكرر هذا ثلاث دفعات. والسبب أن يعرف من أخطأ خطأه. وحينئذ
سأل بطرس "كم مرة يخطئ إلىَّ أخى فأغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟" وتحديد
بطرس لرقم 7 مرات كان لأن الربيين قالوا عليك أن تكون رحيما بأخيك وتغفر له لو
إعتذر حتى يرحمك الله، وأن يكون هذا الغفران لثلاث مرات فقط بعد أن يصلح ما أخطأ
فيه ويعتذر لمن أخطأ فى حقه. أما بطرس فبعد تعليم المسيح عن الغفران أراد أن يكون
أكثر كرما من الربيين فوصل بالرقم إلى 7 ولكن رد الرب عليه بل إلى سبعين مرة سبع
مرات أى بلا حدود.
الفصل
الرابع
الرحلة
إلى أورشليم – الترتيب الزمنى للأحداث الأخيرة لروايات الإنجيل
الحادث
الأخير
يو7 : 1
– 16 + لو9 : 1 : 56 ، 57 – 62 + مت18 : 19 – 22
أحداث
هذه الفترة الأخيرة يصعب ترتيبها فلم ترد سوى فى إنجيل لوقا فقط (9 : 51 – 18 :
14) ولم يذكر القديس لوقا للأحداث التى ذكرها لا مكانها ولا زمنها. ولكن هناك
إتفاق واضح بين ما جاء بإنجيل يوحنا مع ما جاء بإنجيل لوقا. فإنجيل يوحنا يذكر
ثلاث ظهورات للرب فى أورشليم هى *عيد المظال (يو7 – 10) *وعيد التجديد (يو10 : 22
– 42) وأخيرا *دخول المسيح الأخير إلى أورشليم. ونجد القديس يوحنا يأتى بتفاصيل
الأحداث فى أورشليم. ونجد أن إنجيل يوحنا يورد خبر مغادرة الرب لأورشليم متجها إلى
شرق الأردن مرتين خلال الثلاث مرات التى تواجد بها الرب فى أورشليم (10 : 19 – 21
+ 10 : 39 – 43). ومن الآية (يو10 : 39) يقول القديس يوحنا أنهم حاولوا أيضا أن
يمسكوه فقوله أيضا تشير أن هناك محاولة سابقة لأن يمسكوه هى غالبا بعد
الخلاف الأول (10 : 19 – 21). وسجل القديس يوحنا أيضا ذهاب الرب إلى بيت عنيا
ليقيم لعازر. وبعد هذه المعجزة نجد إجتماعا لتدبير قتل الرب يسوع وإنسحاب الرب إلى
مقاطعة بجانب البرية. ويسجل القديس لوقا ثلاث رحلات للمسيح إلى أورشليم (9 : 51 +
13 : 22 + 18 : 31). ومن الصعب تحديد مكان مدينة إفرايم وهى بقرب البرية. وبالتالى
نجد إتفاق القديس لوقا مع القديس يوحنا فى أن المسيح غادر إلى أورشليم ثلاث مرات
(لوقا) وظهوره فى أورشليم ثلاث مرات (يوحنا).
ملحوظة :
إنجيل القديس متى موجه بالأساس لليهود فى أسلوبه ليظهر لهم أن يسوع هو المسيح إبن
الله الحى. وإنجيل القديس مرقس هو سرد سريع لحياة الرب يسوع وموجه لخدمة الجليل.
أما إنجيل يوحنا فهو يتكلم عن الإبن الأزلى الأبدى كلمة الله، وموجه للخدمة فى
أورشليم. ويجئ إنجيل القديس لوقا ليربط بين إنجيل يوحنا والإنجيليين الآخرين.
وهناك نظرة أخرى أن إنجيل القديس مرقس يقدم نظرة عامة عن المسيح. وإنجيل القديس
متى يقدم المسيح لليهود والقديس لوقا يقدم المسيح للأمم أما القديس يوحنا فيقدم
وجهة نظر الكنيسة عن المسيح. ونجد أن القديس لوقا يقدم 3 رحلات مستقلة للمسيح إلى
أورشليم على أنها رحلة طويلة واحدة. وكانت عين القديس لوقا فى كتابته موجهة على
صعود المسيح إلى السماء بجسده "وحين تمت الأيام لإرتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى
أورشليم" (لو9 : 51) وختم إنجيله بصعود المسيح فعلا للسماء. وكأن القديس لوقا
فى تقديمه يأخذنا فى رحلة واحدة يخرج فيها المسيح من الجليل ليدخل دخوله النهائى
إلى أورشليم ثم يصلب ويموت ويقوم ليصعد للسماء.
بحسب
إنجيل القديس يوحنا نجد المسيح بعد أن شفى مريض بيت حسدا فى أورشليم إتجه إلى
الجليل. وكانت نهاية أعماله فى الجليل إشباع الـ5000 وكان ذلك قبل عيد الفصح
مباشرة. وعيد الفصح يأتى فى اليوم الخامس عشر من الشهر الأول من السنة الدينية عند
اليهود. ثم إتجه إلى شرق البحيرة وهناك أنهى خدمته بإشباع الـ4000. وظل فترة يتردد
على الجليل (يو7 : 1) وهذه الفترة لم يسجل الكتاب عنها شئ. ثم إتجه الرب يسوع إلى
أورشليم فى عيد المظال وهذا يأتى فى اليوم الأول من الشهر السادس من السنة
الدينية. وكانت مواكب الحج إلى أورشليم إستعدادا لعيد المظال قد بدأت. ولنلاحظ
الوضع بعد عمل المسيح وخدمته مدة 3 سنين. *فشل تلاميذه فى تقبل حقيقة صلبه وموته
أو التشكك فيه إذ لم يقدم آية من السماء للكتبة (خمير الفريسيين). *بل حتى إخوته
لم يؤمنوا به وطلبوا منه أن يصعد إلى أورشليم ليظهر آياته فيؤمن به الناس. وهذا
كان له أحد تفسيرين إما يقتله اليهود فيتخلصوا منه لحسدهم، أو يملك فعلا ويكون لهم
نصيب فى أمجاده. ولكن المسيح لم يأتى ليعيد ويحيى مملكة أرضية، بل ليقيم مملكة
سماوية على الأرض ويحطم أعمال عدو الخير. ولم يصعد المسيح إلى أورشليم مع مواكب
الحجاج الصاخبة بل صعد وحده فى هدوء بعدهم مع تلاميذه.
وأراد
الرب يسوع أن يتجه إلى أورشليم متخذا الطريق المختصر عبر السامرة مع تلاميذه وليس
طريق الحجاج عبر بيرية، فرفضته السامرة لكراهيتها لليهود ورفضهم للمسيح. وإتجه
الرب لقرية أخرى ونجد شخص فى حماس يطلب أن يتبع المعلم. وكان تعبير "يتبع
المعلم" هو تعبير معروف فى تلك الأيام ويتضمن التلمذة للمعلم. وكان هذا يعتبر
شيئا مقدسا. وآخر يطلب المعلم منه أن يتبعه، فالسيد كان يكون مجموعة السبعين رسولا
وكان يريد ضم هذا التلميذ لهم.
الفصل
الخامس
أحداث
أخرى فى الرحلة لأورشليم – إرسالية السبعين
منزل بيت
عنيا – مريم ومرثا
لو10 : 1
– 16 + مت9 : 36 – 38 ، مت11 : 20 – 24 + لو10 : 17 – 24
+ مت11 :
25 – 30 ، مت13 : 16 + لو10 : 25 ، 38 – 42
إرسال
السبعين رسولا :- فى أثناء إرتحال الرب يسوع جنوبا متجها
إلى أورشليم إختار 70 من تلاميذه ليرسلهم أمامه ليبشروا كل قرية ومدينة سيذهب
إليها. وكانت وصايا الرب لهم مشابهة لوصاياه للإثنى عشر فى معظمها ولكن مختلفة فى
أشياء أخرى. والقديس لوقا هو الذى أشار لهذه الإرسالية وأن الرب أرسلهم فى رحلته
الأخيرة إلى أورشليم. وكان ذلك قبل عيد المظال الذى كان من نتيجة حوار المسيح مع
اليهود خلاله فى أورشليم أن بدأ إضطهاد اليهود للمسيح (يو7 : 44 ، 8 : 59)، وأيضا
ما عاد المسيح يمشى علانية بين اليهود (يو11 : 54). إذاً إرسالية السبعين كانت بعد
مغادرته الجليل نهائيا، وأيضا مغادرته شرق البحيرة حيث العشر المدن، وقبل عيد المظال
وفى أثناء رحلته الأخيرة إلى أورشليم.
كان
للإثنى عشر الدرجة الرسولية وهذه لها قوتها وسلطانها. أما السبعين فلم تكن لهم قوة
وسلطان هذه الدرجة الرسولية، كان الإثنى عشر مرسلين لكل العالم أما السبعين
فمهمتهم مؤقتة فى حدود إعداد الطريق للمسيح فى كل مدينة أو قرية كان مزمعا أن
يزورها فى طريقه لأورشليم. [رأينا بعد ذلك من التاريخ أن كثيرين من الـ 70
إنطلقوا يبشرون فى كل مكان]. وكان السبعين من التلاميذ الكثيرين المحيطين
بالمسيح. ويلاحظ الأرقام : 12 تلميذ مع 12 سبط و 70 رسول مع 70 شيخا يساعدون موسى.
وإستمر رقم 70 وسط اليهود فكان عدد السنهدريم 70 وأيضا من ترجم السبعينية 70 شيخا.
وكانت إرسالية السبعين إثنين إثنين بينما الإثنى عشر كلٌ إنطلق بمفرده. كان عمل
السبعين إعداد من يذهبوا إليهم ليستقبلوا المسيح الملك كما عمل يوحنا المعمدان
تماما. ولم يحذر الرب الـ 70 من دخول مدينة للسامريين، فمهمتهم ستكون فى بيرية ولن
يمروا بالسامرة. ونلاحظ أنه فى وصايا الرب للـ 12 قوله "فإن كان البيت
مستحقا" بينما فى وصاياه للـ 70 جاء التعبير "فإن كان هناك إبن
السلام". وكلا التعبيرين واحد فتعبير إبن السلام هو تعبير يهودى بحت يعنى من
هو مستحق للسلام. وهذا يعنى قبول رب البيت وأهل البيت لهم.
ونلاحظ
أن الويلات التى نطق بها الرب على كورزين وبيت صيدا بعد إرسالية الـ 70 (لو10 :
13) أوردها متى ومرقس بعد كلام الرب يسوع عن المعمدان (مت11 : 20). ومعنى هذا أن
رسالة المسيح ستصل للجميع سواء من المسيح نفسه (كما فى حالة كورزين وبيت صيدا) أو
عن طريق تلاميذ ورسل المسيح أو عن طريق دعوة يوحنا المعمدان. ولكن الويل لمن
يرفضها. (الويلات كانت لكفرناحوم، البلد التى شرفها وباركها الرب يسوع نفسه وسكن
فيها فإرتفعت للسماء – فإبن الله من مواطنيها – لكنها رفضته. والويلات تكون بقدر
الإمتيازات التى حصلوا عليها فهم لم يؤمنوا. لذلك قارنهم الرب بسدوم وعمورة. بينما
قارن كورزين وبيت صيدا بصور وصيدا، وصور وصيدا إختفوا كمدن كبيرة بينما سدوم
وعمورة إحترقوا تماما. [ونلاحظ الفرق فكفرناحوم سكن المسيح فيها بينما كورزين
وبيت صيدا رأوا معجزات فقط. ونقارن هذا بنا فنحن المسيحيين سكن المسيح فينا
"لى الحياة هى المسيح" + "المسيح يحيا فىَّ" ولنرى عقوبة من
يهين جسد إبن الله بالزنا "من يُفسِد هيكل إبن الله يفسده الله" أما
الآخرين الذين رأوا أعمال المسيح ومعجزاته ولم يؤمنوا فعقوبتهم أقل] وبيت صيدا
كانت ميناء للصيد فى كفرناحوم، وكورزين غير محدد مكانها تماما الآن، لكن القديس
جيروم يضعها على بعد 2 ميل من كفرناحوم. وفعلا يوجد نبع ماء بإسم كيريزا شمال غرب
كفرناحوم (وواضح تشابه الأسماء) وبهذا يكون تحديد القديس جيروم مطابق للواقع
الحالى. وكلمة كيروز تعنى جرة ماء وكورازين تعنى جرار ماء. وبهذا تكون بيت صيدا
جنوب كفرناحوم، وكورزين فى شمالها وهى المناطق التى صنع فيها الرب يسوع معظم
معجزاته وعلم فيها طويلا.
وعاد
السبعون بفرح من إرساليتهم. وما يفرح قلوبنا أننا نجد أن فرحهم كان سبب فرح للرب
يسوع نفسه (لو10 : 17 ، 21) [قارن مع (إش65 : 17 – 19) ففرحنا هو فرح الرب].
ونرى هنا تضاد آخر مع تعاليم الربيين المنتفخين بعلمهم "أن الله يعلن أسراره
للبسطاء كالأطفال وليس لهؤلاء الحكماء المنتفخين". هنا نفهم أن الأطفال
المقصود بهم أنهم كانوا حكماء متعظمين وإختاروا المسيح فحولتهم النعمة إلى بسطاء
كالأطفال.
النير
الهين :-
نجد القديس متى بعد هذه الكلمات مباشرة يلحقها بموضوع النير الهين. والرب أرسل
تلاميذه ورسله فى مهمة صعبة وفى وسط رافض ليكرزوا ويعلموا حقائق إيمانية لم يفهمها
الحكماء، فمن أين لهم كل هذا. نجد أن الآيات التى تسبق موضوع النير الهين هى
"… ليس أحد يعرف الإبن إلا الآب ومن أراد الإبن أن يعلن له" وبهذا
صارت علاقة المسيح بأبيه هى مصدر كل قوة وسلطان وحكمة وبركة ومعرفة لمن إرتبط
بالمسيح أى حمل نيره فالنير هو ما يربط ثورين معا. ولذلك وجد الرسل طريقهم سهلا
فرجعوا فرحين، وهكذا كل من يقبل أن يرتبط بالمسيح يجد أن ما يكلفه به المسيح سهلا
فالحقيقة أن المسيح هو الذى يحمل الحمل عنا. وهذا عكس نير الربيين الثقيل الذى هو
تعاليمهم وفروضهم التى كانت ثقيلة جدا. وفى المقابل نجد أن تنفيذ وصايا المسيح
سهلا وإحتمال الألم لأجله سهلا. وكانت كلمة نير كثيرة الإستعمال فى ذلك الزمان
وتعنى الخضوع لواجبات وظيفة معينة، وهناك نير الناموس أى الإلتزام بوصاياه ونير
الحكومة أى الإلتزام بقوانينها وهكذا. وقالوا أن الأسباط العشرة حينما رفضوا نير
الناموس إستحقوا أن يتشتتوا. والخضوع للنير يستلزم الخضوع بحرية. وهناك تفسير فى
المدراش للآية (أم30 : 1) "كلام أجور إبن متقية مسا" أن هذا هو سليمان
الملك [ راجع التفسير الخاص بالآية] وأن كلمة مسا تعنى الوحى وكلمة الوحى
تعنى حمل ثقيل. فقالوا فى المدراش أن سليمان قبل نير المملكة وهو حمل ثقيل كلفه به
الله لذلك باركه الله.
وضع
القديس لوقا قصة الناموسى الذى قام ليجرب المسيح عن ماذا يعمل ليرث الحياة
الأبدية؟ ثم أجاب الرب "ما هو مكتوب كيف تقرأ" وكانت إجابة الناموسى
صحيحة أى المحبة. فأجابه الرب "إفعل هذا فتحيا". [وهذه القصة جاءت فى
مكانها تماما. فلا يمكن فعلا تنفيذ وصية محبة الله، ومحبة الجميع بما فيهم الأعداء
بدون أن نرتبط بنير المسيح، والروح القدس هو الذى يعطينا المحبة. ثم تأتى قصة بيت
مريم ولعازر بعد ذلك وهى تطبيق على بيت كله محبة. صاحب البيت يستضيف المسيح فى حب.
ومريم تحت قدمى المسيح فى حب ومرثا تخدم فى حب].
فى
طريق السيد إلى أورشليم وقبل عيد المظال مر ببيت لعازر الذى يحبه وأختيه مرثا
ومريم، وذلك فى بيت عنيا الموجودة بجانب أورشليم. وربما أن من إكتشف هذه العائلة
وقبولها للمسيح كان أحد السبعين فى إرساليتهم. وقد بقى الرب فى بيت لعازر حتى
إنتصف العيد فصعد إلى أورشليم وكان يُعَلِّم (يو7 : 14). [والأغلب أن هذا البيت
هو بيت سمعان الأبرص الذى شفاه المسيح وهو غالبا والد لعازر ومريم ومرثا].
الفصل
السادس
عيد المظال – مناقشات الهيكل (يو7 : 11 – 36)
عيد
المظال فى فرحته وزواره بملابسهم من كل بلاد العالم وطقوسه المبهجة والأنوار التى
يضيئونها والمظال التى يسكنون فيها سبعة أيام والموسيقى فى الهيكل والترانيم. وفى
جو خريفى لطيف فالعيد يأتى فى سبتمبر أو أوائل أكتوبر جعل هذا العيد أبهج الأعياد
وقالوا عنه العيد. ولذلك يجتمع فيه أغلبية الحجاج فالفصح يكون فى الشتاء
والخماسين فى الصيف. ولذلك كان تعليم المسيح وسط أعداد ضخمة. [كان على كل يهودى
أن يتواجد فى هيكل أورشليم مرة فى السنة فى أحد الأعياد الثلاثة الكبيرة – الفصح –
الخمسين – المظال].
لم
يخبرنا القديس يوحنا بما كان المسيح يعلم به ولكن سجل لنا تعجب اليهود من تعاليمه.
وتساءلوا من أين له كل هذا. والتعليم عند اليهود يقصد به التعليم اللاهوتى، وهذا
ليس له سوى طريق واحد وهو مدارس الربيين التى يعلمون فيها التقاليد. ويكون تعليم
الرابى المعلم صحيحا لو إتفق مع التقاليد، وبهذا يكون قد تلقى تعليمه من معلم كبير
سابق معروف. وهكذا هذا المعلم تعلم عن معلم سابق له ومعروف، وهكذا حتى يصلوا إلى
موسى وعنده كلام الله. وبهذا يكون تعليم المسيح الذى يعلم به من أعلى المصادر فهو
من الله نفسه الذى أرسله.
الفصل السابع
اليوم الأخير العظيم من العيد (يو7 : 37 – 8 : 11)
كان
الإحتفال فى اليوم الأخير لعيد المظال (رأى الكاتب أنه اليوم السابع وليس الثامن)
كله بهجة، يتركون مظالهم ويحملون فى أياديهم سعف النخل وأغصان وصفصاف (لا23 : 40)
وينقسم الجمع حاملى هذه الأغصان إلى ثلاث مجموعات *المجموعة الأولى تتواجد بالهيكل
لحضور طقس التقدمة الصباحية. *المجموعة الثانية تنطلق إلى مكان تحت أورشليم يسمى
"موزا" ليقطعوا أغصان الصفصاف وسط أصوات طبول الكهنة ويعودوا ليزينوا
بها المذبح على شكل ستارة جميلة. *المجموعة الثالثة خدمتها لطيفة ففى وسط الموسيقى
تنطلق من الهيكل وراء كاهن حاملا إبريق ذهبى إلى بركة سلوام التى يغذيها نبع إسمه
نبع العذراء خارج أسوار أورشليم ومن هنا أخذت إسم سلوام أى المرسل. وبركة سلوام
تسمى بركة الملك (نح2 : 14). وأخذت إسم الملك لأن الملك حزقيا كان هو الذى إهتم
بحفر القناة الموصلة بين نبع العذراء وبركة سلوام داخل أورشليم لإمداد المدينة
بالماء أثناء الحصار). ويملأ الكاهن الإبريق من بركة سلوام. ويعود ووراءه الموكب
من حاملى الأغصان إلى الهيكل فى وقت متزامن مع تقديم الذبيحة الصباحية. وتستقبل
الكاهن حامل إبريق الماء أصوات طبول الكهنة، ويبدأ الكهنة قرع الطبول على ثلاث
دفعات عند وصول الكاهن إلى باب الماء بالهيكل (الباب أخذ هذا الإسم من هذه
المناسبة). ويتقابل الكاهن حامل الماء مع كاهن آخر حامل إبريق من النبيذ لتقدمة
السكائب. ويصعد الكاهنان إلى المذبح ليجدوا أنبوبين يبدآن عند المذبح وينزلان إلى
أسفل المذبح، يسكب فى أحدهما الماء وفى الآخر النبيذ. وأنبوب الماء أضيق من أنبوب
النبيذ. وتتعالى الصيحات من الناس ليرفع الكاهن حامل إبريق الماء إبريقه الفارغ
ليشير للناس أنه سكب كل الماء. وهذا الماء إشارة للماء الذى تفجر حين ضرب موسى
الصخرة. وقالوا أن واضع هذا الطقس هو موسى النبى نفسه، وليدللوا على خطورة الطقس
وضرورة سكب الماء فى الأنبوب، قالوا أن شغب حدث أثناء ما كان رئيس الكهنة ألكسندر
جانيوس يسكب الماء وقتلوه فإنسكب الماء وكان نتيجة ذلك أن قتل فى الشغب 6000 شخص.
وبعد سكب الماء تنطلق تسابيح الهل الكبير (مزامير 113 – 118) ويردد اللاويين مقطع
ويردده وراءهم الشعب مع الموسيقى. ومع المزمور 118 يضيف الشعب عبارات شكر للرب،
وطلب الخلاص وأن يرسل الله بركاته على إسرائيل وينهوا تسابيحهم بالشكر لله. وفى
أثناء هذا يقومون بتحريك الأغصان التى فى أيديهم تجاه المذبح كأنهم يقولون أننا يا
رب نذكر عملك السابق ونقدم الشكر عنه، ونذكرك بوعودك فخلصنا. ثم تقدم الذبائح
الخاصة باليوم وينهوا بالمزمور 132 من أول الآية5 وبعد كل 3 مقاطع ينفخوا فى
الأبواق ويسجد الشعب أمام الله فى خشوع. وفى نهاية اليوم يدور الكهنة حول المذبح 7
مرات مكررين ما حدث حول أسوار أريحا طالبين الخلاص من الرب (يهوه) ويسمى اليوم
الأخير الأوصنا الكبير. وفى نهاية اليوم يفكون مظالهم.
والرب
يسوع إستغل الطقس اليهودى فى موضوع سكب الماء ليتكلم عن الروح القدس الذى سيرسله
بعد صلبه. وغالبا بدأ الرب تعليمه بعد سكب الماء والتسبيح فهذا يشير لطريقة
الإمتلاء من الروح أى التسبيح. وكانت دعوة المسيح لمن يعطش فليأتى إليه فيعطيه أن
يفيض من بطنه أنهار ماء حى. كلام المسيح هنا لو فكروا فيه وقارنوه مع (إش44 : 3 ،
4) لفهموا أنه هو النبى المنتظر. ومع هذا لم يفهموا وإنقسموا حوله. بل وتآمر
السنهدريم ضده ولم يستمعوا لنصيحة نيقوديموس ويسمعوه أولا.
الفصل الثامن
التعليم فى الهيكل فى اليوم الثامن لعيد المظال
يو8 : 12 – 59
المناقشات
فى هذا الإصحاح بين الرب يسوع وبين اليهود هى بمنطق وبفكر يهودى تماما. ولكن كانت
المشكلة الأساسية فى فهم اليهود لأقوال المسيح أنهم لم يفهموا حقيقة أننا نولد
بطبيعة فاسدة منذ ولادتنا منذ سقوط أبوينا الأولين، لذلك إحتجنا لتجديد خليقتنا.
وهذا أيضا لم يفهمه نيقوديموس فقال له الرب "المولود من الجسد هو جسد" =
المولود من جسد فاسد يكون جسد فاسد مثله. ولذلك يقول لهم الرب يسوع هنا أنا جئت
لتجديد الخليقة. أنا النور الذى يرشدكم لطريق الحياة لتولدوا من الروح. لست نورا
للمعرفة فقط بل نور للحياة فلا تسيروا فى طريق الظلمة أى طريق الموت الأبدى.
فاليهودى لا يفهم سوى أنه ليخلص عليه أن يعمل ويجاهد ليتبرر. لكن نرى فى تعليم
المسيحية أن هذا لا يمكن بدون تدخل إلهى. وهنا نرى السيد يقول لهم أنكم ستفهمون
حين ترفعوا إبن الإنسان. وفى العبرية وفى الأرامية فإن كلمة يرفع تعنى
معنيين 1) تعليق الشخص وبالذات صلبه. 2) تمجيد الشخص. [فالطريق الذى بدأه
المسيح بصليبه إنتهى بتمجيده عن يمين الآب ليمجد الطبيعة الإنسانية فيه. وبهذا
فرفع إبن الإنسان إشارة لما عمله المسيح بتقديم نفسه ذبيحة لتموت فينا الطبيعة
القديمة الفاسدة وتقوم طبيعة جديدة يمكن لها أن تتمجد فيه أبديا]. ومن يوم
الصليب وللآن صار صليب المسيح هو السبب فى حب شعبه له إلى درجة التضحية بحياتهم
لأجله، فبالصليب أدركنا عظمة الحب الإلهى. وتلاعب الربيين بألفاظ الآية (خر32 :
16) ليثبتوا أن دراسة الناموس تحرر فقال المسيح لا بل أن الحرية هى فى الثبات فى
المسيح الذى هو الحق = "تعرفون الحق والحق يحرركم".
أبوكم
إبراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح = كثيرين من
الربيين وشيوخ السنهدريم يفسرون ما حدث لإبراهيم "وقع على أبرام سبات، وإذا
رعبة مظلمة عظيمة واقعة عليه" (تك15) بأنه خلال هذا السبات أراه الله ما
سيحدث لأبنائه فى المستقبل من ألام مرعبة. وأراه أيضا أمجاد أيام المسيا. فمن سمع
هذا الكلام ولم يفهم فهذا راجع ليس لصعوبته أو غرابته بل لأنه لا يريد أن يفهم.
وهذا ما حدث من اليهود فحاولوا قتل المسيح.
الفصل
التاسع
شفاء المولود أعمى (يو9)
فى
إصحاح 8 قال الرب "أنا هو نور العالم" وهنا نرى التطبيق، فقد أعطى الرب
النور فعلا لمولود أعمى. وكان سؤال التلاميذ للمعلم، لماذا وُلِد هكذا. وكثيرا ما
نسأل هذا السؤال، ولكن من الصعب بل ومن المستحيل أن نجد تفسير لكل التدبيرات
الإلهية والأحكام الإلهية فى الخلق وفى الحياة. والسبب ضئالة معرفتنا وحكمتنا أمام
معرفة الله اللانهائية ومعرفته بالماضى والحاضر والمستقبل. ونرى هنا أن هذا
المولود أعمى وُلِد هكذا لتظهر أعمال الله فيه [وواضح هنا أن أعمال الله كانت
إيمانه وخلاص نفسه، فتدبيرات الله لو سلمنا بحكمته نكتشف أنها طريقنا لخلاص
نفوسنا].
وكان
اليهود دائما ينسبون المرض أو الموت المفاجئ لعقوبة هذا الإنسان على خطية فعلها،
ودائما ما نجد الربيين حينما يجدون إنسانا قد تعرض لمصيبة يسألونه ماذا فعلت ليحدث
لك ذلك. ولكن هذا الإنسان وُلِدَ هكذا – إذاً ممكن أن يكون والديه هما اللذان
أخطئا، فهناك إعتقاد يهودى أن الفضائل والعيوب تنعكس على الأطفال. وأن الطفل حتى
سن الثالثة عشر مرتبط بوالده فهو جزء منه، لذلك هو يعانى من أخطاء والده، بل أن
الأفكار الخاطئة للأم تؤثر على الجنين الذى فى بطنها وقد تصيب بالعمى. وقال أحد
الربيين الكبار كتفسير لأنه إبتهج بخطية أن ذلك كان لأن أمه مرت بحديقة بها أصنام.
أو يكون المريض قد هاجمه روح شر وهو ما زال جنينا فى بطن أمه. لذلك قال الفريسيين
للأعمى "لقد ولدت أنت فى الخطايا بجملتك". [وهناك إعتقاد كان سائدا
بتناسخ الأرواح أو ما يسمى الحيوات المتكررة وهذا فكر أصله هندوسى. وإذا ولد مولود
مشوه فهذا عقاب له على خطايا إرتكبها فى حياة سابقة له. وهذا يقوله يوسيفوس المؤرخ
اليهودى أنه فكر كان موجودا وسط الفريسيين. والكاتب هنا ينفيه عن الفريسيين ولكنه
قد يكون سائدا وسط الناس، فمن سأل السؤال كانوا التلاميذ وليس الفريسيين].
والحقيقة أن سبب كل الألام فى العالم هو الخطية، منذ قال الله لآدم "ملعونة
الأرض بسببك" وجاء المسيح ليصحح كل هذا وكمثال لذلك شفاء هذا الأعمى، [ولكن
المسيح لم يرفع كل ألام البشر بل رأينا فى معجزات الشفاء التى صنعها نموذج لإرادة
الله فى شفاء البشر من كل ألم، وجعل الله الألام سببا لخلاصنا كما قال القداس
الغريغورى "حوَّلت لى العقوبة خلاصا"]. المسيح جاء ليزيل كل أثار
الشر الذى لحق بنا نحن البشر فهو ببساطة مخلصنا من الخطية وأثارها.
وكان
من المتعارف عليه أن اللعاب يشفى أمراض العين لكن لم يقل أحد أنه يخلق عينين. ولما
حدثت المعجزة هاج الفريسيين. ومن محاولاتهم للهجوم على المسيح وإنكار المعجزة *أنه
عمل المعجزة يوم سبت وبالتالى فهو شرير لا يمكن له أن يعمل معجزة. فكان من الممنوع
التداوى والعلاج يوم السبت إلا لو كانت الحياة مهددة وهذه ليس حالة المولود أعمى.
وكان من الممنوع إستخدام اللعاب لشفاء العين يوم السبت. *الخطوة التالية لإنكار
عمل المسيح قولهم للمولود أعمى "إعطى مجدا لله" أى أن يعترف بأن الذى
عمل المعجزة هو الله وليس المسيح، فالمسيح شرير ولا يعمل معجزات.
خاف
الأبوين من الفريسيين لئلا يخرجونهم من المجمع، وهذا ما عملوه مع المولود أعمى إذ
أفحمهم ببساطة إجاباته. والإخراج من المجمع هو ما يطلق عليه الحرمان الكنسى، وهذا
له درجات متعددة الشدة ومدة الحرمان. وهذه تبدأ بالتوبيخ والتنديد (وهذا ما أشار
له بولس الرسول فى 1تى5 : 19) وتصل للقطع والحرمان من المجمع، وهناك الجلد، وهناك
مقاطعة الناس له فلا يكلمه أحد أو يتعامل معه لمدة محددة، وهنا على الشخص أن يجلس
على الأرض ويضع رأسه بين ركبتيه ويترك شعره ولحيته، ويكون كمن ينوح بشدة، ولا
يستحم ولا يضع طيبا على جسده ولو مات يرمون كفنه بالحجارة ولا تقام له جنازة ولا
يندبه أحد. ويصل الأمر لمنعه من الظهور فى الشوارع.
الفصل العاشر
الراعى الصالح وقطيعه – الحديث الأخير فى عيد التجديد
يو10 : 1 – 21
الأيات
الأخيرة من الإصحاح السابق بها نغمة حزن على عمى عيون الفريسيين وعنادهم الذى أدى
بهم لمصيرهم السئ بعد سنوات قلية، هذا المصير السئ الذى كان يراه المسيح أمام
عينيه هو سبب حزن المسيح الحقيقى فى كلامه وسبب بكائه على أورشليم لنفس السبب.
ولنفس السبب وجد الرب يسوع عدم جدوى فى النقاش معهم فكل محاولاته فى محبة،
وتحذيراته التى كانت فى محبة أيضا لم تلين قلوبهم.
الراعى
:-
أطلق الربيين على المعلمين الروحيين لقب المُطْعِم أو المُغَذِّى أو المُرْضِع [يقول
بولس الرسول "سقيتكم لبنا لا طعاما 1كو3 : 2]. والمعنى يشمل قيادة
وإطعام القطيع. أما هؤلاء الفريسيين والصدوقيين ورؤساء اليهود فلا ينطبق عليهم هذا
الوصف ويتضح هذا مما عملوه مع المولود أعمى ومع المسيح ثم مع تلاميذه. هؤلاء دخلوا
لحظيرة الخراف ولكن ليس من الباب الذى أدخل منه الله قطيعه. فالدخول شرطه المحبة
للقطيع والبذل لأجله وحمايته. وفى فلسطين يأتى الراعى بقطيعه مساء إلى حظيرة
الخراف وهناك يفتح له البواب ويُدخِل الخراف وفى الصباح يفتح له، فهو يعرف الراعى.
الفصل الحادى عشر
حوارات بيرية الأولى – للفريسيين بخصوص المملكتين (ملكوت
الله ومملكة إبليس)
مؤهلات التلمذة فى ملكوت الله – تعرض إسرائيل لشر آتٍ
مت12 : 22 – 45 + لو11 : 14 – 36
كان
شفاء المولود أعمى فى نهاية أيام عيد المظال. وطردوه بعدها من المجمع ووجده يسوع
كراع صالح بعد أن طرده الفريسيين الرعاة اللصوص. ونجد الرب يسوع بعدها يتكلم عن
معنى الراعى الصالح والرعية الواحدة. وأنهى الرب يسوع كلامه فى أورشليم بكلمات
كلها محبة كراع صالح لرعيته التى يبذل نفسه عنها (يو19 : 18) وإنقسموا على أنفسهم
حول شخص الرب يسوع. وأصبح واضحا أن تعليم هؤلاء مستحيلا. لذلك ترك الرب أورشليم
إلى بيرية لفترة 3 شهور ثم عاد إلى أورشليم لزيارة خاطفة أثناء عيد التجديد. وعاد
بعدها ليكمل خدمته فى بيرية لمدة ثلاث شهور أخرى. عاد بعدها قبل الفصح الأخير له
على الأرض بالجسد، وذلك ليتمم الفداء ويصلب ويقوم.
ما
بين عيد المظال وعيد الفصح حوالى ستة شهور، فعيد المظال (يأتى ما بين سبتمبر
وأكتوبر) وعيد الفصح (يأتى ما بين مارس وأبريل). أما عيد التجديد فيأتى فى ديسمبر.
فيكون المسيح قد قضى بعد شفاء المولود أعمى ثلاثة أشهر فى بيرية. عاد بعدها فى
زيارة خاطفة لأورشليم أثناء عيد التجديد (يو10 : 22). ثم ترك أورشليم إلى بيرية
لمدة ثلاثة أشهر عاد بعدها قبل الفصح مباشرة ليدخل أورشليم فى موكب ملوكى إنتهى
بصلبه وقيامته. لذلك فخدمة الرب فى بيرية كانت لمدة ستة أشهر على فترتين كل منهما
3 أشهر. وما تم تسجيله عن هذه الفترة هو ما ورد فى (مت12 : 22 – 45 + لو11 : 13 –
17 : 11). أما الأحداث التى حدثت فى اليهودية وأورشليم أورده القديس يوحنا (يو10 :
22 – 42 + 11 : 1 – 45 + 11 : 46 – 51). أما بقية الأحداث فنجدها فى أناجيل متى
ومرقس ولوقا. عموما ما تم تسجيله عن فترة بيرية قليل ربما لأنه مشابه لما حدث فى
الجليل.
الفصل
الثانى عشر
الغذاء
فى بيت الفريسى – الأكل والأعياد وسط اليهود
تحذير
الفريسيين الأخير فى بيرية (لو11 : 37 – 54)
نرى هنا
وسط الكراهية المستمرة من الفريسيين للرب يسوع، أن أحد الفريسيين يدعو الرب للغذاء
فى بيته ومعه عدد من الكتبة والفريسيين. ولقد حذر الرب الفريسيين مرات من
تصرفاتهم، ولكن نجد هنا التحذير الأخير لهم خلال خدمة الرب فى بيرية. وهناك تحذير
مشابه لهم فى الأسبوع الأخير فى أورشليم (مت23). وكانت هذه الدعوة بعد إتهامه أنه يخرج
الشياطين بواسطة بعلزبول. تعجب الفريسى من أن الرب لم يغسل يديه قبل الأكل. ونرى
السيد هنا يهاجم الكتبة والفريسيين بشدة، ولنتصور مدى الكراهية بعد هذا الهجوم.
آداب
الطعام عند اليهود – طعام اليهود :- كان لحم الخراف عند يهود فلسطين
هو المفضل والمشهور على موائد الأغنياء، أما لحم الأبقار فهو نادر الإستخدام. أما
الدعامة الأساسية فهى الخبز وكان عندهم أنواع متعددة تتراوح ما بين خبز الشعير إلى
كيكة الأرز والمخبوزات الفاخرة كأنواع البسكويت. وكانت كلمات البركة التى تسبق
الأكل تقال على الخبز وهذه البركة تشمل الباقى كاللحم أو السمك أو الخضروات. وهناك
كلمات بركة أخرى تقال على النبيذ وما يليه من المشروبات. بل هناك كلمات بركة تقال
على كل صنف، وإن أكل أحد بدون نطق كلمات البركة يعتبرونه كأنه أكل شيئا مخصص لله
لأن المزمور يقول "للرب الأرض وملؤها". ولكن مع جمال مبادئ، بل وأهمية
ووجوب الصلاة ونطق كلمات البركة نجد الأفكار العجيبة لعقليات الربيين وجدالهم الذى
لا ينتهى – إذا أضيف شئ مكمل على طعام أساسى فهل كلمات البركة التى قيلت على
الطعام الأساسى تكفى، ومناقشات وحوارات حول كلمات البركة التى يجب أن تقال على طبق
يحتوى عدة أصناف، أو فواكه متعددة، بل لو وضعت فاكهة لها أوراق فهناك كلمات لكل من
الثمرة وللورق. وحينما يتم الجلوس على المائدة فهناك ترتيب يجب الإهتمام به،
فالربيين أولا وكلٌ بحسب ما يستحق من الإكرام، وهناك ترتيب من يجلس عن اليمين ومن
يجلس على اليسار، ويعتبر هذا من الشرائع الدينية. ثم يأتى غسيل الأيدى وهذا له
نظام فهم يأتوا بالماء ويغسلوا يد واحدة لمن يجلس على المائدة ثم تقال كلمات
البركة على النبيذ ثم يأتون بالماء ثانية ويغسلون اليدين معا. ويقدم الماء للأكثر
إستحقاقا أولا ثم بالترتيب. ثم تقال كلمات البركة على الخبز. ويرد الجميع قائلين
آمين. ولا ينطق كلمات البركة وثنى أو عبد أو كاسر للناموس (ولا يجلس على مائدة
واحدة رابى ومعه إنسان عامى غير متعلم). ثم يقطع من على رأس المائدة قطعة من الخبز
من الرغيف الأساسى (وفى السبوت يوضع رغيفين) وينطق كلمات البركة على قطعة الخبز
(وإختلفت مدارس الربيين حتى فى هذا، فهل تنطق كلمات البركة ثم يقطع الخبز أم يقطع
الخبز ثم تنطق كلمات البركة). وعلى مائدة الصباح يقول كلمات البركة كل واحد من
الجالسين على المائدة لنفسه. ثم يتكرر هذا على النبيذ. ومن طرق الإحتيال اليهودية
قالوا أن كلمات البركة التى تقال على الطعام يقولها من يقولها واضعا فى نيته أنها
تشمل النبيذ. ويجمعون الكسر بعد إنتهاء الطعام بعناية وتغسل الأيادى ثانية ثم تقدم
صلوات شكر يرددها من هو على رأس المائدة ويكررها المجتمعون وراءه. وهناك إتيكيت
لكل شئ، فالطعام يبدأ بغمس قطعة خبز فى ملح أو نوع من الصوص المملح، ويبدأ الأكثر
إستحقاقا بغمس لقمته ويليه كل واحد بحسب الترتيب. والنبيذ يشربونه ممزوجا بالماء
وتقال كلمات البركة على النبيذ بعد إضافة الماء بنسبة 3 (ماء) : 2 (نبيذ). وكان
لديهم أنواع كثيرة من الخمور فهناك النبيذ الأحمر من شارون، وهناك النبيذ الأسود وهناك
الحامى (من العسل والفلفل) وهناك المخلل المصنوع من العنب الذى لم ينضج أو من
بقايا عصير العنب وهو مشروب مُبَرِّد. وهناك خمر البلح، وهناك أنواع مختلفة من
البلدان المجاورة والبيرة من بابل ومشروب الشعير من مصر وغيرها من مشروبات عصير
الفواكه. وقوائم الطعام متعددة من اللحوم والأسماك الطازجة والمحفوظة. بل كان لهم
أطباق فاتح شهية ويليها الطبق الأساسى وينتهى الطعام بالفواكه والزيتون. وهناك
إتيكيت للمائدة فليس من التهذيب الكلام أثناء الأكل، ويتم تمييز من يستحق الإكرام
بنصيب مضاعف. ومن الإتيكيت أن يتطابق الضيف مع مضيفه فى مشاعر الحزن أو الفرح. ومن
جوانب إظهار التقوى دعوة الفقراء وإعطائهم نصيبا كبيرا. ومن الأداب أن لا يأتى
الضيف معه بضيف آخر. وعلى كل فرد على المائدة أن يخدم نفسه. وهناك آداب لكل شئ
فحين يُطلب الشرب فعلى الكل أن يرفع كأسه ويبقيه فى يده فترة قليلة ثم يشرب.
ومفروض أن لا يمسح أحد طبقه، وإن مد يده وأخذ قطعة خبز فلا يعيدها، ولا يعطى أحدا
لجاره من طعامه أو شرابه. ولا يلقى أحد بقطعة من خبزه أمامه على المائدة. وبعد
الإنتهاء من الطعام تجمع الكسر بعناية. وغير ذلك كان الظن أن الشيطان يجلس على
المائدة. وفى نهاية الأكل يحرقون روائح جميلة. أما فى السبت فيضعون على المائدة
أفخر الأطعمة.
أما طعام
الفقراء فنجده جراد مقلى مع دقيق أو محفوظ ولا يتلون عليه كلمات بركة لأن الذى
يأكلونه من ضمن ما صدر عنه لعنة الأرض. ويأكلون الخبز الرخيص بعد وضعه فى اللبن أو
حساء من الخضار والبصل فقط وإذا أمكن قطع لحم. والفقراء جدا يأكلون خبزا مع قطعة
جبن أو خيار أو خضروات.
بعد كل
هذا وبعد أن رأينا نظام الأكل وغسل الأيادى، لنا أن نتصور ماذا شعر به هذا الفريسى
حين رأى الرب لم يغسل يديه. وهناك إحتمالين :-
1. أولهما لو كانت المأدبة ليلا فينطبق عليها
النظام السابق شرحه.
2. ثانيهما لو كانت المأدبة صباحا فالإتيكيت
أن يذهب كل شخص ويغسل يديه بنفسه. وهذا هو الإحتمال الأكبر. فالرب لو قدم له أحداً
مياه التطهير لم يكن ليرفض. وبسبب هذا التصور رجح الكاتب أن تكون المأدبة هنا
نهارا بعد إنتهاء الطقوس والصلوات النهارية.
وبالتالى نتصور أن السيد ذهب مباشرة
للمائدة دون أن يغسل يديه ولم يلتزم بالتقاليد. وكانت هناك خلافات شديدة وحادة بين
مدرستى هليل وشماى – هل تغسل اليدين قبل صب النبيذ فى الكأس أو بعد صب النبيذ.
وأين تُرمى فوط تجفيف اليدين بعد تجفيفها. لذلك أراد الرب إعطاء درس لهؤلاء
الفريسيين فى تفاهة هذه الأمور وأن الإهتمام يكون بالطهارة الداخلية. ولنفهم أن
هذه التفاهات تنحدر بالمستوى الروحى للشخص. والرب جاء وتجسد من أجل تطهير الداخل
والعمق الروحى.
هاجم الرب مخالفتهم للناموس فى موضوع عدم
إكرام الوالدين وعدم مساعدتهم. وهنا يهاجم موضوع فهمهم للتطهير. فهم يعتبرون أن
علامة الطهارة للفريسى غسل اليدين وأن لا يأكل من شئ لم تخرج عشوره أولا، وأن لا
يأكل مع غير الفريسيين الطاهرين. وكان شيئا معتادا بين الفريسيين أن يوبخوا من لا
يدفع العشور. وربما لأن المسيح لم يغسل يديه دار الحديث على المائدة حول العشور.
والعارف بالقلوب ربما عرف أن هذا الفريسى أراد أن يكلمه عن دفع عشوره حينما رآه
تغاضى عن غسل يده، وكأنه يريد أن يقول للمسيح كما أنك لم تهتم بغسل يديك كقانون من
قوانين الطهارة فأنت لا تهتم بدفع عشورك. وبالمنطق الفريسى لقوانين الطهارة فقد وجد
أنه لا يصح أن يجلس معه من لا يهتم بقوانين الفريسية فى التطهير. فتكلم المسيح عن
كل هذا فى توبيخه لفكر الفريسيين.
الفصل
الثالث عشر
للتلاميذ – حدثين والتعليم المقصود
منهم
لو12 : 1 – 13 : 17
إنتهت مأدبة الفريسى للرب بتوبيخه
للفريسيين والكتبة هؤلاء الذين يكرهونه كراهية شديدة. وتبع هذا مباشرة تحذيره
لتلاميذه من خمير الفريسيين الذى هو رياءهم. ولكن هناك فرق كبير بين إنذاره
للفريسيين وتوجيهه لتلاميذه. فكان يحذر الفريسيين من أحكام غضب إلهية آتية نتيجة
تصرفاتهم، أما لتلاميذه فكان كلامه تحذيرا من التشبه بخطايا هؤلاء. كان كلامه
لتلاميذه لمنعهم من الخطأ أما كلامه للفريسيين فكان بلهجة الإدانة والإتهام. ونجد
الرب هنا يوجه تلاميذه على ضوء ما حدث على مائدة الفريسى. فتحذير الرب لتلاميذه
هنا أتى مباشرة بعد ما حدث على مائدة الفريسى. وكان الرب قد حذر تلاميذه بكلام مماثل
لما قاله هنا قبل إرساليتهم (مت10) وكان ذلك فى بداية خدمته. ولكنه هنا يكرره فى
خلال خدمته فى بيرية فى نهاية أيام خدمته على الأرض. وهناك فروق بين حديث الرب هنا
وحديثه هناك :- فهنا نجد ألاف قد إجتمعوا حوله، عددا كبيرا من بيرية حتى داس بعضهم
البعض. وهنا حدد تهمة الفريسيين وهى رياءهم أى إهتمامهم بالمظاهر والمداهنة
والخداع ومحاولة إظهار التقوى والتسابق فى هذا، وخاف الرب من أن ينجرف تلاميذه
وراء هذا السباق.
وبعد تعليم المسيح لتلاميذه فى بيرية قال
لهم مثل الغنى الغبى. وكان تطبيقه للموجودين من غير تلاميذه هو الكف عن الطمع =
"هكذا الذى يكنز لنفسه ..". أما لتلاميذه فكان التطبيق هو طمأنتهم على
الغد = "أقول لكم لا تهتموا .. لا تخف أيها القطيع الصغير ..". وكان طلب
الرب لتلاميذه أن يوجهوا نظرهم على شئ واحد فقط هو ملكوت الله ومجيئه الثانى فهو
قد يأتى فى أى لحظة، غير مهتمين بشئ من هذا العالم. هو كسيد ذهب إلى عرس وعليهم أن
ينتظرونه وخلال فترة إنتظاره عليهم أن يخدمونه بأمانة. وقد يأتى فى الهزيع الثانى
أو الثالث لكنه سيأتى فجأة والرب لم يذكر الهزيع الأول فهذا يكون مبكرا، ولم يذكر
الهزيع الرابع فهذا يطول إنتظاره. [ومعنى هذا روحيا أن نضع فى قلوبنا أن هناك
وقت ولا نيأس بل نخدم الله، ولا نتكاسل واضعين فى قلوبنا أنه ما زال هناك وقت طويل
إذاً دعنا نتكاسل الآن]. وكان اليهود يقسمون الليل إلى ثلاثة هزع، ثم جعلوها
أربعة متأثرين بالرومان. وكان سؤال بطرس للرب "ألنا تقول هذا المثل أم للجميع
أيضا" لأن بطرس فى ظل التقاليد اليهودية يفهم أن التلاميذ يكونون مع معلمهم
فى كل مكان وكذلك فى الأفراح. ولم يكن يفهم وقتها أن المسيح سيتمجد أولا بجسده ثم
نذهب كلنا معه حينما يأتى فى المجئ الثانى. وإلى أن يأتى فالكل يخدمه.
نجد بعد هذا حدثين قبل ذهاب السيد إلى
أورشليم فى عيد التجديد. وكل حدث منهم ينتهى بحديث قصير للمسيح ويختم بمثل. أولهما
حين سألوا المسيح عن مذبحة بيلاطس لـلجليلين الذين أتوا ليقدموا ذبائحهم فى
الهيكل، وكانت هذه واحدة من كثير رأى فيها اليهود إضطهادا بربريا من بيلاطس.
وهؤلاء ظنهم بيلاطس من الثوار الجليليين وهؤلاء مركزهم فى الجليل. وغالبا كانت
الإشارة لحادثة قتل الجليليين متعلقة بما قاله الرب من قبل عن تمييز الأزمنة،
فالمسيح إتهمهم بأنهم لا يستطيون تمييز الأزمنة. ونفهم معنى سؤالهم من إجابة الرب
إذ قال لهم "تظنون أنهم كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين، كلا بل توبوا
أنتم". هم يريدون تحويل دفة حديث الرب تجاه شئ آخر للجدال. فقالوا أن هؤلاء
الجليليين من مواطنيك وقد ظنهم بيلاطس من الثوار الجليليين وقد يكونوا منهم أو
أبرياء وإستشهدوا بالخطأ. وكعادة اليهود أنهم يربطون بين الخطايا والعقوبات، وهنا
أرادوا أن يقولوا للرب نعلم كيف نميز الجو ومتى تجئ العاصفة – وأن علامات الأزمنة
التى تريدنا أن ننظر إليها هى هذا الإضهاد والمذابح ضد اليهود. ولكن ألست ترى أن
موت هؤلاء الجليليين كان بسبب خطاياهم وكانت هذه عقوبة مناسبة لخطيتهم. وكان رد
الرب بل توبوا أنتم وإلا فإن الرومان سيدمرون كل شئ. أما قصة البرج :- فقد أراد
بيلاطس أن يشق قناة داخل أورشليم فأخذ من نقود الهيكل وإستخدم عمالا من أورشليم
ليشقوا القناة. فإعتبر اليهود هؤلاء العمال خطاة لأنهم إشتركوا فى هذا العمل الذى
إغتصبت فيه أموال الهيكل. ورأوا أن حادثة سقوط البرج عليهم أنها عقاب إلهى لهم هم
يستحقونه. وقال المسيح هنا أنه من الخطأ أن نقول أن كل مصيبة تلحق بشخص هى عقوبة
إلهية ضده. ولتطبقوا هذا على الجليليين ومن مات فى حادثة برج سلوام. وألحق الرب
بكلامه مثل شجرة التين غير المثمرة ليدعو كل اليهود للتوبة قبل الإعصار الرومانى
الآتى إن لم يتوبوا. وكان الحدث الثانى شفاء المرأة المنحنية. ثم جاء وراءها أمثلة
عن الملكوت الذى أتى الرب يسوع ليؤسسه.
الفصل
الرابع عشر
فى
عيد التجديد فى الهيكل
لو13
: 22 + يو10 : 22 – 42
نجد
هنا زيارة السيد لأورشليم فى عيد التجديد (مدة العيد 8 أيام من 1 ديسمبر حتى 8
ديسمبر). ويبدو أن زيارة المسيح هذه لأورشليم هى التى نوه عنها القديس لوقا فى
(لو13 : 22) وهذه تناظر (يو10 : 22).
عيد
التجديد :- يهوذا المكابى هو الذى أسس هذا العيد
تذكارا لتطهير الهيكل وعودة الخدمة الكهنوتية فيه، بعد أن دنسه الملك اليونانى
أنطيوخس إبيفانيوس. وكان ذلك سنة 164 ق.م. وأطلق يوسيفوس المؤرخ اليهودى على هذا
العيد "عيد الأنوار" مما لاحظه من الطقوس المصاحبة له. ويسميه اليهود
عيد الحانوكا أو التجديد أو التكريس والتقديس. وخلال الثمانية أيام يرتلون مزامير
الهل الكبير (113 – 118) ويرتلها معهم الشعب كما فى عيد المظال. ويحمل الشعب
خلالها سعف النخيل. وما يميز العيد إضاءة الهيكل والبيوت خلال الثمانية أيام.
ويبدو أن طقوس عيد التجديد مأخوذة من طقوس عيد المظال. وعند البدء فى الخدمة وجدوا
أن كل الزيوت التى تستخدم فى إضاءة المنارة قد تدنست، إلا أنهم وجدوا إبريق واحد
فقط مختوم بختم رئيس الكهنة ويكفى ليوم واحد، ولكن بطريقة إعجازية ظل هذا الزيت
يضئ المنارة 8 أيام، حتى أتوا بزيوت من تقوع. وكتذكار لهذه المعجزة كان الإحتفال
بإضاءة الهيكل 8 أيام. وكعادة اليهود الإختلاف فى تفاصيل لا قيمة لها – قالت مدرسة
هليل تبدأ الإنارة بإضاءة بسيطة تتزايد حتى اليوم الثامن لتصل لأقصى درجة فى اليوم
الثامن وتكون ثمانى مرات قدر اليوم الأول، بينما قالت مدرسة شماى لا بل تبدأ
الإضاءة بالطاقة القصوى وتتناقص مع الأيام الثمانية إلى ثمن ماكانت عليه فى اليوم
الأول. وبدأت الأنوار فى الهيكل ثم صارت فى كل البيوت، وكان عدد المصابيح على عدد
سكان البيت، بل تضاء كل غرف البيت. ويوضع الضوء عند مدخل البيت، وعند كل حجرة على
اليسار، أما المازوزة فتوضع على اليمين. وتقال كلمات بركة مع إضاءة هذه الأنوار.
ويقضون الأيام الثمانية فى إبتهاج. ويقضون اليوم الأول فى إحتفال بذكرى يهوديت.
أليس
مكتوب فى ناموسكم : أنا قلت أنكم آلهة = قال السيد هذا
لليهود عندما إعترضوا على قوله "أنا والآب واحد". وكانت كلمة الناموس أو
التوراة تشمل خمسة أسفار موسى والأنبياء والهاجيوجرافا أى بقية كتب العهد القديم.
ومن
أقوال الربيين "مبارك الله الرحيم الذى أعطى الناموس المثلث – توراة موسى
والأنبياء والهاجيوجرافا – للشعب المثلث الكهنة واللاويين وعامة الشعب – بواسطة
الثالث موسى المولود الثالث لأبويه فى اليوم الثالث فى الشهر الثالث".
"أنا
قلت أنكم آلهة، وبنو العلى كلكم" = (مز82 : 6) وهذه موجهة للقضاة كممثلين
لله ووكلاء عن الله أعطاهم الله سلطة وفوضهم لتدبير أمور شعبه بحسب إرادته. وهذه
العبارة لم يقلها عن الأنبياء، فالأنبياء كانوا ينقلون رسالة من الله فقط، أما
القضاة فكان لهم سلطان بتفويض من الله لتنفيذ عمل الله. والمسيح أمام الشعب كان فى
كل عمله يعمل أعمال الله. وكان تساؤل المسيح لليهود – إذاً لماذا الغضب علىَّ. لقد
قيل عن القضاة أنهم آلهة لأنهم يعملون عمل الله بتفويض منه، وأنا أمامكم أعمل عمل
الله. فأنا مرسل لا لأنقل لكم كلاما من الله فقط بل لأعمل أعمال الله. ولقد رأيتم أعمالى،
فأين الخطأ فى كلامى أو فى أعمالى.
الفصل
الخامس عشر
مجموعة
ثانية من الأمثال تخصه وهو الجار الأقرب لنا (لو10 : 25 – 37 + 11 : 5 – 13)
1. خاص بالحب فهو يعطينا حاجتنا دون أن نسأل
"السامرى الصالح"
2. خاص بالحب الذى نأخذ به حاجتنا بالسؤال
"صديق نصف الليل"
الفترة
ما بين عودة الرب من عيد التجديد إلى دخوله للمرة الأخيرة إلى أورشليم تنقسم إلى
فترتين، يقسمهما ذهاب الرب إلى بيت عنيا ليقيم لعازر. وخلال فترة خدمة المسيح فى
بيرية علَّم الشعب ببعض الأمثال ولكنها إختلفت عن طبيعة الأمثال التى علَّم بها فى
الجليل. فأمثال الجليل كانت رمزية، تشير للسماء ولكن عن طريق الرموز "مثل
الزارع مثلا". وتحتاج شرح لنفهمها. أما المجموعة الثانية من الأمثال يسهل
فهمها للجميع ولها الطابع الوعظى وتحمل أخبارا إنجيلية مفرحة للخطاة، وهم 13 مثل
منهم 12 فى إنجيل القديس لوقا، وقالها الرب فى بيرية. وهناك مجموعة أخرى من
الأمثال لها الطابع النبوى.
مثل
السامرى الصالح :- هناك نوعين من الكتبة 1) الناموسى متخصص
فى ناموس موسى. 2) الباقين متخصصين فى الأنبياء. وقام واحد من الناموسيين ليسأل
الرب سؤالا عن كيف يرث الحياة الأبدية. وغالبا كان هذا من نوع من الكتبة وهم
الأقلية – لهم رأى أن الأعمال هى الطريق ليرثوا الحياة الأبدية. لأن هناك نوع آخر
يقولون أن دراسة الناموس هى الطريق للحياة الأبدية. وربما كان يسأل فعلا أو ليصطاد
كلمة على المسيح أو كعادة الربيين ليدخل فى مناقشات جدلية عقيمة، أفقدتهم الطريق
للروحيات.
وكان
سؤال هذا الناموسى لأن رأيه أن الأعمال الصالحة فقط هى طريق الحياة الأبدية، ويسأل
عن ماهية هذه الأعمال. وهو لم يخطر على باله أن هناك خطية ساكنة فى البشر ومهما
عملوا فلا سبيل للخلاص. وهذا ملخص فكر اليهودية – فقط هو البر الذاتى للخلاص – وهو
الأساس فى رفض المسيح وصلبه. وكان رد الناموسى صحيحا عن *محبة الله وهذه
محفوظة لكل يهودى (تث5 : 5) ويعلِّم بها كل الربيين وهى جزء من الصلوات اليومية
لكل يهودى. *وعن محبة القريب فهذا منصوص عليه فى "لا تنتقم ولا تحقد
.. بل تحب قريبك كنفسك .." (لا19 : 18). وكان تعليم الرابى الكبير هليل بخصوص
هذه النقطة "ما هو مكروه لك لا تفعله بالآخرين". وقال الرابى أكيبا أن
(لا19 : 18) هى ملخص الناموس كله. ومع أن إجابة هذا الناموسى كانت صحيحة إلا أن
هذا التعليم أى المحبة لم يكن شهيرا بين الربيين. ونرى أن هليل وضع تعليمه من الناحية
السلبية لا تفعل بالآخرين ما هو مكروه لك" أما المسيح فوضع التعليم الإيجابى
لمفهوم المحبة "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم إفعلوا هكذا أنتم أيضا بهم،
لأن هذا هو الناموس والأنبياء" (مت7 : 12). وكان رد المسيح على إجابة
الناموسى تشجيعه. ولكن ليبرر الناموسى سؤاله عاد ليسأل ومن هو قريبى؟ فأجاب المسيح
بمثل السامرى الصالح. ومثل السامرى الصالح لكل الناس نرى فيه محبة المسيح الذى أتى
لشفاء كل البشر، وضرورة خدمة أى إنسان مهما كان دينه أو جنسه. أما الجانب الآخر
لمثل السامرى الصالح هو موجه للناموسى بالذات، ألا وهو أن الرب أراده أن يشعر
بالذنب وإحتياجه لمن يحمل عنه خطيته، وأن يشعر بالتقصير فهو كيهودى يشعر بكراهية
كل من هو غير يهودى بإحساس بالبر الذاتى ونجاسة الآخرين، حتى أن الأمم إتهموهم
بكراهية الجنس البشرى. وكان تعليم الربيين إنه لو وجد وثنى فى محنة ومشرف على
الموت يتركه ولا ينقذه. ولم يفهموا المعنى من الوصية التى تنص على إنقاذ حياة
حيوان العدو (خر23 : 5). فهل يعلمهم الناموس إنقاذ الحيوان وترك البشر يموتون.
وهنا دخلوا فى مناقشات عقيمة حول هذه الآية لإثبات وجهة نظرهم أن العدو هنا هو شخص
يهودى وليس الوثنى. وفى مثل السامرى نرى أن هذا السامرى لم يبحث عن من هو هذا
الجريح، بل ما هو إحتياج هذا الجريح، بينما نرى الكاهن واللاوى بلا قلب. والمعنى
أن هذا ما آلت إليه حال اليهودية ممثلة فى شخص رؤسائها ومعلميها أى الكاهن واللاوى
– بلا رحمة وبلا فهم لروح الناموس بل تدمير لروح الناموس أى المحبة.
صديق
نصف الليل :- فى مثل السامرى الرب أعطى كل الحب دون أن نطلب إذ
وجدنا محتاجين. وهنا نرى جانب آخر لمحبة المسيح الذى يصور نفسه هنا كصديق الذى
يعطينا إحتياجنا ولكن حينما نطلب. وقال الرب هذا المثل بعد أن طلب منه تلاميذه أن
يعلمهم كيف يصلوا. وكان طلب الرجل لصديقه كما هو واضح يعنى أنه يطلب فى وقت غير
مناسب (نصف الليل). والباب مغلق. وطلبه سيسبب إزعاجا للآخرين (أولادى معى فى
الفراش). والمعنى أن تأخر الرب فى تحقيق طلبنا ليس لأنه يرفض، ولكن لأن الوقت غير
مناسب وهناك صعوبات تمنع الإستجابة الفورية. وتكون إستجابة الرب : 1) لأنه صديق.
2) اللجاجة بإيمان. 3) أن يكون هناك إحتياج حقيقى. والرب سيعطى ليس فقط ما طلبناه
(3 أرغفة) بل كل الإحتياج.
الفصل السادس عشر
3 أمثال للتحذير
لو12 : 13 – 21 + 13 : 6 – 9 + 14 : 16 – 24
نجد
هنا 3 أمثال فيهم تحذير وإنذار :- الغنى الغبى (تحذير للأفراد) – التينة
التى لا تثمر (تحذير للأمة اليهودية) – الوليمة العظيمة (تحذير لرجال
الدين اليهود).
الغنى
الغبى :-
من الألاف الموجودين حول الرب كان هناك شخص له مشكلة ميراث مع أخيه، وأراد أن يكون
المسيح قاضيا بينهما. ولكن المسيح جاء يدعونا للسماويات ولم يُرِدْ أن يتدخل فى
الأرضيات فهذه لها قضاة، بينما المسيح بالجسد لم يكن له حق الحكم بين الناس كقاض.
وقوانين الميراث واضحة فى الشريعة (البكر له ضعف نصيب إخوته وكل الإخوة متساوين).
ونلاحظ أن المشكلة هى مشكلة طمع، فإما الأخ الأكبر طماع وأخذ كل الميراث، أو أن
يكون الشاكى وهو الأصغر وأنه غير راضى عن أن يكون نصيبه نصف أخيه البكر ويريد أن
يقتسمه مع الأكبر. لذلك قال الرب مثلا عن غنى غبى وهذا إهتم بأمواله وغناه الأرضى
ولم يهتم بالسماويات. أما الأرضيات فالله لا ينسى حتى العصافير ويقوتها (1تى6 :
8). وهناك عدة نقاط يجب ملاحظتها : *أرض الغنى لم تثمر بعد، لقد أخصبت فقط. فعاش
فى أحلام اليقظة أن المحصول سيكون كبيرا وسيغتنى. هى نظرة طمع وأحلام يقظة بغنى
زائد، فما أهمية أن نعيش فى وفرة زائدة عن حاجتنا. *المشكلة ليست فى تفكيره فى
بناء مخازن، بل فى عدم تفكيره فى الله وفى أبديته. *لم يفكر هذا الغنى فى أنه قد
يموت قبل أن يظهر المحصول. قال أحد الربيين لتلاميذه "قدموا توبة فى اليوم
السابق لموتكم" فقالوا له "وهل يعرف أحد ميعاد موته"، فأجاب
"لذلك قدموا توبة كل يوم بل عيشوا حياة التوبة".
التينة
غير المثمرة :- صاحب الكرم زرع تينة وسط كرمه، والكرمة مكان مفضل.
وهذا ليس غريبا فشجر التين والنخيل والزيتون تعتبر من الأشجار الثمينة، وهذه لا
تقطع حتى لو كانت تعطى ثمارا قليلة. وتعتبر شجرة التين من أكثر الأشجار إثمارا.
ولو كان هناك شجرة تين لا تثمر ثلاث سنوات يقطعونها:- *تأخذ مساحة من الأرض بلا
فائدة. *جذورها تدمر الأرض. وتعتبر شجرة التين رمزا لإسرائيل (يؤ1 : 7) وفى العهد
الجديد فالكرمة هى رمز الكنيسة. والمعنى أن الله زرع إسرائيل فى مكان مفضل له.
الوليمة
العظيمة :-
هذا المثل موجه للقيادات الدينية التى تمثل مملكة الله. هذه التى لم تقبل المسيح
ورفضت دعوته. وقال الرب هذا المثل بعد عودته من عيد التجديد فى أورشليم. وقال
المسيح هذا المثل فى وليمة فى بيت فريسى يوم سبت، وقطعا دعا هذا الفريسى الكثير من
الفريسيين والربيين وكانوا يراقبونه (لو14 : 1). وأبرأ الرب المستسق. ثم أعطى الفريسيين
درسا فى أنهم بتصلب أفكارهم وكبريائهم لم يكن لهم ثمر وسط شعب الله فى مملكة الله
بل جعلوا شعب الله فى خطر، وأعطاهم درسا فى التواضع بدلا من الكبرياء والإحساس
بالبر الذاتى. وطلب منهم دعوة الفقراء والبسطاء على موائدهم فيكافئوا فى قيامة
الأبرار على عمل المحبة تجاه الفقراء والبسطاء. وبحسب الفكر الفريسى فإنهم كانوا
يتصورون أن قيامة الأبرار أكل وشرب. فقال أحد المدعوين "طوبى لمن يأكل خبزا
فى ملكوت الله". وهذا الفريسى يثق أن وليمة ملكوت الله للأبرار هى مضمونة له
فهو فريسى. هذا الشخص إستمع جيدا لما قاله المسيح ولكنه أساء الفهم. وربما قال هذا
الفريسى هذا التعليق ليوقف كلام الرب ليكف عن توبيخ الفريسيين، أو ليحول مجرى
الحديث إلى معنى آخر غير الذى يقصده المسيح من مكافأة أعمال المحبة، فتحدث عن
بركات المستقبل له ولأمثاله من الفريسيين. وقطعا فكلامه هذا يفسد المعنى الذى قصده
المسيح. ولهذا الرجل بالذات وجه الرب مثله عن الوليمة العظيمة التى هم مدعوون
إليها ورفضوها.
فصاحب
الوليمة والدعوة هو الرب يسوع نفسه، الذى أرسل الأنبياء ويوحنا المعمدان أخيرا
ليدعو هؤلاء الفريسيين وغيرهم. ولكنهم رفضوا هذه المملكة لأنها لم تكن على هواهم
ورغباتهم بحسب أفكارهم المادية. ولم يقبلوا صاحب الوليمة نفسه الذى دعاهم. هم
كانوا سعداء بمراكزهم الدينية وأموالهم وتكريم الناس لهم، ورفضوا فكرة التنازل عن
هذه المظهريات. هم فى كبريائهم تركوا هذه الوليمة لمن فهموا أنها وليمة وفرحوا
بها، أى البسطاء والعرج والجدع والعمى إشارة للأمم الوثنية.
ويوجد
أيضا مكان
= هناك مكان متسع فى كل وقت لكل من يقبل ويأتى.
وأما
لهذا الفريسى وأمثاله من المتكبرين = ليس واحد من هؤلاء الرجال المدعوين يذوق
عشائى.
الفصل
السابع عشر
3 أمثال عن إسترجاع المفقود (لو15)
الخروف الضال – الدرهم المفقود – الإبن الضال
هذه
3 أمثال إنجيلية مفرحة عن إسترجاع من ضل عن طريق السماء. فى مثل الخروف الضال
نرى سعى الله بلا كلل وراء الضال، وفى هذا المثل التركيز على الضال. وفى مثل
الدرهم المفقود نرى إهتمامه وتلهفه على المفقود وهنا التركيز على البحث. وفى مثل
الإبن الضال نرى الحب الذى لا يتوقف، والتركيز هنا على الإسترجاع. وكانت
تعاليم الربيين والفريسيين عكس تعاليم المسيح، فموقفهم من الخاطئ تُبْ أولا حينئذٍ
تجد رحمة الله ومكافأته. أما الإنجيل أى بشارة المسيح المفرحة للخطاة، هو أنه
يقبلهم كما هم حين يأتوا إليه وهو يبحث عنهم ويدعوهم ويغفر لهم، ويفرح وتفرح
السماء بعودتهم (فى مثل الوليمة العظيمة بالفصل السابق نفهم أن العمى والعرج
…المدعوين للوليمة هم الخطاة). كان الرب يدعوهم ليس ليستمروا خطاة بل ليتوبوا
وينضموا لملكوت الله ["إذهبى ولا تخطئى أيضا"]. والمكافأة لن
تكون فى السماء بل هنا على الأرض. وحينما وجد الفريسيين الرب يسوع يذهب لبيوت
الخطاة بل ويدعوهم تذمروا عليه وإنتقدوه.
مثل
الخروف الضال :- هذا المثل موجه للفريسيين، حينما قال لهم السيد عندما
كان يشفى يوم سبت "من منكم يسقط حماره أو ثوره فى بئر ولا ينشله حالا فى يوم
السبت" (لو14 : 5). نرى فى هذا المثل أهمية خروف واحد ضال مع أنه هناك 99
باقين. ربما فى نظرنا أن خروف واحد لا يساوى المجهود إنما أمام الله هو له أهميته.
لقد بدا أمام الخروف الأحمق أن يتجول بعيدا، وفى نظر اليهود المتغطرسين أن يتركوا
هذا الخروف كأنه يستحق ما سيحدث له. أما الرب يسوع فله وجهة نظر أخرى كلها عطف على
هذا الخروف. ونجد نفس المثل مستخدم فى (مت18 : 10 – 14) ولكن لهدف آخر. ففى إنجيل
القديس لوقا يتكلم عن ضياع الخروف. أما فى إنجيل القديس متى فالمثل يأتى بعد حديث
الرب عن الأطفال الصغار ليظهر أنه يجب إعتبار أن الصغير المفقود له أهميته عند
الله، فهؤلاء الصغار لهم ملائكة ينظرون وجه الله فى السماء.
مثل
الدرهم المفقود :- فى مثل الخروف الضال، نجد الخروف قد ضل
طريقه فى البرارى، إنما فى مثل الدرهم المفقود فهو ما زال داخل المنزل ولكن ربما
مغطى بالتراب وغير ظاهر. والتراب تجمع حوله ربما من الأحداث التى تحدث حوله. وإذا
تغطى بالتراب فقد غاب عن النظر ولم تعد المرأة قادرة على الإستفادة به وربما ينسى
ويضيع للأبد.
مثل
الإبن الضال :- ونجد أن الرب يسوع وضع مكانا عاليا للتائب. ولقد فهم
بعض الربيين وليس الكل أن التائب له مكان مميز عند الله أكثر ممن كان بارا دون
سقوط وذلك من (إش57 : 19). وقال بعض الربيين أن طريق الصلاة قد يكون مغلقا أما
طريق التائب فهو مفتوح دائما. وأن الله يرسل رسلا للخاطئ ليعود كما أرسل إرمياء
لإسرائيل الخاطئة. ويختلف مثل الإبن الضال عن ما قبله بأنه ضل بإرادته الحرة من
داخل بيت أبيه، وليس كالخروف الضال الذى ضل وراء طبيعته التى بلا فهم، أو كالدرهم
المفقود الذى تغطى بالتراب بسبب أعمال غيره. ولاحظ أن بيت الأب لم يكن فى فقر بل
فى وفرة من الغنى [هذا يشير للفرح والسلام لمن يحيا فى عمق العلاقة مع الله].
ولنلاحظ فرحة الأب بعودة إبنه وفرحة الإبن بالعودة لغنى أبيه، مع غضب الإبن الأكبر
الذى يناظر غضب الفريسيين بقبول المسيح للخطاة. ولكن لاحظ رقة الأب مع الإبن
الأكبر فهو ما زال يدعوه إبنه وما زال فاتحا أمامه كنوز قصره. وما زال الباب
مفتوحا لكل من يقبل من اليهود، بل نعلم أن هناك بقية ينتظر الله عودتها فى نهاية
الزمن.
الخرنوب
=
هو طعام الأكثر فقرا ولا يناسب إلا الحيوانات. ولكن بعض الزاهدين كانوا يأكلونه
مثل حنينا بن دوسا وسمعان بن يوخاى ويوحنا المعمدان. وتستعمل أوراقه فى الكتابة.
الفصل الثامن عشر
وكيل الظلم – الغنى ولعازر (لو16)
كان
يحيط بالمسيح تلاميذه الإثنى عشر وغيرهم، وكثير من الفريسيين. وهنا نجد مثلين :- وكيل
الظلم وهذا موجه لتلاميذه ليس الإثنى عشر بالضرورة، ولكن بالأكثر للخطاة الذين
تبعوه وقبلهم، فأثار قبولهم سخط الفريسيين. ومثل الغنى ولعازر وهذا موجه
للفريسيين الأغنياء. هؤلاء الذين سخروا من تعليمه عن مال الظلم، فهم يظنون أن
أموالهم ليست أموال ظلم، فقال لهم أن السموات مفتوحة للفقراء وليس لكم، يا من
تظنون أنكم الأبرار المدافعين عن الناموس وحدكم. هؤلاء كان برهم الذاتى صنم
يعبدونه وهم كاسرين للناموس بتركهم الفقراء بلا طعام ولا غطاء، هم خالين من المحبة
أى من الله.
مثل
وكيل الظلم :- هذا المثل متوافق مع الكتابات اليهودية إذ قالوا مثلا
ليشرحوا لماذا لم يوكل الله الأمم على الناموس : كان هناك ملك له أملاك كثيرة
فعيَّن شخصين ووكلهم على أعماله. الأول وَكَّله على الذهب والفضة، والثانى وَكَّله
على القش. أما وكيل القش فلم يكن أمينا على وكالته، وإشتكى أن الملك لم يوكله على
الذهب والفضة. فقال له الملك "يا غبى أنت لم تكن أمينا على القش فهل أوكلك
على الذهب والفضة". وقالوا أن الله وكَّل الأمم على وصايا نوح السبعة فلم
يكونوا أمناء عليها، لذلك لم يوكلهم على الناموس. وقالوا فى المدراش "الله
تبارك إسمه لا يعطى أشياء عظيمة قبل أن يمتحن فى الأشياء الصغيرة، وهذا واضح من
قصة موسى وداود فالله إئتمنهم على عمل عظيم لأنهم كانوا أمناء فى "رعاية
الغنم". وبنفس الفكر قال الرب هنا مثل وكيل الظلم فلم يخطئ أحد فى فهمه.
الأمين فى القليل (مال الظلم) أمين أيضا فى الكثير (غنى الحياة فى السماء). ولا
يمكن الفصل بين الإثنين الروحيات والماديات، أى لا يمكن المحاولة فى أن يخدم أحد
سيدين فى وقت واحد.
مثل
الغنى ولعازر :- مثل وكيل الظلم أزعج الفريسيين. فكلام الرب لمس نقطة
الطمع فيهم. هم إعتبروا أنفسهم أمناء على كنوز الناموس، ولكن ليعطوا أموالهم
لمحتاج فهذا بالنسبة لهم مرفوض. وأيضا هل يعطوا للرعاع الخطاة الذين يجهلون
الناموس. وفى آية14 نجدهم يستهزأون بما قاله السيد المسيح. وربما إستهزأوا علنا
وأظهروا للسامعين علو قامتهم بالنسبة للسامعين من الخطاة الذين قبلهم المسيح
وأحاطوا به. لذلك كان مثل الغنى ولعازر فيه الرد عليهم : *فالمثل يظهر الفرق بين
وجهة نظر الناس ووجهة نظر الله. وكيف نظر الناس للغنى فى حياته وكيف كانت نظرة
الناس للعازر وكيف كانت نظرة الله لكليهما فى الأبدية. *يظهر المثل التطابق بين
الفريسيين فى نظرتهم بلا مبالاة للناس وعزلتهم فى كبرياء وإحتقار للآخرين، ونظرة
الغنى بلا مبالاة إلى لعازر. فما إعتبروه مجدهم كان أمام الله نجاسة. *أشار المثل
لطمعهم وللمال الذى كان صنما لهم ونظرتهم الأنانية لما يملكون. وجزاءهم الذى
ينتظرهم كما ينتظر أى وكيل غير أمين على ما بين يديه. ومن ناحية الناموس فهم حفظوا
كلمات الناموس وتركوا الخطاة فقراء فى جوع روحى بل إحتقروهم. فماذا فعلوا بما
عرفوه من كنوز الناموس غير الكبرياء.وقبل أن يذكر الرب مثل الغنى ولعازر نطق ببعض
الأيات (14 – 18) ليرد على الفريسيين ويثبت لهم أنهم بينما هم يدَّعون أنهم
الحافظين للناموس فهم يكسرونه كل يوم. بينما أن من يعتبرونهم خطاة لم يَدَّعوا
شيئا كهذا، بل أتوا كخطاة تائبين. فالناموس والأنبياء وختامهم يوحنا المعمدان
كانوا يدعون لملكوت السموات بالتغصب، [والناموس والأنبياء ويوحنا المعمدان
شهدوا له وهم لم يقبلوه] والناموس لن يسقط منه حرف أو نقطة. وها أنتم أبحتم
الطلاق لترضوا شهواتكم، بينما أن الله هو الذى جمع الزوجين. ويقول الرب أن من
يتزوج ثانية يزنى وهذا ضد الوصية السابعة.
لم
يذكر السيد فى كل أمثلته أسماء ما عدا هنا، وغالبا يشير الإسم للمعنى المقصود، لأن
لعازر معناه "الله يعين" فمن تتركونه أنتم يدركه الله بمراحمه. الصورة
التى رسمها الرب عن ما يحدث بعد الموت بسيطة رائعة. بينما نرى فى كتابات الربيين
بعض تصورات حسية مرفوضة. ولكن هناك مشابهات مثل *من يموت من الأبرار يذهب لحضن
إبراهيم أى الجنة. *الملائكة تحمل روح المنتقل مع حذف الأساطير المرفوضة فى
تعاليمهم. *قال اليهود أن من يموت يذهب إلى الهاوية (شيئول) إنتظارا للحكم
النهائى. وهناك مكانين بعد الموت وهو نفس الإيمان المسيحى، أحدهم للأبرار وهو
للتعزية ويجتمع فيه كل المؤمنين مع إبراهيم أبوهم، والمكان الثانى وفيه ألام صعبة.
* من تعاليم التلمود مكان الأشرار سيكون فيه عطش، أما مكان الأبرار ففيه ينابيع
ماء عذب. ولكن تعاليم الفريسيين قالت أن مكان التعزية للفريسيين والآخر للعامة.
ولكن تعاليم الربيين لا تذكر أن هناك هوة بين المكانين، ولا يستطيع أحد أن ينتقل
من أحدهما للآخر. ونلاحظ كما لاحظنا من قبل أن الرب يسوع كان يكلم الناس باللغة
والأفكار التى يفهمونها.
الفصل التاسع عشر
الأمثال الأخيرة فى بيرية
قاضى الظلم – الفريسى والعشار – العبد الذى لا يغفر
لو18 : 1 – 14 + مت18 : 23 – 35
مثل
قاضى الظلم :- هناك قرابة بين مثل صديق نصف الليل (لو11 : 5) ومثل
قاضى الظلم هنا، فكلاهما يتكلم عن الإلحاح فى الصلاة والطلب. ولكن هناك فارق مهم
بينهما. فمثل صديق نصف الليل يحدثنا عن إنسان يُلِّح فى طلبه لأن له إحتياج. أما
مثل قاضى الظلم فيشير لإستعدادنا الدائم وإستعداد الكنيسة كلها وسط ضيقات هذا
العالم بالصلاة، حتى المجئ الثانى للمسيح. مثل قاضى الظلم يحدثنا عن الصلاة
واللجاجة وعدم إستجابة الله الفورية والإستجابة فى النهاية. ولاحظ المناسبة التى
قيل فيها المثل، فالمثل جاء بعد أن أجاب الرب على سؤال الفريسيين "متى يأتى
ملكوت الله" (لو17 : 20) ثم تعليمه لتلاميذه بأن يصلوا كل حين بلا ملل (لو18
: 1). وختم الرب المثل بكلامه عن نهاية الزمان ومجيئه الثانى وقال "متى جاء
إبن الإنسان، ألعله يجد الإيمان على الأرض" (لو18 : 8).
ترتيب
الأحداث :-
ما بين مثل الغنى ولعازر، ومثل قاضى الظلم وقت طويل. فبعد مثل الغنى ولعازر ذهب
الرب إلى بيت عنيا ليقيم لعازر، وبعدها عقدت الرئاسات الدينية مجمعا ضد المسيح.
وبعدها ذهب الرب إلى مدينة إفرايم (يو11 : 54) وقضى مدة يعظ ويعلم من حدود الجليل
إلى أورشليم، وبدء الإستعداد لرحلته الأخيرة إلى أورشليم (لو17 : 11). وخلال هذه
المدة كانت أحداث إصحاح17 وحديثه عن مجيئه الثانى، وعن أيام النهاية، وهذا ما جعل
الفريسيين يسألونه " متى يأتى ملكوت الله".
وهناك
مفهوم خاطئ فى تفسير المثل حين يُفَسَّر على أن الرب يعلم تلاميذه اللجاجة فى
الصلاة كما فى مثل صديق نصف الليل، وكأن الله يستجيب للأرملة فقط بسبب لجاجتها. أو
كأن الله لا يسمع لنا إن لم نلح فى الطلب وهذا خطأ. والصحيح أن الله يستجيب للمرأة
بسبب أن قضيتها عادلة (المرأة هنا تمثل الكنيسة). لجاجة الكنيسة ليست السبب فى
الإستجابة، ولكن ثقتها فى عدالة طلبها يجعلها تستمر فى الصلاة، حتى بالرغم من أن
كل الظروف المحيطة تدعو لليأس، بل أن الله يتأخر فى الإستجابة. ويجب أن نثق أنه إن
كان قاضى الظلم إستجاب فكم بالحرى الله الذى يحفظنا فى قلبه نحن خاصته، وهو القاضى
العادل الذى من المؤكد أنه يستجيب حتى لو تأخرت الإستجابة. والقاضى العادل لن يغير
قراره مخلوق أيا كان. إذاً الصلاة والإستمرار فيها بلا فتور هى لنا وليست لتغيير
قرار الله. الصلاة هى إعداد لنا لملكوت الله. لذلك بدأ الرب كلامه مع تلاميذه فى
(18 : 1) أنه ينبغى أن يُصَلَّى كل حين، وهنا نرى الفرق بين مثلى قاضى الظلم حيث
يطلب الرب منا أن نصلى كل حين، وصديق نصف الليل الذى يطلب الرب فيه أن نصلى بلجاجة
عندما يكون لنا حاجة. الله يريد من الكنيسة أن لا تكف عن الصلاة حتى لو تأخر فى
إستجابته، ومهما تأخر مجيئه الثانى ليأخذنا إلى المجد. والرب يتأخر فى مجيئه ليكمل
عدد الكنيسة. الرب يريدنا أن نتشبه بهذه المرأة التى كانت تأتى بإستمرار وربما كل
يوم مرات ومرات. إذاً الصلاة ليست ليستجيب الله بل لنكون نحن كاملين ومستعدين. [وإذا
حدث ولم تستمع الكنيسة لهذه النصيحة من رب المجد وتستمر فى الصلاة فالنتيجة التى
رآها رب المجد مقدماً بجد محزنة "ألعله يجد الإيمان على الأرض"
فالمقاومين وأعداء الكنيسة كثيرين وأشداء ولا يكفوا عن الهجوم على الكنيسة. وإن
إمتنعنا عن الصلاة بروح اليأس نضعف وتفتر محبتنا والنتيجة المحزنة أن ينتهى
الإيمان من الأرض بعد كل ما عمله المسيح. أما الصلاة فهى دعامتنا وسط هذه الحروب
وبها نثبت، بل تكون هذه الحروب وثباتنا فيها سببا لإنتشار الإيمان كما حدث فى
الكنيسة الأولى.]
وهناك
سؤال يبدو أنه منطقى – لماذا يضرب الرب مثلا لقاضى ظالم ليشير لإستجابته لنا؟ أو
كيف يكون مثل قاضى الظلم صالح لتوضيح حقيقة عدل الله؟ فى الحقيقة يجب أن نفهم أن
هذا أسلوب عبرانى فى الكلام – ولاحظ أسلوب المثل "فإنى لأجل أن هذه المرأة
تزعجنى، أنصفها – "أفلا ينصف الله مختاريه". وهذا أسلوب عبرانى
شائع تجده على كل صفحة من كتابات الربيين اليهود، ويسمونه الخفيف والثقيل، أو من
الأصغر إلى الأكبر. مثال "إذا كان الخاطئ أخذ كذا أفلا يحصل البار على
أكثر". وإستخدم هذا فى الناموس 10 مرات (مثلا تك42 : 8 | خر6 : 9 ، 12 + عد12
: 14 ..). فيكون معنى المثل إن كان القاضى الظالم قد أنصف الأرملة، أفلا ينصف
المسيح القاضى العادل كنيسته التى أحبها. وهنا يشبه الكنيسة بأرملة، إذ هكذا تبدو
لمن يضطهدونها ويظلمونها فى هذ العالم. [وعلى الكنيسة أن تلجأ لله بالصلاة
المستمرة وفى إلتصاقها بالله تجد القوة فتتشدد وتثبت.]
القاضى
الظالم :-
هناك نوعين من القضاة عند اليهود. القضاة الرسميين اليهود، وقضاة محليين للتحكيم
فى المنازعات يعينهم هيرودس أو الرومان لحل المنازعات البسيطة. وهؤلاء كانوا لمنع
الجرائم. وهؤلاء هاجمهم التلمود ووصفهم بالجهل والطمع وأنهم يحرفون حكمهم بسبب
وليمة لحم. وبينما كان القضاة الرسميين لهم أيام ومواعيد للحكم فى القضايا ولا
يتقاضون مرتبات بل يعملون كمتبرعين، كان عمل هؤلاء القضاة المحليين مستمر طول
الوقت ولا يعملون عملا آخر وبالتالى كانوا يتقاضون أجورا عالية من خزانة الهيكل.
ولذلك كرههم اليهود وتلاعبوا بالألفاظ فأطلقوا عليهم "قضاة السرقة" بدلا
من "قضاة المنع أو قضاة العقوبة" والتلاعب فى حرف واحد. ومثل الرب يسوع
عن قاضى الظلم كان يقصد به واحد من هؤلاء.
هذه
الأرملة تزعجنى = هذا نفهمه من أن المرأة تذهب إليه وتقرع بابه لينصفها
ليلا ونهارا، وهذا يفسره أنه ليس من القضاة الرسميين الذين لهم مواعيد محددة، بل
هو من القضاة المحليين، وهؤلاء يمكن أن تذهب لهم أى وقت طوال اليوم.
الفريسى
والعشار :-
بينما نجد فى المثل السابق قاضٍ ظالم غير بار، نجد هنا نوع آخر من المرفوضين من
الله هو هذا الفريسى الذى يشعر بالبر الذاتى فى كبرياء، يشعر أنه فى عزلة عن الناس
الأشرار مثل هؤلاء العشارين، بل هو يحتقرهم (فريسى تعنى معزول مفروز عن الناس).
الفريسى والعشار الذين دخلوا من باب واحد إلى الهيكل يمثلون النقيضين من المجتمع
اليهودى من الناحية الدينية. الفريسيين الشاعرين بنقاوتهم فهم لا يأكلون إلا مما
دفعوا عشوره، ولا يأكلون مع هؤلاء الرعاع الخطاة إذ أنهم لم يهتموا بدفع عشورهم.
ويشكرون الله أنه جعلهم لا يأكلون مع هؤلاء الذين لا يدفعون عشورهم بل عزلوا
أنفسهم عنهم. والنقيض الآخر هم الذين يشعرون بخطاياهم ويقفون أيضا بمعزل إذ أنهم
يشعرون بأنهم غير مستحقين للوقوف مع باقى المصلين الأبرار. وبينما يصلى الفريسى
صلاة شكر لأنه ليس من الخطاة مثل العشار لا يطلب العشار سوى رحمة الله إذ أنه غير
مستحق لطلب أى شئ آخر. لاحظ أن الفريسى لا يشكر الله على ما أعطاه له، لكن يشكر
الله على أنه ليس خاطئا مثل العشار الذى يصلى بجانبه. وأن هذا العشار يخطئ فى كذا
وكذا. ويشكر الله على أنه عزله عن أمثال هؤلاء الخطاة. وهذه ليست صلاة شكر بل هى
كبرياء وإنتفاخ باطل وإحتقار لباقى الناس. والمثل الذى قاله الرب هنا عن الفريسيين
ليس بعيدا عما كان يحدث فعلا. فمن أمثلة صلوات الفريسيين المسجلة :- *من الصلوات
الصباحية "أشكرك يا رب ملك العالم لأنك لم تجعلنى أممى (وثنى) ولا عبد ولا
إمرأة". *أشكرك يا رب يا إلهى أنك جعلتنى أجلس مع هؤلاء الجالسين فى
الأكاديمية (أى المتعلمين الناموس، فغير المتعلمين هم رعاع لا يمكن أن يكونوا
أتقياء) ولست مثل هؤلاء الجالسين فى زوايا الشوارع يجمعون الأموال ويتاجرون. فأنا
أستيقظ مبكرا وهم يستيقظون مبكرا، ولكن أنا أستيقظ وأذهب لدراسة كلمة الله، أما هم
فيذهبون إلى أشياء باطلة. أنا أعمل وهم يعملون، لكن أنا أعمل لأجل المكافأة أما هم
فلا مكافأة لهم. أنا أجرى وهم يجرون، لكن أنا أجرى لأحصل على الحياة الأبدية لكن
هم يجرون إلى حفرة الهلاك. *أشكرك أيها الرب إلهى لأنك لم تخلقنى فى المدن الكبيرة
مثل روما التى يعيش سكانها على السرقة والنجاسة والباطل والحلف بالكذب.
أما
العشار فوقف ناظرا للأرض شاعرا بعدم الإستحقاق أن يقف مع شعب الله، لا يطلب سوى
الرحمة، شاعرا أنه وحده الخاطئ أما بقية الناس حوله هم أبرار [هكذا شعر بولس
الرسول فقال "الخطاة الذين أولهم أنا" أما قبل المسيحية يقول بولس
الرسول "من جهة الناموس فريسى … من جهة البر الذى فى الناموس بلا
لوم"]. وأخذ العشار ما طلبه أى مراحم الله. أما الفريسى لم يحصل عليها
فهو لم يطلبها إذ يشعر أنه غير محتاج إليها لأنه بار. [لاحظ صلوات كنيستنا
القبطية والتركيز على صلاة يا رب إرحم – كيريى لايسون].
مثل
العبد الذى لا يغفر :- هذا المثل ورد فى إنجيل القديس متى،
وقاله الرب يسوع قبل رحلة الرب يسوع الأخيرة إلى أورشليم وقاله خلال فترة وجوده فى
بيرية. والعلاقة بين مثل الفريسى والعشار ومثل العبد الذى لا يغفر واضحة، إذ
قالهما الرب فى نفس الوقت، وهى طلب رحمة الله – والغفران للآخر. وهكذا قال الرب
لبطرس أن يغفر لأخيه 7 مرات 70 مرة أى بلا حدود.
الفصل العشرون
تعاليم الرب الأخيرة فى بيرية
لو13 : 23 – 30 ، 31 – 35 ، 14 : 1 – 11 ، 25 – 35 ،
17 ، 1 – 10
1)
الباب الضيق :- تكلم الرب فى (مت7 : 13) عن ضرورة الدخول من الباب
الضيق فى العظة على الجبل، وهنا أيضا فى إنجيل القديس لوقا يتكلم عن الدخول من
الباب الضيق، والفارق كبير فى تطبيق مفهوم الباب الضيق. ففى إنجيل متى كان كلام
الرب موجها لتلاميذه ولكل الشعب عن ضرورة الإبتعاد عن شهوات العالم وملذاته،
والجهاد والتغصب. أما هنا فالكلام موجه للفريسيين المتكبرين ويظهر صعوبة خلاص
هؤلاء الفريسيين الذين يريدون الدخول بطريقتهم الخاصة. وكان مثل الباب الضيق الذى
قاله الرب يسوع هنا عقب سؤال من أحد الفريسيين كمندوب عنهم "أقليل هم الذين يخلصون".
وكان سؤال الفريسى للسيد عقب مثل إنتشار ملكوت الله كشجرة الخردل حينما تنمو
(لو13 : 18) وتبعه الرب بمثل الخميرة وإنتشارها. وفى ضوء مفهوم الفريسيين نفهم أن
سؤال هذا الفريسى لا يقصد به الحياة الأبدية للروح بل المميزات التى سيحصلوا
عليها. فهم يطبقون ما حدث عند دخول أرض الميعاد مع ملكوت المسيا، فلم يدخل أرض
الميعاد سوى يشوع وكالب. علمت فى شوارعنا = هنا هم يعتمدون على وجود الأباء
والأنبياء فى الملكوت الذين أرسلهم الله لإسرائيل لكن كبريائهم كان السبب فى إغلاق
الباب أمامهم. بل قال لهم "لا أعرفكم، من أين أنتم". هم إعتمدوا على
أبائهم الذين أكلوا وشربوا أمام الله (خر24 : 11) ولكن قول الرب يعنى أنتم لستم
مثلهم، لا تشبهونهم. أما الممنوعين فى العظة على الجبل (مت7) فهؤلاء كان يُعلِّمون
ولكن لا يعملون بما يقولونه.
2)
الفريسيين يخيفون السيد بهيرودس :- جاء الفريسيين للرب يسوع ليخيفونه
بأن هيرودس يريد أن يقتله. وقد يكون هذا صحيحا ولكن الأقرب للحقيقة أنهم يريدونه
أن يترك بيرية بسبب إلتفاف الناس حوله ومعجزات الشفاء التى يعملها (لو13 : 32).
وكانت الجليل وبيرية خاضعتان لحكم هيرودس أنتيباس. ورأينا من قبل تواطؤ الفريسيين
مع هيرودس لقتل المعمدان مما أدى فى النهاية لسجنه نتيجة لدسائسهم. فكان هيرودس
يطلب أن يرى المسيح الذى سمع عنه (لو9 : 9)، وخاف أن يكون هو المعمدان. ربما ليرضى
فضوله أو ليتحقق هل يستحق كل ما يسمعه عنه، وليضعه تحت سلطانه. ولعب الفريسيين على
رغبة هيرودس أن يراه ورعبه منه ليثيروه ضد المسيح أيضا. ونلاحظ أن سجن المعمدان
كان لسببين : إعلانه عن المسيح وأيضا بسبب موضوع هيروديا. ولكن الرب الذى يعلم يوم
الصليب لم يهتم بهذه التهديدات، وقال لهؤلاء الفريسيين "أنا سوف أعمل
وأُكمِّل العمل الذى أرسلنى الآب لأكمله أولا، ثم أسلَّم، فأنا لى ميعاد محدد ولن
يكون لهيرودس أى دخل بتسليمى ولا صلبى ولن أصلب فى ولايته، بل فى أورشليم =
فقول الرب "لا يهلك نبى خارج أورشليم، فأورشليم فعلا قتلوا فيها أنبياء
ورفضوا أنبياء كثيرين، لكن الرب هنا يحدد مكان موته وأنه خارج سلطان هيرودس. اليوم
وغداً = غداً لا تؤخذ بالمعنى الحرفى، فهى قد تعنى اليوم التالى ولكنها تعنى
أيضا المستقبل كما فى (خر13 : 14 ، يش22 : 24) وهذا الأسلوب نجده فى العربية أيضا.
3)
فى بيت فريسى :- قام أحد رؤساء الفريسيين بدعوة الرب لمأدبة يوم سبت
ومعه فريسيين كثيرين ليستدرجوه، ووضعوا أمامه مريض مستسقٍ. والرب بحنانه شفاه. هى
مأدبة حقا ولكنها خالية تماما من المحبة، فهم خالين تماما من المحبة وكلهم كبرياء
وبر ذاتى وإحتقار للخطاة بل ولمن هم أقل منهم علما، ومنهم المساكين والعميان
والمفلوجين الذين يملأون شوارعهم. بل هم فى حالة عدم محبة لبعضهم البعض فيتصارعون
على الأماكن الأولى. وهذا ما وبخهم الرب عليه.
4)
ثمن التبعية :- سبق الرب وعلَّم أن من يريد أن يصير تلميذا له عليه
أن يحبه أكثر من الجميع. ولكن هنا يذكر الرب الأسباب التى تمنع التلمذة : محبة
الآخر أكثر من المسيح، ومن يرفض حمل الصليب. وذلك لأن كراهية المسيح إزدادت من
الفريسيين، ومن آخرين بعدهم. وصار من الصعب لمن يتبع المسيح أن ينجو من إضطهاد
هؤلاء الذين يبغضون المسيح. والمسيح لا يطلب أن نبغض أحدا بل أن نبتعد عن كل ما،
وكل من يعطلنا عن المسيح. وهذا يتطلب منا ثمنا علينا أن ندفعه ولنحسب حساب النفقة
قبل أن نقبل التبعية. ومن يجد فى داخله حبا للرب فهذا الحب سيعطيه قوة ليتخذ قراره
ويترك كل شئ. ومن ينتصر على نفسه داخليا سينتصر إذا جاءت عليه الحرب خارجيا. ثم
ينتقل الرب إلى مثل يهودى مستخدم عن الملح غير الجيد الفاسد وهذا لا يصلح لشئ، لن
يصلح أرضا ولا مزبلة. وطبقه على تلاميذه الذين هم ملح جيد قادر أن يصلح الناس.
ولكن إذا فسد تلميذ وفقد التمايز عن من حوله لن يُصْلِح أحد.
5)
خدمة المسيح ونحن على الأرض :- كل هذه الأمثال والتعليم كانت قبل أن
يقيم الرب لعازر، وبها يختم الرب تعاليمه العلنية فى بيرية. وهنا يطلب الرب أن
نعمل ونخدم الرب فى حياتنا طالما نحن على هذه الأرض أما الراحة فهى فى السماء.
والرب يطلب أن نظل نخدمه قبل أن "نجلس لنأكل ونشرب" والمقصود بالأكل
والشرب بالنسبة لنا، راحتنا وشبعنا وفرحتنا بالمسيح فى الأبدية، فى عشاء عرس
الخروف. [أما الأكل والشرب بالنسبة للرب فهذا يعنى فرح الرب وشبعه بالنفوس التى
تعرفه وتعود إلى حضنه إش53 : 11].
الفصل الحادى والعشرون
موت لعازر وإقامته – المدافن وعادات الدفن عند اليهود
يو11 : 1 – 54
زيارة
الرب لبيت عنيا كانت ليقيم لعازر، وهذه الزيارة تقسم الفترة ما بين عيد التجديد فى
أورشليم، وبين دخول الرب إلى أورشليم للمرة الأخيرة فى الفصح ليصلب. وكانت إقامة
لعازر هى المعجزة الكبرى التى قام بها المسيح ورأينا فيها لاهوته مع ناسوته. وهى
السبب المباشر الذى من أجله إتخذ السنهدريم قراره بأن يموت المسيح، وبدأ التخطيط
لذلك.
مرض
لعازر وأرسلت الأختين مريم ومرثا ليخبرا المسيح الذى كان فى بيرية، ويبدو أن
العائلة كانت تعلم أين يقيم المسيح فى بيرية أو أين مركز خدمته. وتأخر المسيح ولم
يجسر تلاميذه أن يسألوه لماذا، إذ هم يعرفون محبة الرب لهذه العائلة. وبعد يومين
أخبرهم أنه سيذهب وخافوا أن يقتله اليهود. كانت إجابة المسيح "ساعات النهار
إثنتى عشرة ساعة، من يسير فى النهار لا يمكن أن يتعثر، أما لو مشى فى الليل
يتعثر" والمعنى لقد حدد الله لنا عملا وعمرا ننهى فيه العمل وبعد ذلك تنتهى
حياتنا على الأرض، ونور النهار هنا مقصود به المدة التى يضئ فيها الرب للإنسان
طريقه ليعمل ويتمم عمله. ولا يمكن أن نموت قبل أن يسمح الله عندما ننهى عملنا.
وحينما ينتهى نور النهار الذى حدده الله للإنسان ليتمم عمله يتعثر هذا الإنسان أى
يحدث له حادثا فيموت، فالتعثر هنا يعنى الموت. فلماذا الخوف، لأنه ليس لأحد سلطان
على الحياة إلا الله. ولم يقل السيد "سنذهب إلى بيت عنيا" بل قال
"نذهب لليهودية" فلماذا؟ جغرافيا بيت عنيا فى اليهودية، ولكن الرب له
قصد آخر – فإقامة لعازر كانت جزء من خطة الصليب، فإقامة لعازر كانت سببا مباشرا
لإتخاذ سنهدريم اليهودية قرارا بموت المسيح. إذاً إقامة لعازر كانت عملا موجها
للرئاسات الدينية فى اليهودية.
لعازر
له 4 أيام فى القبر = فالعادة اليهودية أن يتم دفن الميت يوم
موته. وفى إقامة إبن أرملة نايين ذكرنا بعض عادات وشرائع الدفن عند اليهود ونضيف
عليها هنا البعض الآخر : فى الجليل يتقدم النائحين الذين يتم إستئجارهم النعش أما
فى اليهودية يسيرون خلف النعش، وهؤلاء يرددون كلمات تذكر فضائل الميت مع أصوات
العويل وأناشيد حزن. وتقال خطب فى ندب الميت ويفترضوا أن الميت يسمع ما يقال
ويلاحظ علامات التأثر على الحاضرين. ومن قصة لعازر نفهم أنه لم يتم دفنه فى
المقابر العامة فى الأرض، وفيها يوضع الميت ويغطون الحفرة بالتراب، لكن لمن له
المقدرة كان يقتنى مكانا محفورا فى الصخر أو كهف يدفن فيه الميت. وكان المدفن من
حجرتين، الداخلية منهم لدفن الميت. ومقابر العامة تكون مرتفعة عن الأرض لأنه لا
يليق أن يقف إنسانا فوق جسد ميت، وبين الميت والآخر مسافة 45 سم. وتدهن المقابر
باللون الأبيض ليتم تمييزها. وتزرع الورود فى المكان. وهناك أماكن معزولة لدفن
المجرمين وهكذا المنتحرين، ولا يقام لهم جنازات ولا ندب ولا أى مظهر من مظاهر
التكريم. ومن أسماء المدفن عند اليهود بيت الهدوء – منزل الحجر – الخان أو الفندق حيث
يبيت المسافر – بيت الراحة – مضجع – وادى الكثرة – دار الآخرة. وكان الدفن يتم
قديما بغير كفن. ولو مات طفل بعد أيام قليلة ولم يختن يختنونه قبل الدفن. وكانوا
يدفنون الأطفال بغير ندب. وكانت مظاهر الحزن والندب والعويل تستمر 30 يوما وأشدهم
الثلاثة أيام الأولى، ويليهم 7 أيام تقل فيهم شدة هذه المظاهر. ولا تقام مظاهر
الحزن فى يوم السبت فهو يوم راحة.
وكان
للعازر مدفنه الخاص فى كهف وغالبا يكون المدفن الخاص فى حديقة. ومع أنه كان فى
صداقة مع المسيح لم يخرجوه من المجمع ولم يعتبروه مرتد. فالمرتد كانوا لا يندبونه
بل يلبسون ملابس بيضاء إبتهاجا بموته. وهكذا دُفن المسيح فى قبر خاص. وكانوا
يطيبون الجسد بعطور كثيرة مثل المر والصبار والزوفا، وبعض زيوت الورود وماء الورد.
ثم يلبسون الميت ملابسه ويلفونه بقماش من المفضل أن يكون من الأغلفة التى كانوا
يغلفون بها التوراة. فكانوا يحفظون التوراة فى أغطية قماشية. ويوجد قبة فوق
المقبرة وداخل المقبرة أماكن لعدة متوفين بجانب بعضهم. وكانوا يجمعون العظام بعد
مدة ويلبسونها ملابس ويجمعونها معا.
وكانت
بيت عنيا تبعد حوالى 3 كيلومترات من أورشليم. وإجتمع الأصدقاء للتعزية. وكانت
العادة أن الرجال ينفصلوا عن النساء. وفى الذهاب والرجوع من المقابر تكون السيدات
وحدهن. ولذلك وجدنا المريمات وحدهن فى الذهاب لقبر الرب. وكان طبيعيا أن يظلوا
يذهبون للقبر يندبون الميت ثلاثة أيام. ولذلك كان عاديا أن مريم حينما عرفت بوجود
الرب خرجت مسرعة وحدها لتقابله فظنوها ذاهبة للقبر تبكى أخوها.
والعجيب
أن بعد هذه المعجزة العجيبة نجد البعض يتوجه إلى الفريسيين ليخبرهم. وينقسم
الرؤساء لفريقين أحدهما الصدوقيون ومنهم رؤساء الكهنة قيافا وحنانيا، وهؤلاء لا
يصدقون أن هناك قيامة أموات، والفريق الذى يصدق القيامة كالفريسيين قالوا عن طريق
الشياطين أو هى حيل وخداع شياطين. ولكن إتفق الجميع على ضرورة التخلص منه لئلا
يتبعه الجميع. ولو تبعه الجميع سيتزعمهم ضد الرومان، فيأتى الرومان ويدمرون البلد
والهيكل وتختفى إسرائيل كأمة فى حربها مع روما. وهنا يذكر قيافا قول يهودى مأثور
"أن يموت إنسان خير من أن تهلك الأمة". وكانت هذه آخر نبوة قيلت فى
إسرائيل، فبموت رئيس الكهنة الحقيقى ماتت النبوة فى إسرائيل وإنتهى الكهنوت من
إسرائيل. وغالبا فقد أرسل نيقوديموس خطة السنهدريم للرب يسوع ونيتهم فى قتله،
فإنسحب الرب إلى إفرايم حتى يحين موعد دخوله أورشليم النهائى فى الفصح. إفرايم
= غير محدد مكانها ولكنها تقع غالبا على حدود الجليل،
فإنزعج
يسوع أيضا فى نفسه = القيامة من الأموات ليست عطية أو هبة
يعطيها المسيح، لكنها حياة خارجة منه فهو القيامة والحياة. وهذا القول إنزعج
نتأمل فيه ولا نستطيع فهمه تماما ولكن ربما يمكننا القول أنه يظهر جانبين فى
المسيح لطبيعته الإلهية الإنسانية. فالحياة تنبع من طبيعته الإلهية، أما الجسدية
الضعيفة هى التى تجوع وتعطش وتبكى أمام هذا الموقف. فلا ندرى تماما ما حدث لها فى
هذه اللحظة التى عبَّر عنها القديس يوحنا بقوله إنزعج. ونلاحظ أن كلمة بكى
هنا هى كلمة غير كلمة بكى يسوع على أورشليم. هنا نزلت الدموع من عينيه، أما فى
بكائه على أورشليم فكانت دموعه تنفجر مع تنهداته بشدة حينما رأى أمامه مشهد
أورشليم وما سيحدث لها. ونلاحظ أن صلاة يسوع أمام الجموع كانت لسبب أن يظهر أن
العمل إلهى وأنه مرسل من الله وليس من نفسه ولا من الشيطان.
اليوم
الرابع =
كان اليهود يؤمنون بأن فساد الميت يبدأ فى اليوم الرابع حينما تسقط قطرة مرارة من
سيف الملاك على الجسد فيبدأ يبلى، ويتغير شكل الوجه، وتبدأ الروح فى مغادرتها
النهائية للجسد التى كانت ترتاح فيه.
الفصل الثانى والعشرون
الرحلة إلى أورشليم – مغادرة إفرايم عبر السامرة
والجليل – شفاء العشرة البرص
تعاليم للرب عن المجئ الثانى وعن الطلاق ووجهات النظر
فى الطلاق – مباركة الأطفال
مت19 : 1 ، 2 + مر10 : 1 + لو17 : 11 + لو17 : 12 – 19
+ مت19 : 3 – 12
+ مر10 : 2 – 12 + مت19 : 13 – 15 + مر10 : 13 – 16 +
لو18 : 15 – 17
إنتهى
وقت الراحة فى إفرايم وبدأت رحلة التوجه إلى أورشليم. وقد أشار الإنجيليين الثلاثة
لبدء هذه الرحلة. (مت19 : 1، 2 + مر10 : 1 + لو17 : 11) مع فروق طفيفة. ففى متى
ومرقس يقولان أن الرب إنتقل من الجليل إلى اليهودية، أما لوقا فيقول أنه إجتاز وسط
السامرة والجليل وهذا يعنى الحدود بين السامرة والجليل. وغالبا إتجه الرب من على
حدود السامرة الشمالية إلى مكان ما فى جنوب الجليل وإنضم إليه مجموعة من تلاميذه،
وأيضا تبعته مجموعة من النساء (مر15 : 40 ، 41). وغالبا تبعه هؤلاء من الجليل عند
بدء رحلته إلى أورشليم ولم يكونوا معه فى عيد التجديد ولا فى بيت عنيا. وإتجهت هذه
المجموعة كلها إلى أورشليم وهذا كان طبيعيا فى المواسم أن تتجه جماعات كبيرة فى
قوافل إلى أورشليم. ونلاحظ أن الفصح كان قد إقترب وكانت هناك جماعات كثيرة متجهة
إلى أورشليم. وإخترقت المجموعة بيرية حيث كان الرب يعلم ويشفى وقد ذكر كل من
الإنجيليين من الأحداث والتعاليم ما يتفق مع سرده للقصة.
1)
شفاء العشرة البرص :- ذكر القصة القديس لوقا الذى إهتم بذكر
أحداث بيرية ومنها شفاء البرص ثم مجيئه الثانى (17 : 20 – 37) ثم قصة زكا. وهذا
كله لم يتعرض له إنجيلى متى ومرقس. وفى دخوله لقرية فى الطريق قابله العشرة البرص
وشفاهم ولكن عاد واحد فقط ليشكره فحصل على الخلاص. وهنا نحن أمام موقفين. شخص يطلب
منفعة من المسيح (الـ9 البرص)، وشخص آخر يجد المسيح ويعرفه ويحبه فيخلص خلال منفعة
أخذها من المسيح (هذا السامرى الذى عاد ليشكر). للـ9 الشفاء كان الهدف وللـسامرى
الذى عاد ليشكر الرب كان الشفاء الوسيلة ليعرف المسيح فيخلص.
2)
حديث المسيح عن المجئ الثانى :- تكلم الرب عن هذا كرد على إستجواب
الفريسيين له. ونؤجل الحديث عن العلامات لحين الحديث عن التفاصيل الكاملة التى
ذكرها الرب قبل نهاية خدمته على الأرض.
3)
الطلاق :-
إقترب المسيح من أماكن وجود الفريسيين الكارهين له. فجاءوا إليه ليجربوه فى مسألة
الطلاق. ولاحظ أنهم فى بيرية وهى منطقة خاضعة لهيرودس ليسمعوا منه رفضه للطلاق
ويذهبوا لهيرودس ويبلغوه فيهيجوا هيروديا عليه كما حدث مع المعمدان فى نفس النقطة.
وأيضا أدخلوا الرب فى الإختلافات بين مدارس الربيين، وظهر هذا فى صورة السؤال الذى
وجهوه للرب "هل يحل للرجل أن يطلق إمرأته لكل سبب". فكل مدارس الربيين
تسمح بالطلاق ولكنهم يختلفوا فى الأسباب التى تبيحه. ولكن معظم الربيين المعتبرين
لا يشجعون الطلاق. وحتى التلمود يصرح بالطلاق فى حالة الخطية ولكنه يقول أن من
يطلق إمرأته يجعل مذبح الله يذرف الدمع عليه (مأخوذة من ملا2 : 13 – 16). والناموس
يقف ضد الطلاق. ومع هذا كان الطلاق شائع فى المجتمع اليهودى والقانون يبيحه. كان
ذلك راجعا لعدم تقدير المرأة فى المجتمع، وعدم وجود رؤية روحية للزواج. أما
المسيحية فرفعت شأن المرأة وذلك بأن إستعادت روح ناموس الله الأصلى.
والعجيب
أن اليهود قالوا أن الطلاق هو منحة من الله لليهود وليس للأمم. وأخذ اليهود فكرة
الطلاق من (تث24 : 1) ورد الرب على تصريح موسى هذا، بأنه كان لقساوة قلوبكم،
لحماية المرأة من زوجها الذى "وجد فيها عيب شئ". وبحسب مدرسة شماي فإن
العيب هو الزنا فقط، حتى لو كانت إمرأة عابثة كإيزابل إمرأة أخاب أو زوجة قورح
(بحسب التقليد). ولكنه عاد وقال أن هذا مجرد نصيحة جيدة فقط، ولكن كانت هناك
تسهيلات كثيرة. ولذلك سمح القانون اليهودى بالطلاق لأسباب كثيرة جعل الرجال فى
حرية ليطلقوا زوجاتهم عندما يريدون. بل كانت أسباب الطلاق فى مدرسة هليل أنه يسمح
بالطلاق لو أفسدت المرأة طعام زوجها. وقال الرابى أكيبا تطبيقا لقول موسى "إن
لم تجد نعمة فى عينيه" إن وجد الرجل إمرأة أخرى إنجذب إليها فليطلق إمرأته.
بل وبحسب المشناة تطلق المرأة وتخسر المرأة مهرها إذا أهملت فى تطبيق وصايا
الناموس كالعشور وبكور العجين أو قوانين التطهير. وقوانين التطهير طبقوها لو خرجت
للسوق ووجهها غير مغطى أو تكلمت مع رجل أو دخلت فى مشاجرة أو تكلمت مع والدى زوجها
بعدم إحترام فى وجوده، وتطلق المرأة التى لا تنجب لمدة عشر سنين والمرأة التى تثير
المشاكل. ولأن الطلاق كان بهذه السهولة لم يسأل الفريسيين الرب "هل يحل
الطلاق أم لا" فهذا فى نظرهم أمر مفروغ منه، فلم يقل أحد أن الطلاق إلا لعلة
الزنا فقط سوى المسيح. وحتى تلاميذ المسيح (ليس بالضرورة أن يكونوا من الإثنى عشر)
نجدهم قد إستصعبوا فكرة عدم الطلاق إلا لعلة الزنا وغالبا كان سؤالهم للمسيح
وإجابته عليهم على إنفراد.
4)
الرب يسوع يبارك الأطفال
الفصل الثالث والعشرون
الأحداث الأخيرة فى بيرية – الشاب الغنى – ترك الكل
لأجل المسيح
النبوة بالآمه – طلب سالومة أم إبنى زبدى
مت19 : 16 – 22 + مر10 : 17 – 22 + لو18 : 18 – 23 +
مت 19 : 23 – 30 + مر10 : 23 – 31 + لو18 : 24 – 30 + مت20 : 17 – 19 + مر10 : 32
– 34 + لو18 : 31 – 34 + مت20 : 20 – 28 + مر10 : 35 – 45
الشاب
الغنى :-
قيل عنه أنه رئيس (لوقا) وهذا يعنى غالبا أنه عضو فى المجمع المحلى وليس بالضرورة
من السنهدريم. وجاء للمسيح بإخلاص ساجدا (مرقس) وليس كباقى الفريسيين المتكبرين
ببرهم الذاتى يريدون الدخول فى مناقشات وحوارات الربيين العقيمة مثل "من هو
قريبى". بل هو شاب لم يتلوث بنجاسات العالم وله إشتهاء فعلى للنمو الروحى
ومعرفة الحق والأفضل. والرب بدأ معه أولا بالخطوة الأولى أى الإلتزام بالوصايا،
وهذه يسهل كسرها. ويصعد به للدرجة الأعلى وهى أنه يوقظ الضمير تجاه الخطية. ويقول
للمسيح حفظت الوصايا من صغرى "فماذا يعوزنى بعد" (متى). ووُجِد هذا
السؤال يتكرر للربيين من تلاميذهم وتكون إجابتهم ملاحظة الناموس "لا يوجد شئ
أفضل من الناموس". أما المسيح هنا فنجده يجذب لشئ آخر وهو سحب القلب تجاهه
والتلمذة له. ولكن هذا الشاب كان غنيا. وفى حالة شاب صغير يكون هذا المال سببا فى
إنجذاب القلب بعيدا عن التقوى الحقيقية. وهو سمع عن المسيح ولأنه باحث عن الحق
والعمق ذهب للمسيح فى خشوع ساجدا وليس كالفريسيين المتكبرين ولذلك نظر إليه الرب
وأحبه وعرف نقطة ضعفه. هو ليرتفع روحيا عليه أن يترك كل شئ ويتبع المسيح ويتتلمذ
عليه ويكتشف مع بطرس معنى "إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو6
: 68). إذاً عليه أن يترك كل شئ يمنعه عن الإلتصاق بالمسيح، وماذا يمنع هذا الشاب
الغنى سوى أمواله؟ إذاً عليه أن يعطيها للفقراء ويضيع ثروته الأرضية فيكون له كنزا
سماويا. ولكل منا شئ قلبه معلق به فى هذه الأرض ليس بالضرورة أن يكون المال،
وعلينا أن نتخلى عنه لنلتصق بالمسيح فتكون لنا الحياة السماوية. أما تعليم الربيين
فهم إكتفوا بالصدقة للفقراء وكانت ممتزجة بالنفخة والكبرياء.
وهنا
سأل بطرس الرب عن "ماذا سيكون لنا ونحن قد تركنا كل شئ وتبعناك" وكان رد
الرب "من ترك شيئا سيأخذ الكثير هنا على الأرض ولكن سيكون ذلك وسط إضطهادات.
ثم سيأخذ الكثير فى الحياة الأبدية [هناك مقولة ممتعة لمن يريد أن يصدق "الله
لا يبقى مديون"]. وقبل أن يعيش تلاميذه فى خيالات المجد المنتظر
حدثهم الرب عن الوقت الحاضر وألامه وضرورة الصليب. فخطأ اليهود الكبير كان أحلامهم
فى مجد أرضى عظيم فى أيام المسيا. هم يريدون المسيا ملك أرضى منتصر متوج. ولكن نجد
هنا أن الرب يسوع له منطق مختلف فالمسيا المنتظر هو المسيح المخلص عن طريق الصليب.
أما اليهود فهم يريدون تاج بدون صليب. وهذا كان سبب فشل اليهود فى معرفة المسيح.
وكل ما حدث من ألام للمسيح مشروح فى النبوات، وهكذا شرحها الرب لتلاميذه هنا.
ولكنهم لم يفهموا بسبب تصوراتهم القديمة عن المجد المسيانى على الأرض كما فهموه من
الربيين. وهذا ما شرحه الرب لتلميذى عمواس بعد ذلك.
والعجيب
أنه بعد كل شرح المسيح عن حتمية الصليب نجد إبنى زبدى، يعقوب ويوحنا يطلبون الجلوس
عن يمين المسيح فى مجده مستغلين قرابتهما الجسدية للمسيح فأمهما هى خالة المسيح.
يعقوب ويوحنا كلهم حب مخلص للمسيح وإيمان قوى به ولكن كان فكر العظمة مسيطرا على
العقول حتى هذه اللحظة. ومع أن المسيح لم يعدهما بشئ إلا أن بقية التلاميذ إغتاظوا
من أجل الأخوين.
الفصل الرابع والعشرون
فى أريحا وبيت عنيا – زكا – شفاء بارتيماوس الأعمى
المؤامرة فى أورشليم – وليمة بيت سمعان الأبرص
لو19 : 1 – 10 + مت20 : 29 – 34 + مر10 : 46 – 52 +
لو18 : 35 – 43
+ يو11 : 55 – 12 : 1 + مت26 : 6 – 13 + مر14 : 3 – 9
+ يو12 : 2 – 11
ترك
الرب يسوع الآن الجليل وبيرية وعبر مخاوض الأردن للمرة الأخيرة، عابرا إلى
اليهودية، سائرا بثبات نحو الهدف الذى تجسد لأجله، أى ليصلب فداء عن البشر فى عيد
الفصح ليكون هو خروف الفصح الحقيقى فى هذا اليوم حسب النبوات. أتم كرازته وتعاليمه
ومعجزاته التى أعلنت محبته ورحمته، ومع كل هذا ظل مرفوضا. ولم يأتى وحيدا كما أتى
فى عيد المظال، بل أتى إلى هذا العيد فى موكب من تلاميذه ورسله وتلاميذه الكثيرين
الذين أحاطوا به. أتوا كموكب كبير من مواكب الحج التى تأتى إلى أورشليم فى موسم
الفصح. وكانت محطة الرب الأولى فى أريحا التى تبعد مسيرة 6 ساعات عن أورشليم.
وإشتهرت أريحا بخصوبة أرضها وجمالها وينابيعها حتى أطلقوا عليها "جنة عدن
فلسطين" وكان بومبى الرومانى قد هدم أسوارها وحصونها، ولكن جاء هيرودس الكبير
ليعيدها لجمالها ويبنى بها سورا وقلاعا وقصورا ومسارح وحدائق وهكذا عمل إبنه
أرخيلاوس. وكانت أريحا محطة تجمع الكهنة قبل توجههم إلى أورشليم. وفى مواسم الحج
كانت تمتلئ بمواكب الحجاج قبل دخولهم إلى أورشليم.
زكا
العشار :-
فى أريحا تقابل الرب مع زكا العشار. وكما رأينا كان هؤلاء العشارين لصوصا وسمعتهم
رديئة ومكروهين. وزكا كان غنيا ولكن بطرق غير شريفة. وقد سمعنا من الرب أن دخول
غنى إلى ملكوت الله صعب فكم بالحرى الذى إغتنى هكذا. وقد إجتمع الكثيرين ليروا
المسيح الذى سبقته سمعته وأعماله وبالذات إقامته لعازر. بل إجتمع كثيرين ليروا هذا
النبى الذى إختلفوا حوله وهل يعمل معجزاته بقوة إلهية أم بعمل الشيطان. وعندما
وصلت أخبار عبوره مخاوض الأردن تجمع الناس ليرونه. هل يأتى فعلا ويعلن نفسه، بعد
كل أعماله التى عملها خلال السنوات الثلاث الماضية. وهل يأتى فعلا بعد أن عرف قرار
السنهدريم بقتله؟ (لقد أصدر السنهدريم قرارا بأن من يعرف طريقه فليدل عليه ليأتوا
ويأخذوه. كان السنهدريم يتمنوا إعتقاله سرا فى بيت حتى لا يثيروا الجماهير). وكان
هناك تساؤل – لماذا يأتى؟ ولماذا يأتى فى العيد حيث الإزدحام وإمكانية قتله تزداد؟
وإذا لم يأتى ويعلن نفسه فهل كل ما إدعاه وقاله هل كان غير حقيقى ويكون كلام
السنهدريم والكهنة عنه صحيحا؟ وإذا أتى فى الخفاء فهذا يعتبر هزيمة أمام الكهنة
والسنهدريم. لكنه ها هوذا يأتى فى موكب كبير. كل هذه التساؤلات كانت سببا فى تجمع
الكثيرين ليرونه. وسمع زكا بقدوم المسيح الذى ربما سمع كلامه من قبل وربما دفعه
فضوله ليذهب ويراه، ولكن بالأكثر هو إستمع لصوت الروح القدس يناديه للذهاب ليرى
المسيح. كان ضمير زكا متألما بسبب أعماله ولكن ما سمعه من الربيين والفريسيين سبب
له إحباطا شديدا، إذ فهم أن توبته شبه مستحيلة وأنه غير مقبول أمام الله. ولكن
الروح حرك قلبه والرب يسوع سار إلى الشجرة التى كان فوقها ليَقْبَلَه. وما أن دخل
المسيح بيته باع كل شئ [وهذا ما كان ينقص الشاب الغنى].
شفاء
بارتيماوس الأعمى :- نرى تكامل الأناجيل، فهذا يعرض نقطة
والآخر يكمل بالأخرى. فنرى متى يقول أن الرب تحنن وشفى الأعمى، ونجد مرقس يقول أن
الإيمان شفاه. فالرب تحنن وسأله أتؤمن ليحفز إيمانه ويحركه ولما نطق بأنه يؤمن
شفاه فهو بهذا شفى إيمانه وبصره. وبينما يقول متى أنهما كانا إثنين يقول مرقس
ولوقا أنه واحد ويذكر مرقس إسمه. وغالبا هم كانوا إثنين والمتكلم فيهم هو
بارتيماوس. [فى رأيى أنهم إثنين وكعادة الإنجيليين هم لا يؤرخون بل هم يعطون
وجهة نظر عن المسيح كلٌ من زاوية غير الآخر. فمتى يكتب لليهود فيقول كانوا إثنين
أعميان ويشير بهذا لليهود والأمم، أما مرقس ولوقا فيشيروا بقولهم واحد إلى الأمم
فهم يكتبون للأمم. وكان هذا قبل دخول المسيح إلى أورشليم يوم أحد الشعانين ونرى
فيه الأطفال المبصرين يسبحونه. والمعنى أن الكل يهودا وأمما كانوا عميانا وبدخول
المسيح لحياتنا إنفتحت بصيرتنا. وبنفس المعنى وضع القديس يوحنا قصة المولود أعمى
قبل دخول المسيح إلى أورشليم مباشرة فهكذا كان الجميع قبل دخول المسيح للعالم.
وبنفس الطريقة يذكر متى أن المسيح دخل إلى أورشليم راكبا حمار وجحش (رمز للأمم
واليهود) بينما مرقس ولوقا ويوحنا يذكران الجحش فقط فهم يكتبون للأمم. فالجحش لم
يركبه أحد من قبل رمز للأمم الذين لم يعرفوا الله ولم يخضعوا لقيادته من قبل، عكس
اليهود الذين كانوا خاضعين لله].
مريم
ساكبة الطيب :- وأتى المسيح إلى بيت لعازر الذى أقامه من قبل فى
الزيارة السابقة. أتى قبل الفصح بستة أيام حيث أعدوا له وليمة يوم السبت. وسمعان
الأبرص صاحب البيت هو إما زوج مرثا أو هو والدهم. وكان أبرصا وشفاه المسيح قبل
ذلك. وجاءت مريم بطيب ناردين من أغلى الأنواع (غير مخلوط بشئ) وهذا من أفخرها
وثمنه 300 دينار. ولنرى ماذا يعنى هذا الرقم – فخبز بـ200 دينار يكفى 5000 شخص مع
عائلاتهم. وأجرة العامل دينار واحد فى اليوم.
فعلت
ذلك لأجل تكفينى = وقول الرب أن هذا الطيب كان لتكفينى يشير
لأن مريم التى أحبته حقيقة فهمت كلامه وصدقته وأنه مقبل فعلا على الموت خلال
الفصح، وهى سمعت قرار السنهدريم وفهمت، وأتت بهذا الطيب لتكفينه فعلا. هى فهمت،
والتلاميذ الذين شرح لهم المسيح هذا عدة مرات لم يفهموا ولم يصدقوا! فلماذا؟ لأن
لهم أحلام فى مجد أرضى حينما يملك المسيح كملك. أما مريم فقد دخل كلام المسيح إلى
قلبها مباشرة وصدقته لأن محبتها كانت كاملة حقيقية. هذه المحبة التى تفتح العيون
لترى ببصيرة مفتوحة هى التى قال عنها المسيح "الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا
الإنجيل فى كل العالم، يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها". [وقال عنها
القديس بولس الرسول "وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة" أف3 : 19].
الصليب
والإكليل.
الفصل
الأول
اليوم الأول فى أسبوع الألام – أحد
الشعانين – دخول المسيح أورشليم كملك
مت21 : 1 – 11 + مر11 : 1 – 11 +
لو19 : 29 – 44 + يو12 : 12 – 29
دخل الرب يسوع أورشليم كملك حسب النبوات
أنه يملك كإبن داود. وكانت مملكة داود رمزا لمملكة المسيح. ولكن كانت توقعات
اليهود الجسديين أن يدخل المسيح أورشليم كملك أرضى منتصر، لكن المسيح كان يؤسس
مملكة من نوع آخر. لذلك دخل "وديعا متواضعا راكبا على جحش إبن أتان"
(زك9 : 9) وهذه الآية طبقها الربيين بإجماع على المسيا مع نبوة إشعياء "قولوا
لإبنة صهيون، ها مخلصك آتٍ. ها أجرته معه وجزاؤه قدامه" (إش62 : 17). وكان
دخول الرب إلى أورشليم يوم أحد فى ربيع سنة 29م، وكان ذلك ظهرا. ولما وصل موكب
الرب إلى بيت فاجى أرسل تلاميذه ليأتوا له بالآتان والجحش من القرية. ولقد وافق
صاحب الأتان على ترك الجحش لأنه فهم أن الرب يريد دخول أورشليم بهذا الموكب، بعد
أن إنتشرت أخبار عزمه على دخول أورشليم. وهو وافق أن يشارك فى هذه المناسبة، إذ
فهم الغرض من وراء هذا الدخول المهيب. وسار الموكب الآتى من بيت عنيا إلى أورشليم.
وإنتشر خبر دخول السيد إلى أورشليم فتجمع
حجاج الجليل الذين يعرفونه، ومعهم الذين سمعوا بمعجزة إقامة لعازر وصار الموكب
كبيرا. وإنضم عليه الموكب الذى أتى مع الرب يسوع من بيت عنيا. وكان الناس يتساءلون
عنه "من هذا"، فيقول البعض هذا يسوع النبى الذى من ناصرة الجليل".
ويجيب شهود معجزة إقامة لعازر بما حدث. وتزداد حماسة الجميع الذين فهموا أنه
المسيا إبن داود فرتلوا المزمور 118 "أوصنا يا إبن داود = يا رب خلص".
وكانت هذه هى العادة – أن يستقبل الموجودين بأورشليم مواكب الحجاج الآتين من
الجليل بترتيل هذا المزمور، ويرد الحجاج بمزمور (103 : 17) "أما رحمة الرب
فإلى الدهر والأبد على خائفيه، وعدله على بنى البنين". ولكن حماس الناس فى
هذا اليوم كان أكثر كثيرا من إستقبال مواكب الحجاج العادية، فهم تصوروا أن مملكة
داود عائدة قريبا. وهذا ماجعل الفريسيين الكارهين للرب يسوع يستشيطون غيظا وحسدا،
ويقولون له "يا معلم إنتهر تلاميذك" فقال لهم الرب "إنه أن سكت
هؤلاء فالحجارة تصرخ"، وهذه العبارة "الحجارة تصرخ" موجودة فى
تعاليم الربيين وكتاباتهم". وفيما هو يقترب إلى المدينة نظر إليها ورأى ما
سيحدث لها بعد سنوات قليلة فبكى عليها – وكلمة بكى هنا جاءت بمعنى تنهد بصوت مسموع
ودموع غزيرة.
ونلاحظ أن الفريسيين والكهنة صمموا على
قتل الرب يسوع ولكن بعيدا عن حجاج الجليل، أما يهود أورشليم فهم كانوا قد لقنوهم
كراهية الرب يسوع. وكانت غالبية الجموع الذين إستقبلوا الرب يسوع عند دخوله
لأورشليم من الجليليين. وكان الفريسيين والكهنة خائفين من القبض عليه وسط حجاج
الجليل الموجودين فى العيد. أما غالبية الموجودين بأورشليم من اليهود فكانوا من
الكارهين له بسبب إشاعات الفريسيين الرديئة عنه، وهؤلاء هم الذين صرخوا أمام
بيلاطس "أصلبه .. دمه علينا..".
وتوجه السيد إلى الهيكل الذى كان قد طهره
فى بدء خدمته (وذُكِرَ هذا فقط فى يو2). وكان هذا مساء، والخدمة قد إنتهت وإنصرف
الناس ورأى الأوضاع السيئة التى رجع إليها الهيكل من سرقات وغش وتجارة مرفوضة. ثم
توجه ليبيت فى بيت عنيا.
الفصل
الثانى
اليوم الثانى فى أسبوع الألام –
شجرة التين – تطهير الهيكل – أوصنا الأطفال
مت21 : 12 – 22 + مر11 : 15 – 26 +
لو19 : 45 – 48
يوم الإثنين صباحا خرج الرب من بيت
عنيا متوجها إلى أورشليم، وجاع ورأى شجرة تين أوراقها خضراء ممتدة ولم يجد بها ثمر
ولم يكن الوقت وقت إثمار التين. ولكن فى فلسطين يظهر الثمر قبل الأوراق. وعادة
يوجد على شجر التين بعض من الثمار المتبقية من الموسم الماضى وصالحة للأكل
ويستعملها المارة أو العاملين مع خبز عندما يشعرون بالجوع. وتقول المشناة أن التين
غير الناضج يبدأون أكله حينما يتغير لونه إلى اللون الأحمر. ولكن الرب لم يجد على
الشجرة العقيمة غير المثمرة لا ثمار قديمة ولا ثمار جديدة فلعنها. هذه التينة هى
التى قال عنها الرب مَثَلْ التينة غير المثمرة المزمع أن يقتلعها. شجرة التين هذه
كانت رمزا لإسرائيل التى أتى إليها الرب يسوع فوجدها أمة مزدهرة ولكن بلا ثمر كهذه
الشجرة، أوراق بلا ثمار. فشابهت أبوينا الأولين حينما تغطيا بأوراق التين. وهذا ما
جعل الرب يبكى على أورشليم فى اليوم السابق عند دخوله إليها إذ رأى ما سيُفعَل
بها. وتعجب التلاميذ حينما رأوا الشجرة جفت. وكان تعليق الرب "إن قلتم لهذا
الجبل بإيمان إنتقل فسينتقل". وكان هذا مثلا يستخدمه الربيين كمبالغة على عمل
الشئ المستحيل، ولكن الرب إستخدمه هنا للتدليل على أن الصلاة بإيمان تصنع
المعجزات. وكانوا يقولون هذا المثل على الرابى الذى يستطيع حل مشكلة كبيرة فى
تفسير الناموس. ووضع الرب شرطا آخر غير الإيمان لإستجابة الصلاة وهو أن نغفر
للآخرين. وكان التلاميذ فى إحتياج لهذا الدرس بسبب ما سيقابلونه فى المستقبل من
صعوبات.
ثم توجه الرب إلى الهيكل ثانية ليطهره.
وهذه المرة لم يسأله الفريسيين وغيرهم أن يعطيهم علامة فهم كانوا قد إتخذوا قرارهم
بقتل المسيح (يو2 : 18 + يو7 : 25 + يو11 : 49 ، 53). ولكنهم خافوا من جموع
الجليليين المحيطين به. ووسط كراهية اليهود للرب نجد الأطفال يسبحونه فهم فى
براءتهم رأوا وجهه المضئ. كان تطهير الرب للهيكل فى المرة الأولى (يو2) للتعليم
والإنذار ولكن الآن وهو فى نهاية خدمته على الأرض يعتبر هذا التطهير رمزا لحكم
الدينونة على إسرائيل وهذا هو نفس معنى شجرة التين التى لعنها.
الفصل
الثالث
اليوم الثالث فى أسبوع الألام –
السؤال عن سلطان يسوع – سؤال الجزية لقيصر
فلسى الأرملة – اليونانيين يطلبون
أن يروا يسوع – ملخص خدمة الرب يسوع
مت21 : 23 – 27 + مر11 : 27 – 33 |
لو20 : 1 – 8 + مت22 : 15 – 22 + مر12 : 13 – 17 + لو20 : 20 – 26 + مت22 : 41 –
46 + لو21 : 1 – 4 + يو20 :20 – 50
أحداث كثيرة حدثت فى هذا اليوم وهو آخر
يوم يوجه الرب يسوع تعاليمه وأحاديثه وحواراته للشعب، وتحذيراته للفريسيين
والصدوقيين، وكان آخر يوم ينادى فيه للكل بضرورة التوبة. وبدأ اليوم بملاحظة
التلاميذ لشجرة التين التى يبست. ونلخص أحداث اليوم فى نقاط.
1) بدأ اليوم بتعليم الرب للناس فى
الهيكل. فكان التعليم فى الهيكل مسموحا به. ولكن بالنسبة للرب كانوا يراقبون ما
يقوله وما يعمله، ولكنهم كانوا خائفين من التعرض له وسط الجموع. وكانوا يحاولون
إصطياد شئ عليه لإثارة الجماهير ضده. وبدأت مشاورات السلطات لكى يجدوا طريقة لوقف
هذا الخطر القادم. والمعروف أن التعليم فى الهيكل يحتاج لموافقة السلطات والتأكد
أن التعليم متفق مع التقاليد ومن أى مدرسة للربيين، بل ومن أى معلم تسلم تعليمه.
فالتعليم يتم تسليمه من معلم لمعلم آخر. وكان هناك نظام لإعتماد أى معلم ويلزمه
لذلك شهادة من ثلاثة ربيين معروفين، وتصريح من السنهدريم. ولذلك نجدهم هنا يسألون
السيد وهو يُعلِّم فى الهيكل عن من أعطاه السلطان ليفعل هذا، أو هل معه تصريح.
وإذا لم يُظهر مصدر تعليمه فسيقولون أن بعلزبول هو الذى يقوده، ويثيروا الناس ضده.
والسؤال أيضا كان يشمل ما فعله فى اليوم السابق بتطهيره للهيكل. وهذا السؤال لأى
معلم يقوم بالتعليم لهم الحق فيه. ولكن سؤالهم للمسيح كان فيه تحايل وجبن. فأراد
الرب أن يكشفهم ويسألهم عن معمودية يوحنا من أين كانت من السماء أم من الأرض؟
ويوحنا كان كنبى بين اليهود وشهد للمسيح. فلو قالوا من السماء سيكون الرد ولماذا
لم تؤمنوا بى فهو قد شهد لى. ولو قالوا من الأرض لهاجت عليهم الجماهير. وبهذا
السؤال أسكتهم الرب فى هذه النقطة.
2) بعد أن أحبط الرب محاولتهم الإيقاع به
مع السلطات الدينية كانت المحاولة الثانية ضد الرب هى محاولة الإيقاع بينه وبين
السلطات الرومانية، بسؤاله عن دفع الجزية. وكان هذا من الممكن أن يؤدى به لعواقب
وخيمة لو قال بعدم دفع الجزية، فسيتهمه بيلاطس أنه من الثوار القوميين، ويواجه بطش
بيلاطس البنطى، وكان سيواجه نفس مصير يهوذا الجليلى. وكان باركوكبا الذى إدعى أنه
المسيح قد قام بسك عملة خاصة ونهايته كانت القتل. وكانت العملة الرومانية عليها
صورة قيصر أما العملات المحلية فى أيام هيرودس، وإبنه أنتيباس بدون صورة. ولم
تُسَّك عملة خاصة باليهود كمملكة سوى أيام المكابيين. ولأول مرة إتفق فيها
الفريسيين مع الهيرودسيين ليوقعوا بالرب يسوع لأن الفريسيين يكرهون هيرودس. لكن
كان هيرودس خائفا من أن يتخلص من المسيح حتى لا يُهيِّج ثورة شعبية ضده بعد أن قتل
المعمدان قبلها. فأرسل رجاله ليقفوا مع الفريسيين ليوقعوا بالمسيح، ويظل هو بعيدا
عن ثورة الجماهير ضده. وكانت هناك أحزاب المتدينين الذين يعتبرون دفع الجزية خيانة
ليهوه ملك إسرائيل. وهؤلاء إعتبروا أن كل الكوارث التى حلت بإسرائيل كان سببها
خضوع اليهود لملك أجنبى ودفع الجزية له. وكانت العملة التى قدمت للرب يسوع عملة
رومانية عليها صورة قيصر. وكان معنى رد المسيح عليهم أن هناك فصل كامل بين الدين
والدولة فمملكة المسيح ليست أرضية.
3) فى مشهد مناقض لمناقشات الصدوقيين
ومعارضات الكتبة، نجد مشهد مختلف لأرملة فقيرة تضع فى صندوق الهيكل مبلغا بسيطا من
أعوازها فى محبة لله. وكانت الصناديق موجودة فى رواق النساء
ليوضع فيها التبرعات. وكان هناك 13 صندوق كل منها مكتوب عليه فى أى وجه تستعمل هذه
النقود (ذبائح – بخور – أخشاب – الفقراء …) وكانت فتحة الصناديق على شكل بوق
فيسمع صوت النقود حين توضع. وكان هناك من يدخل فى تفاخر وتباهٍ ويضع النقود، لكن
هذه المرأة وضعت من إحتياجها فى صمت.
4) طلب اليونانيين أن يروا يسوع وذهبوا
لفيلبس الذى من بيت صيدا الجليل. وهم غالبا يعرفونه، فالجليل بها عدد ضخم من
اليونانيين. وهؤلاء يونانيين بالمولد أى أنهم كانوا من الأمم. وكما إستقبل المجوس
الأمميين المسيح عند مولده، هكذا نرى هؤلاء اليونانيين الأمم يذهبوا إليه قبل صلبه
بأيام. وهذا لأن المسيح جاء ليصبح الجميع أبناء لله. وكما شهد الآب لإبنه يوم
المعمودية التى كانت إعلانا عن قبول المسيح للموت وقيامته ليصبح الكل بالمعمودية
أبناء لله "هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت". هكذا قبل الصلب مباشرة
يأتى صوت من السماء شهادة من الله لإبنه بأنه سيمجده [بالجسد لنتمجد نحن الذين
صرنا أبنائه معه].
الفصل الرابع
اليوم الثالث لأسبوع الألام –
الحوارات الأخيرة – الأسئلة
التحذير الأخير للشعب – الويلات
للفريسيين
مت22 : 23 – 33 + مر12 : 18 – 27 +
لو20 : 27 – 39 + مت22 : 34 – 40 +
مر12 : 28 – 34 + مت22 : 41 – 46 +
مر12 : 35 – 40 + لو 20 : 40 – 47 + مت23
1) سؤال الصدوقيين للمسيح :-
الصدوقيين لا يؤمنون بأن هناك قيامة للأموات أما الفريسيين فيؤمنون بهذا. وكانت
هناك صراعات ومناقشات لا تنتهى بين الطرفين. ومما عَرَّض موقف الفريسيين للضعف
وضعهم مسلمات وتقاليد بدون أسانيد فهاجمها الصدوقيون. فكان الفريسيين يقولون أراء
عجيبة عن القيامة ويستندون فى هذا على أن من قال ذلك هو الرابى فلان. ومن التصورات
العجيبة لهم مثلا أن كل إسرائيلى تقى عند قيامته سيقوم فى أرض فلسطين كمكافأة له. ومن
دفن بعيدا عن أرض فلسطين سوف يصل إلى أرض الميعاد مرة أخرى خلال فجوات أعدها الله
فى باطن الأرض يتدحرج من خلالها ويقوم إلى حياة جديدة فى أرض الميعاد. وكان
الصدوقيون يستندون فقط على الناموس (أسفار موسى الخمسة) ويطلبون فى حوارهم الدليل
منها. أما الفريسيين فكانوا متمسكين بعقيد القيامة بصلابة، وظهر رجاءهم فى القيامة
فى كلامهم. وفى تعاليم الربيين وفى التسابيح الـ18 اليومية (راجع الكتاب الثالث من
كتاب إدرشيم هذا – الفصل العاشر). ووضعوا فى تسابيحهم تعبير من جيل إلى جيل
للتعبير عن عالم بلا نهاية. ونجد فى الأنبياء أيات واضحة يستند إليها الفريسيين عن
القيامة، ويرد الصدوقيون بأن الأنبياء لهم لغة شعرية رمزية، وأن هذه الأيات تفهم
روحيا. بينما أن الناموس لغته محددة وقاطعة وتؤخذ حرفيا. وحينما يأتى الفريسيين
بآية من الأنبياء يرد الصدوقيين بأنها تشبه رؤيا حزقيال عن العظام التى تقاربت
وخرج منها إنسان حى، وكان هذا إشارة لعودة اليهود من السبى ورجوعهم كدولة، أو
الخاطئ الذى يقدم توبة ويعود لله. ورفضوا حتى الأيات الواضحة جدا مثل (دا12 : 2 ،
3 ، 13 + إش26 ، 19). وإعتمد الصدوقيون على أيات مثل "لأنك تراب وإلى تراب
تعود" (تك3 : 19) وأيضا "قطعا تقطع تلك النفس. ذنبها عليها" (عد15
: 31) وطبقوا القطع على أنه هنا وفى المستقبل. وثارت أيضا مناقشات بلا معنى مثل
"هل يقوم الميت بملابسه أم بدونها". ورد أحد الربيين بأن البذرة تزرع فى
الأرض عارية لكنها تقوم وتخرج من الأرض وقد لبست رداء جميلا.
أما فى المسيحية فعقيدة القيامة مشرقة
وواضحة وهى أساس فداء المسيح أن يعيد لنا الحياة الأبدية.
ولقد وضع الصدوقيين أمام المسيح تصور
إمرأة تزوجت سبعة إخوة، وكانوا يستعملون هذه القصة مع الفريسيين ويفحموهم ولا يجد
الفريسيين ردا عليهم. وإستخدموا شريعة تنص على أن الأرملة التى مات زوجها بدون أن
ينجب، فعلى أخوه أن يتزوجها ليكون للميت نسل. ولكن بعد ذلك أسئ إستعمال التشريع
الإلهى فصاروا يسمحون به لأهداف أخرى مثل الجمال أو الغنى والثروة وغيرها خرجت عن
المفهوم الدينى. وحدث إنقسام بين فريقين من الربيين على شروط هذا النوع من الزيجات.
طبعا نفهم أن خطأ الفريسيين أنهم إفترضوا
أن ما سوف يحدث فى الحياة الأخرى هو نفسه ما يحدث هنا على الأرض. وبدأ رد الرب
يسوع عليهم بأن الله قادر على كل شئ، فلماذا يستصعبون فكرة قيامة الأموات وتجديد
الخليقة أيضا. وظهر بعد ذلك من الربيين من إستفاد مما قاله الرب يسوع وعلموا بأن
الحياة الأخرى لا يوجد فيها أكل وشرب وملذات حسية ولا تناسل ولا عمل ولا كراهية
ويجلسون مكللين أمام الشاكيناة. وجاء بعد ذلك من إستفاد من كلام الرب وهو غمالائيل
الثانى وإستنبط نفس الفكرة من (خر6 : 4 + تث11 : 9) "أقمت معهم عهدى"
فقال هذا الرابى أن الله أقام العهد مع الأباء الذين إنتقلوا وليس مع الجيل
الحالى.
2) سؤال الناموسى عن الوصية العظمى :- بين
من إستمعوا لإجابة الرب على الصدوقيين كان هناك بعض الناموسيين وهؤلاء كانوا
معلمين وخبراء فى الناموس. ولما وجد أن الرب أسكت الصدوقيين قال لنفسه ربما نجد
شيئا لا يستطيع الإجابة عليه. وكانت هناك مجادلات كثيرة لا تنتهى بين الربيين عن
ما هى الوصايا الثقيلة، وما هى الوصايا الخفيفة فى الناموس. وكان رد الرب محرج
لهذا الناموسى فوصية "تحب الرب إلهك من كل قلبك وقريبك كنفسك" يعرفها كل
الشعب اليهودى ويرددها فى عبادته وصلواته وعلى شفتيه دائما. وكان معنى رد الرب على
هذ الناموسى أنه ليس هناك وصية عظيمة ووصية صغيرة، بل الوصية الأساسية هى أن
"تحب الرب إلهك وتحب قريبك" وبهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله
والأنبياء" أى أن كل وصايا الناموس والأنبياء نابعة من هاتين الوصيتين. هذه
الوصية تربط كل وصايا الكتاب. الوصايا ليست منفصلة ولكنها حياة تنبع من محبتنا لله
وللقريب.
3) سؤال الرب لهم عن معنى المزمور 110 :-
كانوا يعرفون أن هذا المزمور مزمور ماسيانى، ولكن لم يناقش فى مجامع اليهود من قبل
تفسير "قال الرب لربى". وبهذا أظهر الرب يسوع عجز الفريسيين عن شرح
وتعليم الحقائق الكبيرة فى الناموس.
4) التحذير من الكتبة والفريسيين :- سبق
الرب ونطق بمثل هذه التحذيرات فى الوليمة التى أقامها الفريسى فى بيرية. ووجه الرب
هنا لهؤلاء تهمتين حذر تلاميذه منهم : 1) الجدية والنشاط الخالى من الروحيات
والمحبة. – 2) المظهرية والسطحية الفارغة والبحث عن الذات.
* كانوا يحزمون أحمالا ثقيلة يضعونها على
الناس وهم لا يريدون أن يحركوها بأصابعهم. فهم وضعوا التقاليد فوق وصايا الناموس.
وكقاعدة عامة لا يجب أن تكون هناك شرائع لا يحتملها الناس. فبينما كانوا يبحثون فى
وصايا الناموس عن ما هى الوصية الأثقل وما هى الوصية الأخف، كان الربيين يتبارون
فى وضع وصايا ثقيلة. واللوم كان موجه بالدرجة الأولى للمدرستين الكبيرتين للربيين
اللذان دخلا فى منافسة لوضع قوانين أشد، وهما مدرستى هليل وشماى. ودخلوا فى شجار
وخلاف ولكنه كان خلاف للخلاف. ووصلت التفاهة فى الجدال للإختلاف حول هل يجب قتل
قملة يوم السبت أو تحريم هذا. هو تشدد لمجرد إظهار الورع والتقوى. وبينما يضعون
للناس هذه الوصايا الثقيلة، كانوا يخترعون وسائل يتحايلون بها ليخففوا على أنفسهم
ويجدوا مخارج لهذه الوصايا الصعبة.
* المظهرية الفارغة ويظهر هذا فى تنفيذهم
للوصايا (خر13 : 9 ، 16 + تث6 : 8 ، 11 : 18) وبدلا من تنفيذ الوصية بمفهومها
الروحى نفذوها حرفيا ووضعوا كلمات التوراة فى علب جلدية وإستعملوها كحجاب يضعونها
على جباههم وعلى أذرعهم بجانب القلب. وعرضوا أهداب ثيابهم لإظهار التقوى الزائدة.
وكانوا يسعون فى الإحتفالات وفى المجامع للجلوس فى الأماكن الأمامية، ويطلبون من
الناس تقديم الإحترام المبالغ فيه وأن ينادونهم بألقاب مثل (رابى وأبا وسيد
وقالوا أن الملك يهوشافاط كان ينادى الربيين هكذا). وطلب إثنين من الربيين عقاب من
لا يفعل. وإشتكى إثنين من الربيين أنهم فقدوا هيبتهم كربيين معلمين إذ تكلم معهم
البعض فى الأسواق قائلين "ليكن لكما سلام عظيم" دون أن يضيف الناس
"يا سيدىَّ". ولنرى بعض القصص والأقول التى قالوها لتعظيم الربيين :-
·
حاكم قيصرية الوثنى كان يقوم أمام
الرابيين لأنه كان يرى وجوههم كالملائكة.
·
قال حاكم إنطاكية أن قسطنطين الكبير هزم
إعداءه فى الحرب لأنه رأى وجه الربيين.
·
قالوا عن أحد الربيين أن النور كان يخرج
من وجهه.
·
قالوا أنه يجب تحية الربيين مثل الملوك،
وفى بعض الأحيان أكثر من الملوك. وإستندوا فى هذا على (أم8 : 15)، فأى فرد من الشعب
يمكن أن يصبح ملكا ولكن خسارة رابى لا تعوض.
·
لعنة الرابى لأحد ستنفذ حتى لو بلا سبب.
·
نسبوا للربيين عمل معجزات كثيرة لإثبات كل
الأكاذيب التى تقال عنهم.
·
طلب أحد الربيين أن يدفن فى ملابس بيضاء
لكى يُظهر إستحقاقه أمام خالقه. ثم وصل الأمر لهرطقات إذ قالوا أنه بعد موته حدثت
مناقشة فى السماء بين الله والأكاديمية السماوية حول مدى النقاء لهذا الرابى. وعند
إنفصال روح هذا الرابى من جسده قال أحد الربيين من الأكاديمية السماوية نقى نقى.
وفى الحال جاء خبر من السماء إلى الحكماء من الشعب أن هذا الرابى إنضم إلى الجماعة
السمائية. وحددوا أسبوعا حدادا على خسارة هذا الرابى.
ومثل هذه الأفكار إبتعدت بهم تماما عن
الروحيات. وبسبب هذا حذر الرب تلاميذه أن يتشبهوا بهم ويطلبون أن يناديهم الناس
بألقاب.
5)
الويلات :-
نطق الرب بهذه الويلات على الفريسيين بسبب ريائهم وكانت الويلات ثمانية فى مقابل
ثمانية تطويبات فى بداية خدمته (مت5). وكان أول الويلات عليهم بسبب أنهم
أغلقوا باب الملكوت أمام الناس بمقاومتهم للمسيح، فصدوا الناس عن قبول المسيح إذ
صدقوا الفريسيين. بالإضافة لإدعائهم المعرفة وحدهم، وأغلقوا الباب على البسطاء غير
المتعلمين، إذ قالوا أن غير المتعلم لا يمكن أن يكون تقى.
والويل
الثانى
إطالة الصلوات فى بيوت الأرامل فى رياء وفى طمع.
والويل
الثالث
نظرتهم بإحتقار للدخلاء (الذين دخلوا للإيمان بعد أن كانوا وثنيين) ووضعوا شروطا
مشددة لإختبارهم ثم يتكلمون عنهم على أنهم كلعنة البرص. وكان لهم حماس فى إجتذاب
الوثنيين ولكن بسبب أخلاقياتهم الصعبة أعثروا هؤلاء الدخلاء.
والويل
الرابع
خاص بالحلف. فالتلمود وضع فوارق بين الحلف بالسماء وبالأرض وهذه الأخيرة ليس من
المفترض أنها ملزمة. والحلف بإسم الله ملزم. وكان لهم تمييز بين أنواع الحلف فى
التعهدات والعقود كان بها نوع من التحايل الشرعى. والرب هنا يدين هذه التحايلات،
فكان هناك تخفيف من ناحية الإلتزام بالحلف بالتلاعب فى بعض الحروف. بل بالتلاعب فى
حرف أو غيره فهذا يقلل من قدسية وحُرمة الحلف. والرب قال عن هذه التحايلات والخدع
التى لها مظهر الشرعية أنها عمى أخلاقى.
والويل
الخامس
خاص بالعشور، فهم توسعوا فى تنفيذ وصية موسى عن العشور وجعلوها تشمل الأشياء
التافهة كالنباتات الصغيرة. ومن الأقوال المضحكة فى التلمود أن أحد الربيين درَّب
حماره ألا يأكل قمحا لم يتم إخراج عشوره. ومثل هذه التفاهات أخرجت الوصايا الثقيلة
من الصورة.
والويل
السادس
إنتقل فيه الرب من العشور إلى التطهير، إذ إهتموا بتطهير الأوانى ولم يطهروا
أنفسهم. والويل السابع كان خاصا بإهتمامهم بمظهرهم الخارجى أمام الناس
ليظهروا أبرارا أمام الناس، بينما القلب والعقل مملوء نجاسة.
وينتهى
الرب من الويلات ويخبرهم بجرائمهم فى إضطهاد الأنبياء وقتلهم. ثم جريمتهم الكبرى
بما سوف يفعلونه به هو. وينطق بالقرار بإدانتهم ومصيرهم.
زكريا بن برخيا :- هو
زكريا بن يهوياداع الذى رُجِمَ فى الهيكل (وهناك تقليد يهودى أن دمه لم يجف لمدة
قرنين من الزمان وظل يغلى حتى دخل نبوزردان للهيكل وإنتقم له) ويرجع الخلاف فى
الإسم بين براخيا ويهوياداع لإختلاف النسب فى كل حالة، مثلا للجد أو للأب.
الفصل
الخامس
اليوم الثاالث لأسبوع الألام – المجموعة الأخيرة من
الأمثال
فى الطريق إلى أورشليم: مثل الفعلة فى الكرم
فى الهيكل: مثل الإبنين + مثل الكرامين الأردياء + مثل
عرس إبن الملك
مت19 : 30 – 20 : 16 + مت21 : 28 – 32 + مت21 : 33 –
46 + لو21 : 33 – 46 + مر12 : 1 – 12 + لو20 : 9 – 19 + مت22 : 1 – 14
قال
الرب عدة أمثال فى هذا اليوم نذكر هنا أربعة منها وهى موجهة للفريسيين والشعب
الموجود. وثلاثة آخرين فى الفصل السابع وهذه الأخيرة موجهة للتلاميذ. وهى أمثال
تخص النهاية والدينونة.
مثل
الفعلة فى الكرم :- فى عقب قصة الشاب الغنى (مت19 : 16 – 29)
قال بطرس للرب "ها قد تركنا كل شئ وتبعناك" .. كأنه يطلب المكافأة على
ذلك. وواضح أن بطرس لم يكن فاهما حتى هذه اللحظة سوى موضوع المكافأة الأرضية فى
مقابل ما عمله، بينما هو قد سمع الرب يقول أنه لا يجد أين يسند رأسه. والسيد فى
محبته لم يجب عليه بما حصل عليه وسيحصل عليه. ولكن خاف الرب على التلاميذ أن يرتدوا
للفكر الفريسى فى رفض الخطاة كما رفض الفريسيين العشارين التائبين. وكما رفض الإبن
الأكبر أخيه الضال حينما عاد. وأعطى الرب مثل الفعلة فى الكرم ليشرح قوانين
الملكوت الجديدة. والمبدأ البسيط الذى وضعه الرب فى هذا المثل أنه وإن كان لا يضيع
أجر كأس ماء بارد، لكن لا يجب أن نحيا كالفريسيين فى بر ذاتى ونتوقع المكافأة على
كل عمل نقوم به. ولا يجب أن نتوقع أنه كلما زاد عملنا ستزداد المكافأة، أو بمعنى
أننا نتصور أن المكافأة تكون بحسب رؤيتنا وحكمنا، أو أننا نحن الذين نُقَيِّم
عملنا. ولذلك بدأ الرب بقوله "كثيرين أولون يكونون آخِرين، وآخِرون
أولين". وهذه الآية تشرح لماذا كان المثل. ولاحظ أن الرب لم يقل أن كل أول
سيكون آخِراً وكل آخِر سيكون أولا، لكنه قال كثيرين. ولذك فلا معنى لإحتجاج أحد أو
إعتراضه لأنه حصل على أقل مما توقع. ونتيجة لعدم فهمنا تماما لطبيعة علاقة الله بنا
لن يخرج منا سوى الكبرياء الروحى أو التذمر أو مشاعر خاطئة تجاه الآخرين – حين
نُقيِّم نحن عملنا والمكافأة التى حصلنا عليها، مع عمل الآخَرين وما حصلوا عليه.
وببساطة يكون معنى المثل أننا يجب أن لا نتذمر على الله لو وجدنا الله يعطى آخَر
نصيبا أكبر منا مع أننا عملنا أكثر منه. العمل ليس هو مقياس عطايا الله لنا.
خرج
صاحب الكرم (الرب) ليبحث عن فعلة لكرمه (ملكوت الله)، وهو خرج بنفسه وخرج فجرا ولم
يرسل خداما من عنده، دليلا على إهتمامه بهذا العمل. وإتفق مع بعض الفعلة للذهاب
إلى كرمه على أن يدفع لهم دينارا فى اليوم، وكانت هذه أجرة العامل فى اليوم، ويوم
العمل عند اليهود يبدأ من الصباح الباكر حتى غروب الشمس. والمعنى أن صاحب الكرم
أخبرهم أنه سيدفع لهم المبلغ الذى يرجوه العامل. وفى الساعة الثالثة خرج صاحب
الكرم وإستأجر مجموعة أخرى لأن هناك أعمالا كثيرة مطلوبة فى الكرم. ولم يقل لهم
سأعطيكم دينارا بل قال "أعطيكم ما يحق لكم" وربما تصور هؤلاء
الذين لم يبدأوا باكرا أنهم لا حق لهم فى أن يتفاوضوا على الأجر ولكن هم وثقوا فى
كلمة صاحب الكرم وعدله وكرمه. وتكرر هذا حتى الحادية عشرة. ونلاحظ أن عدم ذهاب
الفعلة للعمل ليس ذنبهم، بل هم لم يستأجرهم أحد، أو ربما لأنهم لم يكونوا موجودين
فى السوق الذى يوجد فيه الفعلة (الكنيسة حظيرة المسيح الراعى الصالح). وهؤلاء
الآخرين واضح أنهم الأمم وأيضا هم العشارين والزوانى التائبين. هؤلاء قضوا جزءا
كبيرا من حياتهم بعيدا عن السوق. ولكنهم حينما وُجِدوا وإستأجرهم صاحب الكرم لم
يرفضوا العمل وذهبوا ليعملوا حتى بدون وعد من صاحب الكرم بأجر معين، وبالرغم من
صحتهم التى ضعفت بفعل السن إذ دخلوا كبارا. ونلاحظ أيضا إهتمام صاحب الكرم بكرمه
وخروجه عدة مرات للبحث عن فعلة للكرم.
وحينما
إنتهى العمل مساء طلب صاحب الكرم (الله) من وكيله (المسيح) أن يعطى الفعلة أجرهم
وإبتدأ من الآخِرون فأعطاهم دينارا – وهذا جزء مهم من المثل – فهو لو بدأ بالأولين
لكانوا أخذوا الدينار وإنصرفوا راضين فهكذا كان الإتفاق، أو لو بدأ بالأولين
وإستمروا موجودين ورأوا أن الآخِرين أخذوا مثلهم فكل ما سيحدث هو مشاعر حقد على
الآخرين. ولكن المقصود من المثل ليس معالجة مشاعر الحقد وخلافه. لكنهم حينما رأوا
الآخِرين يأخذون دينارا ظنوا أنهم يأخذون أكثر منهم فلما أخذوا الدينار المتفق
عليه إعترضوا. ونلاحظ أيضا أن فعلة الساعة الثالثة والسادسة … لم يعترضوا فصاحب
الكرم لم يتفق معهم على شئ، بل هم أخذوا أكثر من حقهم فهم بدأوا العمل متأخرين.
ومن إعترضوا هم الأولين الذين بدأوا العمل باكرا وثارت فيهم شراهتهم للمزيد عن
الإتفاق لما رأوا الآخِرين يأخذوا دينارا، وتصوروا أنهم سيأخذون نصيبا أكبر. وهذا
بالضبط هو المقصود بالمثل – أن لا نُقَيِّم نحن ما نستحقه عن عملنا ولكن الله فى
سخائه يعطى بحسب نعمته أكثر مما نظن أو نفتكر.
ومن
ناحية العدل فالقضية فى صالحهم، فهنا حدث تساوى بين من عمل باكرا مع من جاء مساء.
ولكن ألم يتفقوا مع صاحب العمل على دينار وها هم أخذوا حقهم فلماذا الإعتراض؟ وهذا
الدينار هو أجرة العامل فى اليوم وهم عملوا يوما فلماذا الإعتراض؟ فمن ناحية أخرى
للعدل فهم أخذوا حقهم الذى إتفقوا عليه.
لكن
لننظر للموضوع من وجهة نظر من أتى متأخرا، فهؤلاء لم يتفاوضوا على أجرة ولم يتفقوا
على شئ، وربما ظنوا أنهم لن يحصلوا على شئ يذكر، لكنهم أتوا واضعين أمام عيونهم
كرم ورحمة ومحبة هذا السيد صاحب الكرم. وكما آمنوا هكذا كان، إذ كان السيد كريما
جدا معهم وأعطاهم أكثر مما يستحقون. ولاحظ قول السيد "فإنى أريد أن أعطى
هذا الأخير مثلك" فهنا تشديد على أرادة السيد فى العطاء بل سعادته بذلك،
وهذا السيد لم يقتطع شيئا من الذين أتوا مبكرا فى الساعة الأولى. هو لا ينسى أجر
كأس ماء بارد. ولكن سرور السيد بالعطاء فهذا ما يسمى النعمة. السيد يعطى
ليس بحسب الأعمال والإستحقاق بل بحسب محبته ورحمته. وهنا نرى الفرق بين اليهودية
والمسيحية. فاليهود يفهمون أن الله يعطى بحسب الإستحقاق، أما المسيحية فتفهم أن
عطايا الله ليست بحسب الإستحقاق بل بمقتضى النعمة وهذا هو ما علم به بولس الرسول
"الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة
التي اعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الازمنة الازلية" (2تى 1 : 9) + "لا
باعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد
الروح القدس" (تى3 : 5). وهذا ما حدث فى قبول الأمم وثورة اليهود على ذلك.
وهنا نرى أولون صاروا آخِرين وآخِرون صاروا أولين. وأما عن الملكوت (الكنيسة)
فهناك دائما عمل لكل واحد، مع كلمة عتاب بسيطة من السيد "لماذا وقفتم ههنا
كل النهار بطالين". والسيد يظل يدعو الكل للعمل حتى آخر لحظة ويتسائل –
"لماذا تظل بطالا بلا عمل، ما زال هناك فرص عمل للكل". وهو سيعطى أكثر
مما نظن أو نفتكر بحسب نعمته (أف3 : 20). الله هو إله الجميع يهود وأمم وهو لا
يدفع أجرة بل يعطى بمحبة "وبسخاء ولا يعيِّر".
وكما
رأينا من قبل أن الرب يسوع يستخدم أمثالا من واقع ما يفهم اليهود ولكنه يعطيها
الفكر المسيحى الصحيح. فاليهود إستخدموا أمثلة مشابهة – وقالوا إذا إستأجر أحد
عاملا دون الإتفاق على أجر سيحاسبه بحسب أجور بقية العمال، أى كما يحاسب الباقين.
وقال البعض من الربيين أن صاحب العمل يحاسب هذا الشخص بحسب أقل أجر من أجور
العاملين فى المكان. ولكن معظم الربيين قالوا بل سيحاسبه على متوسط أجور العاملين
أى أن ما يأخذه هذا العامل هو متوسط أعلى أجر وأقل أجر من أجور العمال – أما مثل
المسيح هنا فهو شئ آخر تماما. ومثل آخر لأحد الربيين الذى توفى شابا صغيرا فى سن
28 سنة. وعرفوا أنه فى نعيم بالرغم أنه عمل عملا لمدة قصيرة. فقالوا هذا يشبه ملكا
إستأجر عمالا لكرمه، ووجد عاملا صغيرا أعجبه عمله فإصطحبه معه فى الدخول والخروج.
فلما أتى وقت الحساب أعطاه كالآخرين الذين عملوا كل اليوم. فتذمر هؤلاء وقالوا أن
هذا لم يعمل سوى ساعتين. وكان رد الملك لكنه بمهارته أنجز فى الساعتين نفس ما
عملتموه كل اليوم. وكان هذا إشارة لمميزات هذا الرابى. ملخص الفكر اليهودى أن عطاء
الله بحسب العمل. ومثل الرب هنا معناه أنه يعطى بمقتضى نعمته.
ملخص
التعاليم التى فى المثل :-
1. هدف
المثل أن الرب أراد أن لا يكون لتلاميذه الفكر الفريسى فيرفضوا الخطاة، وأن
يطالبوا بأجر عن كل عمل أو خدمة يقدمونها للملكوت.
2. الفكر
اليهودى أن عطاء الله بحسب العمل وبحسب الإستحقاق، أما فى المسيحية عطاء الله بحسب
محبته ورحمته وهذا ما نسميه النعمة. بل أن الله يُسَّر بأن يعطى – لذلك فعطايا
الله أكثر مما نظن أو نفتكر.
3. أصحاب
الساعة الحادية عشر (العشارين والزناة الذين أضاعوا حياتهم فى الخطية لكنهم أتوا
أخيرا) ظنوا أنهم غير مستحقين لكنهم فى رحمة الله وسخاءه فى العطية أخذوا كثيرا من
نعمته. وهذا منطق كنيستنا التى لا تكف عن ترديد "كيريي ليسون" بشعور
حقيقى من عدم الإستحقاق.
4. الله
لا ينسى كأس ماء وسيكافئ عليه. وهذا معنى أن أصحاب الساعة الأولى حصلوا على أجرهم.
5. لا
يجب أن نتوقع مكافأة معينة جزاء كل عمل نقوم به. ولا يجب أن نتوقع أن تكون
مكافأتنا بحسب تقييمنا، فإن حصلنا على أقل مما نتوقع تذمرنا على الله. هذه ليست
طريقة تعامل أبناء مع أبيهم.
6. [ولهذا عاتب الرب
كهنة العهد القديم على هذه النقطة أى توقع أجر مادى على كل عمل يقومون به "من
فيكم يغلق الباب، بل لا توقدون على مذبحى مجانا" (ملا1 : 10). مجانا عائدة
على غلق الباب وتقديم الذبيحة، وكلمة مجانا تكررت فعلا فى الترجمة الإنجليزية
القديمة KJV . والمعنى أنهم يطالبون بأجر على كل خدمة يقدمونها مهما كانت
تافهة كغلق الباب. وهذا فكر العبيد فى منازل سادتهم وليس فكر الأبناء فى بيت
أبيهم، هو فكر الأخ الأكبر للإبن الضال].
7. هناك
عمل لكل واحد فى الكنيسة، وهناك أعمال كثيرة، والكل مدعو، والله مهتم بالعمل،
ويخرج طول النهار يبحث عن عمال لكرمه. ويدعو الجميع حتى آخر لحظة. وسيقبل حتى من
يأتى متأخرا، وربما يوجه له كلمة عتاب رقيقة.
مثل
الإبنين :-
الإبن الذى أجاب بأدب زائف يمثل الفريسيين فى ريائهم يقولون ولا يعملون. ورفضوا
دعوة المعمدان. أما الزناة والعشارون قبلوا دعوة المعمدان وتابوا فسبقوا الفريسيين
الذين رُفِضوا من المملكة.
مثل
الكرامين الأردياء :- المثل السابق تكلم عن رفض الفريسيين
للمعمدان. أما فى هذا المثل (وقارن مع إش5) نرى تسامح صاحب الكرم وطول أناته مع
الكرامين الأردياء زمانا طويلا. فبعد رفضهم للمعمدان تزايد شرهم ونجدهم يقتلون
الإبن. وهنا يُنزع منهم الكرم إشارة لرفض إسرائيل كلها. والكرامين الأردياء هنا
يشيرون لرؤساء الكهنة، والكهنة ورؤساء الشعب والفريسيين. وكانت العادة أن يُسَلِّم
صاحب الكرم كرمه لكرامين يعملون فيه، ويحصل هؤلاء الكرامين على ثلث المحصول أو
ربعه فى نظير عملهم كأجر لهم، ويحصل صاحب الكرم على باقى المحصول. ويشير المثل لأن
الله سلَّم شعبه إسرائيل لكرامين هم رؤساء الكهنة والكهنة ورؤساء الشعب. وطالب
هؤلاء بثمار من شعبه هى شعب تائب. ولكن هؤلاء الرؤساء إعتبروا الكرم ملكا خاصا لهم
يستغلونه لمصلحتهم. فأهانوا الأنبياء الذين أرسلهم الله وقتلوا بعضهم. فأطال الله
أناته وأرسل لهم أخيرا المعمدان = أكثر من الأولين. وأخيرا أرسل إبنه وهنا
قرروا قتله ليصير الكرم ملكا لهم إذ شعروا أن هذا الإبن يريد ميراثه أى كرمه. وكان
هذا سبب صلب المسيح – حسدهم له إذ إلتف الشعب حوله فخسروا مكاسبهم المادية التى
كانوا يحصلون عليها من الشعب – وهكذا فهمها بيلاطس (مر15 : 10).
مثل
عرس إبن الملك :- هناك مثل قيل فى التلمود مشابه لمثل الرب ولكن مع
فارق كبير. فالمثل اليهودى كان عن ضرورة الإستعداد الدائم للعالم الآتى. فقالوا
ملك دعا الناس لحفل عشاء عرس، وكان أن أناسا لبسوا وتزينوا وجلسوا بجانب قصر
الملك، وأناسا ذهبوا لأعمالهم متصورين أن هناك وقت للإستعداد. وكانت دعوة الملك
فجأة ودخل المستعدون (وهنا هم الملتزمون بتعاليم الربيين). وهؤلاء جلسوا يأكلون
ويشربون على مائدة الملك، والآخرين وقفوا فى حسرة خارجا فى جوع وعطش.
وهناك
مثل آخر من المدراش عن ضرورة أن نسلم الروح لله حين نفارق الجسد فى حالة من
النقاوة كما سلمها لنا الله (ولاحظ هنا عدم وجود فكر الخطية الأصلية التى ولدنا
بها فى الفكر اليهودى كما شرحها بولس الرسول فى رسالة رومية). ويقول المثل أن هناك
ملك سلم عبيده ثيابا إئتمنهم عليها فمنهم من إحتفظ بها فى حالة نظيفة، ومنهم من
لبسها خلال عمله فإتسخت. ومن إحتفظ بثيابه نظيفة، فهؤلاء فرح بهم الملك وأخذ
الثياب ووضعها فى مخزن وهم ذهبوا لمنازلهم فى سلام. أما الآخرون فعاقبهم الملك إذ
وجد ملابسهم قد إتسخت وألقاهم فى السجن ليعاقبوا على ما فعلوه ويكفروا عن أخطائهم.
وواضح
الخلاف بين مثل الرب يسوع والأمثلة اليهودية. فالمدعوين الأصليين فى مثل الرب يسوع
كانوا هم المختارين الذين يستحقون هذه الدعوة (اليهود) ولكنهم رفضوا، فتم دعوة من
كانوا غير مستحقين (الأمم). أما التشابه فهو فى أن الملكوت مُصَوَّر فى الأمثلة
اليهودية وفى العهد الجديد على أنه وليمة فرح وعرس، ولكن هنا فى مثل الرب يسوع هى
وليمة يقيمها الملك لإبنه. وبالتالى يكون الإبن الوارث أى المسيح هو المحور الذى
يدور حوله المثل. ونلاحظ فى المثل أن الملك لم ييأس وظل يرسل لهم رسلا بل حتى الآن
هو يرسل وهم يرفضون.
[ونلاحظ
أن الملك طرد من لم يكن عليه ثياب العرس هذه التى نلبسها بالمعمودية ثم ندخل إلى العرس
أى الكنيسة الآن إستعدادا لوليمة عرس إبن الملك فى أورشليم السماوية (رؤ19 : 9).
ويجب أن نحافظ عليها، وإن إتسخت بالخطية فبالتوبة تعود لنا الحلة الأولى (لو15 :
22)].
الفصل
السادس
ليلة
اليوم الثالث لأسبوع الألام -على جبل الزيتون – حديث الرب لتلاميذه عن الأحداث
الأخيرة
مت24
+ مر13 + لو21 : 5 – 38 ، 22 : 35 – 48
هنا
يتنبأ الرب يسوع أو قل يصدر حكما كديان بإدانة هيكل اليهود. كان كمن ينفض غبار
رجليه ضد ذلك البيت وتلك المدينة التى رفضته فتركهم خرابا(مت10 : 14). وهذا ما حدث
فقد خربت المدينة والهيكل حتى كان من يرى أثار الخراب يتشكك أن هذا المكان كان به
حياة (يوسيفوس المؤرخ اليهودى). ولقد تحدثت كتابات اليهود عن ألام حروب ومجاعات
تقع على اليهود، وحالة من الفساد الداخلى لليهود قبل مجئ المسيا، ولكن لم تذكر هذه
الكتابات اليهودية أى شئ عن خراب الهيكل أو أن أورشليم سيتم تدميرها. ولكن كانت
هناك أصوات قليلة تكلمت عن هذا المصير للهيكل ولكن دون أن يربطوا هذا بمجئ المسيا
فى مجده. وشبهوا ألام إسرائيل قبل مجئ المسيا بألام المرأة قبل الولادة. بل تحدثت
الكتابات اليهودية عن مجد المسيا المنتظر فى الهيكل. وقال آخرون خلال فترة الحصار
الأخير بأن الله سينقذ المدينة والهيكل بطريقة إعجازية.
أراء
اليهود عن مجئ المسيا
أولا
:- يهود ما بعد خراب الهيكل :- وهذه تحدثت عن مجئ مسيحين الأول هو
إبن داود ويأتى ليحكم، والثانى هو رجل حرب وقالوا عنه أنه سيكون من أبناء يوسف،
إفرايم أو منسى. وحين يرى المسيح إبن داود هذا المسيح إبن يوسف قد ظهر، يسأل الله
أن يعطيه حياة فيعطيها له (مز2). ويقول له الله لقد أعطيتك حياة طلبها لك أبوك
داود "حياة سألك فأعطيته" (مز21 : 4). وهذا المسيح الثانى بدأ التفكير
فيه فى القرن الثالث الميلادى. وقالوا أنه المسيح المطعون (زك12 : 12) وقالوا فيه
تجاديف كثيرة، وأنه سيقتل فى حرب جوج وماجوج. وسيرتبط ظهور المسيح إبن داود بتجمع
الأسباط العشرة ثانية وعودة إسرائيل ثانية. وستكون هناك حروب كثيرة خاصة بالمسيح
إبن يوسف ستنتهى بإستسلامه، وحكم المسيح إبن داود وإنتصاره النهائى. وهنا يظهر مجد
إسرائيل وتسير كل الشعوب فى نوره. وهم طبقوا كل الألام التى تنبأ بها أنبياء العهد
القديم على المسيح بأنها ستقع على المسيح إبن يوسف هذا. ولقد ظهرت وسط اليهود فكرة
المسيح إبن يوسف فى محاوراتهم مع المسيحيين الذين إستخدموا النبوات لإظهار أنها
تنطبق على المسيح الذى صلبه اليهود. وإختلفت أراء الربيين عن فترة المجد لإسرائيل
فى ظل حكم المسيا، وقالوا 3 أجيال وما هو معنى الجيل فقال البعض ألف والبعض ألفين
وصلت حتى 7000 سنة. ووصلت خيالاتهم باللعب بالأرقام فقالوا 40 سنة فى البرية
واليوم بألف سنة ووصلوا لأرقام خيالية.
أراء
اليهود القدماء :- أن المسيح يولد ولن يعرف معاصريه
"من أين هو" وهذا يؤيد ما جاء فى (يو7 : 27) ويظهر ويؤدى عمله ثم يختفى
لمدة 45 يوما. ثم يظهر ثانية ليدمر أعداءه "أدوم والقوة الرومانية التى هى
الوحش الرابع فى نبوة دانيال، وقال بعض الربيين لا بل هم أولاد إسماعيل".
ويفدى إسرائيل ويجمعهم من كل أنحاء المسكونة بإعجاز إلى أرضهم بشرط توبتهم. وبحسب
المدراش فكل إسرائيلى مختون سيفرج عنه من جهنم ويقوم الأموات بحسب السلطة الممنوحة
للمسيا من الله ليقيم الأموات. ويقوم الأموات الذين ماتوا ودفنوا فى أرض إسرائيل،
هؤلاء يقومون فى أرض إسرائيل، ومن مات خارجها يتدحرج بألام شديدة فى ممرات تحت
الأرض ليصل إلى أرض إسرائيل ويقوم فيها. المهم أن الكل سيقومون فى أرض فلسطين.
ويصاحب هذا إعلان بصوت البوق العظيم. ودخلت بعد ذلك أراء مختلطة بأفكار مسيحية.
لكننا نجد أفكارا عجيبة عن مجئ المسيا بعضها بتفسير عجيب للنبوات وبعضها لا يدرى
أحد مصدرها.
وتقول
الكتابات اليهودية عن الدهر الآتى أن كل المقاومة لله ستظهر فى حرب جوج وماجوج
ويسود الشر فى هذه الأيام، وتكون أيام ألام شديدة على إسرائيل. وسيحاول العدو أن
يغزو المدينة كإعصار 3 مرات ويفشل وينتهى هذا بدمار كامل للعدو. وتبنى المدينة من
جديد. وتتغنى الكتابات اليهودية بمجد المدينة التى تكون مزينة بالذهب والفضة وكل
أنواع الجواهر الكريمة. وسترتفع المدينة لمسافة 9 أميال بل تصل حتى إلى عرش الله،
وتمتد أورشليم من أريحا إلى دمشق. ويعيش فيها كل اليهود وتكون مأوى وملاذ لكل
الأمم. ويعاد بناء الهيكل ويقيم فيه المسيا وسيحتوى الهيكل على المنارة الذهبية
وتابوت العهد، والنار التى ستشتعل على المذبح تكون نازلة من السماء. وتتسع إسرائيل
إلى الحدود التى أعطاها الله لإبراهيم وقد تمتد لكل الأرض. ويسود ناموس موسى الأمم
حتى أنهم يضعوا أهدابا فى ثيابهم. ولكن المسيا سيضع لهم ناموسا خاصا. وإختلفت
الأراء على من سينطبق ناموس موسى القديم وعلى من ينطبق ناموس المسيا الجديد. وستصل
وصايا ناموس المسيح إلى 30 وصية بدلا من 10. وقال البعض أن الأعياد التى ستستمر هى
يوم الكفارة وعيد إستير (أو المظال) فقط. وستنتهى الذبائح الدموية ولن يتبقى من
الذبائح سوى ذبيحة الشكر فقط. وستلغى تماما شرائع الأطعمة الطاهرة والنجسة، فيصبح
الكل طاهرا. وقسم الربيين الأزمنة إلى 3 حقب (ما قبل الناموس – أيام الناموس –
أيام المسيا). وستكون أيام المسيا أيام جمال أخلاقى وقداسة وغفران وسلام، ولا
أعداء ولا ظلم، ستكون أيام فردوسية فى أرض فلسطين (ولم يتكلموا عن السماء) وسيقتطع
الملائكة أحجار كريمة لبناء أورشليم طولها 45 قدم وعرضها 30 قدم لتوضع فى بوابات
أورشليم. والحوائط من ذهب وفضة وأحجار كريمة. وستمتلئ أورشليم أحجارا كريمة وسيكون
لكل إسرائيلى الحق أن يأخذ منها ما يشاء. وقالوا ستكون مساحة أورشليم كمساحة أرض
فلسطين ومساحة فلسطين كمساحة كل العالم. وكإمتداد إسرائيل المعجزى سيكون أيضا
إرتفاعها إعجازى. وستنتج الأرض أفخم أنواع الملابس والمأكولات ويكون إرتفاع القمح كالنخيل،
وقال البعض لا بل كالجبال. وتأتى رياح معجزية لتحول الحبوب إلى دقيق يملأ الأودية.
وتكون كل شجرة مثمرة، وتثمر يوميا وستلد كل النساء اليهوديات لدرجة أن يكون تعداد
كل عائلة كعدد إسرائيل يوم الخروج من مصر. ولن تكون هناك أمراض ولا ما يؤذى ويضر.
وبالنسبة للموت طبقوا نبوة إشعياء حرفيا "يُبلع الموت إلى الأبد" (25 :
8) وهذا بالنسبة لليهود. أما بالنسبة للأمم طبقوا نبوة إشعياء أن "الصبى يموت
إبن 100 سنة" (65 : 20). ويطول عمر الأمم جدا ولكنهم يموتون فى النهاية، أما
اليهود فلا يموتون. وكل ما خسره البشر بسبب الخطية يستعيدونه ثانية. وتكون أورشليم
عاصمة العالم ومكان إقامة المسيا. وتأخذ إسرائيل مكان الوحش الرابع فى نبوة دانيال
أى الدولة الرومانية. وستنتهى الدولة الرومانية ليحل مكانها حكم المسيح. وقالوا أن
الدولة الرومانية الشريرة خرجت للوجود بسبب خطية إسرائيل، ووجدت أصلا يوم تزوج
سليمان من بنت فرعون (فى هذا اليوم نزل الملاك غبريال من السماء وأخذ قشة من
المحيط وزرعها فى طين البحر وعلى هذه وجدت مدينة روما) وأن رومولوس وريموس [رومولوس
هو الذى أسس مدينة روما وتسمت المدينة على إسمه] ظهرا يوم أقام يربعام هياكل
العجول فى بيت إيل وفى دان فى الشمال. ولذلك إستُبْدِل حكم داود بالخضوع للأمم
بسبب الخطية. وظل قبول الأمم فى مملكة المسيا متضارب عند الربيين فمنهم من قال
يدخلون كمهتدين، ومنهم من قال سيظلوا مرفوضين وسينضموا لأعداء إسرائيل فى الحرب
النهائية. وهذه الحرب النهائية تبدو أنها إمتداد لحرب جوج وماجوج وستنهى عصر
المسيا. وكل الأمم الذين خضعوا للمسيا سيتمردوا عليه، ولكنه سيدمرهم بنفخة فمه ولن
يوجد على الأرض سوى إسرائيل. ومدة التمرد هذه ستستمر 7 سنوات. والفكر الغالب أن
إسرائيل وحدها هى التى ستقوم بعد ذلك وبالذات من الأتقياء والدارسين ليبدأ حكم
المسيح. وقالوا أنه حتى لو قام الأمم فإنهم سيموتون ثانية.
ثم
تبدأ الدينونة وهنا أيضا نجد تمييز واضح بين اليهود والأمم فى الدينونة. فتكون
فترة جهنم لليهود الأتقياء فترة تطهير، بينما فى جهنم يعامل الأمم معاملة قاسية
جدا فهم أشرار هراطقة خطاة، ومعهم خطاة اليهود (مثل فكرة المطهر عند الإخوة
الكاثوليك). ويكون الحكم النهائى فى وادى يهوشافاط، ويكون أمام الله والسنهدريم
السمائى المكون من شيوخ إسرائيل. وبعد الحكم النهائى يبدأ تجديد الأرض والسماء.
وهناك لن يوجد روح الشر (ييسترهارا) الذى كان يدفع الإنسان ليختار الشر، فهذ سيتم
تدميره. وتعود الأرض للحالة الفردوسية الكاملة ويبدأ الدهر الآتى. وإختلفت الأراء
هل سيكون فى الدهر الآتى متع جسدية. ونجد فى رد المسيح على الصدوقيين وقوله أنه لا
زواج فى السماء بل نكون كملائكة الله – ردا على الأفكار السائدة فى ذلك الوقت عن الملذات
الحسية فى السماء. فقالوا أن هناك وليمة عظيمة يعدها الله لهم من لحوم لوياثان
وبهيموث وغيرها … وهى معدة للأبرار. ومن جلود لوياثان تصنع للأبرار خيام وعقود
وسوار لأعلى الذراع. وقال البعض أن أورشليم الجديدة مصنوعة فى السماء وستنزل لنا
على الأرض وفى وسطها الهيكل ويستعيد هارون مكانه فيه.
وفى ضوء كل هذه الأفكار اليهودية المتضاربة والمادية
والخيالية
كان سؤال التلاميذ للمعلم عن الأحداث الأخيرة.
الفصل
السابع
مساء اليوم الثالث لأسبوع الألام وعلى جبل الزيتون –
أمثال للتلاميذ عن النهاية
العشر العذارى – الوزنات وعلاقته بمثل الأمناء ودينونة
الملك لمن تمرد عليه (قبل دخول أورشليم)
مت25 : 1 – 13 + مت25 : 14 – 30 + لو19 : 11 – 28
مثل
العذارى :-
أعطى الرب لتلاميذه هذا المثل بعد أن تكلم عن أيام النهاية وعلامات النهاية، ليفهم
الجميع أن هذه العلامات كانت حتى نستعد ولكن ليس لكى نتوقع يوما محددا فهو سيأتى
فجأة. ومهما طال الوقت فعلى الكنيسة ألا تتوقع أن الحال سيستمر بل تظل على حالة من
الإستعداد الدائم. ونفهم من المثل أن العريس سافر لمكان بعيد وأنه سيأتى مساء يوم
العرس الذى وعدنا به عريسنا. ونجد أن بيت العرس قد أعده العريس وأنه سيأتى فجأة
ليأخذنا إليه. ونلاحظ أن العشر عذارى موجودون فى البيت الذى سيتم فيه العرس أى
الكنيسة ولكن ليس كلهن مستعدات. ونلاحظ فرقا كبيرا بين هذا العرس والأعراس
اليهودية. ففى العرس اليهودى يذهب العريس مع أصدقائه إلى بيت العروس ليصحبها مع
صاحباتها إلى بيته أو بيت أبيه. ولكن فى مثل العذارى يأتى العريس من مكان بعيد
ليذهب لبيت العرس، ويقابله موكب الفرح عند وصوله والعذارى يرافقنه إلى مكان العرس.
ولا ذكر للعروس هنا ولا فى مثل عرس إبن الملك. والسبب أن العذارى فى هذا المثل،
والمدعوين فى مثل عرس إبن الملك يمثلون العروس. وكانت العادة فى مواكب الأفراح
اليهودية أن يحملوا عشر مصابيح تضاء بزيت داخلهم، بحسب عدد البركات التى تتلى على
العروسين فى طقس الزواج. ولذلك كان هناك 10 عذارى فى مثل الرب يمثلن موكب العرس.
وكل العذارى العشر كن يحملن مصابيح وهذا إشارة لوجودهن كلهن فى الكنيسة ولكن خمسة
فقط كانت مصابيحهن مملوءة زيتا.
إذهبن
للباعة =
هذا القول ليس للسخرية ولكن لإظهار أن الإمتلاء من الزيت مسئولية كل شخص ولا يوجد
من يملأ الآنية إلا جهاد وإستعداد كل شخص.
مثل
الوزنات (على جبل الزيتون ليلة الثلاثاء) :- بينما كان مثل
العذارى يشير إلى الحالة الروحية التى نكون عليها عند مجئ الرب، يشير مثل الوزنات
إلى الأعمال التى نقوم بها كعبيد للرب. والرب كلفنا بأن نؤدى عملا فى إنتشار
ملكوته ويطلب منا أن نؤدى عملنا بأمانة. وأعطى كل منا مواهب لنؤدى عملنا وسيحاسب
كل منا عن كيفية إستعمالها بأمانة أو على إساءة إستعمالها. وهو سيأتى كما رأينا فى
مثل العذارى فجأة ليحاسب كل منا على أمانته، يكافئ أو يعاقب. وما يجب أن يفهمه كل
منا أننا عبيد له ومطلوب منا أن نعمل لخدمته، والمواهب التى أعطاها لكل منا هى
لإستعمالها لنمو ملكوته، وليس لنحتفظ بها كأن شخص ما قد إستأمننا على أمانة لنحتفظ
بها. والرب يسوع أعطى لكل واحد بقدر إمكانياته للعمل (5 ، أو 2 أو 1). ومن أخذ
الوزنة لم يفهم أنه عبد عند سيده عليه أن يخدمه بها.
وبعد
زمان طويل = هذه العبارة تربط هذا المثل بمثل العذارى = وفيما
أبطأ العريس. والقصد من هذه العبارة أن طول المدة قد يدفعنا للتكاسل ظنا أن
هناك متسع من الوقت.
أقيمك
على الكثير = [فى هذه الحياة لنرى مثال من حياة مثلث الرحمات
البابا الأنبا شنودة الذى بدأ خدمته بأمانة فى سن الـ 17 سنة فأخذ ما هو أكثر وصار
مدرسا فى الإكليريكية، ولأمانته صار أسقفا ولأمانته صار بطريركا. ولنأخذ مثالا آخر
يجيب على سؤال هل تنطبق هذه الآية على الحياة الأخرى – لنرى الإجابة فى ما يفعله
الآن مثلث الرحمات البابا كيرلس السادس فلأمانته فى حياته على الأرض. ها هو حتى
الآن بعد نياحته بعشرات السنين ما زال بمعجزاته التى لا تنتهى يتمجد إسم الله].
رد
صاحب الوزنة الواحدة على سؤال سيده عما فعله بوزنته رد كله جفاء يدل على عدم فهمه
لواجباته كعبد مستأمن على وكالة، ورده كان فيه عدم محبة لسيده وجهل مطبق وعدم رغبة
فى العمل. هو خاف من المخاطرة وأن يخسر ولا يكسب. ولكن هذا يدل على جهل بسيده الذى
لا ينسى تعب كأس ماء بارد، وأى عمل خدمة للسيد لا يفشل ولا يضيع [فالرب وعد
بأنه شريك معنا فى كل عمل بل أننا لا يمكن أن نقدر أن نعمل بدونه]. بل أن هذا
العبد هو الخسران لأن من يعمل فى كرم الرب يختبر فرحا عظيما فى خدمته.
الصيارفة
:-
هم من يستعمل الأموال ويقرضونها ليربحوا. وهذه كانت مهنة منتشرة فى كل
الإمبراطورية الرومانية. وبالنسبة لليهود كان مصرحا لهم أن يمارسونها مع الأمم
ولكن ليس مع إخوتهم اليهود، إذاً فهى كانت مهنة منتشرة بين اليهود أيضا. وقد
إستدان هيرودس أغريباس من صراف يهودى سكندرى مبلغ 20000 درهم وردهم له بمكسب حوالى
5 , 8 % أى حوالى 2500 درهم. وهذا ما يسمى توظيف المال بطريقة غير
مباشرة. وكانت أموال السيد ستربح بدون أن يغامر هذا العبد أو يخاطر. وكانت عقوبة
هذا العبد غير الأمين هى نفس عقوبة من وجده الملك فى حفل عرس إبنه وليس عليه ثياب
العرس.
مثل
الأمناء (قبل الدخول لأورشليم) :- ذكره القديس لوقا، وقال الرب هذا
المثل قبل دخوله إلى أورشليم يوم أحد الشعانين. وقال هذا المثل إذ توقعت الجموع أن
"ملكوت الله كان عتيدا أن يظهر فى الحال" وكان معنى المثل أن الأحداث
ليست بحسب تصوراتهم وأنه سيدخل أورشليم ليملك ويبدأ العصر الماسيانى. لكنه سيختفى
لمدة طويلة قبل أن يأتى فى مجده ليدين. والوقت ما زال بعيدا وعليهم الإستعداد
ليعملوا ويجاهدوا وليس ليحكموا العالم ويتنعموا. وأنهم فى أورشليم لن يقبلوه
ولكنهم سيتمردوا عليه. ولكنه حين يأتى فى مجده سيكون كملك يدين من رفضه، هؤلاء الذين
قالوا "لا نريد أن هذا يملك علينا" + "ليس لنا ملك إلا قيصر"
(لو19 : 14 + يو19 : 15). والرب له خدام كثيرين ينفذون أحكامه – وقام الرومان بهذا
الدور سنة 70 م. وواضح أن هناك تشابه مع مثل الوزنات ولكن هناك إختلافات أيضا مع
مثل الوزنات. فالرب قال مثل الوزنات على جبل الزيتون وقال مثل الأمناء قبل دخوله
إلى أورشليم.
زكا
العشار :-
وفيما يقال عنه (contrast) أى صورة مضادة لدينونة العبد الذى لم يتاجر بوزنته، نجد صورة زكا
التائب والتى تسبق مثل الأمناء مباشرة. فزكا إحتفظ بوزناته له هو شخصيا (ولم
يدفنها فقط) بل إغتصب ما للغير وإحتفظ به لنفسه (وهذه كانت خطية العشارين) ولكن
لحظة توبته حصل على الخلاص. وعند توبته خرجت الأمناء التى فى منديله (لو19 : 20) –
أخرجها زكا ليعطيها للمحتاجين والذين تسبب فى ألام لهم ليمجد الله بها.
الفصل
الثامن
اليوم الرابع من أسبوع الألام – الرب فى راحته السبتية
الأخيرة قبل ألامه
السنهدريم فى عدم راحتهم وخيانة يهوذا
مت26 : 1 – 5 ، 14 – 16 + مر14 : 1، 2 ، 10 ، 11 +
لو22 : 1 – 6
بنهاية
أمثال الرب فى (مت25) تنتهى تعاليم الرب وأعماله. وإنتهت بنهاية يوم الثلاثاء أيام
عمل مكثف للرب وكان يوم الأربعاء يوم راحة للرب قضاه مع تلاميذه بالقرب من بيت
عنيا فى هدوء يشرح لهم حقيقة صلبه (مت26 : 1). وقطعا كان تلاميذه فى حاجة لهذه
الجلسة الهادئة ليتهيأوا للأحداث الجسام والتى ستبدأ فى الغد، يوم الخميس. وكان
الرب يسوع قد أخبر تلاميذه بحقيقة الصلب عقب إعتراف بطرس بأن المسيح هو إبن الله.
والمرة الثانية كانت بعد التجلى، والمرة الثالثة كانت قبل دخوله الملوكى إلى
أورشليم (مت20 : 17 – 19). وبينما كان الرب يخبرهم فى المرات السابقة بخبر الصلب
على أنه شئ فى المستقبل، لكنه الآن يخبرهم بميعاد الصلب. ولنا أن نتصور كيف جلس
تلاميذه حوله فى حزن وإضطراب إذ أخبرهم بأنه سيسلم ويصلب فى الفصح بعد يومين، فهم
أحبوه حقيقة ما عدا واحدا منهم كان قلبه قد إمتلأ بالظلمة. فحين خرجت محبة يسوع من
قلب يهوذا دخله الشيطان.
كان
يهوذا التلميذ الوحيد الذى من اليهودية، أما الباقون فكانوا من الجليل. وكان
لكفاءته المالية والإدارية قد أعطاه السيد أمانة الصندوق (كانت كفاءته هذه هى
وزنته) ولكنه تحول إلى لص وخائن. وهناك سؤال لماذا ترك السيد الصندوق معه بعد أن
إكتشف أنه يسرق؟ هو لم يكن هكذا أولا لكنه مع الوقت ومع اليأس من إشهار المسيح
نفسه كملك فيحصل هو على منصب كبير، بدأ فى إستغلال القليل الذى فى الصندوق. وربما
بدأ اليأس يزداد فى قلبه من حصوله على نصيب كبير بعد ملك المسيا بعد سماع طلب أم
إبنى زبدى بمراكز كبيرة لإبنيها، وطلب بطرس نصيبه الذى سيحصل عليه إذ ترك كل شئ.
لقد إختاره الرب لكفاءته، وتركه بعد أن علم بالسرقة أولا لرحمته وطول أناته،
وثانيا حتى لا يدفعه لليأس والعزلة وقد يدفعه هذا للإرتداد عن المسيح فيخسر المسيح
هذه النفس. إذاً بداية مشكلة يهوذا كانت فساد داخلى والرب أعطى له فرصة للتوبة
ولكن الفساد ظل ينمو داخليا حتى وصل للسقوط المروع. وزنته أو موهبته كان من الممكن
أن يمجد بها الله لكنه إنحرف داخليا بسبب المال فكانت موهبته سبب هلاكه. إلتحق
يهوذا بالمسيح فى بداية تجمع التلاميذ حول المسيح وكله أمل فى منصب مغرى له ماديا.
وأعجب بتعاليم الرب ومعجزاته وسلطانه على الأرواح النجسة، بل صار له هو أيضا سلطان
على الأرواح النجسة مع بقية التلاميذ. ورأى خضوع المعمدان له وسمع شهادة المعمدان
عنه. ولكن مع الوقت بدأ اليأس والإحباط يدب فى قلبه، فقد إستشهد يوحنا ولم ينتقم
له المسيح، بل أن المسيح إنسحب من المكان. ثم رفض المسيح الملك إذ طلب الشعب أن
يملكوه. ثم يطلب الفريسيين منه آية من السماء لإثبات أنه المسيا فيرفض. ويطلب
إخوته منه النزول إلى أورشليم ليظهر نفسه فيرفض. ثم إصراره على أنه سيصلب ويموت.
وكان كل هذا ضد طموحاته التى جعلته يسير وراء المسيح. وربما بدأ الشك يملأ قلبه
وخميرة الفريسيين تنمو داخله ويصدق أن المسيح يعمل معجزاته بواسطة بعلزبول. ومع
أنه قد إتضح للكثيرين أن مملكة المسيح هى مملكة روحية تصادم هذا مع أحلام يهوذا فى
مملكة مادية وسلطان ومكاسب مادية. وربما دخله الإحباط عندما لم يصعد إلى جبل
التجلى وفشله مع بقية التلاميذ فى شفاء الولد المجنون. وهنا نجد أن الإحباط داخله
إزداد وتحول لكراهية للمسيح.
وهكذا كل منا معرض لتلك التجربة حينما لا يسمح الله
بتحقيق أحلامنا المادية
فيقودنا الإحباط إلى ظلمة القلب.
وربما
مع تأكيد المسيح المتكرر بأنه سيصلب قال يهوذا فلأخرج بأى مكسب وتوجه لرؤساء
الكهنة، وكانوا مجتمعين يدبرون المؤامرة لقتل المسيح. وتكون الإجتماع من قيافا
ورؤساء الكهنة والسنهدريم والرؤساء. وكان هؤلاء هم حلقة الوصل بين الشعب وبين
السلطات الرومانية. وهذا المجمع كان يجتمع فى حالة الجرائم السياسية مثل هذه التى
يريدون إلصاقها بالمسيح، وليس فى القضايا الصغيرة. وباع يهوذا نفسه وقال لهم
"ماذا تريدون أن تعطونى". وباع سيده فى مقابل 30 من الفضة وهى ثمن
العبد، فالمسيح صار عبدا لفدائنا. وأخذوا الثلاثين فضة من نقود الهيكل المخصصة
لشراء الذبائح العامة فى المواسم والتقدمات اليومية النهارية والليلية. وهكذا صار
المسيح ذبيحة لأجلنا. ويا لبؤس يهوذا الذى فى ضيقته لم يجد أحدا بجانبه فهو ترك
المسيح ولم يقف بجانبه رؤساء الكهنة ولا أحد، ولم تنفعه الفضة بل رماها وذهب
لمصيره المشئوم.
الفصل التاسع
اليوم الخامس من أسبوع الألام – إعداد الفصح
مت26 : 17 – 19 + مر14 : 12 – 16 + لو22 : 7 – 13 +
يو13 : 1
[يرجى
الرجوع لتفاصيل هذا الفصح فى الكتاب المترجم "الأصول اليهودية لسر
الإفخارستيا" وتجده فى مقدمة سر الإفخارستيا فى كتاب الأسرار الكنسية
فمعلوماته أدق].
ونلاحظ
أن الرب قد صنع هذا الفصح يوم الخميس مساء فى علية بيت والد مار مرقس. ومار مرقس
هو الذى قال عنه الرب لتلميذيه "إذهبا إلى المدينة، فيلاقيكما إنسان حامل جرة
ماء. إتبعاه… وهو يريكما علية كبيرة مفروشة". وهو أيضا الشاب الذى ترك
إزاره وهرب فى جثسيمانى عند القبض على الرب يسوع. وقارن مع (أع12 : 13) فنجد أن
البيت الذى كان يجتمع فيه الرب مع تلاميذه هو بيت والد القديس مرقس. وأيضا بستان
جثسيمانى الذى كان الرب يجتمع فيه مع تلاميذه فى جبل الزيتون هو ملك والده أيضا.
وكان نائما فيه وهرب تاركا إزاره. وفى هذه العلية ظهر لهم الرب بعد قيامته. وفيها
كانوا يجتمعون للصلاة. وفيها حل الروح القدس عليهم وتأسست الكنيسة. وقد عاين
القديس مار مرقس كل الأحداث التى حدثت فى منزله وفى بستان أبيه. [ولذلك تسميه
كنيستنا "ناظر الإله القديس مار مرقس الإنجيلى البشير كاروز الديار
المصرية"].
ولذلك
نفهم أن يهوذا إصطحب معه الجند أولا إلى منزل مار مرقس حيث تركهم قبل عشاء الرب
فوجدهم قد غادروا المنزل. فذهب وراءهم مع الجند إلى بستان جثسيمانى فهو يعرف
المكانين الذى كان الرب يجتمع فيهما مع تلاميذه وكان هو منهم.
الفصل
العاشر
العشاء الفصحى – تأسيس عشاء الرب
مت26
: 17 – 19 + مر14 : 12 – 16 + لو22 : 7 – 13 + يو13 : 1 + مت26 : 20 + مر14 : 17 +
لو22 : 24 – 30 + لو22 : 14 – 16 + لو22 : 24 – 30 + لو22 : 17 ، 18 + يو13 : 2 –
20 + مت26 : 21 – 24 + مر14 : 18 – 21 + لو22 : 21 – 23 + يو13 : 21 – 26 + مت26 :
25 + يو13 : 26 – 38 + مت26 : 26 – 29 + مر14 : 22 – 25 + لو22 : 19 ، 20
بدأ
الرب خدمته بتأسيس سر المعمودية يوم إعتمد فى الأردن. وبتأسيس سر الإفخارستيا ينهى
خدمته. وكما أننا فى المعمودية ندفن معه ونقوم معه هكذا فى الإفخارستيا نرى موته
وقيامته ونشترك معه فيهما. وسر الإفخارستيا أيضا يشير لوليمة عشاء عرس الخروف
(رؤ19 : 9) فى السماء.
كان
لليهود إعتقاد أن كل خلاص عظيم أو حدث عظيم مرتبط بليلة الفصح. وذبيحة الفصح هذه
عند اليهود مميزة عن باقى الذبائح. وشريعة الفصح أعطاها الله لموسى قبل الناموس
وهم بعد فى مصر. وكان العهد بين الله وبينهم بدم خروف الفصح. وكانت هى سبب كل
الذبائح اللاوية والعهد نفسه. ولا يمكن تصنيفها على أنها تندرج تحت أى ذبيحة أخرى
بل هى تجمعهم كلهم، وتختلف عنهم كلهم. وكان كهنوت المسيح كهنوت حقيقى ولكن ليس على
طقس هرون. وهكذا كانت ذبيحة المسيح ليست بحسب طقس الذبائح اللاوية بل بحسب طقس
الفصح. وكما كانت إسرائيل كلها تجتمع حول خروف الفصح لتذكر عمل الله معهم فى
الماضى، وفى إحتفال بالحاضر وتوقع المستقبل، ويشترك الكل فى خروف الفصح. هكذا
تجتمع الكنيسة وتشترك فى جسد المسيح لتصير فى المسيح ولتصبح جسد المسيح، فى تطبيق
أفضل وأروع من الإشتراك فى لحم خروف الفصح.
وللأسف
بدأ نزاع بين التلاميذ عن من هو الأعظم بينهم، وظهر هذا عند الجلوس حول المائدة.
فكان للفريسيين نظامهم فى الجلوس حول الموائد بحسب درجة كل منهم. وغالبا من بدأ
هذا النزاع كان يهوذا فالقديس يوحنا بدأ هذا المقطع بقوله "ألقى الشيطان فى
قلب يهوذا" (يو13 : 2). ولم يتنازع يهوذا ويدَّعى أنه الأكبر فقط بل نفذ هذا،
وجلس فى مكان الأكبر بحسب التقاليد الفريسية تاليا للمسيح مباشرة وعن يساره. وكانت
الموائد على شكل حرف U وكان رب الأسرة يجلس على رأس المائدة لكننا نفهم أن المسيح جلس
على أحد الأطراف وجلس يوحنا عن يمينه. وأخذ يهوذا مكان الأكبر وجلس عن يسار الرب.
وحينما حدث النزاع وأعطى الرب تعليمه عن أنه يجب أن نضع أنفسنا فى الموضع الأخير،
نجد بطرس وقد إتخذ الموضع الأخير خجلا وجلس على طرف المائدة الآخر فصار فى مقابل
يوحنا. لهذا إستطاع أن يومئ ليوحنا ليسأل يوحنا المسيح عمن هو الذى يسلمه. وكان
يوحنا عن يمين المسيح ولهذا كان سهلا أن يتكئ على صدر يسوع ليسأله عمن يسلمه (أنظر
الرسم فى الصفحة القادمة) فكان الجلوس على أرائك حول المائدة وكانوا يتكئون على
المائدة باليد اليسرى ويأكلون باليد اليمنى. وهذا الوضع يفسر كيف أعطى المسيح اللقمة
ليهوذا إذ كان بجواره فى مكان الأعظم عن يسار الرب. وكان طقس الفصح يبدأ بأن رب
الأسرة يأخذ لقمة ويغمسها فى طبق من الصوص ويأكلها، وحينئذ يفعل ذلك كل الموجودين
بعده. وكنوع من المجاملة للأكبر يغمس رب الأسرة لقمة أخرى فى الصوص ويعطيها للأكبر
الجالس عن يساره فى فمه. (قد يكون الأكبر هو إبنه البكر أو من يجلس عن يساره فى
مركز الأكبر أو الأعظم فى الموجودين على المائدة). وكان طقس وضع اللقمة فى فم
الأكبر هو نوع من التكريم بينما أن باقى الموجودين يغمسون هم كلٌ لقمته فى الصوص
ويأكلونها. ولاحظ أن المسيح بهذا التصرف لم يكشف يهوذا للموجودين. فما عمله معه
كان من ضمن طقوس الفصح، أن يضع رب المائدة اللقمة المغموسة فى الصوص فى فم الأكبر.
يوحنا وحده هو الذى عرف السر وقتها على المائدة. وفى طقس الفصح يشربون 4 كؤوس من
النبيذ المخلوط بالماء بنسبة 1 : 2 النبيذ نصف الماء. وقبل الشرب تتلى كلمات
البركة والشكر لله الذى أعطى الثمار وكل الخيرات، والبركة يتلوها رب الأسرة (وهنا
هو المسيح).
وبعد
أن شربوا الكأس الأول كان غسل الأرجل وربما قام بعض التلاميذ بتكرار ما عمله
المسيح كنوع من التواضع. وكان التقليد المتبع فى الطعام عند اليهود أن يأتى أحد
بالماء لغسل أيدى الموجودين على المائدة. ولكن الرب فى تعاليمه السابقة قال أن غسل
الأيادى ليس مهما بل المهم طهارة القلب. ولذلك فمن المؤكد أن التلاميذ قد إندهشوا
أن الرب قام عن المائدة ليأتى بماء، ولكنهم فوجئوا بالرب يسوع فى قمة تواضعه يقوم
بعمل العبيد، فبدلا من غسل الأيدى يغسل أقدام تلاميذه الذين كانوا يتشاجرون عمن هو
الأعظم. وكما رأينا كان بطرس يجلس عند طرف المائدة فبدأ الرب بغسل قدميه. وكان غسل
اليدين عند اليهود يبدأ بالأكبر فى الجلوس على المائدة كنوع من الإكرام للكبير.
ونجد هنا الصورة قد إنعكست ويقوم الكبير حقا وهو الرب يسوع بعمل العبيد، ويغسل
أقدام تلاميذه. والأقدام تتسخ من السير فى العالم والإحتكاك بالتراب أثناء السير
طوال اليوم إشارة للإحتكاك بالعالم وخطاياه وهذا يحتاج لتطهير القلب. وربما لم
يفهم بطرس معنى ذلك وقتها وأن عليه كراع لخراف المسيح أن يفعل الشئ نفسه مع رعية
المسيح. وحينما قال له المسيح فى النهاية على شاطئ البحيرة "إرع غنمى"
كان هذا هو المقصود، فالخدمة هى محاولة الراعى الجادة ليكون قلب الرعية طاهرا.
وبعد هذا أكملوا العشاء الربانى.
أماكن الجلوس حول المائدة
يوحنا عن يمين المسيح
بطرس فى مقابل يوحنا
المسيح
يهوذا
عن يسار المسيح
الفصل
الحادى عشر
أحاديث المسيح الأخيرة – الصلاة الشفاعية
يو14 – يو17
تسمى
الكنيسة هذه الإصحاحات – إصحاحات الباراقليط. وتقال نفس الصفة عن المسيح وتعنى
محامٍ / مدافع / معزى / مشير / الناصح / ممثل / المستأنف. وكان المسيح حال وجوده
على الأرض يقوم بكل هذا وبعد صعوده فهو يشفع فى كنيسته أمام الآب شفاعة كفارية.
والرب يسوع يطمئن تلاميذه بأنه لن يتركهم يتامى بعد أن يصعد للسماء بل يرسل لهم
معزٍ آخر يمكث معهم بإستحقاقات دم صليبه. فصار لنا شفيع فى السماء [وشفيع ماكث
معنا على الأرض (رو8 : 26)]. وحينما سمع يهوذا – ليس الإسخريوطى فهذا كان قد
خرج – أنهم سيروا المسيح بينما العالم لن يراه لم يدرك وقتها معنى الرؤية الحقيقية
للمسيح والتى يعطيها الروح القدس لمن يسكن فيهم. ولذلك لن يرى العالم المسيح ولن
يعرفه (العالم المقصود به كل من يحيا فى الخطية).
الفصل
الثانى عشر
فى جثسيمانى
مت26 : 30 – 56 + مر14 : 26 – 52 + لو22 : 31 – 53 +
يو18 : 1 – 11
أحداث
رهيبة حدثت فى تلك الليلة. عبر المعلم مع تلاميذه وادى قدرون إلى بستان مار مرقس
فى جثسيمانى. وهناك ألقى الجند القبض عليه. ضُرِب الراعى فتبددت الرعية. وبعد
الصلب بل وحتى بعد القيامة لم نجد التلاميذ فى ترابط كمجموعة واحدة. فنجد تلميذى
عمواس منفصلين عن الباقين ومتجهين إلى قرية عمواس، ويوم القيامة يظهر المسيح
للتلاميذ فى العلية ولم يكن توما معهم، وفى الأحد التالى كان توما مع التلاميذ حين
ظهر لهم الرب. وعلى بحيرة طبرية نجد بعض التلاميذ وقد عادوا لمهنة الصيد، والباقين
ليسوا معهم. ولكنهم عادوا وتجمعوا وتقابلوا مع الرب فى الجليل. وكانوا مجتمعين
كلهم فى العلية يوم حلول الروح القدس عليهم. كانت الأحداث المؤلمة شديدة الوقع على
التلاميذ لكن كان أكثر من تعرض للسقوط منهم هو بطرس الذى أنكر وشتم، ولكن إيمانه
المعلن قبلا ومحبته الحقيقية لمعلمه، بالإضافة إلى أن المسيح قال له أنه سأل عنه
لكى لا يهلك. والرب سأل عنه لأنه فتيلة مدخنة لا يطفئ، بينما لم يسأل عن يهوذا فلم
يكن هناك داخله فتيلة مدخنة بل وصل للكراهية الكاملة للرب يسوع. ولكن نلاحظ أن
الرب ناداه قائلا "سمعان سمعان" (لو22 : 31 ، 32) إذ كان يخاطب الإنسان
العتيق الذى بداخله. فإنكار بطرس للمسيح شئ ينتمى للإنسان العتيق الذى فيه. سيف
بطرس = كان الجليليون يحملون سيوفا قصيرة تحت سترتهم الخارجية.
كانت
الحامية الرومانية فى قلعة أنطونيا المتصلة بالهيكل عن طريق درجتين. وفى الأعياد
يتم حراسة الهيكل بفرقة مكونة من 400 – 600 رجل. وطلب رؤساء الكهنة وقادة
الفريسيين من هذه الفرقة التوجه لإلقاء القبض على الرب يسوع. وإدعوا أن القبض عليه
قد يتسبب فى هيجان شعبى. ورافق عساكر الرومان جند الهيكل لتوجيه العساكر الرومان،
كل هؤلاء بتوجيه من يهوذا.
[وذهب الرب يسوع لرؤساء الكهنة والكهنة ليقدموه ذبيحة
فصح حقيقية وكآخر ذبيحة مقبولة يقدمونها].
الفصل الثالث عشر
يوم الخميس ليلا – أمام حنان وقيافا – بطرس والمسيح
يو18
: 12 – 14 + مت26 : 57 ، 58 + مر14 :53 ، 54 + لو22 : 54 ، 55 + يو18 : 24 ، 15 –
18 + يو18 : 19 – 23 + مت26 : 69 ، 70 + مر14 : 66 – 68 + لو22 : 56 ، 57 + يو18 :
17 ، 18 + مت26 : 71 ، 72 + مر14 : 69 ، 70 + لو22 : 58 + يو18 : 25 + مت26 : 59 –
68 + مر14 : 55 – 65 + لو22 : 67 – 71 ، 63 – 65 + مت26 : 73 -75 + مر14 : 70 – 72
+ لو22 : 59 – 62 + يو18 : 26 ، 27
إقتاد
الجند الرومان وخدام الهيكل الرب يسوع مقيدا إلى قصر حنان حما قيافا رئيس الكهنة
الرسمى. والمسافة لم تكن طويلة ما بين جثسيمانى وقصر حنان ودخلوا غالبا من نفس الباب
الذى خرج منه الرب مع تلاميذه منذ قليل. وفى تلك الساعة المتأخرة من الليل كانت
الشوارع خالية. فمشهد الجنود بمشاعلهم لم يلفت نظر أحد. وهم ذهبوا إلى حنان فهم
يعلموا أنه الرجل القوى على الرغم من وجود قيافا فى المركز الرسمى. وكان غنيا جدا
هو وأولاده وإستخدم نقوده فى عمل علاقات قوية مع السلطات الرومانية. وكان صدوقيا
متفتحا بلا تزمت قادر على إرضاء السلطات الرومانية. ولم يسجل التاريخ اليهودى رجلا
فى قوة وغنى ونفوذ حنان. وعمل ثروته مستغلا الهيكل. وكان حنان قد تولى رئاسة
الكهنوت لمدة 6 أو 7 سنوات وجاء بعده قيافا زوج إبنته ثم ليس أقل من 5 من أبنائه
وأحد أحفاده. وكان فى مكانه أفضل من رئاسة الكهنوت الرسمية، فهو يدبر ويخطط بلا
مسئوليات ولا قيود رسمية. وطبعا كان إلتفاف الشعب حول المسيح سوف يسبب خسائر جسيمة
مادية لكل هؤلاء الرؤساء. وطبعا كان حنان من ضمن الذين قرروا موت يسوع. ولكن
المذكور فى الكتاب أن قيافا هو الذى أشار بذلك. وذهب الجند الرومان بالرب يسوع إلى
حنان مباشرة كإختيار واقعى عملى فهو صاحب القرار عمليا وهم يعرفون هذا. ولكننا لا
نعلم شيئا عما دار بين الرب وبين حنان. وأرسله حنان إلى قيافا وهناك كان إنكار
بطرس للمسيح.
كان
السنهدريم يتكون من 71 عضوا وفى المحاكمات يجب ألا يقل عدد المجتمعين عن 23 عضوا.
ولهم رئيس ويجلسون فى قاعة فى الهيكل على شكل دائرة ناقصة. وإن كان الحكم بالبراءة
يصدرونه فى نفس اليوم أما حكم الإدانة فلا يصدر فى نفس اليوم بل على الأقل فى
اليوم التالى. أما الحكم فيؤجل تنفيذه. وتؤخذ الأصوات قبل صدور الحكم، ويبدأون
بالأصغر حتى يصلوا للكبار حتى لا يتأثر الصغار برأى الكبار. وكانت السلطات
الرومانية تترك للسنهدريم بعضا من الحرية وبالذات فى الأمور الدينية، حتى لا تثور
مشاكل دون داعٍ.
وبالنسبة
لمحاكمة الرب يسوع فقد تم كسر كل القوانين – *نلاحظ أنه قبل تدمير الهيكل بأربعين
سنة حُرِم السنهدريم من النظر فى القضايا الكبيرة والتى تكون عقوبتها الإعدام. ومع
هذا تمت محاكمة المسيح وإتخذ القرار بقتله، بل كان القرار متخذا من فترة طويلة قبل
المحاكمة. *والمحاكمة لم تتم فى المكان الرسمى أمام السنهدريم بل فى قصر قيافا.
*والمحاكمة تمت ليلا وليس فى الصباح عكس المتبع – فالمحاكمات كانت تبدأ صباحا وحتى
وقت تناول الطعام. *وكانت المحاكمات لا تتم فى السبوت والأعياد ولا فى عشية عيد أو
سبت. *ولم يتبع النظام المتعارف عليه فى تحذير الشهود وإنذارهم أن يكون كلامهم
بالصدق. *ولم تتم محاكمة رسمية أمام السنهدريم. *وكانت شهادة الشهود متضاربة وفى
هذه الحالة كانوا لا يعتدون بها. *وتمت الإدانة والحكم والتنفيذ خلال ساعات قليلة.
*والحكم لم يكن ينفذ فى نفس يوم صدوره بل بعده بأيام ولكن تم تنفيذ الحكم على المسيح
بعد المحاكمة بساعات قليلة، وذلك لأن الحكم يجب أن يصدر من الوالى الرومانى.
*ونلاحظ أن التهم التى كان يتم فيها الحكم بالقتل هى التى كان المتهم يدعو فيها
لعبادة الأوثان فيفسد إيمان الشعب.
الفصل
الرابع عشر
صباح يوم الجمعة العظيمة
مت27:
1 ، 2 ، 11 – 14 + مر15 : 1 – 5 + لو23 : 1 – 5 + يو18 : 28 – 38 + لو23 : 6 – 12
+ مت27 : 3 – 10 + مت27 : 15 – 18 + مر15 : 6 – 10 + لو23 : 13 – 17 + يو18 : 39 ،
40 + مت27 : 19 + مت27 : 20 – 31 + مر15 : 11 – 20 + لو23 : 18 – 25 + يو19 : 1 –
16
أرسلوا
المسيح مقيدا إلى بيلاطس بتهم ملفقة طالبين قتله بدليل قولهم "لا يجوز لنا أن
نقتل أحدا" فقد حرمهم الرومان منذ سنوات من المحاكمات فى الجرائم الكبيرة
التى تنتهى بإصدار حكم بالقتل. ومع تسليمهم برئ ليقتل نجدهم يرفضون دخول دار
الولاية حتى لا يتنجسوا، حقا يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل. وسألهم بيلاطس عن
التهمة التى يوجهونها للرب يسوع فقالوا "إن لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه
إليك". وهذا الكلام لا يمثل تهمة يحاكمه عليها بيلاطس وهو كان فاهما أنهم
أسلموه حسدا (مر15 : 10). ولأنها أمور دينية قال بيلاطس حاكموه أنتم، فهو كان مترددا
ولا يشاء أن يحاكمه بسبب حلم زوجته ولأن الجند الذين أتوا به لم يجدوا منه مقاومة
ولا كان معه ثوارا يساندونه. ولأن النية مبيتة على صلبه حولوا التهمة إلى تهمة
سياسية، وأنه يهيج الناس على قيصر ويريد أن يكون ملكا ويمنع دفع الجزية لقيصر.
[صلب
المسيح وبراءة باراباس له معنى رمزى. فـ باراباس = إبن الأب – وكان
مجرما مستحقا الموت والمسيح مات عوضا عنه. نرى هنا باراباس رمزا لنا فنحن أولاد
الله ونظرا لجرائمنا وخطايانا كنا مستحقين الموت. ومات المسيح عنا ليحمل عنا عقوبة
الموت، ومات مصلوبا والصليب لعنة ليحمل عنا اللعنة.]
الفصل
الخامس عشر
الصلب – الموت – الدفن
مت27 : 31 – 43 + مر15 : 20 – 32 + لو23 : 26 – 35 +
يو19 : 16 – 24 + مت27 : 44 + مر15 : 32 + لو23 : 39 – 43 + يو19 : 25 – 27 + مت27
: 45 – 56 + مر15 : 33 – 41 + لو23 : 44 – 49 + يو19 : 28 – 30 + يو19 : 31 – 37 +
مت27 : 57 – 61 + مر15 : 42 – 47 + لو23 : 50 – 56 + يو19 : 38 – 42 + مت27 : 62 –
66
كانت
عقوبة الصلب وككل الممارسات غير الآدمية بل والرجاسات أصولها فينيقية. أخذها عنهم
الرومان بعد ذلك وطبقوها على المجرمين من غير الرومان. ولم يكن اليهود يمارسون
عقوبة الصلب فيما عدا أحد ملوك المكابيين وإسمه جانيوس الذى صلب 80 شخصا فى
أورشليم. ولكن حتى هيرودس وهو من أحفاد جانيوس وبالرغم من وحشيته لم يستعمل عقوبة
الصلب. وفى حصار أورشليم سنة 70م. صُلِب أعدادا كبيرة من اليهود. أما طرق تنفيذ
الإعدام عند اليهود فكانت الشنق وضرب العنق بالسيف والرجم والحرق. ولكن الربيين
اليهود لم يكن لهم ميل نحو عقوبة الإعدام. ويظهر هذا أنهم منعوا تنفيذ حكم الموت
فى نفس يوم صدوره. وكتب إثنين من الربيين أنه فى فترة تواجدهم بالسنهدريم لم يتم
إصدار حكم بالإعدام. لكنهم كانوا يعلقون المتهم بالوثنية أو التجديف، ولكن بعد
موته بطريقة أخرى كالرجم مثلا. ولكن بعد صلب المسيح بقليل إنتهت عقوبة الإعدام غير
الآدمية من العالم. وكأن صلب المسيح وضع نهاية لهذا المفهوم للصليب بل صار الصليب
رمزا للحب والبذل والإنسانية والسلام.
عقوبة
الرجم عند اليهود :- كان المكان الذى يتم فيه عقوبة الرجم عند
اليهود عبارة عن صخرة عالية (11 قدم) يلقون المتهم من فوقها، وكان من يلقيه هو
الشاهد الأول. وإن لم يمت يلقى الشاهد الثانى على قلبه حجرا ثقيلا. وإن لم يمت
يقوم باقى الجماعة بإلقاء الحجارة عليه. وهذا يفسر لماذا وضع اليهود عند قدمى شاول
الطرسوسى ملابسهم ليقوموا برجم الشهيد إسطفانوس، فالحجارة التى يلقونها تكونة
ثقيلة.
والصلب
كان يقوم به الرومان فكان المصلوب يخلع ملابسه بالقرب من الصليب تماما كنوع من
الإحتقار. ولكن فى اليهودية كانت تراعى الأداب اليهودية فى الحشمة ويغطون جسد
المصلوب وهذا ما إتبع مع الرب يسوع. وكان هناك ثلاثة أنواع مستخدمة من الصلبان
لصلب المحكوم عليهم. 1) على شكل حرف X ويسمى صليب سانت أندرو. 2) على شكل حرف T. 3) والصليب العادى المعروف على شكل +. وهو
الذى إستخدم مع الرب يسوع بحسب شهادة المعاصرين للصلب ومن عاش من الأباء فى الفترة
القريبة من الصلب مثل الشهيد يوستين وإيريناوس. وتم الصلب على صخرة الجلجثة والتى
تأخذ شكل جمجمة فعلا وقيل لأن بها جماجم كثيرة. والمؤلف يرفض الفكرة لأنه يرى أن
الصلب فوق مقابر غير قانونى إحتراما للموتى. ويرجح أن السبب راجع لشكل الصخرة.
ومكان الجلجثة خارج بوابة دمشق على مقربة من الطريق إلى دمشق. ويقع شمال أورشليم
وبالقرب منها جدا. وبجانبه حدائق وبها مقابر محفورة تعود لوقت صلب المسيح، وعثروا
على بقاياها حديثا [الكاتب كتب هذا الكلام فى القرن التاسع عشر]. وحمل باب
دمشق بعد ذلك إسم باب إسطفانوس فبجانب هذا الباب رجموا القديس إسطفانوس أول شهداء
المسيحية. ومع اليهود بدافع الرحمة كانوا يعطون المصلوب خلا مخلوطا بالمر (الخل هو
نبيذ مختمر) وهذا يعتبر كمخدر، لذلك رفض مخلصنا الشرب منه كما رفض تعاطف بنات
أورشليم اللواتى كن يبكين عليه. أراد أن يحمل ألامنا وحده حتى أقصاها فرفض تخدير
الألم ليتحمل كل الألام الجسدية، ورفض حتى المساندة والمشاركة النفسية من بنات
أورشليم. وكان ثمن الخل والمر يتكفل به جمعية من سيدات أورشليم. وكان القانون يفرض
وضع لافتة تعلق على صليب المحكوم عليه تعلن سبب صلبه.
سخرية
اليهود من الرب يسوع كانت سببا فى سخرية الجند منه كملك لليهود فهم يكرهون اليهود
ويحتقرونهم وكانت سخريتهم من الرب يسوع هى سخرية ممن إعتبروه ملكا لليهود الذين
يكرهونهم. وبهذا كانت تصرفات رؤساء اليهود والسنهدريم من شخص الرب يسوع فى الواقع
هى نوع من الإنتحار الأدبى بالنسبة لرجاء إسرائيل فى وجودها وكيانها. فهم شاركوا
الجند الرومان فى السخرية من الرمز. وكان الرومان يسمعون سخرية اليهود من المسيح
ويكررونها ولكن كنوع من السخرية من اليهود فى شخص ملكهم. ويأخذ اليهود سخرية
الرومان من شخص الرب كملك لليهود ويكررونها هم ضد الرب. ولاحظ أن موضوع السخرية هو
أمل اليهود فى إستعادة حريتهم تحت ملك منهم. وكانت التهمة المعلقة على الصليب أن
المسيح هو ملك اليهود، إذاً نفهم أنهم صلبوا رمز الأمل والرجاء فى حريتهم من
الرومان وأن تكون لهم مملكتهم. وهكذا كما باع يهوذا معلمه ثم إنتحر، باع اليهود
رمز وطنهم الذى يحلمون به فإنتحروا ولنراجع ما عمله تيطس سنة 70م.
بعد
أن تمم الرب كل عمله لفدائنا قال "قد أكمل" ونادى يسوع بصوت عظيم وقال
"يا أبتاه فى يديك أستودع روحى". عجيب أن الرب يسوع فى هذه اللحظة وهو
فى منتهى الضعف الجسدى وفى لحظة موت *يصرخ بصوت عظيم. فالإنسان العادى فى لحظة
موته لا تكون له قدرة على الصراخ بصوت عظيم. بل كان صراخه فى لحظة موته سببا فى أن
قائد المئة الموجود بجانب الصليب يقول "حقا كان هذا الإنسان إبن الله"
(مر15 : 39) وهذا يدل على قوة جبارة ناشئة عن إتحاد ناسوته الضعيف بلاهوته. وعجيب
أيضا أن نسمع *"ونكَّس رأسه وأسلم الروح. فالطبيعى أن يُسلِّم الإنسان الروح
أولا ثم ينكس رأسه وليس العكس، وذلك لإنه يحاول أن تظل رأسه مرفوعة بقدر الإمكان
ليتنفس، ولكنه بعد أن يموت تسقط رأسه. وهاتين الملحوظتين يشيران أن موت المسيح لم
يكن كموت أى إنسان عادى، بل هو بسلطانه سلَّم حياته أى مات بإرادته حينما أراد أى
حينما تمم عمله. وبهذا نفهم أن الموت لم يبتلع المسيح بل أن المسيح هو الذى إبتلع
الموت كغالب وليس كمغلوب. الموت لم يغلب الرب بل هو الذى غلب الموت، ونزل إلى
الجحيم بروحه المتحدة بلاهوته ليفتح الأبواب لمن ماتوا على الرجاء ويأخذهم إلى
الفردوس.
[اللاهوت
لم يساند الناسوت فى أى لحظة ليحمل ألامه، بل أراد المسيح أن يحمل الألام بالكامل
ليشابهنا فى كل شئ. وهذا معنى قول بولس الرسول "أنه يُكَمِّلْ رئيس خلاصهم
بالألام" (عب2 : 10). فالمسيح لم يكن من المفروض أن يتألم، فالألم نتج عن
الخطية وهو بلا خطية. ولكنه بإرادته أراد أن يتذوق الموت والألم ليصير كواحد منا.
ولكن فى لحظات الموت ظهر عمل اللاهوت لا ليحمل عنه ألامه فهو قال "أنا
عطشان" وقال "إلهى إلهى لماذا تركتنى" وهذا دليل على أن ألامه كانت
حقيقية. ولكن معنى ظهور عمل اللاهوت هنا هو أن الموت لا يمكنه أن يهاجم المسيح
ويغلبه، بل هاجم المسيح الموت حينما أسلم روحه بإرادته. ونظرا لإتحاد روحه
باللاهوت الحى إبتلعت الحياة التى فى اللاهوت المتحد بالناسوت الموت، ولم يبتلع
الموت الحياة التى فى المسيح فهى حياة أبدية لا تموت. وهذا معنى العبارة التى
نرددها – بالموت غلب الموت].
["فلكى
يتم الكتاب قال أنا عطشان" = المسيح لم يشرب
لأنه عطشان فقط، إذ هو عطشان لخلاصنا. ولم يشرب الخل (وهو نوع من النبيذ الذى
يستعمله الجنود) فقط ليتمم النبوات. بل أنه كان يتمم طقس الفصح الجديد. ففى طقس
الفصح اليهودى يشرب المجتمعين حول المائدة أربعة كئوس. والكأس الأخير أى الرابع
يعلن إنتهاء طقس الفصح. فالمسيح شرب هذا الكأس الرابع على الصليب فربط الصليب بسر
الإفخارستيا. فالإفخارستيا هى نفسها ذبيحة الصليب، والصليب شرح كيف أن المسيح قد
أعطى تلاميذه على مائدة الفصح جسده ودمه مأكلا ومشربا حقيقيين. ويُرجى الرجوع
لكتاب الجذور اليهودية والموجود فى مقدمة سر الإفخارستيا فى كتاب الأسرار
الكنسية].
شق
حجاب الهيكل = تم تسجيل هذا الحدث فى الكتابات اليهودية ولكنهم
ربطوه بالزلزال الذى حدث. مع أنه يصعب أن يتسبب زلزال فى شق حجاب كثيف إلى إثنين
من فوق إلى أسفل. ولكنهم إعتبروا هذا على أنه نذير بخراب الهيكل. وهناك أربع
شهادات للحدث من تاسيتوس ويوسيفوس ومن التلمود ومن التقليد المسيحى القديم. وأهمهم
قطعا التلمود ويوسيفوس. وتكلم يوسيفوس أيضا عن إنطفاء الشعلة الوسطى للمنارة
الذهبية وهى الشعلة الرئيسية، وأن هذا تم بطريقة غير مفهومة قبل خراب الهيكل بـ 40
سنة. وتكلم هو والتلمود عن أن أبواب الهيكل الضخمة إنفتحت من تلقاء ذاتها دون أن
يفتحها أحد. وإتخذوا هذا كله نذيرا بكارثة قادمة وهى خراب الهيكل. وكان طول حجاب
الهيكل 60 قدما ومكون من أجزاء كثيرة يتم تثبيتها فى بعضها البعض ومن ثقل وزن
الحجاب بعد إنتهاء خياطته كان يحمله 300 كاهن. ومن هنا نرى أن الزلزال قد يتسبب فى
دمار جزئى لهذا الحجاب ولكنه لا يتسبب فى شقه بالكامل إلى جزئين، ولكن كان هذا
بعمل إلهى [إعلانا عن الصلح بين السماء والأرض بدم الصليب]. وقطعا من لاحظ
شق الحجاب هو الكاهن الذى دخل ليقدم البخور عند المساء. وكانت هذه الأحداث سببا
فى إيمان كهنة كثيرين بالمسيح (أع6 : 7).
دم
وماء =
بغض النظر عن السبب العلمى لحدوث هذه الظاهرة. فالقديس يوحنا حين ذكرها لم يكن
يقصد المعنى العلمى لها. ولكن المعنى المقصود أن جسد المسيح الميت على الصليب كان
به حياة، لم ولن يرى فسادا. كان جسده جسد ميت (لإنفصال الروح الإنسانية) لكن به
حياة وذلك لإتحاد لاهوته الحى والمحيى بناسوته. وذلك تنبأ عنه داود النبى (مز16 :
10). ومعنى أن الفساد لا يتمكن من جسده أنه هزم الموت والفساد. والقديس يوحنا أشار
لهذا الحدث أيضا فى رسالته (1يو5 : 6). ويشير وجود الدم مع الماء لسرين من أسرار
الكنيسة، وبالسرين [المعمودية والإفخارستيا] لا يكون لا للموت ولا للفساد
سلطان علينا، وأن المسيح معنا دائما يغفر خطايانا ويثبتنا فى حياته الأبدية فى
ذبيحته [الإفخارستية] التى يقدمها لنا.
الفصل السادس عشر
قيامة المسيح من الأموات
حقا
كان الرب يسوع قد أخبر تلاميذه بأنه سيقوم فى اليوم الثالث، لكنهم يبدو أنهم لم
يفهموا المعنى بالضبط. وربما تصوروا قيامته أنه سيأتى فى مجده ليؤسس مملكة إسرائيل
التى يحلمون بها، أو كما يفهمون مجئ إيليا بحسب الفكر اليهودى الذى عاشوا فيه،
وأنه يظهر ثانية ليكمل عمله بنفس الطريقة الأولى. وربما تصوروا أن روحا أو شبحا هو
الذى سيظهر. ولكل ذلك أكل الرب وشرب معهم وأراهم نفسه مرات ليتأكدوا.
ولكن
كان كل الذين رأوه بعد قيامته كانوا حوالى 500 شخص. ولكن قوة فعل القيامة حولت
العالم الوثنى إلى مسيحيين فى زمن قليل. وهذا إثبات واضح لقوة فعل القيامة.
واليهود إدَّعوا أن التلاميذ سرقوا جسده، ولو كان التلاميذ قد فعلوا ذلك حقيقة، هل
كانوا سيقومون بالكرازة والشهادة للمسيح بهذه القوة ويقبلون على الإستشهاد وهم
يعرفون زيف حقيقة القيامة. وقال المعترضون أن المسيح لم يمت ولكنه تعافى وقام!
والسؤال وهل كان يستطيع أن يسير مع تلميذى عمواس كل هذه المسافة وهو مطعون فى جنبه
طعنة عميقة. ومن الإعتراضات الحديثة أن ما رآه التلاميذ خيالات ناشئة عن تعلقهم
الشديد بالمسيح. ولكن هذا قد يحدث لو كان التلاميذ يتوقعون قيامته بالطريقة التى
حدثت، ولكنهم لم يكونوا يتصورون قيامته بهذه الطريقة. وهل تحدث الخيالات لكل
التلاميذ المجتمعين فى العلية فى وقت واحد، بل هم قد رأوا الرب فعلا فى العلية
داخلا عليهم حقيقة، وبعد ذلك رآه 500 شخص. وهناك عدة ظهورات خلال الأربعين يوما ثم
هناك صعود المسيح أمام تلاميذه إلى السماء. وقال المعترضون أن شهود القيامة كلهم
من أصحابه ولا نجد شاهدا من أعدائه. ولكن نلاحظ أنه فى المسيحية أن الإيمان لا
يفرض على أحد بالقوة. الله يحرك الإيمان بالإقناع وليس كفرض ["أقنعتنى يا
رب فإقتنعت" إر20 : 7]. أما بالنسبة لتلاميذه كانت ظهوراته لتثبيت
الإيمان ولتعزيتهم وتعليمهم. وأما أعداءه الذين صلبوه فهم لن يروه إلا كديان، وهذا
سيكون فى مجيئه الثانى للدينونة (مت23 : 39).
الفصل
السابع عشر
قام من الأموات فى اليوم الثالث وصعد إلى السموات
مت28
: 1 – 10 + مر16 : 1 – 11 + لو24 : 1 – 12 + يو20 : 1 – 18 + مت28 : 11 – 15 +
مر16 : 12 ، 13 + لو24 : 13 – 35 + 1كو15 : 5 + مر16 : 14 + يو24 : 36 – 43 + يو20
: 19 – 25 + يو20 : 26 – 29 + مت28 : 16 + يو21 : 1 – 24 + مت28 : 17 – 20 + مر16
: 15 – 18 + 1كو15 : 6 + لو24 : 44 – 53 + مر16 : 19 ، 20 + أع1 : 3 – 12
ظهر
الرب عدة ظهورات خلال فترة الأربعين يوما ما بين القيامة والصعود. وذكر هذه
الظهورات الإنجيليين الأربعة وبولس الرسول فى (1كو15). ولكن نجد أن القديس يوحنا
يقول "هذه مرة ثالثة ظهر يسوع لتلاميذه بعدما قام من الأموات" (يو21 :
14) = ولا يقصد القديس يوحنا أن المسيح ظهر ثلاث مرات فقط بل أنه هو أى القديس
يوحنا ذكر 3 ظهورات للسيد المسيح لتلاميذه مجتمعين، بعد قيامته فى الإصحاحين 20 ،
21 من إنجيله. الظهور الأول ذكره يوحنا فى (20 : 19) والظهور الثانى فى (20 : 26) وكلا
الظهورين كانا فى المنزل والأبواب مغلَّقة. والظهور الثالث المقصود بقوله ثالثة
كان على بحر طبرية (21 : 1).
أتحبنى
.. إرع غنمى = كان الرب بهذه العبارة يعيد لبطرس درجته الرسولية فى
رعاية شعبه. وكانت فيها عدة دروس = 1) أن علامة محبة المسيح هى رعاية شعبه. 2)
خدمة رعية المسيح ليست غيرة وحماس إنسانى كما ظهر فى حديث بطرس من قبل، فالمحن قد
تجعل حماس الإنسان يضعف. ولكن المطلوب هو المحبة لشخص المسيح، والتى هى على شكل
محبة المسيح الباذلة. لذلك سأل المسيح بطرس قائلا أتحبنى مستخدما الفعل أغابو
باليونانية وتعنى المحبة الباذلة. فبطرس كان قد قال من قبل "إنى أضع نفسى
عنك" (يو13 : 37) + (لو14 : 29). فأجاب بطرس "نعم يا رب أنت تعلم أنى أحبك"
وإستخدم بطرس الفعل اليونانى فيلو وهو درجة حب أقل درجة من أغابو. وتكرر
هذا مرة ثانية. وفى المرة الثالثة سأل المسيح بطرس أتحبنى مستخدما الفعل فيلو.
وهذا ما جعل بطرس يحزن. ولكن كان هذا الدرس لبطرس حتى يفهم أن المحبة التى يطلبها
الرب هى خدمة رعية المسيح فى محبة باذلة ناشئة عن محبة للمسيح.
ملحق
رقم 1
الكتب الأبوكريفية
هناك
مجموعة من الكتب الأبوكريفية، وهذه تطلق على الكتب المزورة وتجدها مملوءة بأفكار
خرافية وهى كتب غير معترف بها. وأشهر هذه الكتب :-
1. كتاب
أخنوخ :-
مكون من 108 فصل يتكلم عن سقوط الملائكة ورحلات أخنوخ ما بين السماء والأرض والرؤى
التى رآها، وعن مجئ المسيح. ونجد فى (يه14 ، 15) نبوة قالها أخنوخ السابع [وينبغى
أن نلاحظ أن هناك نبوات حفظها التقليد اليهودى مثل نبوة أخنوخ هذه، وأتى أحد
المزورين وأخذ النبوة وأضاف عليها من عنده. فالنبوة صحيحة ولذلك كتبها يهوذا، ولكن
وضعت فى الكتاب المزور والمنسوب زورا لأخنوخ كما زور أحدهم كتابا كاملا ونسبه
لبرنابا وأسماه إنجيل برنابا].
2. رؤى
سبلة Sibylline :- هم 12 كتاب تداخل فيهم الفكر اليونانى مع
الفكر اليهودى. وتجده يأخذ قصص الكتاب المقدس وينسب لأشخاصها أسماء يونانية فيقول
عن نوح أورانوس .. وهكذا. وأولاده ساتيرن وتيتان ويابيتوس وأن من تمرد على الله
وبنى برج بابل هو يابيتوس. بل ودخلت أفكار وثنية بل وبعض الأفكار المسيحية على
الكتاب، وهذه الأخيرة موجودة بالذات فى الأجزاء 6 ، 8 ، 10 ، 11. ويُعتقد أن
الكتاب كتبه يهودى مصرى خلال الفترة 80 – 90 م.
3. 18 ترنيمة :-
منسوبة لسليمان ترثى الوضع السئ لليهود وتتطلع للعصر الماسيانى.
4. التكوين
الصغير أو اليوبيل :- تعليق على سفر التكوين ويتحدث عن رؤى
موسى خلال الأربعين يوما وهو فوق الجبل. وأفكار الكتاب ضد الرومان ويعتقد أنه
مكتوب أيام المسيح.
5. إزدراس
الرابع :-
منسوب لنهاية القرن الأول ويتكلم عن سقوط إسرائيل وعودتها.
6. صعود
ورؤيا إشعياء :- يتكلم عن إستشهاد إشعياء ومكتوب بأفكار مسيحية.
7. صعود
جسد موسى :- به نفس الآية المذكورة فى (يه9) وراجع الملحوظة فى
نقطة 1.
8. كتاب
باروخ :-
وهو غير نبوة باروخ فى الأسفار المحذوفة. فكتاب باروخ هذا 87 فصل.
ملحق رقم 2
فيلو
السكندرى ولاهوت الربيين
1)
كان
للربيين اليهود قواعد مجازية لتفسير الكتاب المقدس. فكان للرابى هليل مثلا سبع
قواعد وجاء بعده الرابى سليمان من القرن الأول الميلادى. ووضع 13 قاعدة. وجاء فيلو
ووضع قواعد كان لها بريق أكثر ذكاء. وإستخدم فيلو قواعد الجيماتريا وتعنى أن لكل
حرف من حروف اللغة له مقابل رقمى [لم يكن الترقيم معروفا فى العصور القديمة.
فكانوا يستخدمون الحروف بدلا من الأرقام فمثلا حرف أ = 1 ، ب = 2 .. وهكذا] وقام
فيلو بإستخدام هذه الوسيلة وحسب كلمتى جوج وماجوج فوجدها = 70 أى بحسب شعوب العالم
كله [تك10 + تث32 : 8] ووضع نظاما آخر للتفسير : فكان يأخذ الحروف الساكنة
من الكلمة ويركب عليها كلمات فوجد مثلا أن معنى كلمة مذبح = مغفرة – بركة –
فضيلة – حياة. وإستخرج طريقة أخرى للحساب وجد بها أن معنى كلمة شيشك (إر25
: 26 + 51 : 41) تعنى بابل. وللربيين اليهود قواعد كثيرة للتفسير المجازى وتحتاج
لمعرفة عميقة باللغة العبرية.
2)
التمييز بين الله الغير مقترب إليه وبين الله كما يُظهِر نفسه عبَّر عنه فيلو
بوسيطين قال أنهما القدرات و اللوغوس (Potencies
& Logos). ولهم تعبيرات
مناظرة فى اللاهوتيات اليهودية مع أنهما مشتقين من مصدر مختلف. وأيضا هما يصفان الله
بتعبيرين الأول يعبر عن فكرة الله كما هو واضح وجلى، والثانى الله كما يُظهِر
نفسه. وبطريقة أخرى الأول حالة الله وعظمته ومجده والثانى أعمال الله :-
الأول
:- حالة الله :- ويحتوى على تعبيرين ييكارا أو المجد العظيم & الشاكيناه
أو الوجود الدائم.
الثانى
:- العمل الذى يظهر به الله نفسه :- ويوصف هذا بالـ ممرا أو اللوغوس عند
فيلو أو الكلمة.
وهناك
تمييز أيضا بين كلمتى ييكارا وشاكيناه. فالأولى تشير لما قال عنه القديس بطرس
"المجد الأسنى" (2بط1 : 17) فهنا كلمة المجد الأسنى هى ييكارا. ولنرى
مثال لإستخدام كلمات تعبيرات ييكارا وشاكيناه وممرا من الترجوم لنص (إش6 : 1 – 8)
1
"في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالسا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ
الهيكل" هنا السيد جاءت ييكارا – فمجد الله يملأ الهيكل السماوى. 3
وهذا
نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الارض". فتسبحة الثلاثة
التقديسات يقولها الملائكة مرتبطة بالشاكيناه أى مكان وجود الله الدائم.
بينما مجده جاءت هنا ييكارا ويملأ كل الأرض. 5 "فقلت ويل لي اني هلكت
لاني انسان نجس الشفتين وانا ساكن بين شعب نجس الشفتين لان عيني قد راتا الملك رب
الجنود".
هنا
رأى النبى الـ ييكارا فإرتعب. 6 فطار الي واحد من السرافيم وبيده جمرة قد
اخذها بملقط من على المذبح". هنا السرافيم أخذ جمرة من على مذبح
الشاكيناه الذى أمام عرش الييكارا. 8 ثم سمعت صوت السيد قائلا
من ارسل ومن يذهب من اجلنا. فقلت هانذا ارسلني" نجد هنا النبى قد سمع صوت الممرا
الذى ليهوه يتكلم بالآيات (9 ، 10). والقديس يوحنا إستخدم فى إنجيله تعبير لوجوس
لما قال عنه الربيين اليهود الممرا. وكان تعبير لوجوس عند فيلو هو المناظر
لتعبير ممرا فى الترجوم. وبالرجوع إلى (يو12 : 40) نجد أن القديس يوحنا يطبق على
المسيح ما قيل عن يهوه فى (إش6 : 9 ، 10).
ولقد
ورد تعبير ممرا فى ترجوم أنكيلوس منطبقا على الله 176 مرة ، 99 مرة فى ترجوم
أورشليم ، وفى ترجوم يوناثان 321 مرة
ملحق
رقم 3
رؤية الربيين لقانونية الصور والنقش على النقود
تغير
رأى الربيين فى موضوع الصور والتماثيل بحسب ظروف الناس. فأراء القدماء منعت هذا
تماما. ولكن جاءت المشناة لتخفف القيود وجاء التلمود بعد ذلك ليخفف القيود أكثر.
وبالنسبة للتصوير :- وضعوا تمييزا بين تصوير شئ وبين إستعمال هذا التصوير.
ومنعت المشناة تصوير أشخاص ومعهم فى يدهم علامات قوة كالسيف أو عصا أو صورة للعالم
أو خاتم للتوقيع، فهذه تشير للملوك وقد يوحى هذا بعبادتهم. وسمحوا بوضع صور فى
المدن للزينة ولكن ليس فى القرى. ومنعوا أى تصوير للشمس أو للقمر أو التنين، ولكن
تصوير الكواكب كان يسمح به. وبالنسبة للتماثيل :- منعوا عمل تماثيل للإنسان
أو التنين. ولقد إستخدم الرابى ناسى غمالائيل الثانى حمام عام فى عكا موضوع به
تمثال لأفروديت. وحينما سألوه أجاب أنا لم أذهب إلى نطاقه بل هو من أتى إلىَّ،
وهذا التمثال للزينة وليس للعبادة. ومع هذا لم يُقبل عمل غمالائيل.
وبالنسبة
للأختام :- يمنع عمل أختام لها نقوش بارزة، لكن يجب أن تكون منخفضة عن سطح
الختم، ولا تستخدم مع هذا لختم الأوراق. ولكن هناك إستثناء للربيين الكبار إذ لا
خوف عليهم من السقوط فى عبادة الأوثان. وفى كتابات يوسيفوس لوم شديد للملك سليمان
الذى وضع نقوشا على البحر النحاسى وعلى عرشه. وتسببت تماثيل لمجموعة من المخلوقات
الحية فى قصر هيرودس أنتيباس فى طبرية فى هياج مجموعة من الثوار أرادوا تحطيم
قصره.
وبالنسبة
للنقود :- فى أيام هيرودس كانت العملة اليهودية بلا نقوش، ولكن العملة
الرومانية ينقش عليها صورة قيصر (مت2 : 20). وذلك إحتراما لقيصر. ولكن وجد فى
التاريخ عملات يهودية عليها صورة داود الملك وسليمان الملك، ومن الوجه الآخر صورة
لمدينة أورشليم. وهناك عملات عليها صورة رجل كبير السن وإمرأة كبيرة السن وهما
إبراهيم وسارة. وعملات عليها صورة شاب وشابة هما إسحق ورفقة. وعملات يشوع على وجه
منها ثور وعلى الوجه الآخر كبش إشارة لـ (تث33 : 17). وهذا يدل على عدم وجود شعور
بالإشمئزاز من هذا.
ملحق
رقم 4
فكرة عن التاريخ اليهودى من أيام الإسكندر الأكبر إلى
هيرودس
بعد
الغزو اليونانى لليهودية ومع بداية القرن الثانى قبل الميلاد إنتشرت المدن
اليونانية وإنتشرت الأفكار والفلسفات اليونانية ووجدت لها قدما فى الجليل لكنها
سادت فى السامرة. وتنقلت أورشليم مرات ما بين الحكم البطلمى (مملكة مصر) والحكم
السلوكى (مملكة سوريا). وجاء أنطيوخس إبيفانيوس الذى أراد إنهاء اليهودية وإحلال
اليونانية مكانها. وبعده جاء حكم المكابيين.
وتفاصيل
هذا الملحق الرابع تفصيلها فى سفر المكابيين.
ملحق
رقم 5
علوم اللاهوت والأداب عند الربيين
راجع
الكتاب الأول – الفصل الثامن لترى أهمية التقاليد وسطوتها عند اليهود أيام المسيح
وما قبل المسيح. الهالاخوص = أو الهالاخا بمعنى كيف سار الأباء، وعلى
الأبناء إتباع نفس الطريق. وهى تشريعات قالوا أن موسى سلمها للأباء فى سيناء.
وتشمل قوانين خاصة بما هو طاهر وما هو نجس والعلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة
وقوانين الأهداب التى توضع فى الملابس … إلخ. وقالوا إن بعض هذه التشريعات منسوب
ليشوع والبعض نسبوه لداود والبعض لسليمان وواحد ليهوشافاط وواحد ليهوياداع. وهناك
تشريع قالوا أن دانيال النبى وضعه وأنه يمنع خبز وخمر وزيت الوثنيين. وزادت هذه
الشرائع بعد فترة السبى ونسبوا بعضها للأنبياءالذين إشتهروا فى هذه الفترة. وينسب
لعزرا عدد كبير من هذه التشريعات.
قانون
الكتاب المقدس :- هناك تشريع بأن لمس التوراة (تشمل كل العهد القديم)
ينجس يد من يلمسها. ومصدر هذا التشريع بدأ بأن هناك نسخة من التوراة محفوظة فى
الهيكل. وإعتاد الكهنة على وضع جزء من الخبز المقدس الذى لا يحل أكله إلا للكهنة
وعائلاتهم. وكان هذا الخبز يجذب الفئران. وبالتالى قد تقرض نسخة التوراة وتدمرها.
وبدأت سلسلة من التشريعات بدأت بأن تلامس الخبز المقدس مع التوراة ينجسه. وجاء
بعده تشريع آخر بأن اليد التى تتلامس مع التوراة تتنجس. وبعده قالوا أن أى يد خارج
الهيكل تمتد للتوراة تنجسها. ومثل هذه التشريعات الفريسية العجيبة جعلت الصدوقيون
يسخرون منها. وكان لأسفار موسى الخمسة منزلة سامية عندهم أكثر من باقى الكتب
(الأنبياء والكتب المقدسة وتطلق على باقى الكتاب أى الأسفار الشعرية والتاريخية).
وضموا الأسفار النبوية والكتب المقدسة مع التقاليد الشفوية وأسموها الكابالاة
أى ما تم إستلامه.
ويقول
الربيين أن الأسفار الخمسة لموسى إستلمها مرة واحدة من الله حتى بما فيها الآيات
الأخيرة من سفر التثنية فى الإصحاح الأخير التى تتحدث عن موته وقالوا أن الله
سلمها له هكذا وقالوا أن موسى كان يبكى وهو يكتبها. (وقال البعض بل أن الله سلم
موسى الكتب الخمسة فرادى). وقالوا أن موسى هو رجل الله، وهذه تعنى أنه له جانبين
فى طبيعته، الأقل هو الإنسانى والأعلى أن له جانب إلهى، ولكن تمجيده يعتبر تجديف.
وقالوا لو لم يخطئ إسرائيل لما كان هناك سوى التوراة (خمسة أسفار موسى) وسفر يشوع.
ولكن فى الأيام الأخيرة لن يبقى سوى التوراة. وقالوا إن التوراة تفسر نفسها وواضحة
لكن الأنبياء فيهم غموض. ولكنهم يضعوا إشعياء على رأس الأنبياء ويقولون أنه التالى
لموسى. ومع أن حزقيال رأى رؤيا مشابهة لإشعياء إلا أنهم قالوا أن إشعياء كان كرجل
من المدينة وقد رأى الملك أما حزقيال فكان كقروى من القرية. وبسبب نبوة دانيال (9
: 24 – 27) والتى تتنبأ بالسنة التى يولد فيها المسيح إعتبروا أن نبوة دانيال مزورة
ومنسوبة للكتاب المقدس. ونلاحظ أن التشكيك فى قانونية سفر دانيال لم يحدث أبدا فى
المجامع القديمة أو من الربيين القدماء الذين إعتبروا نبواته رؤى، بل ظهر هذا
التشكيك مع الجدد.
ملحق
رقم 6
هذا
الملحق تجد فيه جداول ملوك المكابيين وعائلة هيرودس ورؤساء الكهنة فى يهوذا وحكام
سوريا الرومان. وتجد سلسلة ملوك المكابيين فى أسفار المكابيين، وتجد سلسلة عائلة
هيرودس فى أناجيل العهد الجديد فى المقدمة رقم 1.
ملحق
رقم 7
تاريخ ميلاد المسيح
*
أوضح التواريخ المسجلة هى سنة وفاة هيرودس الكبير. وواضح من الإنجيل أن الرب يسوع
ولد قبل موت هيرودس الكبير. وكان موت هيرودس قبل فصح سنة 4 ق.م. وكان هذا الفصح فى
هذه السنة يوافق يوم 12 أبريل. ويسجل التاريخ أن خسوفا للقمر حدث قبل وفاة هيرودس
مباشرة. والحسابات الفلكية تشير لأن هذا الخسوف حدث فى ليلة 12 – 13 مارس سنة4
ق.م. فيكون موت هيرودس قد تحدد بالفترة من 12 مارس – 12 أبريل ويرجح أنه حدث فى
نهاية شهر مارس. وبعدة حسابات فلكية يقول الكاتب أن ميلاد المسيح كان فى يوم 25
ديسمبر.
*
بدأ يوحنا المعمدان خدمته فى السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر (لو3 :
1). وكان عمر المسيح وقتها حوالى 30 سنة. [السنة الخامسة عشرة لطيباريس قيصر
كانت سنة 26 م ووقتها كان عمر المسيح 30 سنة].
*
يمكن حساب سنة الميلاد من التعداد الذى أجراه أغسطس قيصر، وإذ كان كيرينيوس واليا
على سوريا.
*
يمكن حساب تاريخ ولادة المعمدان من تحديد تاريخ بداية خدمة فرقة أبيا الكهنوتية
(لو1 : 5) وكل هذه التواريخ مسجلة.
ملحق
رقم 8
تقاليد الربيين حول إيليا، السابق للمسيا
إختلفت
أراء الربيين عن منشأ إيليا فمن قال أنه من سبط جاد وقالوا من بنيامين وقالوا من
جلعاد ، ثم قالوا أن أبوه من سبط جاد وأمه من بنيامين وكان يعيش فى كهوف منحوتة.
وهناك من قال أنه لاوى، وقالوا أنه كاهن وسيكون رئيس الكهنة فى أيام المسيا.
وقالوا أنه هو الذى يمسح المسيا بالدهن المقدس الذى سيوجد فى الهيكل الثانى وهذا
سيستعيده إيليا. وهناك من وحد إيليا مع فينحاس إذ هما لهما نفس الغيرة.
وهم
قالوا أن كل المعجزات والأعمال الإلهية التى حدثت لإسرائيل فى الماضى، ستتكرر
وبصورة أكبر أيام المسيا. وإذا كان حماس إيليا وحماس فينحاس جعل الربيين يجمعوهم
فى شخص واحد، ففكرة أن المعجزات العجيبة التى حدثت أيام موسى جعلتهم يوحدوا بين
موسى وإيليا ليحقق الخلاص النهائى لإسرائيل. وخرجوا بفكرة عجيبة أن موسى وإيليا
سيأتوا معا ولكن كشخص واحد (ولكن هل موسى كان إسمه إيليا أو هل كان لإيليا سبق
وجود قبل موسى بالروح – كلام عجيب). وكما خلص موسى إسرائيل من مصر سيخلص إيليا
إسرائيل من أى أمة غريبة تماما. وسيقوم إيليا بدور كبير فى حرب جوج وماجوج. وقالوا
أنه منذ ظهر إيليا أيام أخاب وحتى مجيئه كسابق للمسيا فهو مشغول بإسرائيل وخلاصها
فى المستقبل، هو وسيط حى موجود دائما بين الله وإسرائيل، دائما ظاهرا فى المشهد –
فهو فى مناقشات دائمة مع الربيين – ومشغول بمصالح إسرائيل ومرتبط بها – هو يكتب
ملاحظاته ووصاياه ويعتمدها المسيا والله – بل هو فى حماسه قد يقول شهادة خاطئة
لينقذ أحد الربيين – وهو له دور فى التعليم والتعزية بل يتدخل لشفاء المرضى حتى فى
ألام الأسنان – هو صديق للربيين وهو مرشد وناصح لهم دائما – وهو موجود دائما فى
الأكاديميات – وهو ينقل للربيين أسرار السماء. وهو مهتم جدا بالشريعة وتطبيقها
كالختان الذى هو عهد مع الله، لأن الأسباط العشرة بعد أن إنفصلوا عن إسرائيل
أهملوا تنفيذ وصية الختان. وقالوا أن ملاك العهد (ملا3 : 2) سيظهر إذا إلتزموا
بالختان. وسيكون إيليا المبشر بالأيام الماسيانية المجيدة.
والآن
ماذا كان تصورهم بالنسبة لدور إيليا مع المسيا :- حينما يأتى
ميعاد فداء إسرائيل سيعود إيليا. وسيظهر للكل يوم مجيئه، لن يأتى فى الخفاء. ولن
يأتى فى عشية سبت أو عيد حتى لا تتعطل الإحتفالات ولا يفسد أى تقليد للإحتفال.
وسيأتى قريبا جدا من مجئ المسيا، وهناك رأيين فى ذلك : قالوا يأتى قبل مجئ المسيح
بيوم وقال آخرون ثلاثة أيام. وسيكون إيليا هو المبشر بالسلام بحسب نبوة إشعياء (52
: 7). ويسود فكر الثلاثة أيام ويطغى على فكر من قالوا يوما واحدا.
وقالوا
ماذا يحدث خلالهم :- يقف إيليا على جبال إسرائيل يرثى خراب
الأرض ويُسمَع صوته من أقصى أرض إسرائيل إلى أقصاها. وبعد ذلك تبدأ بشارته وفى
اليوم الأول يردد "السلام يأتى إلى العالم" ويرددها مرتين. وفى اليوم
الثانى يردد "الله سيأتى إلى العالم" ويكررها مرتين. وفى اليوم الثالث
يكرر العبارة "الخلاص يأتى إلى العالم" مرتين. وقالوا حتى يميزوا بين
إسرائيل وبين الأمم أن المقصود أن الملك سيأتى إلى صهيون.
ما
يحدث خلال فترة وجود إيليا :- حالة توبة عامة لإسرائيل ولم يحددوا هل
بسبب خدمة إيليا أو بسبب آخر، ويحل كل المشاكل والصعوبات والشكوك حول المسائل
التشريعية والطقسية. ولو وجد من تم عزله من المجمع وكان مظلوما يرده، ومن يوجد فى
المجمع بالخطأ أو بالقوة وهو لا يستحق يعزله خارجا. ويستعيد إيليا لإسرائيل ثلاثة
أشياء فقدت منها طاس المن الذهبى، ووعاء دهن المسحة وماء التطهير. وقال البعض
ويستعيد أيضا عصا هرون التى أفرخت. ويكون إيليا كملاك الله يسير أمام إسرائيل
ليبيد أعداءها. ويظهر إيليا ثم يختفى لفترة ويظهر ثانية أثاء حرب جوج وماجوج. وبعد
هذا تسود فترة سلام شامل وفرح حين يوفى إيليا كل مهامه. وسيكون لإيليا إمكانية أن
يقيم أموات.
ونرى
الآن أنه ما أبعد تصورات الفكر اليهودى عن السابق للمسيح، مع يوحنا المعمدان كسابق
للمسيح.
ملحق
رقم 9
قائمة بالنصوص الماسيانية كما وردت فى كتابات الربيين
هذا
الملحق يحتوى على الآيات الماسيانية أو التى تتحدث عن الأيام الماسيانية وقد طبقها
الربيين فى كتاباتهم. وهم 456 موزعين هكذا 75 فى أسفار موسى الخمسة و 243 فى
الأنبياء 138 فى الكتب المقدسة (الأسفار الشعرية والتاريخية). وهذه الأيات مدعمة
بـ558 مقطع من كتابات الربيين. وكتابات الربيين هذه موجودة فى الترجوم وكتابى
التلمود والمدراش القديم. ولنرى أمثلة :-
(تك1
: 2) "روح الله" شرحوا هذا على أنه روح المسيا الملك وذلك بالمقارنة مع
(إش11 : 2) "ويحل عليه روح الرب".
(تك2
: 4) "هذه مبادئ السموات" وكلمة مبادئ جاءت فى الإنجليزية Generations وهى نفس الكلمة مواليد فى (را4 : 18) "وهذه مواليد".
وفيما عدا هاتين الآيتين جاءت كلمة Generations كلها فى الكتاب المقدس بنفس حروف الهجاء محذوف منها الحرف العبرى
والذى يدل على رقم 6 رقم سقوط آدم. أما فى (تك2 : 4 + را4 : 18) فجاءت كلمة مواليد
أو Generations محتوية على الحرف الدال على رقم 6. وفهم الربيين من هذا أن آدم
بسقوطه فقد 6 أشياء هى :- مجده (أى14 : 20). وحياته (تك3 : 19) وقامته وقالوا نقص
طوله بـ 100 أو 200 بل حتى 900 ذراع وفهموا هذا من (تك3 : 8). وخسر ثمار الأرض
وثمار الشجر (تك3 : 17) وخسر الأنوار السمائية. وليشير لهذه الخسارة جاءت كلمة
مواليد فى (تك2 : 4) بلا حذف الحرف الدال على رقم 6 إذ كان آدم لم يخطئ. وعاد
الحرف العبرى الدال على رقم 6 ليظهر مرة ثانية فى (را4 : 18) وفهموا من هذا أن ما
خسره الإنسان بسقوطه سيعيده لنا إبن بوعز أى المسيا إبن داود.
(تك4
: 25) "لأن الله قد وضع لى نسلا آخر" وفهموا أن النسل الآخر هو المسيا
الذى سيأتى من مكان آخر. وقالوا أن هذا معنى قول داود "هأنذا جئت بدرج الكتاب
مكتوب عنى". وقالوا أن الحمامة التى أتت لنوح بورقة زيتون قد أتت بها من على
جبل المسيا. وقالوا عن نبوة نوح أن "يافث يسكن فى مساكن سام" أن هذا
معناه أن نسل يافث سيهتدوا للإيمان ويدخلوا مدارس اليهود أيام المسسيح.
(را2
: 14) نرى نموذج لتطبيقات من التفسير الرمزى لآيات الكتاب "عند وقت الأكل
تقدمى إلى ههنا، وكلى من الخبز. وأغمسى لقمتك فى الخل" ونجدهم طبقوا هذا على
المسيا فى المدراش فقالوا تقدمى إلى ههنا = إقترب إلى المملكة / وكلى من
الخبز = الخبز هو خبز الملوكية. / وأغمسى لقمتك فى الخل = إشارة للألام
التى أشار إليها إشعياء فى (53 : 5) "مجروح لأجل معاصينا". / فجلست
بجانب الحصادين = مملكة المسيا ستبتعد عنه لفترة فى المستقبل ولكن لفترة قليلة
بحسب (زك14 : 2). / فناولها فريكا = هذه إشارة لأن المسيا سيستعيد مملكته
وذلك بحسب (إش11 : 4). وقالوا كما أن المخلص الأول موسى ظهر ثم إختفى لفترة وعاد
وظهر ثانية، هكذا سيحدث مع المخلص الثانى. / فأكلت وشبعت وفضل عنها = أكلت
فى هذا العالم وتشبع فى أيام المسيا وتستفضل فى الدهر الآتى.
(مز21)
يطبقونه على المسيح الملك.
(مز22
: 8 ، 16) يطبقون هذه الآيات على المسيا الثانى الذى قالوا عنه إبن إفرايم.
(إش53
: 10) عن ألام المسيح يطبقونها على مملكة المسيا.
من يريد تفاصيل هذا الموضوع بل وكل الكتاب يجده منشورا
على النت تحت إسم
on line books of Edersheim
ملحق
رقم 10
مجمع الهيكل الفرضى
يقدم
هنا الكاتب دراسة حول هل كان يوجد مجمع داخل الهيكل. وإنقسم الدارسين حول هذا
الموضوع فمنهم من حاول إثبات وجود مجمع للصلوات والتعليم داخل الهيكل، ومنهم من
رفض ذلك. والكاتب يستبعد وجود مجمع داخل الهيكل فهذا يتعارض فى رأيه مع متابعة
الصلوات والتسابيح. ويقول أن هذا لا يمنع من أن أعضاء السنهدريم كانوا يخرجون
للشعب ليجيبون على أسئلتهم يوميا لكن دون وجود مبنى مخصص لذلك.
ملحق
رقم 11
عن النبوة إش40 : 3
بحسب
الأناجيل كان ظهور وكرازة المعمدان هو طبقا لهذه النبوة. وبها يبدأ الجزء الثانى
من نبوة إشعياء الذى يطلق عليه الربيين "كتاب التعزيات" وراجع (إش40 : 1
، 2) مع ما قاله القديس متى والقديس مرقس وبتوسع أكثر ما قاله القديس لوقا مع
(إش40 : 3 – 5). والإنجيليين أخذوا النص من السبعينية. وغيروا صيغة العبارة فإنطبق
على المسيح ما قيل عن يهوه فى نبوة إشعياء :-
أعدوا
طريق الرب. قوموا فى القفر سبيلا لإلهنا (إش40 : 3).
بدء
إنجيل يسوع- كما هو مكتوب- ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكى الذى يهيئ طريقك قدامك
(مر1 : 2).
فيعلن
مجد الرب ويراه كل بشر جميعا (إش40 : 5).
ويبصر
كل بشر خلاص الله (لو3 : 6).
ورأى
الربيون أن أيات إشعياء هذه تتكلم عن عودة الشعب من السبى أما الإنجيليين فرأوها
واضحة أنها عن خلاص المسيح المعلن. وأن النبوة كانت تعلن أن المعمدان كان يبشر
بالملكوت الماسيانى. وفى هذا يتفق الترجوم مع الرؤية الإنجيلية إذ يرى الترجوم أن
(إش40 : 9) تفهم على أنها أنباء مفرحة تأتى إلى صهيون وليس أن صهيون هى التى تعلن
هذه الأخبار وتبشر بها. وتصير هذه الأنباء المفرحة التى أتت لصهيون هى بشارة
المعمدان بإقتراب ملكوت السموات "توبوا لأنه قد إقترب ملكوت السموات"
(مت3 : 2).
ملحق
رقم 12
معمودية الدخلاء Proselytes من الأمم لليهودية
الدخلاء (هم
من إهتدوا إلى اليهودية من الوثنيين وأرادوا ن يصيروا يهودا مؤمنين بالله) وهذا
الموضوع من المواضيع المعقدة عند اليهود. وكان اليهود يعمدونهم قبل دخولهم
لليهودية.
1)
أولا يجب التمييز بين دخلاء الأبواب وبين الذين سكنوا وإستقروا فى إسرائيل. وأيضا
ما بين دخلاء البر ودخلاء العهد. وتعبير دخلاء البر معروف فى العهد الجديد تحت إسم
"يخاف الله" (أع13 : 16 ، 26) وهناك الدخلاء المتعبدين (أع13 : 43)
وهناك الدخلاء المتعبدين الشرفاء (أع13 : 50 + 17 : 4 ، 17) وهناك دخلاء متعبدين
لله (أع16 : 14 + 18 : 7). وهناك من يقال عنهم تقى وخائف الله مثل كرنيليوس
والجندى الذى أرسله لبطرس (أع10 : 2 ، 7) وهؤلاء قد يكونوا من دخلاء الأبواب.
ودخلاء الأبواب هؤلاء يعلنون إيمانهم بالله إله إسرائيل ويلزمون أنفسهم بما يقال
عنه وصايا الله السبعة لنوح. ولكن هؤلاء لم تناقش قضية مععموديتهم لأنهم أصلا لم
يختتنوا.
2)
أما دخلاء البر فهؤلاء صاروا أبناء للعهد، إسرائيليين كاملين من كل ناحية – من
ناحية الواجبات والإلتزامات التى لليهود. وهؤلاء لهم 3 شروط (الختان – المعمودية –
تقديم الذبائح). وقطعا فى حالة النساء فلا يوجد ختان، ومعموديتهم يحضرها نساء وليس
الرجال. وكان الربيين الذين يمارسون الطقس يقفون خارجا بينما شهود المعمودية من
النساء يكونون مع المرأة التى تعتمد فى الماء. وبعد خراب الهيكل كان الدخلاء يعطون
وعدا بأن يقدموا ذبائحهم حين يتم بناء الهيكل. ويحضر المعمودية 3 شهود من
السنهدريم. وقبل المعمودية يحلق المعمد شعره ويقص أظافره ويخلع ملابسه بالكامل
ويعلن إيمانه أمام من يسمونهم "أباء المعمودية" ثم يغطس تماما بكل جزء
فى جسده تحت الماء. وتقال فى أثناء الطقس كلمات البركة والنصائح ولا تمارس
المعمودية فى المساء بل فى النور ولا فى سبت أو عيد. وكانوا لا يعمدون الأطفال
الذين إعتمدت أمهاتهم لأنهم ولدوا فى القداسة. ويعتبر إبن المرأة اليهودية يهوديا
حتى لو كان أبوه دخيل ومعموديته مشكوك فيها. والمعمودية عند اليهود إعتبروها كأنها
ولادة جديدة ولكن ليس بالمفهوم المسيحى أنها ولادة من فوق، بل هى من الناحية
الأدبية فقط أى هى صارت تغييرا كاملا فى علاقة الدخلاء مع الله. هو قد صار إنسانا
جديدا بالنسبة إلى ماضيه وحاضره ومستقبله. وكانوا يضعون أمام الدخلاء صعوبة حمل
نير الناموس، ولكن فى نفس الوقت يشرحون لهم أن الإلتزام بوصايا الناموس يكون له
بركات كثيرة + وسيكون الكل جديدا – البلد والأصدقاء والعادات وكل العلاقات
السابقة. وأن كل النجاسات السابقة قد دفنت معه فى ماء المعمودية. وكان زواج اليهود
من الدخيلات شائع جدا. وهناك أراء حول متى بدأ طقس العماد عند اليهود للدخلاء إلى
اليهودية. فقد وجدت فى مناقشات هليل وشماى خلافات حول الطقس. وبهذا تكون معمودية
الدخلاء معروفة فى أيامهم وهى قريبة من أيام المسيح. ورجعوا بتاريخ بداية معمودية
الدخلاء لما بعد خراب الهيكل سنة 586 ق.م. أى كان بديلا لتقديم ذبائح على أن
يتعهد الدخلاء بتقديم ذبائح حينما يبنى الهيكل.
ملحق
رقم 13
الملائكة والشياطين – سقوط الملائكة
ما
يوجد فى التقليد اليهودى كثير عن موضوع الملائكة والشياطين، قليل منه من الكتاب
المقدس. ولكن نجد أيضا فى هذا التقليد كثير من الخرافات والتخيلات.
الملائكة
1)
الخلقة، العدد، مدتهم وأماكنهم :- إختلفت أراء الربيين حول خلقة
الملائكة – هل خلقوا فى اليوم الثانى كـ"أرواح" ، "رياح"
"الخالق ملائكته رياحا" (مز115 : 4) (روح وريح كلمة واحدة فى العبرية) –
أو هم خلقوا فى اليوم الخامس (إش6 : 2) "السيرافيم لكل واحد ستة أجنحة
…" وهؤلاء قالوا أن الله خلق الطيور ذوات الأجنحة فى اليوم الخامس.
والملائكة من ناحية تسبيحهم لله فهم نار مشتعلة، ومن ناحية خدمتهم فهم خدام لهم
أجنحة. وقالوا أن الله يخلق ملائكة كل يوم وظيفتهم هى التسبيح ومصيرهم بعد ذلك
الذهاب إلى النبع أو الغدير الملتهب الذى خرجوا منه. وهذا الغدير الملتهب ينبع من
تحت عرش الله، وأيضا قالوا أن الله يخلق ملاكا جديدا لتنفيذ كل أمر، ثم يذهب لهذا
الغدير الملتهب الذى خرج منه. وفكرة الخلق المستمر للملائكة تتفق مع عقيدة
الإنبثاق أو الإنبعاث = الصدور أو الفيض فى خلق العالم. ورأوا فى قول إرمياء
"هى جديدة كل صباح" (مرا3 : 23) تأكيدا لفكرهم. وقالوا أن الله يخلق
يوميا مجموعة من الملائكة للخدمة اليومية، وأن كل كلمة تخرج من فم الله تصير ملاكا
أو رسولا لتنفيذ هذه الوصية (وهنا نجد الوحدة بين القول والفعل). وربطوا بين عدد
الملائكة الضخم وحماية إسرائيل ضد أعدائها. وقسموا الملائكة إلى فرق وكل فرقة لها
قائد وكلهم قد خلقوا لحماية إسرائيل. وقالوا أن هناك سبع سموات :- الفيلكون
وبها الشمس – الركية وفيها تشرق الشمس والقمر والنجوم والكواكب المثبتة – الشيشاكيم
وبها الطاحونة لعمل المن للأتقياء – زبهول وبها أورشليم العليا والهيكل
والمذبح وميخائيل هو رئيس الملائكة الذى يقدم الذبائح – ماعون حيث ملائكة
الخدمة يسبحون ليلا ويسكتون نهارا ليعطوا الفرصة لتسابيح اليهود فى الهيكل – ماخون
حيث مخازن الثلج والبرد وغرف الرياح والماء وكهف الضباب وأبوابهم نارية – وأخيرا أرابوث
حيث العدل والقضاء والعدل وكنوز الحياة والسلام والبركات وأرواح الأبرار – وأرواح
الأبرار الذين سيولدون فى المستقبل. والندى الذى به سيقوم الأموات . وهناك
الأوفانيم والسيرافيم والمخلوقات الحية وملائكة الخدمة وعرش المجد وفوق كل هؤلاء
الملك العظيم. ولكل شئ على الأرض له ملاك خاص (الأمطار والبَرَدْ والرياح بل وكل
عشب. بل وكل حدث كالحياة والموت والغنى والفقر. وقالوا أن الأبطال حين يموتون
يصبحون ملائكة.
2)
رؤساء الملائكة، أماكنهم، أسماءهم ووظائفهم :- ملائكة الخدمة
وهم الأوفانيم والسيرافيم والمخلوقات الحية (الشايوث) ورؤساء الملائكة لا توجد لهم
مدد محددة. وقالوا أن هناك ملاك لكل شعب من شعوب الأرض السبعون (تك10). وهذه
الملائكة تقف أمام الله ليدافعوا عن هذه الشعوب أمامه. والأمم التى تعادى إسرائيل
تكون ملائكتها معادين لإسرائيل، وهذه الملائكة تختفى حين تُدمَّر هذه الأمم. وهناك
5 رؤساء ملائكة، 4 منهم يحيطون بعرش الله هم ميخائيل وغبريال وروفائيل وأوريئيل.
والخامس هو أعظمهم وأسموه ميتاترون وهو تحت العرش وأمامه. ويتميز هؤلاء الملائكة
بأنهم موجودين فى حجاب السحابة، بينما الآخرين يسمعون فقط أوامر الله من خارج هذه
الستارة السحابية. وتوجد عدة تصورات فى كتب اليهود عن رؤساء الملائكة وعددهم
وأسماءهم فمثلا هناك سوريال ملاك الوجه الذى يحفظ الربيين من الأرواح الشريرة.
وهناك ملاك إسمه ساندالفون يقف على الأرض ورأسه على إرتفاع 500 سنة ويقف هذا
الملاك خلف الماركابة (مركبة العرش). وهناك ساجساجيل وهو الذى علم موسى إسم الله
المقدس، وكان موجودا ساعة موته. أما رؤساء الملائكة الخمسة الأساسيين فهم :-
ميتاترون
:-
يناظر ملاك الوجه وهو ممثل الله أو هو اللوغوس. ويسمى فى الكابالا الكاتب العظيم
ورئيس هذا العالم وأيضا الإله الصغير وله 7 أسماء مثل القدير ويشترك معه فى عظمته.
ويسمى أيضا أمير الوجه. وهو الذى أعطى لموسى أن يرى ما لا يُرى، وهو يعلم الأطفال
الذين ماتوا صغارا دون أن يتعلموا. وفى مقدمة المدراش عن سفر مراثى إرمياء قالوا
عنه أنه سكب الدموع على خراب أورشليم بدلا من الله، حتى لا يبكى الله القدير. وهو
الذى كان يسير أمام إسرائيل فى البرية، وجعل موسى يرى كل أرض فلسطين. وفى حوارات
المسيحيين مع اليهود إستغل المسيحيين كل هذا المكتوب عن الميتاترون وقالوا لليهود
"إذاً لماذا أنتم معترضون على المسيح وكتبكم تتكلم عنه" وكان الرد أن
الميتاترون لا سلطان له أن يغفر الخطايا كما قال المسيح عن نفسه.
ميخائيل
"من مثل الله" :- الأمير العظيم وهو يقف عن يمين عرش الله،
وهو أمير الحكمة وهو أمير أورشليم وممثل إسرائيل. وهو الذى يقدم على المذبح
السمائى أرواح الأبرار أو خراف نارية (هناك رأيين فيما يقدمه ميخائيل على المذبح السمائى).
وهو الذى أنقذ إبراهيم من أتون نار نمرود والثلاثة فتية من الأتون. وكان هو الذى
بشر إبراهيم بميلاد إسحق وكان معه غبريال ورافائيل (الثلاثة رجال الذين بشروا
إبراهيم). وهو الذى أنقذ لوط. وكان ميخائيل وغبريال أصدقاء العريس لآدم فى زفافه.
ولكنهم لم يقدروا أن يعاينوا مجد موسى. وفى موت موسى أعد ميخائيل النعش ووضع
غبريال غطاء على رأسه وساجساجيل غطى قدميه. وفى العالم الآتى ينطق ميخائيل بكلمات
البركة على ثمار جنة عدن ويعطيها لغبريال الذى يعطيها بدوره للأباء البطاركة
فيعطونها هم لداود. وقالوا أن ميخائيل أعظم من غبريال (دا1 : 13).
غبريال
"جبروت الله" :- بينما يمثل ميخائيل الرحمة عند الله،
يمثل غبريال القضاء عند الله. فغبريال هو الذى دمر سدوم وأماكن أخرى. وهو ضرب خدام
بنت فرعون الذين أرادوا منعها من أن تأخذ موسى من الماء وضرب موسى ليبكى ويثير
شفقة بنت فرعون. وهو الذى قتل جنود نبوخذ نصر المحيطين بالأتون. وهو الذى ضرب جيش
سنحاريب. وقال البعض أن غبريال هو المسئول عن نضج الثمار فهو مخلوق من النار بينما
ميخائيل مخلوق من الثلج. ويقف ميخائيل بجانب غبريال دون أن تؤذى نار غبريال ثلج
ميخائيل. وفى أيام النهاية يصطاد غبريال لوياثان ويذبحه. وهذا يرمز لتدمير كل
أعداء إسرائيل.
أوريئيل "الله
نورى" ورافائيل "الله يشفى" :- أحدهم عن يسار عرش الله والآخر
يقف خلفه.
3)
ملائكة الخدمة وخدمتهم :- تنقسم خدمتهم إلى قسمين *التسبيح و
*تنفيذ الأوامر. وللتسبيح يوجد 694000 ربوة (الربوة = 10000) يسبحون إسم الله
يوميا من الصباح حتى المساء ويقولون "قدوس قدوس قدوس". ومن الغروب حتى
شروق الشمس يقولون "مبارك مجد الله فى مكانه" ويقولون أن ملاك الصلوات
يقدم صلوات إسرائيل. وإسم كل ملاك يتناسب مع الخدمة المكلف بها ويتغير مع تغيير
الخدمة. ولكل ملاك فى قلبه لوح محفور عليه إسم الله وإسم هذا الملاك، ولذلك قال
الملاك لمنوح "لماذا تسأل عن إسمى وهو عجيب". وملائكة الخدمة هم الذين
نطقوا بالعقوبات التى تقررت على آدم بعد خطيته، ثم أن ملائكة الخدمة أيضا قطعوا
أيدى وأرجل الحية. ورقص 120000 منهم حينما هرب يعقوب من لابان. وكان هناك 4000
ربوة مستعدون للدفاع عنه أمام عيسو. وهم الذين يعاقبون المرتدون ويعاقبون الأرواح
الخاطئة بإلقائها من عالم إلى آخر. وقالوا أن لكل إنسان ملاك صالح وملاك شرير
يصاحبونه خصوصا فى عشية السبت وهو عائد من المجمع، ولكل شريعة إلتزم بها فى المجمع
يرسل له الله ملاكا يحفظه. وقال الربيين أن هناك سنهدريم إستشارى فى السماء وأن
الله لا يتخذ قرارا دون إستشارتهم وهذا حدث عند خلق الإنسان. وقد دافعوا عن آدم
حتى لا يموت وإلا يموت أيضا نسله موسى وهرون الأتقياء. وهم دافعوا عن إسحق حينما
أراد إبراهيم ذبحه بأن سكبوا ثلاث دمعات على سكين إبراهيم جعلوا حد السكين غير حاد
فلم يتمكن من ذبح إسحق.
4)
حدود قدرات الملائكة :- هم محدودين فى معرفتهم وقدراتهم وهم
أرواح نقية بدون أحاسيس بشرية أو إحتياجات حسية. وهم بدون خطية ولا كراهية.
ويعيشون فى نور المجد الإلهى وهم غير مرئيين ولا حدود لحركتهم. ولكنهم فى درجة أقل
من إسرائيل ومكلفين بخدمة إسرائيل. فهم لا يستطيعون أن يعطوا الحيوانات أسماء كما
فعل آدم. ويعقوب تغلب على الملاك فى صراعه معه وبكى الملاك. ولكن طبيعتهم هى التى
تميزهم عن الإنسان. ولا يستطيع ملاك أن يقوم بعملين فى وقت واحد. هم مجرد أدوات
عمياء لتنفيذ إرادة الله. وهم معرضون للعقاب، فالله أنزل ملاكى لوط من درجتهم لمدة
138 سنة لأنهم أخبروا لوط بأن الله سيدمر سدوم. وحينما أخبر الله الملائكة أنهم
أقل من الأتقياء ومن إسرائيل داخلهم الحسد. وآدم أقرب لله من الملائكة، والله يحب
إسرائيل أكثر من الملائكة، وحين كان الله يكلم موسى كانت الملائكة واقفين حولهم
لكنهم لم يسمعوا شيئا. وقالوا أن فرعون أمسك موسى ليقتله بعد أن قتل المصرى، ولما
أراد قتله إنحنى السيف ولم يقتله وأتى ملاك وأخذ شكل موسى فأعطى موسى الفرصة
ليهرب. وحاولت الملائكة أن يعطيها الله الناموس ولكنه أعطى إسرائيل هذا الإمتياز
فلم يكن الملائكة مستحقين له. ولما قبل إسرائيل نير الناموس أتى 60 ربوة من
الملائكة ليكللوا كل إسرائيلى كان فى سيناء.
5)
الملائكة ليسوا صالحين تماما :- حين تشاور الله مع الملائكة بخصوص
خلقة الإنسان إعترضوا فأخفى الله عنهم أن آدم سيسقط ويخطئ. ومع هذا تآمر الملائكة
ليجعلوا آدم يسقط. بل إشتكوا إبراهيم لله أنه لم يقدم هو كبش ذبيحة لله. وإشتكوا
إسماعيل ليتركه الله يموت عطشا. وحسدوا موسى أنه كتب الناموس. وأن موسى ليصنع
سلاما مع الملائكة قال لهم أن الله لم يعطهم الناموس فهم ليسوا معرضين للسقوط مثل
البشر فصار الملائكة أصدقاء لموسى، بل وصاروا يطلعونه على بعض الأسرار. بل قالوا
أن الملائكة لهم دخل بالأعمال السحرية.
6)
أسماء الملائكة :- بجانب ما ذكر هناك أسماء سارها أولام = رئيس هذا
العالم. وهناك أمير البحر وإسمه راحاب وهذا دمره الله لأنه رفض أن يستقبل
الماء الذى كان يغمر الأرض. دوماه = ملاك عالم الأموات. وعندما تغادر نفس
إنسان تقى جسده تعلن ملائكة الخدمة لله، فيكلفهم الله بمقابلة هذه الروح ويسمعونه
(إش57 : 2). أما الأشرار فيقابل أرواحهم 3 ملائكة مُدمِّرين يسمعونه كل واحد منهم
آية كقرار إدانة وعقوبة (إش48 : 22 + إش1 : 11 + حز32 : 19). وكل أنفس الموتى
يتسلمها دوما. وهناك يوركيمى أمير الثلج الذى حاول تبريد أتون الثلاثة
فتية. ولكن الملاك غبريال إعترض لأن التبريد سيكون بوسائل طبيعية (الثلج) وأراد هو
كملاك النار أن يبرد الأتون من الداخل ويجعله نارا من الخارج أحرقت خدام الملك.
وهناك راضيا ملاك المطر. وهناك ملاك لكل شئ الزرع والطعام بل وحتى الشهوات.
الشياطين وسقوط الملائكة
فكر
الربيين مختلف تماما عن فكر العهد الجديد، ففيما عدا لقب الشيطان لم يرد بالعهد
الجديد أى إسم من الأسماء التى يرددها الربيين. وكتابات الربيين لم تذكر شئ عن
مملكة الشيطان. وفى مفهومهم لا تعارض بين قوة الشيطان وما هو خير، ولا بين الله
والشيطان. فالشيطان هو عدو للإنسان وليس لله ولا للخير. أما العهد الجديد فيقدم
المسيح الأقوى الذى هزم الشيطان القوى وأخذ منه ما كان يملكه (لو11 : 21 ، 22). فى
العهد الجديد نرى خلاص الإنسان من يد الشيطان خارجيا وداخليا أيضا، ويصير له حياة
روحية جديدة. ويقدم الربيين اليهود الشيطان فى ثلاثة مظاهر : إسمه الشيطان (ويسمى
أيضا صمائيل) – يسترهارا أو حافز الشر مشخصن – وهو ملاك الموت. وبتعبيرات أخرى
المشتكى الذى يتهم والمجرب الذى يغوى والمعاقب. وقبل عرض أراء الربيين حول هذه
النقاط لنوضح الآتى لشرح المعانى :-
1)
سقوط الشيطان وملائكته :- هذا حدث بعد خلق الإنسان وليس قبله. وكان
الشيطان قبل سقوطه رئيسا لكل الملائكة. ولكن الله حدد للمسيا أن يكون درجته فى
السماء أعظم منه لأنه هو الممسوح – بينما هو ملاك مقدس. ولما فهم أنه سيكون روحا
خادمة للمسيا الذى من هذا الجنس الإنسانى الذى رآه مخلوقا أمامه ضعيفا وأقل منه
وهو رئيس الملائكة العظيم، بل أن الجنس الإنسانى أقل من الملائكة العاديين رفض
وتمرد وسقط. فكان سقوطه بسبب الغيرة والحسد. وهم كانوا أصلا من المعترضين على خلق
الإنسان. وبينما كانت تدور المناقشات فى السنهدريم السماوى بين الملائكة، هل يجب
أن يُخلق الإنسان أم لا، قال لهم الله "لماذا المناقشات وقد تم خلقة الإنسان.
وظهر تفوق آدم إذ أمكنه أن يعطى أسماء للمخلوقات لذلك دبروا مؤامرة لإسقاطه،
وبسقوطه يستعيدوا هم الأفضلية. وكان صمائيل أفضل من السيرافيم والمخلوقات السمائية
إذ كان له أجنحة ضعف ما لهم. ونزل صمائيل للحية التى كانت فى ذلك الوقت تتكلم ولها
أيدى وأرجل ولها هيئة الجمل ووجد أنها أداة مناسبة لتنفيذ خطته. ودخل صمائيل فى
الحية فصارت خاضعة له تماما وصار يقودها. وخدع صمائيل حواء أولا وفرض على حواء لمس
شجرة الحياة، ومع أن الشجرة صرخت لأن سطانائيل لمسها وإدعى أن لمسها لا يميت مع أن
التلامس معها ممنوع. وصدقته حواء وتلامست مع الشجرة وحالا وجدت أن ملاك الموت آتيا
عليها فخافت أن تموت وأن الله يعطى آدم زوجة أخرى فأغوت آدم ليسقط.
2)
الشيطان أو صمائيل كمشتكى أو متَّهِم للإنسان :- "الله
إمتحن إبراهيم" (تك22 : 1) كيف فهموا هذه الآية – ذهب صمائيل ليشتكى إبراهيم
أنه عمل إحتفالا كبيرا حينما وُلِد إسحق ولكنه لم يقدم لله ذبيحة. فأراد الله أن
يظهر له أن إبراهيم ليس فقط على إستعداد أن يقدم ذبيحة حيوانية بل يقدم إبنه
ذبيحة.
3)
الشيطان أو صمائيل المُغَرِّر والمغوِ للإنسان :- يميز التلمود
بين دافع الشر داخلنا وبين شخص الشيطان من خارج. ويرفض التلمود فكرة أن الشيطان هو
مجرد شخصنة لدافع الشر الموجود فى الإنسان، بل أن الله هو الذى خلق هذا الدافع
للشر داخلنا حتى قبل السقوط. وقالوا أن هناك دافعين مخلوقين داخل الإنسان أحدهما
هو دافع للشر (ييسترهارا) والآخر دافع لعمل الخير. ولكن يمكن للإنسان أن يتغلب
عليه. وقالوا أن وجود دافع الشر هذا فى الإنسان لازم لإستمرارية هذا العالم.
ونسبوا لصمائيل كل محاولات الإغواء للإنسان فى تاريخ إسرائيل. ونسبوا له محاولته
منع إبراهيم من تقديم إسحق إبنه ذبيحة، وذلك بمحاولاته لتخويف سارة أو التأثير على
إسحق.
4)
الشيطان كعدو للإنسان يحاول أن يؤذيه ويهلكه وهو ملاك الموت :- مثلا
حين فشل الشيطان فى التأثير على ثبات إبراهيم وإسحق هاجم سارة وأخبرها بالكذب أن
إسحق تم ذبحه فماتت حزنا عليه، وقال ربيين آخرين بل ماتت من الفرحة حينما وجدت
إبنها قد عاد حيا بعد أن علمت بموته.
وقالوا
أن المشرف على الموت يرى الشيطان كعدو له ممسكا سيفا وعلى طرفه قطرة مرارة ترتجف
وفى خوفه يفتح فمه ويبتلع هذه القطرة وهذه تعطى شحوب الوجه ويتبعها فساد الجسد.
ومع كل هذا فالشيطان لا يملك قوة مطلقة. وحينما قبل إسرائيل نير الناموس فى سيناء
تحرروا تماما من سطوته، ولكن بسبب خطية العجل الذهبى لم يستمروا أحرارا منه.
الأرواح الشريرة (شيديم، روخيم، ليلين)
نجد
فى أفكار الربيين فى هذا الموضوح لمحات من الفكر الفارسى بل أسماء مشابهة.
1)
أصلهم وطبيعتهم وعددهم :- هناك أراء حول الموضوع – قيل أنهم خلقوا
عشية أول سبت، وأن عددهم يتزايد، وقيل أنهم ثمرة من حواء مع أرواح مذكرة، ولآدم مع
أرواح مؤنثة. وهم لهم أجنحة ويعرفون المستقبل. وقيل أنهم نشأوا خلال عملية تحول
للثعابين ثم يتحولون بعد ذلك لمصاصى دماء ثم إلى أشواك ثم إلى شيديم. وقالوا أن
شيديم نشأ خلال سقوط الإنسان. وقالوا أن شيديم خرج من العمود الفقرى ممن لم يحنوا
ظهورهم فى العبادة. وقد يظهر شيديم فى هيئة إنسان أو أى شكل آخر. ويعيشون فى
الخرائب. والأماكن القذرة هى مكانهم المفضل. ويظهرون فى الليل، وينصحون أن لا يذهب
أحد بمفرده لهذه الأماكن ويجب أن يصحب معه آخر للهروب من الخطر. أما فى حالة 3
أشخاص فهم لا يظهرون. ولا يفضل أن ينام أحد بمفرده فى منزل وإذا خرج فليكن معه نار
مشتعلة كمصباح. ويمكن أن يتقوا شرهم بوضع كلمات بصيغة معينة ليس بينها كلمات من
التوراة بل بها بعض أسماء هذه الأرواح، ويلبسونها كحجاب. ولهم أعداد مهولة بالألاف
يحومون حول الناس، ولو رأى أى شخص عددهم حوله لن ينجو. وملكة الأرواح المؤنثة
يتبعها عدد ليس أقل من 180000. وهم موجودين حولنا فى كل مكان على الأرض وفى المياه
والزيت والأوانى. ولو شرب أحد من إناء كانوا فيه يمرض.
2)
ترتيباتهم :- منهم أرواح مذكرة ومنهم أرواح مؤنثة. المذكرة تحت
رياسة ملكهم أشميداى والمؤنثة تحت رياسة ملكتهم ليليس. والأرواح الضارة معرفة بـ
روخين – مازيكين (المُضِرِّين) – مالاخى شابالا (ملاك الدمار). وهناك منهم أرواح
نهارية وأرواح لمنتصف اليوم وأرواح ليلية. وكان لسليمان سلطان عليهم فكانوا فى
حضوره يقومون بالرقص. أشميداى ملك الجن أو هذه الأرواح، وهو قوى جبار شرير.
والعجيب فى أفكارهم أنهم قالوا أن له أعمال رحمة كأن يقود أعمى أو ليظهر الطريق
لمخمور. وهو يعرف المستقبل ويعمل بالسحر. ولكن سليمان الملك سخره لينفذ إرادته. ليليث
ملكة الأرواح المؤنثة وهذه غير ليلين أى الأرواح الليلية وغير ليلاه الملاك الذى
رافق إبراهيم فى حربه مع كدرلعومر.
3)
أخلاقيات وعادات الشيديم :- كما تصوروا عن ملائكة كثيرين أنهم شخصنة
لأشياء عديدة، قالوا هذا عن الشيديم أن كثير من الأمراض منسوبة لهم. وهناك شيديم
لكل منطقة مثل السامرة وطبرية إلخ. ويستخدمونهم فى السحر، وكان هذا مسموحا به ولكن
قالوا أن فيه خطورة. وقالوا أنه من الطبيعى أن نجد هذه الأرواح فى المياه أو الزيت
لو تركت مكشوفة بدون غطاء ليلا. وتوجد على الأيدى غير المغسولة وتوجد فى المياه
التى تم غسل الأيدى بها. وعلى فتات الخبز الملقى على الأرض. وتستطيع هذه الأرواح
أن تقلد ما كان يقوم به أنبياء العهد القديم مثل ثعابين سحرة فرعون أمام موسى.
ويقول يوسيفوس أنه رأى بعينيه أحداث شفاء بترديد كلمات سحرية على المريض. ويكون
لهذه الأرواح سلطان على من يستعمل الأرقام الزوجية، لذلك مثلا حذروا من شرب عدد
زوجى من الكئوس ليلا. وهذا فى كل الأيام ما عدا ليلة الفصح حيث لا يكون للأرواح
سلطان على إسرائيل. ولكن هناك أرواح يسمونها (familiar spirits) هذه تقوم بتعليم الربيين.
[حقا كانوا يتخبطون فى ظلمة حتى أشرق نور
المسيح]
ملحق
رقم 14
الناموس أيام المسيح
واضح
أنه فى بداية المسيحية نشأت تساؤلات حول الإستمرار فى الإلتزام بطقوس الناموس، وهل
على الأمم الإلتزام بها. وإتضح أنه لا بد من وجود تشريعات جديدة فى نور المسيحية.
وإعتمدوا فى هذا على نبوة إرمياء (31 : 31 – 34) وأنه سيكون هناك عهد جديد وشرائع
جديدة. ومن (تث18 : 15 ، 18) نرى أن النبى الذى سيرسله الله يكون كلامه هو من
الله.
بل
نرى أن الربيين أنفسهم أدخلوا بعض الإصلاحات مع ظهور المعمدان. ولكن ظهر رأيين
فمنهم من منع أى تعديل فى الذبائح وإحتفالات الأعياد وما هو طاهر وما هو نجس، حتى
بالرغم من دمار الهيكل والتشتت اليهودى. وقال البعض أن هذه التشريعات مرتبطة بتراب
أرض إسرائيل ويتحرر منها الذين تشتتوا. بل قال البعض أن التشريعات والطقوس حتى
تعاليم الربيين كانت لفترة محددة وستنتهى وتتغير. ولكن الوصايا لا تتغير. وأن
إسرائيل الآن لا تحتاج لمن يعلمها عن المسيا الملك بل عليها أن تنتظر مجئ المسيا
ليجمع الشتات. وحينما سيأتى سيعطى للأمم 30 وصية يتبعونها كما هو مكتوب فى (زك11 :
12) [وهكذا فهموا نبوة الثلاثين من الفضة] وقال البعض بل سيخضع الأمم لنفس
وصايا إسرائيل. ولكن التلمود ذهب إلى أبعد من هذا فقال أنه فى الأيام القادمة
سيبطل الناموس الطقسى، وستبطل الذبائح ما عدا ذبيحة الشكر وتبطل كل الأصوام وكل
الأعياد ما عدا يوم الكفارة. وسيخفف الله كل القيود وسيتم إلغاء شريعة الحيوانات
النجسة والطاهرة.
ومع
بداية الكنيسة ظهرت هذه المشاكل (راجع رؤية الملاءة لبطرس وخلاف بولس مع بطرس غل2)
وراجع مجمع الرسل فى أورشليم (أع15 : 13 – 21).
ملحق
رقم 15
موقع سوخار وميعاد زيارة الرب يسوع للسامرة
موقع
سوخار :-
قدم الكاتب هنا بحثا حول موقع سوخار حيث تقابل الرب مع السامرية، وهل سوخار هذه هى
مدينة شكيم. وإستبعد تماما هذه الفكرة فشكيم تبعد عن بئر يعقوب حوالى كيلومترين
ونصف، بالإضافة لأنه لا يمكن أن تنطق سوخار على أنها شكيم. وتساءل هل يعقل أن تسير
المرأة هذه المسافة لتستقى من بئر يعقوب. ومع البحث وجدوا أن هناك مكانا آخر إسمه
أسخار على بعد 800 متر من بئر يعقوب ورجح أنه هو المرجح أن يكون هو سوخار.
ميعاد
زيارة الرب لسوخار :-
1. قضى
الرب بعض الوقت بعد عيد الفصح (يو2 : 23) فى اليهودية.
2. فى
(يو4 : 45) نجد الجليليون قد تذكروا ما صنع فى أورشليم فى الفصح وهذا يدل أن ما
حدث فى أورشليم كان قريبا إذ لا تزال الأحداث حاضرة فى ذاكرتهم. وبسبب ما قيل عنه
جاء له خادم الملك يطلب منه شفاء إبنه.
3. قدم
الكاتب بحثا حول العيد الذى صعد فيه الرب إلى أورشليم. وقال أن الرب أمضى شهورا فى
خدمته فى الجليل قبل أن يعود لأورشليم. وبالتالى إستبعد أن يكون عيد (يو5) هو عيد
الخماسين ولا عيد المظال الذى يأتى فى الخريف ولا عيد التجديد الذى يأتى فى الشتاء
موسم الأمطار. والأعياد المتبقية عيد تجميع الأخشاب التى تستعمل على مذبح المحرقة،
أو عيد الأبواق أو يوم الكفارة أو عيد الفوريم (عيد إستير).
4. وإستبعد
الكاتب عيد الفوريم فليس هو المناسب للرب يسوع للأفراح الصاخبة التى تقام فيه، ولا
هو مناسب للمناقشات التى دارت بعد معجزة بيت حسدا. وباقى الأعياد (الخشب / الأبواق
/ الكفارة) تأتى ما بين نهاية الصيف أو بداية الخريف. ويستبعد الكفارة فهو لا
يسمى عيد بل صوم الكفارة. ويقول عن عيد الأبواق أنه ليس من الأعياد التى تجتذب
الجماهير لها. وعيد الخشب أى الإحتفال بتجميع خشب مذبح المحرقة. وهذا العيد يأتى
فى يوم 15 أغسطس. ويصير عيد (يو5) محصورا ما بين عيد الأبواق (منتصف سبتمبر) وعيد
تجميع الخشب.
5. ومن
هذا تكون زيارة السامرة قد حدثت فى بداية فصل الصيف، غالبا فى منتصف شهر مايو.
ملحق
رقم 16
الأراء اليهودية عن الأرواح النجسة ومن بهم أرواح نجسة
مناقشات دارت بين المسيحيين واليهود فى القرون الأولى
نظريات
اليهود حول الموضوع
1)
يقول يوسيفوس :- نسب يوسيفوس الإرتباك والتشويش الذى كان عليه شاول
الملك لتأثير الروح الردئ الذى دخله عليه. ووصف يوسيفوس الحكمة التى كان عليها
سليمان وكل معارفه وإنجازاته ومواهبه فى طرد الأرواح الشريرة التى تسبب الأمراض.
وقال يوسيفوس أن سليمان كانت قدراته هذه عن طريق صيغ وكلمات معينة تتلى كتعويذة
وأنها كانت تستخدم حتى أيام يوسيفوس. وإستخدم من يدعى إلعازر هذه التعاويذ ليشفى
مصاب بروح نجس أمام فاسباسيان وحاشيته، بأن وضع فى أنفه حلقة بها تعاويذ سليمان
هذه. ولإظهار صحة ما يحدث وضعوا إناء به ماء عن بعد وعند خروج الروح حرك هذا
الإناء.
2)
أراء الربيين :- قالوا أن هذه الأرواح الشريرة تخرج من العمود الفقرى
لإنسان رفض السجود لله وعبادته. وقالوا أن أسماء هذه الأرواح : أرواح نجسة (unclean
spirits)، سيريم
(معنى الكلمة ماعز)، شيديم (أرواح نجسة مذكرة ومؤنثة تسكن الخرائب، ومازيكين
(الأرواح المضرة). وهذه الأرواح تأكل وتشرب وتموت، وهذه غير الأرواح التى نعرفها
فى العهد الجديد. وطعام هذه الأرواح من نار وماء وروائح، لذلك تستلزم التعاويذ
التى تتلى وجود خلطات معينة من البخور. ويعتقدون أن هذه الأرواح تدخل البشر وتتملك
عليهم وتستحوذ عليهم وتصيبهم بالأمراض، وهذه الأرواح تسيطر على الإنسان وتمنعه من
عمل أشياء معينة مثلا كأن يأكل من خبز الفصح. وتحرم الإنسان من إرادته الحرة
وتجعله يتعدى. وهذه الأرواح تصيب من لا يغسل يديه.
السحر
والسحرة :- السحر ممنوع على الإسرائيليين. ولا سلطان للسحرة على
إسرائيل طالما إحترموا الناموس. ولكن هذه نظرية لم تتفق مع الواقع، وكانوا مضطرين
لفك أعمال السحر بالتعاويذ. وإعتبروا أن مصر هى منبع السحر. ونسب التلمود معجزات
المسيح للسحر الذى تعلمه فى مصر. وهكذا فى بداية المسيحية لم يستطع اليهود إنكار
مواهب المسيحيين لكنهم نسبوها للسحر. وجاء أحد الربيين فى نهاية القرن الثانى
للميلاد وحاول تلاوة لعنات لإبطال سحر (مواهب) المسيحيين وفشلت لعناته. وإنتشرت
المسيحية بين اليهود مما أثارهم ووصل الأمر بأحدهم أنه رفض شفاء قريبا له من لدغة
ثعبان بصلوات المسيحيين وفضل موته. وقالوا أن المرتد عن اليهودية للمسيحية مكانه
جهنم ولن ينفعه ختانه بل أن ملاكا سيأتى ويعيد له غرلته. وقالوا إن بعض السحرة
قادرين أن يجعلوا الجماجم تتكلم وأن يجعلوا جثث الأموات تصدر أصواتا. وهناك سحرة
لتحديد اليوم السعيد الحظ وهكذا سئ الحظ. وهناك من يذهب للقبور للإتصال بالأرواح
النجسة. وقالوا أن السحر قد يؤذى الساحر. وقالوا أن هناك أمراضا كثيرة تعود
للأرواح الشريرة وعلاجها يكون بالسحر. فالبرص وأمراض القلب والجنون من أعمال
الأرواح النجسة.
ولهم
أفكار غريبة جدا فمن الخطورة أن يسير المرء بين نخلتين المسافة بينهم أكبر من 4
أذرع، أو السير على أرض إنسكب عليها ماء ما لم يتم تغطية الماء بالتراب ثم البصق
عليه. وهناك خطر من السير فى ظلال نور القمر الساقط على بعض الأشجار، لأن الأرواح
تفضل السكنى فى هذه الظلال. ويجب الإحتراس من الماء الذى تم غسل الأيادى به صباحا،
ولا يستخدم زيت لمسح الجسد إن لم يتم تغطية الإناء المحتوى للزيت مساء. ومن القصص
العجيبة أن تقابل إثنين من الربيين على ظهر سفينة متجهة إلى روما مع أحد الأرواح
وسألهم أن يصاحبهم وقبلوا لعلهم يستفيدوا منه فى روما بعمل معجزة ما. وهناك دخل
الروح فى إبنة قيصر فقالوا تعاويذهم فخرج الروح وكافأهم قيصر.
وإستخدموا
وصفات سحرية عجيبة لشفاء الأمراض أبسط ما يقال عنها أنها مضحكة. ولكن ما يؤلم أن
إحدى الطرق هو نقل المرض إلى إنسان آخر. وهناك صيغ وكلمات سحرية غريبة علموها
للناس لإتقاء شر هذه الأرواح عند شرب الماء وعند كل عمل. ووصفات سحرية عجيبة مثل
ربط رجل كلب بحبل والإمساك به وترديد كلمات سحرية.
ملحق
رقم 17
شرائع وناموس السبت كما وردت فى المشناة وتلمود
أورشليم
شرائع
الربيين للسبت كمية مرعبة ومناقشات بلا نهاية، حمل رهيب حمَّله الربيين للشعب
اليهودى. ووردت هذه القوانين فى ليس أقل من 24 فصلا. ويقولون أن أحد الربيين قضى
سنتين ونصف فى دراسة فصل واحد منهم. وتستمر المناقشات بين الربيين وبين مدارسهم
بلا نهاية لتحديد ما هو المسموح به وما هو غير المسموح به. وكمثال للمناقشات – قال
البعض لايسمح أن يخرج حمار إلى الطريق وعلى ظهره غطاء فهذا يعتبر عمل، إلا لو تم
وضع الغطاء يوم الجمعة، ولكن يسمح بتغطيته داخل حظيرة المنزل لتدفئته. وتبدأ
الإستعدادات للسبت من الجمعة بعد الظهر وسنجد هنا مجرد بعض ما ورد فى المشناة وكتب
تقاليد الربيين :-
·
لا يسمح بسفر يزيد عن 2000 ذراع أى أقل من
كيلومتر من مكان سكن الشخص، وهذا ما يسمونه سفر سبت. ولكن هناك تخفيف، فلو ترك
الرجل طعاما يكفى وجبتين يوم الجمعة فيمكنه أن يذهب ليحضره على أن لا يبعد أكثر من
4000 ذراع أى ضعف المسافة المسموح بها.
·
ومن أشهر ما يعتبر عملا فى السبت حمل
الأشياء. وحمل الأشياء ينقسم لشقين هما رفع الشئ وإنزاله وهنا دارت المناقشات :-
رفع الشئ وإنزاله فى مكانين مختلفين – من مكان عام إلى مكان الشخص الخاص – من مكان
الشخص الخاص إلى مكان عام. وهنا دارت مناقشات طويلة فى تعريف العام والخاص. وهل
العام مكان عام لا يخص أحد مثل واد عميق أو بحر أو مكان يقود إلى طريق أو حقل. وهى
مناقشات لا تنتهى. والحمل له حسابات قياسية، فأقل حمل هو وزن تينة مجففة والتساؤل
هل حمل الشخص نصف تينة مجففة على مرتين. وهذا التحديد لكل شئ لازم لتحديد عدد
الخطايا التى يحتويها هذا العمل.
·
وهناك صعوبات فى تحديد قذف شئ من مكان خاص
إلى مكان عام أو العكس – وهل تم قذف الشئ فى الهواء باليد اليسرى ومسكه مرة أخرى
باليد اليمنى فهذا يعتبر خطية، لكن لو تلقف الشئ بفمه فلا يعتبر خطية لأنه بعد أن
يأكله يكون هذا الشئ قد إختفى وما عاد موجودا، وكأن القذف حدث من شخص آخر.
·
لو أمطرت السماء ودخل الماء فى وعاء وتم
حمل الوعاء فهذا ليس خطية، ولكن لو نزل الماء على حائط ثم نزل فى وعاء وحمل أحد
الوعاء فهذا خطية. ولو ملأ أحد يده ببعض الفاكهة ومدها ليعطيها لآخر ودخل عليه
السبت دون أن يعطيها له فليترك الفاكهة تسقط على الأرض ولا يعيد يده المملوءة بالفاكهة
لأنه بهذا يكون قد نقل شئ من شخص آخر إليه.
·
والسبت يبدأ من الجمعة بعد الظهر، ومن هنا
فلا يبدأ إنسان عملا جديدا فلا يخرج الخياط يده بالإبرة ولا الكاتب يده بالقلم.
ولا المدرس يسمح لطالب بالقراءة، ولا يقتل أحد حشرة تلدغه. ولا تنظر إمرأة فى مرآة
لئلا تجد شعرة بيضاء فتغوى على نزعها وهذا عمل وخطية عظيمة. وكثير ولا يحصى كم
المناقشات التى كانت تدور بين مدرستى هليل وشماى بخصوص المسموح وغير المسموح به.
·
وبعد ذلك يأتى فصلين لدراسة مشكلة عويصة
وهى تسخين الأكل فى يوم السبت فمن غير المسموح به إشعال نار فى السبت، فما العمل؟
إذاً عليهم إشعال الفرن فى الجمعة وتركه موقداً. ويمنع سلق بيضة بوضعها بجانب قدر
ساخن أو فى رمل ساخن من حرارة الشمس. ويسمح بوضع ماء بارد على ماء ساخن وليس العكس
(على الأقل هذا بحسب تعليم شماى).
·
سؤال – هل يسمح للأب بحمل إبنه بين
ذراعيه؟ وهذه تسامحوا فيها بل تمادوا فى التسامح وقالوا، حتى لو كان الطفل يحمل
حجرا فى يديه، فيمكن لوالده أن يحمله بين ذراعيه. مع أن الوالد لا يسمح له بحمل
حجر.
·
عن ماذا يلبس فى السبت؟ على اليهودى عندما
يلبس ملابسه أن يراعى عدم لبس أشياء كثيرة وإلا يضطر لخلعها وإمساكها فى يديه وهذا
عمل. وعلى المرأة أن لا تضع حلق فى أذنها وهى ذاهبة للإستحمام وإلا ستضطر لخلعه
وحمله. وعلى المرأة أن لا تسير فى الشارع وعلى رأسها شعر مستعار. لكن مسموح لها أن
تفعل هذا فى بيتها. وعلى الرجل أن لا يلبس حذاء به مسامير خشبية فهذا يعتبر عمل.
وهناك مشكلة عويصة، فماذا يعمل من ينقطع حذاءه فى السبت؟ عليه أن يضع لاصق ولكن لا
يصلحه فهذا يعتبر عمل.
·
عقوبة من يعمل فى السبت هى الرجم. ولو نسى
شخص أن اليوم سبت وعمل فهذه خطية، ولكن لو ظل يكرر هذا عدة سبوت يرجم.
·
هناك 39 عملا (أربعون إلا واحدا) ممنوعا
فى السبت ويسمونهم الأعمال الرئيسية أو الأباء وهى الزراعة والحرث والحصاد … وهى
أعمال تخص إعداد الخبز مثل الزراعة والحرث / أعمال خاصة بالملابس كنسج الصوف وغسل
الملابس / أعمال خاصة بالكتابة مثل إعداد جلود الغزال من صيده وسلخه وتمليحه
وإعداد الجلد / أعمال خاصة بالبناء. وقالوا أن رقم 39 هو عدد مرات تكرار كلمة عمل
فى الكتاب. وهناك أعمال أخرى مشتقة من الأعمال الأباء هذه الـ 39. وقالوا أن إلقاء
حبتى حبوب فى الأرض هذا يعتبر عمل زراعة. ويمنع عمل أى شئ يساعد على نضج الزرع مثل
رش الماء على الزرع أو نزع ورقة جافة من شجرة. ويمنع نزع ثمرة من شجرة أو حمل ثمرة
سقطت من شجرة فهذا يعتبر عمل من أعمال الحصاد. ولكن قطع عش الغراب (mushroom) فهذا يعتبر خطيتين فقطع واحد يخرج آخر مكانه.
·
لو تناثر طين على الملابس فيسحق باليد
ولكن لا يتم حك الرداء فهذا يعتبر عمل. ولو إستحم شخص – هنا إختلفت المدارس هل
يجفف جسده مرة واحدة أو عضو عضو. ويمنع قص الأظافر والشعر فهذا يعتبر خطية مميتة.
·
قطعا الصيد ممنوع فى السبت، وحتى لا يدخل
حيوان كغزال مثلا لو ترك الباب مفتوحا عليهم ملاحظة الأبواب جيدا.
·
لا تقرأ الكتب المقدسة سوى مساء، لأن
الصباح يجب أن يترك لدراسة الشريعة. وقالوا أن دراسة المشناة هى أكثر أهمية من
الكتاب المقدس. والأكثر إستحقاقا للقراءة هو التلمود ففيه إجابة على كل التساؤلات.
وما العمل فى الكتب التى تحتوى على إسم الله مثل أناجيل المسيحيين وكتب الهراطقة؟
يتم قطع كل مكان فيه إسم الله ويحرق باقى الكتاب. وقال أحد الربيين بل تحرق على
الفور. وقال أنه عند الضرورة فليهرب اليهودى إلى هيكل أوثان، فهذا أفضل من الهروب
إلى كنيسة مسيحية، لأن الوثنى ينكر الله لأنه لا يعرفه، أما المسيحى المرتد عن
اليهودية فهو أسوأ من الوثنى.
·
يسمح بعمل كل اللازم نحو الميت مثل غسله
ودهنه بالعطور لكن بدون تحريك أعضاءه ولا حتى إغلاق عينيه (وغلق عينى الميت هو
إجراء يتخذ عادة مع الميت).
·
يقول التلمود أنه يحرم على شخص أن يتسلق
شجرة ليجلس عليه ليرتاح. ويمنع التصفيق باليدين. وتمنع كل الإجراءات القانونية
والقضائية.
·
ممنوع التداوى فى السبت أو أخذ أى دواء
لتتحسن حالة المريض. ولكن إذا تعرضت الحياة للخطر هنا يسمح بكسر السبت. ولو سقط
جدار على أحد، وكان هناك شك أن يكون أحد تحت الأنقاض، أو شك فى أن تحت الأنقاض
يهودى أو حتى وثنى، أو شك أن من تحت الأنقاض ما زال حيا، يسمح بإزالة الأنقاض حتى
يجدوا الشخص الموجود تحتها. وإن وجدوا أنه ما زال فيه حياة فليكملوا العمل، ولكن
لو وجد ميتا فليتوقف العمل فورا. وسمح أحد الربيين بإستعمال أدوية لعلاج الحلق
وإعتبر أنها من الأمراض الخطيرة
وهكذا
ضخم الربيين وصية السبت البسيطة كما وردت بالكتاب. وضاع منهم الهدف الروحى للوصية
وحملوا الناس بأحمال رهيبة. ولا نتعجب بعد كل هذا من موقفهم من المسيح لكسره السبت
[ومن
هنا يتضح معنى قول بولس الرسول "ولكن بسبب الاخوة الكذبة المدخلين خفية،
الذين دخلوا إختلاسا ليتجسسوا حريتنا التي لنا في المسيح كي يستعبدونا" (غل2
: 4). ففى المسيح تحررنا من كل هذه القيود ليس فقط كونها خانقة ومرعبة بل وفيها
عبودية لأراء خاطئة للبشر، ولكن هى فقدت المعنى الروحى فى تقديس السبت أى تكريس
القلب وإنشغاله بالله يوما فى الأسبوع ليذكر أنه ينتمى للسماء ولا يضيع عمره كله
فى أعمال الأرض التى سيأتى يوما ويتركها].
ملحق
رقم 18
أسطورة سمعان كيفا (صفا) فى الهاجادا
صدر
من الهاجادا 4 طبعات منقحة. وفى النسخة الرابعة إدعوا فيها أن المسيحيين يخطفون
أولاد اليهود ويجبرونهم على العماد. وبها أيضا عدة أساطير. وواضح أن النسخة
الحالية صدرت بعد أن إستقرت المسيحية فى روما وإستقرت الباباوية فيها، وضمنوها
أسطورة عن بطرس.
بدأ
النص بالتنويه على أن النزاع بدأ بين الناصريين واليهود لدرجة أنهم إضطروا
للإنفصال عن الناصريين، لأن أى ناصرى حين يرى يهودى كان يقتله. وإستمرت هذه
المأساة لمدة 30 عاما. وزاد عدد المسيحيين وصاروا ألوفا وربوات، ومنعوا اليهود من
التوجه إلى أورشليم للإحتفالات. وكانت الكارثة كبيرة وأكبر من أيام العجل الذهبى.
وإستمر هذا الإيمان المضاد فى النمو والتزايد. وخرج منهم 12 رجلا أشرار عبروا إلى
الـ 12 مملكة، وتنبأوا نبوات كاذبة وضللوا اليهود وكانوا يدعمون فكرة الإيمان
بيسوع وقالوا أنهم رسل المصلوب. وجذبوا وراءهم الكثير من اليهود. لكن العقلاء من
اليهود تواضعوا وتذللوا أمام الله وإعترف بعضهم لبعض قائلين "أن هذا الشر كان
بسبب خطايانا". وكانوا يصلون لله أن يرشدهم كيف يعودون للتقدم على هؤلاء
الناصريين. وحينما إنتهوا من صلواتهم قام فى وسطهم أحد شيوخهم وإسمه سمعان صفا وقال
– إسمعوا لى يا إخوتى وأهلى إذا كانت كلماتى جيدة فى نظركم، سوف أعزل هؤلاء الخطاة
من مجمع أبناء إسرائيل ولن ينالوا ميراثا معنا، فقط لو حملتم على أنفسكم الخطية
عنى، وأجاب الجميع سنحمل الخطية على أنفسنا لو فعلت ما وعدت به. فقام بطرس وذهب
للهيكل وكتب الإسم فائق الوصف الذى لاينطق به (يهوه) وأدخله فى جسده. ولما تعلم
الإسم فائق الوصف الذى لا ينطق به قام وذهب لعاصمة الناصريين وقال أن على كل مسيحى
أن يأتى إليه فهو رسول. فطالبته الجموع بعلامة تثبت صدقه كما فعل يسوع. وبقوة
الإسم فائق الوصف الذى لا ينطق به قام بشفاء أبرص بوضع يده عليه، وأقام موتى.
فسقط الناصريين على وجوههم وإعترفوا برسوليته. فطالبهم أن يقسموا بأن يعملوا ما
يأمرهم به. وقال لهم أن يسوع المصلوب كان يكره إسرائيل والناموس كما قال إشعياء
"كرهت رؤوس شهوركم وأعيادكم". وهو لايحب إسرائيل كما قال هوشع "أنتم
لستم شعبى" وإستمرت أكاذيبه. وأن يسوع كان بإمكانه أن يفنيهم فى لحظة لكنه
تركهم ليكونوا شهودا على صلبه وموته لكل الأجيال. وأنه تألم كل هذا الألم لينقذهم
من جهنم. وأنه الآن يأمرهم بأن لا يؤذوا أى يهودى بل إن ضربهم يهودى على خدهم
فليديروا له الآخر. وإن سخرهم يهودى ميلا فليسيروا معه إثنين. ولو فعلوا سيكون لهم
نصيب فى هذا العالم لكن فى النهاية نصيبهم جهنم. وقال لهم أن المسيح خدعهم وجعلهم
يحتفلوا بمناسبة بميلاده وصلبه وقيامته وحرمهم من أعياد الفصح وغيرها من أعياد
اليهود. وأمرهم بإستبدال أعيادهم المسيحية بأعياد اليهود، فوافقوا على أن يستمر فى
الإقامة معهم. فوافق على أن لا يأكل شيئا سوى خبز المشقة وماء الغم ليس فقط
ليتحاشى الطعام النجس بل من أجل خطاياه. وطلب منهم أن يبنوا له برجا وسط المدينة
ليقيم فيه حتى يحين موعد موته فنفذوا له ما يريد. وفى هذا البرج خدم إله أبائه
إبراهيم وإسحق ويعقوب. وكتب خلال هذه المدة أشعارا لإستخدامها فى خدمة العبادة فى
المجمع. وأرسلها لإسرائيل ليذكروا ما عمله وخصوصا لتصل إلى الربيين. ونسب كثير من
الكتاب اليهود كثير من أشعار الخدمة لبطرس الرسول هذا ويرددونها فى المجامع فى
السبوت والأعياد. وبقى بطرس فى هذا البرج 6 سنوات وبتوجيه منه دفنوه فى هذا البرج.
وجاء الناصريين وبنوا بناء، ويمكن رؤية هذا البرج فى روما عاصمة الناصريين وقالوا
أن إسمه بطرس، والكلمة تعنى صخرة، لأنه جلس على صخرة حتى موته. ولكن بعد موته قام
آخر إسمه إيليا وفى خبث ضللهم وقال أنه رسول للمسيح وقال لهم أن سمعان صفا خدعهم
وأن المسيح أرسله ليخبرهم أنه لم يخطر على باله أن يكره الناموس. وأن من يريد أن
يختتن فليختتن ومن لا يريد فلا يختتن ولكن يضعونه فى ماء كريه. بل وإن لم يغمرونه
فى الماء فلن يصيبه أذى فى العالم. وأمرهم أن لا يراعوا اليوم السابع ولكن يراعوا
اليوم الأول من الأسبوع ففيه خلق الله السموات والأرض. ووضع لهم شرائع غير صالحة.
وحين سألوه علامة قال لهم وما هى العلامة التى تطلبونها وما أن قال هذا حتى سقط
على رأسه حجر كبير سحق رأسه. والفرق بين طبعات الهاجادة بخصوص هذه الرواية تغيير
إسم إيليا الذى هو ضد بطرس بإسم آخر هو آبا شاول. وفى الطبعات الأخيرة أدخلوا
أسماء طبرية وإنطاكية وأسماء القديسين بطرس وبولس وتاريخ الكنيسة القديم. ويقولون
أن بطرس كان فى السر يهودى وكان ينصح المسيحيين بأن يبطلوا الناموس. بينما وقف
بولس ضده ليجعل الكل يلتزم بالناموس والختان. والهدف من الأسطورة تقديم الإعتذار
لليهود، وأن المسيحيين هم حقيقة يهود فى داخلهم.
ملحق رقم 19
عن العقاب الأبدى عند الربيين وفى العهد الجديد
تشرح
أمثال العشر العذارى والوزنات مع أحداث النهاية مصير كل واحد، وكيف أن هناك مكانين
فى الحياة الأخرى – إما عن يمين المسيح أو عن يساره. وتؤمن الكنيسة أن المسيح
سيأتى فى مجده ومعه ملائكته ويجلس على عرشه وتجتمع الشعوب أمامه. وحينها يكون إما
الفرح أو الندم وذلك يتوقف على تاريخ كل واحد، وتاريخ كل واحد فى علاقته بالمسيح –
سواء معه أو ليس معه. ومن ليس معه فهو ضده. ومن هم على اليمين سيجدوا رحمته
وغفرانه وأنه سيكافئهم حتى على كأس ماء بارد قدموه بإسمه. أما من رفض أعمال المحبة
فسيُرفض ويكون مكانه على يسار المسيح. ومن على اليمين مكانهم سيكون فى ملكوته
المعد أزليا، والآخرين الذين هم عن يساره فمكانهم النار الأبدية المعدة لإبليس وجنوده.
أراء
الربيين
تعاليم
مدرستى شماى وهليل وهما من أيام ما قبل المسيح مباشرة : قَسَّم شماى البشر 3 فئات
:- أ) البار الكامل وهذا له حياة أبدية. ب) الشرير الكامل هذا نصيبه
جهنم. ج) الحالة الوسطى يذهب لجهنم ليئن فترة ثم يقوم بعد ذلك وهذا وفقا لـ
(زك13 : 9). وأيضا من تسبيحة حنة (1صم2 : 6). وهنا يظهر إيمان مدرسة شماى بالعقاب
الأبدى للشرير الكامل وفقا لـ (دا12 : 2). وإتفق هليل مع شماى فى أن عقوبة الأشرار
أبدية فى جهنم. ويضيف هليل أن هؤلاء الأشرار سيذوقوا عذابا ويتألموا لمدة 12 شهرا
بعدها تحترق أجسادهم وأرواحهم وتتحول إلى تراب تحت أقدام الأبرار. ولكن الكلمة
التى إستخدمها هليل هى كلمة عقاب وليس قضاء. وبالتالى هذا يشير لأن الله فى رحمته
سيعاقب هؤلاء من الحالة (ج) أى الحالة الوسط لفترة محددة هى سنة ويعود
ويرحمهم ويعفى عنهم بعد أن عاقبهم. ويستثنى من هؤلاء بعض الأشرار (ب) الذين
سيتعذبون فى قاع جهنم دهور ودهور كعقاب. وبهذا يظهر أن مدرسة هليل تعتمد فكرة أن
كثيرين سيعاقبون ولكن بنوع من الرحمة ولكن قلة هم الذين يتعذبون بشدة.
وسادت
فكرة العذاب الأبدى عند الربيين اليهود خلال القرن الأول الميلادى أى أنهم إلتزموا
بتعاليم شماي وهليل. وقد سبق التنويه عن مثل العذارى والرجل الذى ليس عليه ثياب
العرس ومصير غير المستعد. وبكى الرابى يوحانان بن زكاى من القرن الأول الذى يسمونه
"نور إسرائيل، والمطرقة القوية" حين حان وقت موته خوفا من مصيره وقال أن
غضب الملك الأرضى مؤقت أما غضب الله فأبدى. والرابى إليعازار من القرن الأول أيضا
قال أن الأبرار سيكونون مخفيين تحت عرش المجد أما الأشرار فسيربطون بقيود بعضهم
ببعض فى عدم راحة ويقذفهم ملاك إلى ملاك آخر من ناحية إلى ناحية أخرى من العالم.
وقالوا أن (إش57 : 2) تنطبق على الأبرار أما (إش57 : 21) فهى تنطبق على الأشرار.
وفى
القرن الثانى الميلادى تبنى الربيين فكرة زوال الأشرار فقال البعض سيختفى الحاجز
الذى يحجب حرارة الشمس، فتحرق الشمس الأشرار وتفنيهم، ونفى آخر وجود جهنم وقال أن
هذا اليوم سيفنى فيه الأشرار. وفى القرن الثالث الميلادى عادت الأفكار الأولى وقال
الرابى ألعازار أن البار يلاقيه عند موته 3 ملائكة يرحبون به. و3 ملائكة يقابلون
الشرير بحزن إعلانا عن مصيره. وقال الرابى خوزيه أن نار جهنم التى خلقت فى اليوم
الثانى لن تنطفئ للأبد. وحدث تعديل للفكرة عن طريق الرابى بن لاكيش الذى قال أن
نار جهنم لن تؤذى الأشرار من اليهود. وأنكر آخر فكرة وجود عذاب أبدى وأنه لا توجد
جهنم فى العالم الآتى. ووصلت الأفكار أن الله سيبيد فى الدهر الآتى روح الشر
(ييسترهارا). ولكن يعلم الترجوم فكرة العقاب الأبدى





