رسالة بولس الرسول إلي أهل غلاطية – جدول رسالة غلاطية
|
رقم الإصحاح |
رقم الإصحاح |
رقم الإصحاح |
رقم الإصحاح |
رقم الإصحاح |
رقم الإصحاح |
رقم الإصحاح |
رحلة بولـس الرسول الأولى
![]() |
بولس
هو الذي بشر غلاطية (غل13:4 + أع16:16 + أع23:18)
غلاطية
وكيليكية وكبدوكيا وميسيا هي أقاليم كبيرة في آسيا الصغرى (تركيا) وعاصمة إقليم
غلاطية هي أنقرة (عاصمة تركيا الآن).
في
سنة 25م ضمت الدولة الرومانية المدن التالية إلى إقليم غلاطية: إنطاكية بيسيدية،
أيقونية، دربة، لسترة، وذلك لأسباب إدارية.
رحلة
بولس الرسول الأولى بدأت من أنطاكية (سوريا) وشملت دربة ولسترة وأيقونية وإنطاكيا
بيسيدية. إذاً فقد بشر إقليم غلاطية في رحلته الأولى. وهذه المدن كانت قد انضمت في
وقت سابق لإقليم غلاطية.
زمن
كتابة الرسالة:
غالباً
في حدود سنة 49م عشية إجتماع الرسول ببقية الرسل في أورشليم (أع26:14-2:15).
ملحوظة:
الغلاطيون شعب عنيد ومحاربون أشداء، وصفهم أحد شعرائهم بالشعب الغبي. وذاعت عنهم
هذه الصفة. واستعارها منه بولس الرسول (راجع غل1:3 + 3:3)
مقدمـــــــــة
سبب
كتابة الرسالة:
ورد
لبولس الرسول أن كنائس غلاطية وقعت فريسة لبعض اليهود المتنصرين المتعصبين
للناموس، وهؤلاء ينادون بضرورة الختان والإلتزام بالناموس بالنسبة للمسيحيين، وأنه
لا خلاص بدون حفظ الناموس والختان، وأسماهم بولس بالإخوة الكذبة، فهم إخوة لأنهم
متنصرين، وهم كذبة لأنهم رفعوا موسى فوق المسيح، هم تنصروا ولكن بقى فيهم الفكر
اليهودي. وأسماهم أيضاً بالمزعجين إذ تابعوه وأثاروا الكنائس ضده في كل مكان
(غل7:1+ أع12:18، 13).
وهاجم
هؤلاء الإخوة الكذبة بولس الرسول وتهجموا على رسوليته قائلين إن الرسل الحقيقيين
هم فقط الاثنى عشر، لذلك دافع بولس عن إرساليته من أول آية في الرسالة (غل1:1).
ولو إلتزمت المسيحية بتعاليم هؤلاء لصارت المسيحية مجرد طائفة من طوائف اليهود.
ولقد سميت المسيحية فعلاً أولاً الطريق (أع2:9) وسميت الشيعة
(أع5:24، 14). والمعنى أن هؤلاء فهموا أنها طائفة يهودية، لكن لها طريق أو فهم
مختلف (أع17:5).
ولأن
هؤلاء المتهودين شككوا في صدق إرساليته لذا اضطر بولس أن يكتب عن نفسه وعن صدق وحق
إرسالية المسيح له. بل وتكلم عن نفسه قبل إرساليته وإعترف باضطهاده للمسيحيين في
جهالة قبل أن يؤمن. ولاحظ أنه إذا ثبت صدق إرسالية المسيح لبولس ثبتت صدق تعاليمه.
وهو يؤكد صدق إرساليته بأن التلاميذ الأعمدة إعترفوا برسوليته (9:2) وبأن الله
اختاره وهو بعد في بطن أمه (15:1-17).
وهذه
الرسالة هي دفاع ضد بدعة التهود، وفيها يشرح بولس أن التبرير يكون بالإيمان بدون
ناموس، فالنعمة تحل تماماً محل أعمال الناموس. ونرى فيها أن عمل الروح القدس هو أن
ينشئ الحياة الجديدة للمؤمن في المسيح يسوع. فالمؤمن يولد من الروح القدس في
المسيح فيحسب ابناً حراً لله غير خاضع للناموس.
ولأن
هؤلاء المتهودين قالوا إن ما يعلم به بولس ضد ما يعلم به الإثنى عشر الذين يسمحون
بالختان وبحفظ السبت وغيره، إضطر بولس أن يشير لأن الله اختاره من بطن أمه وأن
إرساليته هي من المسيح مباشرة، وليس من الإثنى عشر. لذلك فهو غير مخطئ في تعاليمه
لأنها من السماء رأساً وهو فعل هذا ليثبت صدق الإنجيل، أي البشارة التي يبشر بها
(غل11:1، 12) ثم يورد قصة الأزمة التي حدثت بينه وبين بطرس ليكشف عن عدم إستقامة
ما فعله بطرس ، إذ كان يفرق بين مسيحيي الأمم ومسيحيي الختان (الذين من أصل يهودي
غل11:2-14). وبولس قصد إبراز هذه القصة ليبرز فيها خطأ الأخذ بضرورة الختان، لأن
بطرس معروف عنه أنه بشر بيت كرنيليوس الأممي وعمدهم (دون أن يختتنوا) وهو صاحب
قرار مجمع أورشليم الذي أقر فيه رسمياً أنه من غير الواجب أن يضاف على كاهل الأمم
الداخلين للمسيحية شيئاً من أعمال الناموس (أع7:15-11). وبطرس فعل هذا (التفريق
بين الأمم واليهود) ليس عن عقيدة إنما مجاملة لليهود (هناك رأيين في هذا، انظر
تفسير إصحاح 2). ونلاحظ أن هؤلاء المعلمين المتهودين إستندوا على مثل هذه المواقف
(كموقف بطرس هنا) من الأمم ليثبتوا صحة عقيدتهم في ضرورة الإلتزام بالناموس.
وكان
التلاميذ يخشون المجاهرة بعدم ضرورة حفظ الناموس أمام مسيحيي الختان الذين تربوا
على الإلتزام بالناموس حتى لا يتشككوا في المسيحية، بل أن يعقوب أقنع بولس أن
يتظاهر بحفظه للناموس أمام هؤلاء القوم (أع17:21-27) حتى لا يتشككوا مع عدم إقتناع
يعقوب نفسه ولا التلاميذ بضرورة ذلك ، كما وضح في قرارات مجمع أورشليم.
ومن
هنا نرى أن التهود (أي أن يلتزم الأممي الذي يدخل المسيحية بناموس موسى) كان مشكلة
كبيرة جداً في بداية المسيحية، بل كان يمكنه هدم المسيحية لولا صلابة دفاع بولس
الرسول ورفضه لمبدأ التهود. ولاحظ تردد بطرس الرسول في عماد كرنيليوس، أي (قبول
الأمم) لولا رؤيا الملاءة، ثم حلول الروح القدس على كرنيليوس أمام بطرس
(أع1:10-18:11).
تعليق:
هناك
سؤال يثار هنا.. كيف يختلف بولس وبطرس في الرأي وكلاهما مملوء من الروح القدس؟!
والإجابة
ببساطة إن الامتلاء من الروح القدس لا يعطل حرية الإرادة وطالما نحن في الجسد،
سيكون لنا إرادة قد تختلف مع إرادة الله وقد تتفق معه، وهذا تفسير قول الرسل:
"رأى الروح القدس ونحن أن.." (أع15 : 28) وتفسير هذا أن الرسل اجتمعوا
وتباحثوا في الأمر وتوصلوا لقرار بإرادة شخصية وبحرية، ثم صلوا فأعلن الروح القدس
لهم نفس ما توصلوا إليه. وربما لو صلى بطرس قبل أن يعتزل الأكل مع الأمم لكان
الروح القدس قد منعه عن ذلك. لكن هنا يتضح أن بطرس كان له رأى وبولس له رأى مخالف.
ونقول ربما لو صلى بطرس لكان روح الله قد منعه .. لسبب بسيط أن القديس يوحنا ذهبي
الفم يفسر موقف بطرس بأنه موقف مقصود، قصد به بطرس أن يتكلم بولس ويعلن تعليمه
الجديد بأن الأمم مقبولين دون ختان أو تهود، ويتحمل بطرس توبيخ بولس حتى لا يحزن
من هم من أصل يهودى.
عموماً
وجود موقفين مختلفين كموقف بطرس وموقف بولس إستفادت منه المسيحية في بدايتها.
فالختان (اليهود المتنصرين) ما كانوا سيقبلون غير موقف بطرس وإلا تركوا المسيحية.
والأمم (الوثنيون المتنصرين) ما كانوا سيقبلون غير
موقف كموقف بولس وإلا تركوا المسيحية. والله سمح بوجود بطرس بموقفه ليحتضن الختان
وبولس بموقفه ليحتضن الأمم، إلى أن ينصهر كلاهما، الختان والأمم في بوتقة المسيحية.
لكن بالنسبة لنا فإنه علينا أن نفهم أنه طالما نحن في الجسد فستظل لنا إرادة قد
تخالف الروح القدس (وهذا ما يسبب لنا أحزاناً وآلاماً كثيرة) والروح القدس يحاول
أن يقنع كل منا بما يريده الله (إر7:20). ومن يقتنع وتكون إرادته كإرادة الله
يفرح. وأما في السماء فلن نريد سوى ما يريده الله، ولن نطلب سوى مجد الله. وهذا
تفسير لقول السيد المسيح "تدينون أسباط إسرائيل .." (مت28:19) فإرادتنا
ستكون هي نفس إرادة الله. ربما لو علمنا هنا أن أحد أقاربنا سيدان في اليوم الأخير
لإضطربنا بسبب عواطفنا البشرية، ولكن في السماء لن تكون لنا إرادة مخالفة لإرادة
الله.
ونلاحظ
أن بولس كان له رأى مخالف لإرادة الله، فهو يريد أن يشفيه الله، وطلب هذا ثلاث
مرات، حتى أقنعه الله أن الشفاء ليس هو إرادة الله، فكف عن الطلب.
وفي
رسالة غلاطية نرى بولس يهاجم الختان ويثبت عدم نفعه للخلاص (1:5-4). ويهاجم باقي
أركان الناموس الطقسية (9:4، 11). ووصف من يفعل ذلك ويلتزم بالناموس بالغباء
(غل3:3) ويحرم من يُعلِّم بهذا (9:1). وبولس رسول الأمم نراه في (أف2:3-9) يتحدث
عن السر الذي أعلنه له الله وهو أن الأمم سيخلصون بالنعمة وليس بأعمال الناموس.
فالخلاص المجاني صادر للجميع يهود وأمم.
وكان
بولس صلباً في صراعه ضد هؤلاء المتهودين ليحفظ حق الإنجيل وهو الخلاص بالنعمة
(غل4:2، 5) لا بالناموس. وأن الخلاص هو مجاناً وليس بأعمال الناموس. وبالنعمة يصير
المؤمن خليقة جديدة (غل15:6). هذا ما يصنعه الروح القدس في المُعمَّد ليصبح ابناً
لله حسب الروح. وإنها لخسارة فادحة أن يترك المؤمن كل هذا ليتبع رأى المتهودين واليهود
بالإلتزام بطقوس ناموس موسى (غل3:3، 10).
نلاحظ
غضب بولس الرسول من أهل غلاطية في أسلوبه في هذه الرسالة فلا أشواق ولا بركات ولا
تحيات ولا كلمة مديح بل أسماهم أغبياء. لكن في مقابل كلماته العنيفة نراه في بعض
الأحيان في منتهى الرقة بل يتضرع إليهم (12:4+ 18:6). وهذا التوازن يكشف شخصية
بولس الرسول فهو أب قلبه مملوء حب ورحمة وحزم، وحين يؤنب ويعنف فهو خائف على هلاك
من تمخض بهم أي أولاده. والأب إذا تعامل بلطف مع أولاده حين يكون الأمر محتاج إلى
تعنيف فهو بهذا يفسدهم كما حدث في حالة عالي الكاهن وأولاده.
ونرى
أسلوب بولس مُطبقاً في كلام المسيح لبطرس مرة باللين ومرة بالعنف (مت17:16، 23).
وحتى تكتشف أسلوب بولس العنيف الغاضب في هذه الرسالة، قارن إفتتاحية رسالة غلاطية
مع أفسس وتسالونيكي، ففي الأخيرتين كان بولس فرحاً بحالة شعبي أفسس وتسالونيكي.
في
نهاية الرسالة أمسك بولس بالقلم وبعين مريضة كتب بأحرف كبيرة وصيته من جهة رفضه
للختان كشرط للخلاص، كتب هو بنفسه بخط يده ليثبت كذب هؤلاء الإخوة الكذبة وكذب
تعاليمهم.
هذه
الرسالة هي الأساس الذي بُنيت عليه رسالة رومية، إذ لهما نفس الأفكار، ولكن رسالة
رومية أوسع في أفكارها، أما غلاطية فهي الأسبق. ونلاحظ أن الذين بشروا في رومية
كانوا من مسيحيي الختان (اليهود المتنصرين).
تنقسم
الرسالة إلى قسمان: الأول هو الجزء العقيدي (1:1-12:5)
الثاني هو الجزء
التعليمي (13:5- الآخر).
هذه
الرسالة وأيامنا الحاضرة:
الختان
في حد ذاته لن يضر المؤمن في شئ فمعظم الرجال يُختنون الآن. ولكن أن يقول أحد إن
الختان ضروري للخلاص فهذا هو الخطأ. ولهذا لم يسمح بولس لهذا الخطأ أن ينتشر. ومع
أنه خطأ بسيط إلا أنه حاربه بصلابة ولم يسمح بأي تعديل ما مهما كان بسيطاً في
الإيمان المسلَّم مرة للقديسين (يه3). وهكذا استشهد أباؤنا حتى لا يتم أي تعديل في
إيمان الكنيسة، فمن يسمح بتعديل صغير سيدخل من هذا الباب تغيير أكبر وأكبر إلى أن
يفسد الإيمان، ولنحذر من الثعالب الصغيرة. لقد حارب أثناسيوس ونُفي خمس مرات
واستشهد الآلاف حتى لا يتم تعديل حرف "O"
في قانون الإيمان ليصبح " I " وكان هذا هو كل ما يطلبه أريوس وأتباعه
والملك. فلندافع إذاً عن صحة عقيدتنا ونتمسك بها إلى النفس الأخير.
الخــــلاص:
الخلاص
كلمة تشير لخلاص الإنسان من عواقب الخطية. وعواقب الخطية كانت هلاك أبدي وموت
بأنواعه (أبدي وأدبي وجسدي وروحي) وأمراض جسدية ونفسية وعبودية وإنتشار المظالم
والألم.. الخ. وهناك في الكتاب المقدس طريقان للخلاص: الخلاص في المفهوم اليهودي،
والخلاص في المفهوم المسيحي. وهما ليسا طريقان مختلفان، بل إن ما أشار له العهد
القديم كان رمزاً لما فهمناه في العهد الجديد. ولكن حين أتى المرموز إليه بَطُلَ
الرمز.
الخلاص
في المفهوم اليهودي:
خلق
الله الإنسان وله ضمير. والضمير هو وصايا الله مطبوعة على القلب. فكان الضمير
الإنساني هو الذي يحكم البشر. وهذا ما أسماه بولس الرسول ناموس الطبيعة أو الناموس
الطبيعي (رو14:2، 15). ومع السقوط تشوه الضمير بل تبلد. وزادت التعديات وتحولت
قلوب البشر إلى أحجار، وما عادت وصايا الله ظاهرة فيها. لذلك تدخل الله وأعطى
الناموس لموسى حتى يكبح جماح البشر، وأعطى الله الناموس لموسى مكتوباً على ألواح
من حجر لتتناسب مع حالة قلوب البشر. كان الناموس معيناً للإنسان إذ تحجر قلبه
"أعطيتني الناموس عوناً" القداس الغريغوري. وحدد الله للإنسان فرائض إذا
إلتزم بها الإنسان يحيا (لا4:18، 5). "افعل هذه فتحيا" وهذه الفرائض
تشمل الختان وحفظ بعض الأيام. فالسبت مقدس وأيام أوائل الشهور مقدسة، وكل خطية
يقدم عنها ذبيحة . ولكن كانت هناك عقوبات توقع على المخطئ وتصل لرجم المخطئ.
وكانت
المشكلات الناجمة عن هذا الناموس هي كالآتي:
1. لم
يستطع أحد مهما كان باراً أن يلتزم بهذا الناموس ويحفظ وصاياه كاملة، وقد اعترف
تلاميذ المسيح ورسله بهذا (أع10:15).
2. الذبائح
لم تحل مشكلة الضمير المُلوث. فالإنسان الخاضع للناموس إذا أخطأ يقدم الذبيحة
المطلوبة، وبها يتطهر من الخارج أي يظهر أمام الناس أنه بار إذ قدم الذبيحة فغفرت
خطيته، ولكن ضميره داخلياً يظل يئن لأنه يشعر في قرارة نفسه أنه يشتهي الخطية
ولكنه خائف من نتائجها، أي عقوبات الناموس، وبهذا يحيا الإنسان في ظل الناموس في
كبت داخلي. لذلك قال الرسول هنا أن الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح (غل24:3) أي هو
لكبح جماح الناس بصورة مؤقتة إلى أن يأتي المسيح (وقارن مع عب22:10+ 14:9).
3. كانت
هناك مشكلة ظهرت في تطبيق الناموس، وهي أن من إلتزم بوصايا الناموس إعتبر نفسه
باراً، ودخله البر الذاتي أي شعر أن بره الذاتي هو الذي يخلِّصه، وهذا قاده
للكبرياء. ولاحظ أن بولس وهو في ظل الناموس يقول عن نفسه إنه بلا لوم (في6:3). وفي
ظل الإنجيل يقول إنه أول الخطاة (1تي15:1).
وبالرغم
من عيوب الناموس فإنه جعل اليهود أبر ممن حولهم بمراحل، وتفوقوا في القداسة عن
الأمم الوثنية التي بلا ناموس، وأفرز الناموس قديسين عظماء وأنبياء أبرار.
ولكن
المثالية كانت في المسيحية وكان الناموس ظلاً للخيرات العتيدة (عب9:9، 11+ 1:10)
فالذبائح كانت تشير لذبيحة الصليب، والذبيحة المقدمة يومياً على مذابح الكنائس،
والختان يشير للمعمودية، والسبت يشير للراحة التي حصلنا عليها بفداء المسيح، هنا
على الأرض بصورة جزئية وهي السلام الذي يملأ القلب، والراحة الحقيقية في السماء
حيث يمسح الله كل دمعة من العيون. لقد كان العهد القديم وسيلة لشرح وإيضاح أفكار
الخلاص. كان البار في العهد القديم يحصل على البركة التي كانت خيرات مادية مثل
ميراث الأرض والعمر الطويل ، وكان هذا رمزاً لميراث السماء والحياة الأبدية.
الخلاص بالإيمان
*إقتبس
القديس بولس الرسول آية من سفر حبقوق النبى يقول فيها "هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ
غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ. وَٱلْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا" (حب4:2).
وكان قصد حبقوق النبى من الآية أن الله سيرسل ملك بابل (المتكبر والقاسى = الغَيْرُ
مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ) ليؤدب شعب يهوذا بسبب وثنيتهم وشرورهم. ونجد أن
الله يُطَمْئِنْ الأبرار بأنه لن ينالهم أذى. وأنه هو سيحميهم من بطش ملك بابل
فيقول "وَٱلْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا". وإستعمل الرسول هذه
الآية 3 مرات، لأن الخلاص والحياة سيكونان بالإيمان بالمسيح: الأولى "لِأَنْ
فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ ٱللهِ بِإِيمَانٍ، لِإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا
ٱلْبَارُّ فَبِٱلْإِيمَانِ يَحْيَا" (رو17:1). والثانية "وَلَكِنْ
أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِٱلنَّامُوسِ عِنْدَ ٱللهِ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ «ٱلْبَارَّ
بِٱلْإِيمَانِ يَحْيَا" (غل11:3). والثالثة "أَمَّا ٱلْبَارُّ
فَبِٱلْإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ٱرْتَدَّ لَا تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي"
(عب38:10).
*وهذا
ما عَلَّمَ به السيد المسيح نفسه، أن الإيمان به يُحيى: "قَالَ لَهَا
يَسُوعُ: أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ
فَسَيَحْيَا. وَكُلُّ مَنْ
كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى ٱلْأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا"
(يو26،25:11). وأيضاً "مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ
خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مر16:16). فالإيمان بالمسيح شرط
للخلاص والحياة، ولكن ليس الإيمان وحده هو شرط الخلاص والحياة. فالرب يقول "مَنْ
آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ". *إذاً هناك شرط آخر هو المعمودية. ونضيف
شرطاً آخر للخلاص قاله رب المجد "كَلَّا! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ
تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو5،3:13). إذاً نرى أن
الإيمان أولاً ثم المعمودية *وثالثاً الإلتزام بحياة التوبة والتقوى. ونفهم من قول
القديس يوحنا الرسول "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ
ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ. مَنْ لَا يُحِبَّ
أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ" (1يو14:3). هنا يضيف القديس يوحنا *شرطاً آخر
هو المحبة. فبدون محبة فنحن أموات.
*ولكن
يقول الرب لنا "لِأَنَّكُمْ بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا
شَيْئًا" (يو15:3). إذاً الله يُعطى وعداً بأن يُعطينا معونة. وكانت المعونة
عن طريق إرسال الروح القدس الذى يُعين ضعفاتنا "وَكَذَلِكَ ٱلرُّوحُ أَيْضًا
يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا" (رو26:8). ويتم هذا بأن *الروح القدس يمنحنا قوة عظيمة
نسميها النعمة. لأننا نحن محاربون من الشيطان حتى لا نحيا في السماويات،
التي أتى لنا بها الرب يسوع "طَأْطَأَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ
تَحْتَ رِجْلَيْهِ" (مز9:18). وقوله طأطأ (to
bow down)
يعنى أتى لنا بالسماء على الأرض. أعطانا إمكانية أن نحيا السماويات ونحن ما زلنا
على الأرض. ولكن الشيطان لا يحتمل هذا، أن يرانا أن نحيا السماويات. لذلك يحاول أن
يجذبنا من السماويات بإغراءات الملذات الحسية، سلاحه في الحرب ضدنا "فَإِنَّ
مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ
ٱلسَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ ٱلْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ
أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ" (أف12:6). ولكن
القوة التي يمنحنا الله إياها أعظم من أسلحة الشيطان "وَلَكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً
أَعْظَمَ. لِذَلِكَ يَقُولُ: يُقَاوِمُ ٱللهُ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا
ٱلْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً" (يع6:4). لذلك نجد المؤمن تحت
تأثير قوتين: 1) الشيطان يحاربنا حتى لا نتذوق حلاوة السماويات. 2) والروح
القدس يعطينا النعمة، وهى القوة التي تعيننا وهى أعظم. والمؤمن حر في إختيار
أيهما: معونة الروح القدس، وتذوق لذة الحياة السماوية، أم الإستمتاع والجرى وراء
الملذات الحسية. وهنا نقف أمام آيتين من على فم رب المجد :- 1)
"أتريد أن تبرأ" (يو6:5). 2) "من يغلب" (رؤ3،2).
إذاً
القرار هو قرار المؤمن.
ونحن
نحصل على سكنى الروح القدس في سر الميرون. وأيضاً نحن في إحتياج لبقية الأسرار
السبعة للخلاص والحياة. فنجد أن رب المجد يقول عن سر الإفخارستيا "فَقَالَ
لَهُمْ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ
ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ"
(يو53:6). إذاً هناك شروط للخلاص. ولكن المدخل هو الإيمان.
وفى
الرسم المقبل نجد خطواتنا من بداية الإيمان بالمسيح حتى وصولنا للمجد السماوى.
تعريفات
التبرير:
– أولاً أن يتبرأ المؤمن من خطاياه بدم
المسيح. وثانياً أن يثبت في المسيح وتسكن فيه حياة المسيح. وبحياة المسيح التي فيه
يعمل أعمال بر "لِأَنَّهُ جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً
لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ" (2كو21:5). حياة المسيح
التي فيه تستخدم أعضاءه كألات بر.
التقديس:
– أن يتخصص المؤمن بكل طاقاته لله. فكلمة
تقديس تعنى تكريس وتخصيص. وعلى قدر ما تتكرس كل طاقاته لله بقدر ما تزداد قداسته.
لا يصلح مع الله مقولة "ساعة لقلبك وساعة لربك" بل الله يطلب القلب كله
فيقول "يا إبنى إعطنى قلبك" (أم26:23). ويقول "ولا تعرجوا بين
الفرقتين" (1مل21:18).
التمجيد:
– المجد هي كلمة خاصة بالله وحده، كما قال
الكتاب "وَأَنَا، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَكُونُ لَهَا سُورَ نَارٍ مِنْ
حَوْلِهَا، وَأَكُونُ مَجْدًا فِي وَسَطِهَا" (زك5:2) فنفهم أن المجد هو الله
نفسه. ويريد الله أن نحيا معه في المجد. لذلك يقول الرب يسوع "وٱلْآنَ
مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْآبُ" (يو5:17). هنا المسيح يطلب المجد لجسده.
ولماذا يطلب المجد لجسده؟ كان هذا لحسابنا أي ليكون لنا
هذا المجد، ألسنا نحن جسده "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ ٱلْمَجْدَ
ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو22:17) + "أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ
هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا،
لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو24:17). ولكن المجد الذى نحن
فيه الآن غير مستعلن، وسيستعلن في الأبدية (رو18:8).
![]() |
طريق التبرير والتقديس والتمجيد:
هنا ننتقل لمرحلة العيان ونرى الله وجهاً لوجه
القيامة والحصول علي الجسد الممجد (1كو43:15)
هذاهوالمجد العتيد ان يستعلن فينا (رو18:8).
الموت بالجسد (رو24:7).
من يسكن الله فيه فهذا هو المجد (زك5:2) ولكن مالنا من المجد
الآن فهو مخفي غير ظاهر.
من يتقدس يصير مسكناً للثالوث (يو23:14)+(1كو16:3).
التقديس هو أن نتخصص ونتكرس لله وتصير أعضائنا تعمل لحساب مجد
إسمه.
كلما نسير في طريق التبرير تموت
أعضائنا عن الخطية فلا تكون آلات إثم بل تتخصص لله وتكون آلات بر (رو13:6).
التبرير طريق
التقديس
بهذا يتحقق "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ"(غل20:2)
الروح يأخذ
من بر المسيح وحياته ويعطي للمؤمن (2كو21:5)
الروح
يبكت علي بر (يو8:16) أي يقنع المؤمن بأن يعمل أعمال بر إيجابية.
عمل الروح القدس (النعمة) يعطي للمؤمن قوة ليصلب شهواته
فيُصلَبْ مع المسيح.
الروح القدس يقنع المسيحي بفساد طريق الخطية (أر7:20).
الروح
القدس يبكتنا علي كل خطية نرتكبها (يو8:16) ثم سر الإعتراف.
بالمعمودية
نصير أولاداً لله ثم بالميرون يحل علينا الروح القدس.
بالمعمودية
غفران الخطايا وبهذا يتبرأ الإنسان من خطيته (رو7:6). إذ دفع المسيح الثمن.
الخطوة الثانية
هي المعمودية وهي موت وقيامة مع المسيح (رو3:6-8).
المدخل
للتبرير هو الإيمان "وإذ قد تبررنا بالإيمان" (رو1:5).
التبرير
والتقديس والتمجيد يسيروا معا وليس كالرسم، ولكن هذا الرسم هو للشرح فقط.
ملخص
فكرة الخلاص في المسيحية :
1. نفهم
من كلام بولس الرسول أن كل البشر سواء كانوا يهوداً أم أمم قد زاغوا وفسدوا
(رو12:3). فالأمم عبدوا أوثانهم، واليهود معظمهم لم يلتزم بالناموس ومن التزم به
دخله البر الذاتي والكبرياء (يو34:9+ يو48:8، 33).
2. فسدت
كل الخليقة واستحقت الموت، ولذلك احتاجت مخلص من السماء يموت بدلاً عنها، ويجددها
فتصير خليقة جديدة بها نخلص.
3. في
المسيح نصير خليقة جديدة (2كو17:5). نحن لنا خلقتين كما يقول القديس بولس الرسول
"لِأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ
لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ" (أف10:2). الخلقة الأولى هي آدم ونحن أولاده. والخلقة
الثانية كانت في المسيح بالمعمودية (نقطة4). والخلقة
الأولى "آدم" إشترك فيها الثالوث القدوس (راجع تفسير تك26:1 ، 7:2).
ولذلك كان ظهور الثالوث يوم معمودية المسيح فبالمعمودية نولد ولادة جديدة ونُخلق
خليقة جديدة في المسيح (2ك17:5).
4. ولكن
كيف يتجدد الإنسان، يكون هذا بموت الإنسان العتيق وقيامة إنسان جديد مكانه. ورسم
السيد المسيح سر المعمودية ليحدث فيه هذا، إذ في المعمودية نُدفن ونموت مع المسيح (هذا ما يعمله الروح القدس في سر المعمودية)، ثم نقوم في
حياة جديدة (رو3:6-6) ولكن الإيمان قطعاً يجب أن يسبق المعمودية، فمن آمن وإعتمد
خلص (مر16:16)، وهذه الولادة الجديدة في المعمودية تتم بعمل الروح القدس في الماء
(يو5:3).
5. بعد
المعمودية نحصل على الروح القدس في سر الميرون ليسكن فينا (1كو16:3)، ونحن لا
نستحق حلول الروح القدس فينا، ولكن هذا يحدث لأننا نقوم في المعمودية متحدين
بالمسيح ابن الله.
6. عمل
الروح القدس في الإنسان إنه يظل يُجدِّد فيه حتى يصل إلى صورة المسيح (كو9:3، 10+
غل19:4). وذلك بأن يبكت المؤمن إن أخطأ ويقنعه بفساد طريق الخطية (إر7:20+ يو8:16)
(كلمة يبكت يمكن ترجمتها أيضاً يقنع ويوبخ). وحينما يقتنع الإنسان يعطيه الروح
القدس قوة جبارة تعينه، فهو "يعين ضعفاتنا" (رو26:8+ رو13:8). هذه القوة
تعين المؤمن على ترك طريق الخطية، بل وأن يكون كما لو كان مصلوباً ميتاً أمام
الخطية، أو أن تكون الخطية مائتة داخله (رو3:8). هذا إن كان المؤمن يصلب جسده أى
شهواته الخاطئة بإرادته ، ويحيا مجاهداً أن يحسب نفسه ميتاً عن الخطية إذ يقتنع
بتبكيت الروح له (رو11:6+ كو5:3+ غل20:2).
7. ثم
يبدأ الروح القدس يبكت الإنسان على بر أي يبكته على إنه لا يعمل أعمالاً إيجابية،
أي أعمال بر، وحينما يقتنع ويجاهد ويبدأ في العمل يعطيه الروح القدس أن يثبت في
المسيح فتكون له حياة المسيح (في23:1) ويكون له بر المسيح (غل20:2+ 2كو21:5). بل
أن الروح القدس ينقل لنا فكر المسيح (1كو16:2+ في5:2).
8. عمل
الروح القدس في المؤمن هو عمل جبار ويسميه الكتاب (النعمة) والنعمة هي عطية
مجانية. ولكن علينا أن نفهم أن كل عطايا الله لنا هي نعمة ، وتعني أنها تُعطَى لنا
ونحن لا نستحقها. وتنقسم هذه العطايا أي النعمة إلى:
1) عطايا
عامة حصل عليها الكل، كل من يؤمن. مثل فداء المسيح وحلول الروح القدس علينا. هذه
أعطيت لنا لا لبر عملناه، بل مات المسيح عنا ونحن بعد خطاة (رو8:5).
2) القوة
التي تعمل في المؤمن فتغير طبيعته، وتسمى أيضاً نعمة، ولكن هذه لا تُعطَى للمتراخي
والكسول، بل تعطىَ لمن يجاهد. والجهاد نوعان:
أ-
سلبـي: أن نقف أمام
الخطية كأموات.
ب-
إيجابي : صلاة وصوم
وتسابيح وخدمة.
ومن
يجاهد تنسكب عليه النعمة التي تغير طبيعته، ولا نعمة بدون جهاد (راجع كتاب تفسير
رومية). ولنأخذ هنا مثالاً واحداً. فبولس الرسول يقول إمتلئوا بالروح. والامتلاء
بالروح قطعاً هو نعمة أي عطية مجانية فما هو العمل الذي نستحق عليه أن نمتلئ
بالروح؟!. ولكن لا نُعطَي الروح القدس أو الإمتلاء بالروح ما لم نجاهد. وهذا يظهر
في تعليم السيد المسيح أولاً. إن الروح القدس يُعطَي للذين يسألونه (لو13:11).
وبولس نفسه حين قال إمتلئوا بالروح رسم لنا طريق الجهاد المطلوب للإمتلاء
(أف18:5-20). وبهذا نفهم أنه لنحصل على الإمتلاء بالروح يلزمنا أن نجتهد بلجاجة
بصلوات وتسابيح وشكر دائم.. إلخ.
عمل النعمة:
![]() |
* إنسان
ما قبل المسيح وما قبل الناموس
+
الضمير هو الناموس الطبيعي
نجد
هنا أن ناموس الخطية له قوة ضاغطة على الإنسان.
والضمير
يقاوم الخطأ ولكن ناموس الخطية له سطوة.
* الإنسان
في عهد ناموس موسى
+ صار الناموس بما له من قوة تأديب وعقاب مساعداً للناموس الطبيعي ضد ناموس
الخطية. لذلك قال بولس الرسول أن الناموس مؤدبنا إلى المسيح (رو24:3)
"أعطيتني الناموس عوناً"
* المؤمن المسيحي
* المؤمن المسيحي= هذا يتمتع
بمعونة النعمة.
9. الخلاص
يتم لمن صارت له الطبيعة الجديدة (غل15:6). وهذه الطبيعة الجديدة أو الخليقة
الجديدة (2كو17:5) تعملها فينا النعمة. لذلك يقول بولس الرسول "بالنعمة أنتم
مخلصون" (أف5:2). عمل النعمة هنا يُغيِّرني لأصير على شكل المسيح (غل19:4+
كو9:3). ويجعل الخطية بلا سلطان عليَّ (رو14:6). ويجعل الداخل (الضمير) يتطهر
(عب14:9+ 22:10). وإذا كانت النعمة هي القوة المغيِّرة لطبيعتي، وبهذا أخلص. إذاً
علىَّ أن لا أفتخر بأي عمل أعمله. بل أنسب كل ما هو صالح فيَّ لله (يع17:1+
1كو7:4+ أف8:2، 9). أما من يفتخر بأعماله فيكون مثل اليهودي المتكبر الذي دخل فيه
البر الذاتي فصار يتفاخر بأعماله. المؤمن المسيحي يجاهد ويعمل ولكنه يثق أن الذي
يعمل فيه هو الله، هو الذي تجسد ومات وقام وأرسل الروح القدس ليُغيِّر طبيعته التي
بها يخلص، فإذا افتخر فهو يفتخر بما فعله المسيح لأجله، هو عليه أن يغرس ويسقى ولكن
الله هو الذي ينمي (1كو7:3). وقطعاً من لا يغرس أو يسقى (لا يجاهد) لن يجد ثماراً،
أي لن يخلص (غل7:6، 8).
10.
إذاً الخلاص عند اليهود هو مجموعة من
الوصايا، من يفعلها يحيا بها. وهذه لم يستطع أحد أن يفعلها بالكامل. وبهذا صار
الناموس يحكم بالموت على الكل. أما الخلاص في المسيحية، فإن المسيح يعطيني حياته
أحيا بها، والروح القدس يغرس فيَّ طبيعة جديدة. بل صرنا مسكناً للثالوث. كلما
نجاهد تعمل فينا النعمة لتغيِّر طبيعتنا ونقترب من الصورة السمائية، فنفرح هنا على
الأرض وتكون لنا حياة أبدية في السماء. والنعمة تعطينا قوة بها لا تسود الخطية
علينا، وإن أخطأنا فباب التوبة والاعتراف مفتوح أمامنا، ودم يسوع المسيح يطهرنا من
كل خطية (1يو7:1-10).
11.
عقيدة الخلاص المجاني هذه، وإن الله
بنعمته يريد أن يخلص كل إنسان، تدفع كل خاطئ يائس إلى أن يقبل إلى الله بإيمان
طالباً أن يخلصه.
12.
أكبر دليل على عمل النعمة هو تحول بولس
الرسول من مضطهد للمسيحية إلى كارز بها.
عمل
الروح القدس في تجديد طبيعة الإنسان:
v خلق الله الإنسان على صورته، والله محبة، لذلك
كان آدم يحب الله. أي كانت شهواته مقدسة (أي مخصصة لله أي يحب الله من كل القلب).
وكما كانت لذة الله في بني آدم (أم31:8) كانت بالتأكيد لذة آدم في الله …. ألم
يكن على صورته.
v المحبة تترجم إلى فرح (إسأل نفسك.. إذا
تقابلت مع شخص تحبه جداً، ألن يمتلئ قلبك فرحاً) ولهذا نسمع أن آدم كان يعيش في
جنة عَدْنْ، وعَدْنْ كلمة عبرية تعني فرح وإبتهاج. فالمحبة تحولت إلى فرح، لأن آدم
كان يحب الله فهو مخلوق على صورة الله، والله محبة.
v هذه المحبة في قلب آدم كانت تعني شيئاً
آخر، فهو في محبته كان يطيع وصايا الله، فمن يحب يطيع وصايا من يحبه (يو21:14).
v سقط آدم وحواء. ونتيجة السقوط إختفت محبة
الله من قلبيهما والدليل "فَٱخْتَبَأَ آدَمُ وَٱمْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ
ٱلرَّبِّ ٱلْإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ" (تك8:3)، فهل يختبأ أحد من
حبيبه؟! لكن كانت محبة الله قد إختفت من القلب، ودخل الخوف من الله إلى قلبيهما.
وعكس ذلك يقول القديس يوحنا الرسول "لَا خَوْفَ فِي ٱلْمَحَبَّةِ، بَلِ ٱلْمَحَبَّةُ
ٱلْكَامِلَةُ تَطْرَحُ ٱلْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لِأَنَّ ٱلْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ.
وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ" (1يو18:4). ونتيجة
طبيعية لإختفاء المحبة هو إختفاء الفرح، وتم التعبير عن إختفاء الفرح بأن الله طرد
آدم من الجنة. فالجنة إسمها جنة عَدْنْ، وعَدْنْ كلمة عبرية تعنى فرح وبهجة. فنفهم
أن الطرد من الجنة معناه إختفاء الفرح. وهذا معنى "فَأَخْرَجَهُ ٱلرَّبُّ
ٱلْإِلَهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ ٱلْأَرْضَ ٱلَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. فَطَرَدَ
ٱلْإِنْسَانَ" (تك24،23:3).
v هنا تدخل الشيطان وخدع آدم وحواء ثانية
"هل ما عدتم تفرحون؟ ها أنا أريكم أن هناك طريق آخر للفرح وهو الملذات
الحسية، وفتح الشيطان أعينهما على شهوات الأجساد، وهذا معنى أنهما علما أنهما
عريانان "فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا
أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ.
فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لِأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ" (تك7،6:3). لقد
دخل تعبير جديد لحياتهما ألا وهو الشهوة. فخجلا من بعضهما وخاطا أوراق تين
ليستترا.
v بل لقد فتح الشيطان أعينهما وأعين بنى آدم
على العالم بكل ملذاته الحسية، فصار العالم بدلاً من أن يكون وسيلة للحياة، صار
هدفاً يسعى الإنسان إليه ويشتهيه. مثال: كانت العلاقة الجسدية بين الرجل
والمرأة وسيلة للتناسل، فصارت شهوة. بل صارت تجارة مربحة. ولذلك قال رب المجد عن
الشيطان أنه "رئيس هذا العالم" فهو قادر أن يُغرى البشر ويغويهم بكل
ملذات العالم الحسية. وهذا ما قاله الشيطان للسيد المسيح "ثُمَّ أَخَذَهُ
أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ
ٱلْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ
هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي"
(مت9:4). الشيطان قادر أن يُعطى كل ملذات العالم. ولكن الثمن العبودية له "إِنْ
خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي".
v سقط آدم وتحول الحب في داخله للعالم، صار
يحب العالم ويشتهيه، يشتهي ملذاته وأمواله.. واستُعبد لهذه الملذات، وتحول حب الله
إلى حب للعالم، لهذا عاش آدم وعاش أولاده في غم وهم وألم وقلق. وتحجر القلب،
وإزدادت الخطية والتعدي، فما عاد القلب مملوءاً من حب الله. لقد صارت القلوب
حجرية، ومات الضمير. ثم كان الناموس عوناً.
v وكان تجديد الخليقة بالفداء، ثم بحلول
الروح القدس الذي كان من أول ثماره المحبة (غل22:5). والروح القدس يسكب محبة الله
في قلوبنا (رو5:5). وحينما عادت محبة الله لقلوبنا، عادت المحبة المتبادلة مع
الله. وبهذا عدنا للحالة الأولى قبل السقوط. والنتيجة الطبيعية للقلب المملوء محبة
لله هي أنه يعيش في فرح. (إستعاد الإنسان الحالة الفردوسية الأولى). لذلك نسمع أن
ثاني ثمار الروح القدس: فرح (غل22:5).
v والروح القدس يفتح أعيننا على المسيح
فنعرفه بالحقيقة "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي
وَيُخْبِرُكُمْ" (يو14:16). وحينما نعرفه ستختفي الشهوة الدخيلة علينا "وَتَعْرِفُونَ
ٱلْحَقَّ، وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو32:8)، إذ سنجد في محبته وإمكانياته
شبعنا فنقول مع عروس النشيد "أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي" (نش3:6).
ونقول مع آساف المرنم "مَنْ لِي فِي ٱلسَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لَا أُرِيدُ
شَيْئًا فِي ٱلْأَرْضِ" (مز25:73). يصير المسيح وحده كفايتنا. تطبيقات
عملية: – ألا يعيش الرهبان والراهبات في فرح وشبع بدون أي علاقات جسدية مع
الجنس الآخر. وألم يشعر القديس أغسطينوس بالإكتفاء بشخص المسيح فقال "جلست
فوق قمة العالم عندما صرت لا أشتهى شيء".
v والقلب المملوء محبة لله سيطيع وصايا الله
(يو21:14). فالقلب المملوء محبة، قلب زالت منه صفة الحجر، وصار قلب لحم. وكان هذا
هو وعد الله أن يحول قلوبنا من قلوب حجرية إلى قلوب لحمية (حز19:11) وكان هذا هو
معنى الوعد أن "الله يكتب وصاياه على قلوبهم" (إر33:31) وهذا يعنى أننا
أصبحنا قادرين أن نطيع وصايا الله لأننا أصبحنا نحب الله.
v وبهذا المفهوم نسمع أن الله يطلب من شعبه
في كل زمان ومكان أن يحبوه من كل القلب والنفس والقوة (تث5:6) لا لأن الله محتاج
لهذا الحب منا. ولكن: – أ) لأن الله يعرف أن حبه هو الطريق الوحيد للفرح الكامل.
أما أي محبة أخرى تذل وتستعبد صاحبها. إن أي محبة لشهوات العالم تعطي لذة مؤقتة
يعقبها مذلة وحزن. ب) من يحب الله سيحفظ وصاياه (يو23،21:14). ومن يحفظ وصايا
الله يخلص.
v إذاً الروح القدس يكبت فينا محبة العالم
وشهوته، ويحول هذه المحبة لتكون محبة لله، فنستعيد الحالة الفردوسية الأولى ونتذوق
الفرح الذى هو نتيجة لوجود المحبة في القلب. ونصير خليقة جديدة. وما عجز الناموس عن
أن يتممه بأوامره، عمله الروح القدس في المؤمن (رو3:8).
نرى في هذه الرسالة عمل الثالوث:
الآب: هو أبانا الذي
يحبنا كأبناء (4:1).
الابن: هو
محررنا بدمه من الخطية والعبودية ومن لعنة الناموس، وبالنعمة نصير على صورة المسيح
(4:1+ 13:3+ 19:4)
الروح
القدس:
هو روح التبني يعمل فينا ليحضرنا للآب في المسيح كأبناء له، أحرار. أرسله الله
ليعمل فينا (6:4+ 5:3)، ونناله بالإيمان (2:3)، ويسكن في قلوبنا (6:4)، ويبدأ
العمل ويكمله (3:3)، وهو واهب الثمر (22:5-24). والروح القدس يشهد في قلوبنا أننا
أولاد الله، بل يطلب منا أن ننادى الله قائلين "يا آبا الآب" أي يا بابا
الآب (6:4).
تعبير ملء الزمان
وعد
الله حواء أن نسل المرأة يسحق رأس الحية، فظنت أن النسل الموعود به هو إبنها
قايين. ولكن كان هناك زمانا يراه الله مناسبا ليأتى المسيح الذى سيسحق رأس الحية.
وعلى قدر فهمنا المحدود فهمنا بعض الظروف التى كان يجب أن تتوافر ليولد المسيح
المخلص، ويتم الخلاص ومنها:-
1. كان
لا بد أن يفهم البشر ماذا تعنى الخطية وأثارها من موت ومرض وعبودية. ورأينا كل هذا
فيما عانى منه الإنسان (راجع مقدمة سفر التكوين).
2. كان
لا بد أن نرى عقوبات الخطية لنفهم معنى غضب الله بسببها (طوفان..).
3. كان
لا بد أن ندرك مفهوم اللعنة، وكان ذلك عن طريق وصية أن من يُصلب ملعون. لنفهم معنى
أن المسيح رفع اللعنة عنا (راجع مقالة "الصليب لعنة تتحول إلى بركة" في
نهاية الإصحاح الثالث من رسالة غلاطية).
4. كان
لابد لله أن يشرح فكرة الخلاص الذى سيتم حتى يفهم البشر عمل المسيح. فرأينا فى فلك
نوح معنى خروج حياة من الموت، ثم وضحت الفكرة فى قصة تقديم إبراهيم إسحق إبنه
ذبيحة ورجوعه حيا.
5. كان
لا بد أن يطبع الله فى ذهن البشر أنه بدون سفك دم لا تحدث مغفرة. وكان هذا عن طريق
الذبائح الدموية فى خيمة الإجتماع ثم الهيكل. وكان أن 1500سنة من أيام موسىى وحتى
أيام المسيح لم توجد وسيلة لغفران الخطية سوى بالدم، فقال القديس بولس الرسول
"وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ بِٱلدَّمِ،
وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب22:9). وبدون هذا ما كنا
سنفهم معنى أن المسيح يسفك دمه لننال نحن غفران الخطايا.
6.
كان الكهنوت يقدم ذبائح لغفران الخطايا.
ولكن أيضاً كان للكهنوت شفاعة "فَأَخَذَ هَارُونُ كَمَا قَالَ مُوسَى،
وَرَكَضَ إِلَى وَسَطِ ٱلْجَمَاعَةِ، وَإِذَا ٱلْوَبَأُ قَدِ ٱبْتَدَأَ فِي
ٱلشَّعْبِ. فَوَضَعَ ٱلْبَخُورَ وَكَفَّرَ عَنِ ٱلشَّعْبِ. وَوَقَفَ بَيْنَ
ٱلْمَوْتَى وَٱلْأَحْيَاءِ فَٱمْتَنَعَ ٱلْوَبَأُ" (عد48،47:16). وهذا
شرح معنى شفاعة المسيح، فالمسيح كان رئيس
كهنتنا الذى قدَّمَ ذبيحة نفسه.
7. ما
كان ممكناً أن نفهم معنى الصليب بدون دراسة معنى الذبائح الدموية:- أ) الفصح. ب)
المحرقة. ج) تقدمة الدقيق. د) الخطية. ه) الإثم. و) السلامة. ز) البقرة
الحمراء. ح) ذبيحة يوم الكفارة. كل ذبيحة من هذه الذبائح تشير لجانب من جوانب
ذبيحة المسيح على الصليب. فهذه الذبائح الدموية كلها كانت رمزاً للصليب. ومن هذه
الذبائح فهمنا ماذا قدَّم لنا المسيح بصليبه.
8. كانت
النبوات والرموز التى تشير للمسيح لنفهم أن خطة الخلاص أزلية .
9. كان
لابد من وجود الشخصيات التى سيتم عن طريقها الفداء، وكيف تتواجد كل هذه الشخصيات فى
وقت الصليب *قيافا رئيس الكهنة الشرير / *يهوذا التلميذ الخائن / *شعب يهودى وصل
لدرجة العمى بسبب بره الذاتى ليوافق على صلب المسيح / *تلاميذ قديسين يستلمون
التعليم ليكرزوا به للعالم / *والى رومانى وحكم رومانى يحكم بالصلب. فالرومان
كانوا يحكمون اليهودية في ذاك الزمان، وكان الرومان يحكمون بالصلب على غير
الرومان.
وكان المسيح يريد أن يموت مصلوباً.
10.
عذراء قديسة طاهرة يأتى منها المسيح،
متواضعة حتى لا تنتفخ مما ستحصل عليه من حمل وولادة لرب المجد، يوجد فى داخلها نار
اللاهوت ولا تحرقها نيرانه ولا تحرقها نيران الإنتفاخ كما لم تحرق النيران
العليقة.
11.
إعداد العالم لإنتشار الإنجيل. وكان ذلك
بإعطاء معونة للإسكندر الأكبر فيستعمر كل العالم المعروف، وينشر اللغة اليونانية
فى العالم كله، ويترجم العهد القديم للغة اليونانية قبل الميلاد بحوالى 180 سنة .
ويأتى الإنجيليين ليكتبوا العهد الجديد باللغة اليونانية . وتظل اللغة اليونانية
هى لغة العالم كله حوالى 14 قرنا (من سنة 300 ق.م إلى القرن الحادى عشر) .
12.
تأتى الدولة الرومانية لتجعل العالم كله
دولة واحدة وطرقها مؤمَّنة فتسهل حركة الرسل.
|
رسالة |
آية (1):- "1بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ
النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي
أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ،"
من
أول آية يؤكد القديس بولس الرسول أن إرساليته هي من الله حتى يثبت صدق تعاليمه عن
الخلاص بالإيمان بدون أعمال الناموس. وبولس يؤكد على صدق إرساليته ليس عن إفتخار
بل لأنه لو ثبت أن الله أرسله وهو يتكلم به وفيه ، فكلامه سيكون صدق وبذلك يثبت كذب
تعاليم الإخوة الكذبة.
لاَ مِنَ النَّاسِ: يقصد
بالناس، البشرية كلها، فهو لم يُدعَى بفكر إنسان، فلو إن رسالته من
الناس لكانت تحتمل الخطأ. لكن دعوته سمائية، إذاً هى
لا تحتمل الخطأ.
وَلاَ بِإِنْسَانٍ: لم
يكن هناك وسيط فى دعوته، ولا حتى أرسله الإثنى عشر لأن الإثنى عشر ظلوا
على عوايدهم وكانوا يصلون فى الهيكل (أع46:2، 1:3). بل
نرى أن بولس يقول إن المسيح يحيا فيه، وبه يحيا ويكرز ويتكلم
(غل20:2
+ 2كو20:5) بل
أنه لم يعد له فكر شخصى (1كو16:2)
فالمسيح الذى فيه يلقنه ما يقول وما يفعل وما يعلم به. بولس فهم أن المسيحية هى أن
يموت عن العالم فيحيا المسيح فيه. ومع كل هذا نرى دور الكنيسة فى إرسالية شاول،
فهو اعتمد
على يد حنانيا وعلَّمَه حنانيا الأوليات (أع6:9،
18،7) ثم
وضعوا عليه اليد ثانية لينال نعمة الكهنوت والرسولية (أع2:13،
3). فمع
أن الله هو الذى أفرزه وعلَّمَه، فلقد احتاج بولس
للكهنوت الذى فى الكنيسة، فالله هو الذى وضع نظام الكهنوت فى الكنيسة، ولذلك هو لا
يخالفه.
بَلْ بِيَسُوعَ
الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ:
فى (أع2:13) نرى أن الذى قال إفرزوا لى شاول هو الروح القدس، وهنا نرى أن الذى
دعاه الابن والآب. وبولس أيضاً يشهد أن المسيح الذى أرسله هو الذى رآه فى طريقه
إلى دمشق قائماً من بين الأموات، لذلك يقول بُولُسُ،
رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ،
فهو مدعو من يسوع المسيح. ولاحظ أنه ذكر الابن قبل الآب. وفى (غل3:1) نجده يضع
الآب قبل الابن، وهكذا فى (مت19:28). والذى قابله فى الطريق إلى دمشق كان المسيح.
من كل هذا نرى وحدانية الثالوث والمساواة بين الأقانيم. ونلاحظ أنه لم يقل بيسوع
المسيح والله، فلو كان قد قال بيسوع المسيح والله، فهذا يعنى أن يسوع المسيح ليس
هو الله. ولكن نفهم من قوله بيسوع المسيح والله الآب الوحدة بين الآب والإبن.
فمشيئة الآب هى مشيئة الابن. ولماذا يذكر الرسول الآب؟ 1*لأن الآب أرسل الرسول
ليشهد للمسيح ويبشر به. 2*والله الآب دعا بولس الرسول بواسطة ابنه الذى ظهر له فى
الطريق. 3*فالله الآب يدعو خدامه لخدمة المسيح والتعرف عليه.
وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ =
ناسوت المسيح "فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللَّاهُوتِ جَسَدِيًّا"
(كو9:2). فقوله اللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ يعنى
أن اللاهوت المتحد بناسوت المسيح أقام جسد المسيح الذى كان ميتاً في
القبر. ومن الناحية اللاهوتية فالرب يسوع يقول "أَنَا وَٱلْآبُ وَاحِدٌ"
(يو30:10). ويقول أيضاً "لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ ٱلْآبَ فِيَّ
وَأَنَا فِيهِ" (يو38:10). لكن كان يمكن للرسول أن يقول إن لاهوت المسيح أقام
جسده، ففي
جسده "يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللَّاهُوتِ". ولكن أراد الرسول إعلان حقيقة
مهمة، وهى أن الآب يريد الحياة للإنسان. الرسول أراد إعلان إرادة الآب. وكان ذلك
عن طريق موت المسيح وقيامته. فالآب وروحه أرسلا الإبن
"يهوه" ليتمم الفداء ويحيا الإنسان (إش16:48). ويقول القديس بولس الرسول "وَمَا هِيَ
عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ ٱلْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ
شِدَّةِ قُوَّتِهِ ٱلَّذِي
عَمِلَهُ فِي ٱلْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ
يَمِينِهِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ" (أف20،19:1). ويعود ويقول نفس العبارة عنا
"وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ فِي
ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ" (أف6:2). ومن هذا نفهم أن القوة التي أقامت المسيح من
الموت هي نفسها التي تقيمنا من الموت.
الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ
الأَمْوَاتِ: هذه الكلمات تشير
لعمل المسيح معنا، فالمسيح حين مات متنا معه فى المعمودية فتبرأنا من الخطية،
وحينما قام قمنا معه فى قيامته فصرنا أولاداً لله الآب فى المسيح. بولس هنا يشهد
أن المسيح الذى أرسله هو الذى رآه فى طريقه إلى دمشق قائماً من بين الأموات. هو
يركز هنا على هذه القيامة التى صرنا بها أبناء لله الآب. هذا هو التبرير الذى ليس
من الناموس. ولأن هذه الرسالة هدفها إثبات التبرير بالنعمة وليس بأعمال الناموس،
هذه النعمة حصلنا عليها بالقيامة من الأموات، قيامة المسيح، وبالإيمان والمعمودية
صرنا نقوم مع المسيح. لذلك فمن أول آية فى الرسالة يشير للقيامة من الأموات التى
حصل بواسطتها التبرير. فالرسول يدخل فى الموضوع من الآية
الأولى .
ما علاقة القيامة بالتبرير؟
اليهودى كان يعتبر أنه لو إلتزم بالناموس فهو يتبرر. أما التبرير في المسيحية هو
على خطوتين: – 1) التبريء = "دَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ
يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو7:1). وهذا يعنى الحصول على البراءة
من خطايانا. 2) التبرير = وهذا يعنى أن نعمل البر "لِأَنَّهُ
جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ" (2كو21:5).
وهذا يعنى أن حياة المسيح فينا، والتي حصلنا عليها بالقيامة مع المسيح في
المعمودية، تستعمل أعضاء جسدنا لصنع البر، وهذا معنى قول الرسول "وَلَا
تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلَاتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا
ذَوَاتِكُمْ لِلهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلَاتِ بِرٍّ
لِلهِ" (رو13:6). فحقيقةً أن الذى يصنع البر فينا هو حياة المسيح التي حصلنا
عليها بالقيامة مع المسيح في المعمودية *"فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ
ٱلْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ" (رو8:6) + *"مَعَ
ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ"
(غل20:2) + *"لى الحياة هي المسيح" (فى21:1). وحياة المسيح هذه نحصل
عليها بالقيامة مع المسيح في المعمودية. والآلة يستعملها شخص، وحياة المسيح التي
فىَّ هي التي تستخدم أعضائى لصنع البر. وهذا معنى قول الرسول "لِنَصِيرَ
نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ". البر الذى نصنعه ليس راجعاً لنا بل لحياة المسيح
التي فينا إن كنا ثابتين في المسيح. وحياة المسيح هذه نحصل عليها بعد أن نموت مع
المسيح في المعمودية فنتبرأ من خطايانا إذ ماتت الخطايا التي فينا حينما متنا مع
المسيح. لذلك فالمعمودية هى موت مع المسيح وقيامة معه. نموت مع المسيح فتموت
خطايانا ونتبرأ منها، أي نصير أبرياء. ونقوم مع المسيح فتكون لنا حياته تستخدم
أعضاءنا كآلات بر.
آية (2):-
"2وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ
الَّذِينَ مَعِي، إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ:
"
بولس فى غضبه قال إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ: دون أن يصفهم
بالأحباء أو
بالقديسين كما تعود فى باقى رسائله، بل وبلا أى كلمة مديح. وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ: هو
ذكر جميع الإخوة هنا ليشير أن جميعهم متفقين معه فى الإيمان الذى يكرز به.
آية (3):-
"3نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ
مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،"
الرسول يعطيهم البركة الرسولية ويطلب لهم
ملء
النعمة كقوة صادرة من المسيح لكل من يؤمن، وهذه النعمة تحفظ المؤمن من الهرطقات.
ويطلب لهم السلام الذى يحفظهم من الإنزعاج والتشويش الذى
يثيره الإخوة الكذبة. وهم بإرتدادهم عن النعمة يفقدون السلام مع الله. فمن له
النعمة يكون له السلام. وسلام الإنسان مع الله علامة على رفع حالة الغضب الإلهى عن
الإنسان كمتعدٍ على الله. والنعمة هى عطية الله المجانية، ومن يريد أن يعود
للناموس يسقط من النعمة، وهذا لأن من يعود لطقوس الناموس ليتطهر فيخلص،
فكأنه يعتبر دم المسيح غير كافٍ (غل21:2
+4:5). مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ:
فالله الآب أكمل لنا نعمة الخلاص بالمسيح الابن.
الآب يريد لنا الخلاص، والابن يحوِّل هذه
الإرادة إلى عمل. فالابن والروح القدس هما أقنومى التنفيذ .
آية (4):- "4الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ
خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ
إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا،"
هنا بولس يُذَكِّر أهل غلاطية بأن
خطاياهم غُفرت
بالفداء وليس بالختان أو أعمال الناموس، وراجع ما قاله فى (غل21:2 + 4:5) فهو مكمل
لهذه الآية.
وهذه
الآية حين
تأتى بعد آية 3 نفهم من هذا أن موت المسيح ليغفر خطايانا كان
هو السبب فى حصولنا على النعمة والسلام.
لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ: هذا
نفس ما قاله السيد المسيح "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن
تحفظهم من الشرير… أيها الآب
إحفظهم فى إسمك" (يو11:17،
15)
ونلاحظ أن العالم نفسه ليس شراً ولكن المشكلة فى
الإستخدام
الخاطئ للعالم، فالأشجار ليست شراً، ولكن الشر فيمن أخذ خشب الأشجار وصنع منها
تماثيل ليعبدها. فالعالم إذاً ليس شراً ينبغى علينا أن نتركه، لكن الرسول يطلب من
الله أن ينقذنا من المبادئ الفاسدة والأفعال الآثمة التى فى العالم. نحن قد غُفِرت
خطايانا بالمعمودية ولكننا نظل نعيش فى العالم معرضين لحروب وخداعات ولا غنى لنا
عن معونة المسيح حتى لا نهلك (2كو3:11+ أف12:6
+ 1يو19:5)
والله فى محبته لا يطفئ فتيلة مدخنة، فهو يدرك أولاده بنعمته ليحفظهم، وإن تهاونوا
كأهل غلاطية يرسل لهم خدامه الأمناء مثل بولس
الرسول، وإذا أصر المؤمن على أن يبتعد عن الله قد يسمح الله بتجربة تعيده إلى
صوابه (كما فعل مع الابن الضال إذ سمح له بمجاعة)، ولو
فشلت كل هذه الوسائل
يترك الله الإنسان لمصيره.
حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا،:
فالله يريد أن الجميع يخلصون (1تى4:2) لذلك
دبر
الفداء، وبالفداء حصلنا على البنوة التى لم نكتسبها بالناموس، فلماذا العودة
للناموس.
اللهِ وَأَبِينَا: هذه
تعنى الله الذى هو أيضاً أبينا. وروعة هذه الآية جعلت كنيستنا تضعها في كثير
من صلواتنا فنقول "الله الآب ضابط الكل أبو ربنا يسوع المسيح". ولنتأمل
فيمن هو الله – هو ضابط الكل / ما في السماء وما على الأرض / كل الخليقة من ملائكة
وبشر وشياطين / من الطبيعة كالجبال والبحار بأمواجها المخيفة والزلازل والبراكين /
والحيوانات المخيف منها. بل وحتى الكائنات الدقيقة كالميكروبات … هو الله القدير
(تك1:17)، كلى القدرة، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب3:1). ومن هو هذا الإله
الجبار الذى "لا يستحيل عليه شيء" (تك24:18)؟ هو أبو ربنا يسوع المسيح.
أي هو أبى فلقد إتحدنا بالمسيح إبن الله في المعمودية (رو6). هو أبى الذى يحبنى
وبذل إبنه عنى ليعطينى حياة أبدية. أبى وأمى الجسديين يحبوننى قطعاً. ولكنهم
عاجزين أن يعطونى شفاءً أو حياة إن مرضت مرضاً خطيراً. أما الله فيحبنى وقادر أن
يشفينى بكلمة. هو أب لا يبخل علىَّ بشئ "اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى
ٱبْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لِأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لَا يَهَبُنَا أَيْضًا
مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ" (رو32:8). ولكن الله يعطينا ما يساعدنا على خلاص
نفوسنا. فالله إمتنع عن شفاء بولس الرسول لأنه خاف عليه من الإستعلاء (2كو12:
7-10).
فإذا
فهمنا كل هذا لنسأل أنفسنا إلى من نذهب ونرتمى في حضنه ونسأله أن يفعل ما يشاء إلا
هو. فهو القدير القوى وليس من يحبنى مثله، هو قادر أن
يحمينى من أي شيء مخيف لذلك نمتلئ سلاما يعجز العالم أو أي خليقة أن يعطيه لنا –
هو القدير وهو أبى = اللهِ وَأَبِينَا.
آية (5):- "5الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ
إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ.
"
بولس
إذ تحدث وشعر بعمل المسيح لأجله يسبحه بهذه التسبحة.
آية (6):- "6إِنِّي أَتَعَجَّبُ
أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ
الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!
"
فى
الآيات (6 ، 9) نجد الرسول يشير إلى موضوع رسالته دون أى كلمة مديح لهم، بل بدأ
بتقريعهم مباشرةً وذلك يعبر عن إنزعاجه وغضبه (غل20:4).
تَنْتَقِلُونَ: استخدمت
هذه الكلمة فى نقل المواريث. وكان هذا ممنوعاً فى العهد القديم، فالله صاحب الأرض،
وهو أعطاها لهم كأمانة، فليس من حقهم بيعها والمعنى
الروحى أننا لنا نصيب فى ميراث السماء وعلينا ألاّ نبيعه بشهوة أو لذة خاطئة فهذا
ثمن رخيص. وتعنى أيضاً ألاّ نغيِّر ما ورثناه من عقائد. أسلمها
الله للكنيسة.
عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ: الذى
دعاهم هو الله الآب نفسه، وبهذا فهم يتحولون عن الله نفسه (1كو9:1
+ غل 16،15:1).
بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ: نعمة
المسيح هى قوة، فكيف إرتد الذين دعاهم الله ولهم هذه النعمة؟!
أولاً لأنهم استهانوا
بما حصلوا عليه ولم يتمسكوا به وذلك تحت إغراء الحية فى شخص الإخوة الكذبة، فتسرب
سم الحية من أفواه الإخوة الكذبة إليهم. ولكن نجد المسيح لا يترك أولاده فهو
بنعمته أرسل لهم بولس الرسول بهذه الرسالة. والمسيح بنعمته قادر أن يستعيد لهم نور
الروح القدس المنطفئ فى قلوبهم ليعيدهم إلى حظيرة النعمة. ومن يتمسك بالنعمة التى
فيه ويقاوم صوت العدو لا تقدر قوة فى الدنيا أن تزعزعه.
إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!: أى
بشارة أخرى أو تعليم آخر.
آية (7):- "7لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ
أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ
الْمَسِيحِ. "
لَيْسَ هُوَ آخَرَ: هم انتقلوا
من بشارة النعمة المجانية بدم المسيح، إلى بشارة لها الخلفية المسيحية أي الخلاص
بدم المسيح، ولكن أضافوا الختان وعوائد الناموس كشروط للخلاص، وهذه ألغاها إنجيل المسيح.
ونلاحظ أن لفظ "آخَر" فى (آية 6) فى
اليونانية مختلف عن لفظ "آخَر" في (آية
7)
.
ففى
(آية 6) "آخر" تعنى من نوع
مختلف تماماً (مثل إنجيل المسيح وناموس موسى)، أما فى (آية
7) "آخر" تعنى إنجيل ثانٍ
قد يكون من نفس النوع أو المضمون (مثل إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا مثلاً). وهذا
يعنى أن القديس بولس الرسول والإخوة الكذبة المتهودين كان كلاهما يبشر بالمسيح
المُخَلِّص (وهذا ما يشير له لفظ آخَرْ
الآية7 = ظاهرياً كلاهما لهما نفس الشكل). ولكن الإخوة الكذبة يريدون إضافة الختان
والسبت كشروط للخلاص بجانب دم المسيح، فصار ما يبشرون به إنجيل آخر (وهذا ما يشير
له لفظ آخَرْ الآية6 فبهذا هم إرتدوا
عن أن الخلاص هو بدم المسيح فقط) هؤلاء إرتدوا من الخلاص المجانى بدم المسيح إلى
الناموس.
وفى هذا خداع كبير، إذ يبدو أنهم يبشرون بالمسيح، ولكنهم أضافوا تعاليم غريبة
يهودية. فليس من المنطق المسيحى أن قطع جزء من اللحم في الختان يمكن أن يكون شرطاً
للخلاص بجانب دم المسيح، فهل دم المسيح لا يكفى؟! ونلاحظ أن كل ما دعا إليه الإخوة
الكذبة هو الإحتفاظ بالختان والسبت، وكان هذا سبب كل هذا الغضب لبولس الرسول.
وأسمى بشارتهم إنجيل آخَر، فماذا عن
الطوائف التى تُغَيِّر أساسات التعليم المسيحى، إن من يسمح بأقل إنحراف عما
تسلمناه يفتح الباب لأكبر إنحراف.
يُزْعِجُونَكُمْ:
يريدون تغيير الإنجيل بالقوة أو بالحيلة أو التشكيك.
آية (8):-
"8وَلكِنْ إِنْ
بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ،
فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»."
أَنَاثِيمَا: باطل أو محروم.
وفى الحروب اليهودية كانوا يقتلون من حَرَّمَه الله ويحرقون كل ماله. إذاً أناثيما
تعنى ملعونًا وخاسرًا لحياته الأبدية. وفى (رؤ18:22، 19) من يزيد أو ينقص كلمات
الله يصير محرومًا بهذا المعنى. وبشارة الإخوة الكذبة باطلة وتؤدى إلى حرمان
المؤمنين وسقوطهم من نعمة المسيح التى دُعوا إليها.
نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ: هم
قالوا إن بطرس ويعقوب أى الإثنى عشر يقولون بعكس ما تقول… فقال – ولو – حتى
لو كان ” مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ” قال
بعكس ما أقوله فليكن محروماً فما أقوله هو ما تسلمته من الرب مباشرة، والرب هو خالق
الملائكة. وقوله ملاك من السماء تمييزاً عن كهنة الكنائس الذين يسمون ملائكة أيضًا
(راجع سفر الرؤيا ص 3،2،1). بولس يريد هنا أن يقول بنوع من المبالغة إنه حتى لو
ملاك من السماء قال غير ما قلته، وليس فقط الإثنى عشر، فليكن محرومًا. فليس المهم
مَنْ الذى يبشر بل نوع البشارة التى نسمعها. والمبالغة التى إستخدمها هنا،
استخدمها أيضًا فى (رو38:8). وبولس الرسول هنا لا يمجد نفسه فهو أدخل نفسه فى
دائرة الحرمان لو علَّم بغير ما سبق وقاله لهم ويقوله لهم أيضًا فى هذه الرسالة.
آية (9):- "9كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا
أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ،
فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!"
التكرار
للأهمية. ونلاحظ أن أى تغيير فى العقيدة يتسبب فى الحرمان .
آية (10):- "10أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ
النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ
أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ. "
يقصد
بولس هنا أنه مسوق من الله ليقول هذا التعليم، وأيضًا هذا الكلام العنيف. هو ينفذ
وصايا سيده ويرضيه، ولا يهتم إن كان هذا الكلام يرضيهم أم لا. بل ولا يهتم فى
كلماته بأن يرضى الإخوة الكذبة أو يرضى اليهود حتى وإن صمموا على قتله وغالباً فقد
رَوَّجَ الإخوة الكذبة إشاعة ضد بولس أنه يداهن البشر لأجل منفعته أو ليرضى جماعة
ما. وبولس يرد هنا أنه لو كان يخدعهم لما استطاع أن يخدع الله، أما لو أراد أن
يرضى الناس. لكان الأصلح له أن يبقى مع اليهود مضطهدًا للكنيسة، أو بعد أن صار
مسيحيًا أن يرضى المتهودين، وبهذا يرضى اليهود أيضًا ويرضى الرومان الذين يعترفون
باليهودية كدين رسمى فى الدولة. أما الآن فهو يعرض نفسه لغضب الرومان واليهود
والمتهودين.
الآيات
(11-12):- "11وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا
الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ
إِنْسَانٍ. 12لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ
عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
يبدأ
هنا بولس الرسول فى سرد جزء من حياته الشخصية لنرى أنه إستلم هذا الإنجيل من الله
مباشرة. والإنجيل الذى استلمه يتلخص فى أن المؤمن يخلص بفداء المسيح بالنعمة وليس
بأعمال الناموس. والله اختاره من بطن أمه خاصة لنشر هذا الإنجيل. وهو لم يستلم ما
يُعلِّم به من الرسل، فالرسل مازالوا يمارسون الصلوات فى الهيكل ويمارسون الختان،
بل أن يعقوب نصح بولس الرسول أن يحلق شعره…
آية (13):- "13فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ
بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ
كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا.
"
هنا
نرى بولس الرسول قبل أن تفعل فيه النعمة فعلها. وإعتراف الرسول العلنى هنا يريد به
إثبات عمل النعمة فيه. هو كان يهودى حتى النخاع ويؤمن بضرورة الختان، وأنظر ماذا
قال عن نفسه "لِأَنَّنَا نَحْنُ ٱلْخِتَانَ، ٱلَّذِينَ نَعْبُدُ ٱللهَ
بِٱلرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلَا نَتَّكِلُ عَلَى
ٱلْجَسَد.ِ مَعَ
أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ
يَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ فَأَنَا بِٱلْأَوْلَى. مِنْ جِهَةِ ٱلْخِتَانِ
مَخْتُونٌ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ
بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ ٱلْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ ٱلنَّامُوسِ
فَرِّيسِيٌّ
مِنْ
جِهَةِ ٱلْغَيْرَةِ: مُضْطَهِدُ ٱلْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي فِي
ٱلنَّامُوسِ: بِلَا لَوْمٍ" (فى3: 3-6). فما الذى غيَّره؟ إلا عمل النعمة.
آية (14):- "14وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي
الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي، إِذْ
كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي. "
نرى
هنا أن بولس الرسول يشير إلى أن تعمقه فى الديانة اليهودية أدى إلى وحشيته ضد
كنيسة الله فلماذا يريدون الإرتداد لليهودية؟
ولكن
هل اليهودية والتعمق فيها تقود للوحشية، كيف وهى ديانة إلهية؟!
هنا
نلاحظ دقة تعبيرات بولس الرسول فهو يقول:
إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي: ومن
هنا نفهم أن الدين اليهودى
فى
حد ذاته لا يؤدى للوحشية فهو من كلمات الله نفسه، وكلمات الله لا تؤدى للوحشية ولكن نرى أن ما
قاده للوحشية:
1ـ
تَقْلِيدَاتِ الآبَاء: فهو
استلم الغيرة الجاهلة والتعصب المجنون من آبائه، وما أوصلهم لهذا هو البر الذاتى
والأنا. فالمتعصب دائمًا يتعصب لنفسه وليس لله. والمتعصب يصل للتوحش.
2ـ
الغَيْرَةً : وهى التعصب
المجنون دون فهم وهذا
ما
أسماه فى (رو2:10)
أنها
غيرة ليست حسب المعرفة. هذه هى التى أدت لهذه الوحشية. ولكن لو كان بولس تعمق فى اليهودية بتواضع
لصاحبته نعمة الله ولصار مثل الاثنى عشر. ولكن الغيرة مع التعصب والكبرياء والذات
تصل بالإنسان للضلال. وهذا هو الفارق بين سمعان الغيور (لو15:6) ويهوذا الجليلى
(أع37:5). لذلك قال بولس الرسول: "حسنةٌ هى الغيرة فى الحسنى" (غل18:4).
ونفهم أن بولس فى غيرته اليهودية ما كانت قوة فى الدنيا قادرة على إقناعه، وإنما إقناعه تم بنعمة إلهية
وقوة فائقة. ولقد إنتشله
الله
كشعلة منتشلة من النار (زك2:3) وجعلته النعمة خليقة جديدة (2كو17:5).
إذًا
ما قاد
بولس للوحشية ليست الديانة اليهودية بل تفسيرات وتعاليم آباء اليهود الخاطئة والتى شوهت الديانة اليهودية، وهذا ما
هاجمه السيد المسيح أيضًا (مت1:15 – 9 + 16:23 – 22).
آية (15):- "15وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ
الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. "
أَفْرَزَنِي: كلمة فريسى تعنى مفرزًا للناموس، فكانت
مسرته السابقة أن يكون مفرزاً للناموس. ولكن مسرة الله دعته ليكون مُفرزًا
للإنجيل. ولكى نفهم أن
النعمة
مجانية، نرى بولس يشرح هذا، بأن الله دعاه وهو مازال فى بطن أمه دون أن تكون له أعمال مثل
التى يدعون للعودة إليها كالختان وأعمال الناموس.
الرسول
يريد أن
يقول: أنتم
تقولون إن الخلاص بالختان وأعمال الناموس والله أفرزنى وإختارنى بدونها وأنا مازلت فى
بطن أمى. وبولس لم يخترع شيئاً جديداً إذ قال هذا. فإرمياء سبق وقال نفس الشىء(
5:1) .
بل
يمكننا أن نقول هذا عن كل واحد منا، فالرسول يقول "لِأَنَّنَا نَحْنُ
عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ
سَبَقَ ٱللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أف10:2) فنحن خلقنا خلقة
جديدة في المسيح يسوع (2كو17:5) لنؤدى عملاً يريده الله منا.
آية (16):- "16أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ
فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا
وَدَمًا. "
دعوة
بولس الرسول هى
من
الله (1كو1:9 + 8:15 + أع14:22، 18).
وحين
آمن بولس وعرف
المسيح،
صار المسيح حياته، وصار له فكر المسيح، صار المسيح يحيا فيه (غل20:2+ فى21:1 + 1كو16:2).
وبهذا كانت تعاليم بولس ليست من كتب وقراءات أو من مصادر خارجية بل من المسيح الذى
يحيا فيه: يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ:
المسيح الذى فى بولس أنار عقله وقلبه فتكلم باختبار حى. المسيح هو كلمة الله، فحينما سكن الله
فى بولس سكنت كلمة الله فيه. هو إختبر الابن متحدثًا فيه. هو لا يقدم شيئًا عن
المسيح بل يقدم المسيح ذاته (غل1:3). لأُبَشِّرَ
بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ: فالله دعاه وأعطاه هذه
الرؤيا لينفذ خطة معينة، وليتمم عملاً هو بشارة الأمم. والله يضع لكل منا خطة ويطلب
منا عملاً معيناً خلقنا لأجله (أف 10:2) .
أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ = هذه
تذكرنا بقول عروس النشيد "اِجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتِمٍ
عَلَى سَاعِدِكَ" (نش6:8) (وراجع تفسير الآية في مكانها). فالعروس في هذه
الآية كانت تريد أن تنزل للخدمة لتبشر بعريسها فسألته أن يطبع فيها صورته لتكون
خدمتها فعالة. وهنا نجد القديس بولس الرسول يشرح ما قالته عروس النشيد وأن المسيح
صار يحيا فيه معطياً إياه صورته لذلك آمن الكثيرين على يديه إذ حمل لهم صورة
المسيح.
لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا: لم
أسأل الرسل الإثنى عشر، ولم أستشر حتى نفسى ورغائبى. فحتى لو كانت رغبتى ضد دعوة المسيح
لما إستجبت لرغبتى. فيونان مثلاً تشاور مع نفسه ورفض دعوة الله. ونحن علينا أن
ننفذ وصايا الله دون حتى أن نفكر أو نتشاور مع أنفسنا .
آية (17):- "17وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى
أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى
الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْق. "
من
إستلم إرساليته
من
الله لا يحتاج أن يستشر أحداً وقوله هذا ليس فيه شبهة كبرياء. بل هو لتأكيد أن إرساليته من الله.
ولو كان قد سأل الرسل لكان فى شك مما قاله له الله ويريد أن يتأكد. هو يقول هذا ليقطع الطريق على المعلمين الكذبة
الذين يشككون فى صدق
إرساليته.
انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ:
العربية هى شرق بلاد الشام أى سوريا، فبعد ظهور الرب لبولس فى الطريق احتاج لمزيد من الوجود فى حضرة الرب
لمراجعة الحياة برمتها، أى ما عرفه وتعلمه كيهودى من الكتاب المقدس وما استلمه
حديثاً من الرب. والروح القدس كان يرشده. وهذه هى الخلوة المطلوبة لكل واحد منا، ولذلك
يوصى بولس تلميذه تيموثاوس
بالتعليم.
فى هذه الخلوة وسط ضجيج العالم نسمع صوت الروح القدس يعلمنا ويكلمنا عن المسيح (يو14:16) وهذا لا يمكن
سماع صوته إلاّ فى الهدوء، كما سمع إيليا صوت الله فى الهدوء (1مل12:19) وليس وسط الأسواق (نش2:3).
إن ما نسمعه فى الخلوة الهادئة من صوت الروح القدس هو الذى ينطبع فى قلوبنا ويؤثر
فينا فعلاً. مثال: لقد قرأنا مئات المرات قول الكتاب: "لا تخف" ونعرف
عددها فى الكتاب وإنه 365 مرة بعدد أيام السنة، فهل فعلاً نحن لا نخاف؟! لا بل نحن نخاف! إذاً
لماذا نخاف بالرغم من المعلومات التي في العقل؟ هذا لأن المعلومات لا تعطى سلاماً
بل الروح القدس – فإذا سمعنا صوت الروح فى الداخل خلال خلوتنا اليومية فى هدوء
لإنتزع الخوف من داخلنا ولشعرنا بسلام عجيب.
ذهب
بولس للعربية
ليتزود
بالروح ويسمع صوت الروح، يعلِّمه كنوزًا جددًا وعتقاء. قبل أن ينطلق للكرازة، محتملاً آلامًا
فى سبيل الرب. وغالبًا فهو قد كرز هناك، وكانت كرازته عظيمة بدليل غضب الحارث والى
دمشق عليه. ولكنه لتواضعه لم يحكى لنا عن نجاحاته فى العربية.
بولس
الرسول يحفظ التوراة والعهد القديم عن ظهر قلب، ويؤمن بالختان كممارسة وعقيدة
أساسية. وفى خلوته هذه فتح الروح القدس عينيه عن معنى طقوس العهد القديم: فعبور
البحر الأحمر كان رمزاً للمعمودية (1كو2،1:10). والصخرة كانت المسيح، والماء
المنسكب من الصخرة كان ماء روحياً إشارة للروح القدس المنسكب على الكنيسة بعد فداء
المسيح (1كو4:1)، وأن الختان رمز للمعمودية، بل قال عن المعمودية
"ختنتم" أي إعتمدتم (كو12،11:2)…. وهكذا فهم بولس الرسول أن إله العهد
القديم هو نفسه إله العهد الجديد وأن العهد القديم كان شرحاً ورموزاً للعهد
الجديد.
ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ:
وهناك كان الحارث الذى سمع بأخبار كرازته فنصب له كمينًا ليقتص منه ولكنه هرب من السور فى
سلٍ (أع25:9ـ30 + 2كو32:11، 33).
آية (18):- "18ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ
سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ
عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
"
إذًا
نفهم أن بولس قضى 3 سنوات يكرز بالمسيح دون أن يذهب للرسل فهو إذًا لم يستلم إرساليته منهم. لأَتَعَرَّفَ: لا ليتعلم منه أو ليضيف شيئًا لإيمانه.
بل هو أراد أن يتعرف ويتباحث مع من هو عمود الكنيسة، هذا الذى سمع عنه كثيرًا،
فيتعزوا ويفرحوا معًا بعمل الله فى الكنيسة. وهو قد ذهب إلى بطرس فى محبة متحملاً
مشقات السفر. إذًا نزاعه معه بعد ذلك لم يكن بدافع شخصى بل لحماية الإيمان. ولقد
ترك بولس الرسول أورشليم بعد ذلك إثر رؤيا (أع17:22 ، 21). فالله لا يريد له البقاء
فى أورشليم بل أن ينطلق للأمم.
آية (19):- "19وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ
غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. "
أَخَا الرَّبِّ: من زوجة سابقة ليوسف أو
ابن خالة أو ابن عم.
آية (20):- "20وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ
إِلَيْكُمْ هُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ. "
هو
يؤكد أقواله أمام الله حتى لا يتهمه أحد بالكذب.
قُدَّامَ اللهِ: إن بولس دائماً
يشعر أنه فى حضرة الله (رو8:1، 9).
آية (21):- "21وَبَعْدَ ذلِكَ جِئْتُ
إِلَى أَقَالِيمِ سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ.
"
الله
دعا بولس الرسول سنة 36م. ثم قضى 3 سنوات فى العربية. ثم زار أورشليم سنة 38 م ولم
يرى فيها سوى بطرس ويعقوب. ثم ذهب لسوريا وكيليكية فى شمال البحر المتوسط (شمال
شرق)،
وطرسوس
هى عاصمة كيليكية.
الآيات (22-23):- "22وَلكِنَّنِي كُنْتُ غَيْرَ
مَعْرُوفٍ بِالْوَجْهِ عِنْدَ كَنَائِسِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. 23غَيْرَ
أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ:« أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلاً،
يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلاً يُتْلِفُهُ»."
بولس
كان غير معروفاً بالوجه لكنهم كانوا يسمعون عنه، كيف أنه كان
مضطهداً للمسيحية ثم تحوَّل إلى كارز لها، لكنهم لم يعرفوه أو يسمعوه ككارز. هم
أشاعوا عنه أنه علَّم فى اليهودية بضرورة الختان (غل5 : 11)، وهنا ينفى أنه علَّم
أصلاً فى اليهودية.. معنى كلامه هنا: من أين أتيتم
بهذا الكلام وهذه الإشاعات .
آية (24):- "24فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ
اللهَ فِيَّ. "
لم
يقل أعجبوا
بى، بل مجدوا الله لعمله فىَّ، أى أعطوا المجد لله
لأنه غيَّر بولس كل هذا التغيير (ملحوظة: حينما نمجد
الخادم نجعله ينتفخ. إذاً فلنمجد الله الذى يعمل فى الخادم). فى
هذه الآيات يثبت بولس أنه لم يكن هناك عداء بينه وبين مسيحيى الختان فى كنائس
أورشليم واليهودية .
آية (1):- "1ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ
عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذًا
مَعِي تِيطُسَ أَيْضًا. "
ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً: غالبًا من
تاريخ رؤياه وإيمانه
بالمسيحية.
صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ: هذه
الزيارة تقابل ما ورد فى (أع 15) (مجمع أورشليم).
مجمع
أورشليم:
كان
بسبب الشرط الذى وضعه المتهودون بضرورة الإلتزام بالناموس بالنسبة للأمم الداخلة
للمسيحية كشرط للخلاص. ولقد صعد بولس وبرنابا لمشاورة الرسل فى الأمر وليكون هناك
رأى واحد لكل الكنيسة. ونسمع قول بطرس
فى المجمع عن الأمم "وطهر بالإيمان قلوبهم" (أع9:15). وبهذا
نفهم أن الإيمان صار شرط الخلاص دون أعمال الناموس. والخلاص هو أن نصير خليقة
جديدة (غل15:6) على
شكل المسيح (غل19:4).
والروح القدس هو الذى يعطى هذا التغيير فنصير خليقة جديدة. وهنا نقول:
1ـ قالت
بعض الطوائف إن
الله فى محبته سيخلص الجميع دون شرط الإيمان وهذا إلغاء لعمل المسيح، فلن نتطهر
ونصبح خليقة جديدة دون إيمان. ويكفى أن نقول إن
هناك عشرات الآيات التى تثبت أنه لا خلاص إلا بالإيمان ونذكر فقط آخر آية فى هذا
الإصحاح "لأنه
إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب" (غل21:2).
وأهمية الإيمان هى
أن الخلاص سيكون بأن يكون لى طبيعة جديدة، تموت فىَّ الطبيعة العتيقة وتقوم طبيعة
جديدة، على شكل المسيح. فكيف يعمل فىَّ الروح القدس كل هذا دون أن أصدق وأؤمن
بعمل المسيح الفدائى، ودون أن أريد هذا، أن أموت مع المسيح وأقوم في المعمودية،
وأقبل أن أكمل حياتى مائتا عن شهواتى لكى تظهر حياة المسيح فىَّ (2كو10:4).
وصالباً جسدى مع شهواتى ليثمر فىَّ الروح القدس (غل5: 22-24).
إن
لم أؤمن بموت المسيح عنى فكيف أشتاق أن أموت معه، وإن لم أؤمن بقيامته فكيف أقوم
معه. وإن لم أموت معه وأقوم معه فكيف تأتى لى الطبيعة الجديدة وإن لم تكن لى طبيعة
جديدة فلا خلاص.
2ـ
وهناك طوائف أخرى تركز على أن الخلاص هو الغفران بالدم. وكأن الخلاص اختُصِر أمره
على غفران الخطية بالدم. هذا خطأ، فالخلاص هو بأن
المسيح يحيا فىَّ (غل20:2) وهذا
لن يأتى إلا بأن أصلب جسدى مع شهواتى وأهوائى (غل24:5) فحتى
أقول إن
المسيح يحيا فىَّ يجب أن أقول أيضاً "مع
المسيح صلبت" (غل2 : 20) وهذا هو الجهاد. فلا خلاص
بدون جهاد.
الطبيعة
الجديدة إذاً تأتى بعمل الروح القدس فىَّ الذى سيظل يعمل فىَّ العمر كله حتى تموت
الطبيعة القديمة وتقوم الجديدة، علىَّ أن أجاهد أنا بأن أقف أمام الخطية كميت (كو5:3)
والروح القدس يعين (رو13:8).
بَرْنَابَا: هو زميل بولس فى
كل زياراته لأورشليم. نال هو وبولس يمين الشركة لخدمة الأمم (أع2:13).
وبرنابا كان من مواطنى قبرص (أع36:4) وكان
زميلاً للرسل فى الأيام الأولى للكنيسة. وهو خال مرقس الرسول، أى أخو مريم صاحبة
العلِّية التى ظل الرسل يجتمعون فيها، وفيها صنع الرب
العشاء الأخير. وبرنابا هذا صار أسقفاً لقبرص.
تِيطُسَ: يونانى أممى (غل3:2)، صار
أسقفاً على كريت، وكتب له بولس الرسول رسالة. وكون تيطس
غير المختون يوجد مع بولس فى مجمع أورشليم، وقبول التلاميذ له، فذلك علامة على
قبول التلاميذ للأمم دون ختان. هنا
الكنيسة جمعت بين برنابا اليهودى وتيطس الأممى، وجمعهم الروح القدس الذى طهَّر
بالإيمان قلوبهم.
آية (2):- "2وَإِنَّمَا صَعِدْتُ
بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ
بَيْنَ الأُمَمِ، وَلكِنْ بِالانْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ، لِئَلاَّ أَكُونَ
أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً.
"
إِعْلاَنٍ: هى دعوة إلهية
خاصة لبولس أن يصعد إلى أورشليم، إلى الرسل الاثنى
عشر عارضاً عليهم تعاليمه بعدم أهمية الختان والعوائد
اليهودية وبولس يركز أنه صعد بإعلان وليس من تلقاء نفسه، فلو كان قد صعد من تلقاء
نفسه لكان هذا يعنى أنه فى شك مما يعلم به طوال 14 سنة. ولكن أعلن له الروح أن
يصعد حتى يتضح أمام الجميع أن بولس مع الاثنى
عشر لهم روح واحدة وتعليم واحد وفكر واحد، بل أن صعود بولس للاثنى
عشر شجع
أهل غلاطية
على أن يتخلوا عن العوائد اليهودية، خصوصاً
حينما سمعوا عن نجاح مهمة بولس فى مجمع أورشليم. فأهل غلاطية حينما سمعوا أن هناك اتفاقاً
بين بولس والاثنى
عشر زال عنهم كل شك.
بَاطِلاً: بولس واثق مما
يبشر به. ولكن فى محبة هو يهتم بوحدة الرأى مع باقى الرسل حتى لا يعتبروه قد سعى
باطلاً، أو يترك أهل غلاطية الإيمان إذا تشككوا فى صحة تعاليم بولس، فيكون سعى
بولس باطلاً، إذا ترك تلاميذه الإيمان. فلقد إنتشرت
الإشاعة أن بولس ليس رسولاً قانونياً مثل الاثنى
عشر. لكن بسبب المجمع ظهرت وحدانية الرأى، ولم يرتد تلاميذ بولس عن إيمانهم السليم.
الْمُعْتَبَرِينَ: وليس لبقية
المؤمنين، لأن بقية المؤمنين هم متعصبين للتهود. ومازال إيمان هؤلاء من مسيحيى
الختان ضعيفاً. ولذلك تشاور بولس مع المعتبرين فى السر = وَلكِنْ بِالانْفِرَادِ = حرصاً من أن
يسمع المتهودين أو المتشككين الحوار فيشيعوا أن بولس في شك مما يُعَلِّم ويكرز به
فيتعثر الكثيرون.
آية (3):- "3لكِنْ لَمْ يَضْطَرَّ وَلاَ
تِيطُسُ الَّذِي كَانَ مَعِي، وَهُوَ يُونَانِيٌّ، أَنْ يَخْتَتِنَ. "
إذا
كان مجمع أورشليم قد قبل أممياً ولم يختنوه، فإن هذا أعظم تأييد لبولس. وهنا يظهر
ثبات مبدأ بولس الرسول على عدم أهمية الختان للخلاص. ويبدو أن هناك تعارضاً بين
موقف بولس الرسول هنا وموقفه من تيموثاوس الذى ختنه (أع1:16ـ3).
ولكن هناك فروق فى الموقفين:
1.
تيموثاوس أباه
يونانى لكن أمه يهودية (2تى5:1).
واليهود يعتبرون أن من أمه يهودية هو
يهودى. وهذا أثار مسيحيى الختان أن أباه اليونانى رفض أن يتبع ناموس أمه اليهودية
ويختن الصبى فى صغره.
2.
تيموثاوس سيخدم
وسط هؤلاء اليهود ويبشرهم، فلكى لا يعثر بولس الرسول الإخوة الضعفاء ختنه ليصير
لليهود كيهودى، وهو ختنه ليرضيهم ويجتذبهم لكن لم يُعَلِّم أن الختان ضرورة
للخلاص.
3.
تيطس يونانى أباً
وأماً ومجال خدمته وسط الأمم فلماذا الختان، هنا لو قبل بولس أن يختنه لكان بذلك
يرضى الإخوة الكذبة الذين يقولون إن الختان شرط للخلاص.
آية (4):- "4وَلكِنْ بِسَبَبِ
الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ الْمُدْخَلِينَ خُفْيَةً، الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاَسًا لِيَتَجَسَّسُوا
حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا. "
أى
أن بولس صعد للتلاميذ الاثنى عشر بسبب
الإخوة الكذبة الذين قالوا بإختلاف تعاليم بولس عن تعاليم الاثنى
عشر. فحين يظهر إتفاق بولس مع الأعمدة يخزى
الإخوة الكذبة. وهذا ما حدث إذ أعطوه يمين الشركة (غل9:2+
أع 5:15،
7، 10).
ولقد سمح التلاميذ الاثنى عشر بالختان. ولكن الإخوة الكذبة
قالوا إن
التلاميذ أوصوا بالختان كشرط للخلاص وهذا كذب. والرسل سمحوا بهذا وسط العالم
اليهودى حيث كان الناموس متغلغلاً. ولكن الإخوة الكذبة أرادوا نشر هذا وسط العالم
الأممى ولقد تأثر الغلاطيون فعلاً بتعاليمهم. وهناك فارق بين أن أوصى بشئ وأن أسمح
به أو أقبل بشئ أو أغض الطرف عنه بسبب الضعف.
مُدْخَلِينَ خُفْيَةً:
أدخلهم اليهود أو المتهودين سراً دون دعوة ودون علانية.
لِيَتَجَسَّسُوا: يتجسسوا
تعاليم بولس التى ألغى فيها الختان، ثم يثيروا الدنيا ضده كهادم للناموس ومخالف
لشريعة موسى.
كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا: أى
لنعود إلى العوائد اليهودية وهذا فيه إستعباد وطاعة للإخوة الكذبة عوضاً عن طاعة
الإنجيل. حُرِّيَّتَنَا = هى حرية من عوائد
الناموس كالختان والتطهيرات. وفى إصحاح (5) خاف الرسول أن يفهموا الحرية أنها تحرر
من الأخلاقيات ووصايا الناموس الأخلاقية فنبه
لهذا.
"فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ.
غَيْرَ أَنَّهُ لَا تُصَيِّرُوا ٱلْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ
بِٱلْمَحَبَّةِ ٱخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (غل13:5) أي لا تفهموا الحرية
أنها فرصة للإنسياق وراء شهوات الجسد.. وهنا وبنفس المفهوم يقول حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ = أي لنا حرية
من طقوس الناموس كالختان والتطهيرات والذبائح الدموية = حُرِّيَّتَنَا، ولكننا ثابتين في المسيح = ولكى نثبت في المسيح علينا بالثبات
في وصايا الناموس الأخلاقية، بل وكل وصايا الرب يسوع والتي لم تأتى في الناموس مثل
محبة الأعداء والنظر بشهوة في القلب والغضب الباطل (مت44،28،22:5).
آية (5):- "5اَلَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ
لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلاَ سَاعَةً، لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ الإِنْجِيلِ. "
بِالْخُضُوعِ: إذًا هم
لا يسعون للحوار بل لإخضاع بولس الرسول لأرائهم.
حَقُّ الإِنْجِيلِ:
الإيمان الصحيح المسلم مرة للقديسين (يه3) وهنا
يقصد به بولس الرسول، أن الخلاص هو بفداء المسيح دون أعمال الناموس، وذلك للجميع،
لكل من يؤمن، اليهود أو اليونانيين.
آية (6):- "6وَأَمَّا الْمُعْتَبَرُونَ
أَنَّهُمْ شَيْءٌ مَهْمَا كَانُوا، لاَ فَرْقَ عِنْدِي، اَللهُ لاَ يَأْخُذُ
بِوَجْهِ إِنْسَانٍ فَإِنَّ هؤُلاَءِ الْمُعْتَبَرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ
بِشَيْءٍ. "
هذا ليس
كبرياء من بولس بل تأكيد على أن دعوته إلهية وتأكيد على رسوليته وأنه لا يشك فيما
يُعَلِّم به، وأن الرسل لم يزيدوا على ما يؤمن به وما يكرز به شيئاً، بالإضافة إلى
أن بولس مهتم بأن يظهر أنه لا يقل عن باقى الرسل (فالمسيح أرسله شخصياً) وذلك ليرد
على الإخوة الكذبة.
مَهْمَا كَانُوا: مهما
كان عظم شأن التلاميذ لم يكونوا ليُغَيِّروا شيئاً من عقيدتى. لأننى تسلمت عقيدتى
هذه من المسيح. حقاً هم أعمدة ولهم علاقة خاصة بالمسيح، لكن إن علَّموا بضرورة
الختان للخلاص فسيعطون حسابا أمام المسيح عن هذا الخطأ: فاَللهُ لاَ يَأْخُذُ بِوَجْهِ إِنْسَانٍ: أى
بمركزه.
آية (7):- "7بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ
رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى
إِنْجِيلِ الْخِتَانِ. "
بلْ بِالْعَكْسِ: تشير للإيجابية
المطلقة فى قبول التلاميذ لبولس.
اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ: إنجيل
الغرلة
يعنى أن
الخلاص لكل من يؤمن من الأمم
حتى وهم فى غرلتهم أى بلا ختان.
إِنْجِيلِ الْخِتَانِ: هو
البشارة
بالخلاص
لليهود الذين اختتنوا وهم صغار (كان ختان الذكور يتم فى اليوم الثامن). والآية
تشير لان الله هو
الذى إستأمن بولس على البشارة للأمم.
آية (8):- "8فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي
بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضًا لِلأُمَمِ. "
الله هو
الذى يعمل فى كل خدامه ليدعو الكل للخلاص
فهذه هى إرادته، أن
الجميع يخلصون (1تى4:2)،
فالمسيح أتى
ليخلص الجميع يهودًا وأمم.
آية (9):- "9فَإِذْ عَلِمَ
بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ
أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ
نَحْنُ لِلأُمَمِ، وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ.
"
يتضح
هنا التوافق الصريح بينهم، وأنهم قسَّموا العمل فيما بينهم. ووضع إسم يعقوب أولاً
فلأنه أخو الرب. وقوله يَمِينَ الشَّرِكَةِ
تعنى
نحن الإثنى عشر، وأنتم يا بولس وبرنابا شركاء في خدمة الكرازة للعالم. الرسل
لليهود = الختان. وبولس وبرنابا للأمم. ونحن الرسل وأنتم يا بولس وبرنابا لنا
نفس الإيمان الواحد المقبول لدى الله = وهذا معنى
يَمِينَ فاليمين عند الله هو المقبول (مت33:25).
آية (10):- "10غَيْرَ أَنْ نَذْكُرَ
الْفُقَرَاءَ. وَهذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ. "
حتى
فى موضوع الجمع للفقراء، كان بولس قد بدأه حتى
بدون أن يشير
بهذا
الاثنى عشر،
أى
أن توجيه الله له هو نفسه ما
وجه
به
الله
الاثنى
عشر. ونلاحظ
أنهم
قسموا الكرازة فيما بينهم، ولكن المحبة والتعاون لا ينقسم،
فعلى الأمم أن
يساعدوا الختان والعكس صحيح. وهذه الآية
تشير لوحدة الكنيسة. وعندما حدثت مجاعة فعلا فى أورشليم
وجمع
بولس
الرسول تبرعات كنائس الأمم وأعطاها
لفقراء أورشليم، وهذا قد
فتح قلب مسيحيى
الختان على الأمم
(راجع الإصحاحين 9،8 من رسالة كورنثوس الثانية)..
آية (11):- "11وَلكِنْ لَمَّا أَتَى
بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا. "
ربما
كان ذهاب بطرس الرسول إلى إنطاكية بعد
أن أخرجه
الملاك
من
السجن،
إذ
يقول الكتاب "وذهب إلى موضع آخر"
(أع17:12)،
وهناك
رأى
آخر هو
مصر ثم عاد منها إلى إنطاكية .
وربما أن الأصوب فى رأيى أن بطرس قد توجه إلى بابل التى كان بها جالية يهودية
تقترب من 5ملايين شخص في ذلك الوقت. ومن هناك كتب رسالته الأولى (راجع مقدمة رسالة
بطرس الأولى).
آية (12):- "12لأَنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى
قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الأُمَمِ، وَلكِنْ لَمَّا
أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ
الْخِتَانِ. "
وقد
يقصد بالأكل،
التناول من جسد الرب ودمه أو الطعام
العادى.
وكان
بطرس لما ذهب الى إنطاكية قد عمَّد الأمم وتناول معهم
(سواء من
سر
الإفخارستيا
أو
الطعام العادى).
وسمع
بهذا مسيحيى
الختان فذهبوا ليعقوب مستائين، لأن
اليهود كانوا لا يأكلون مع الأمم لأنهم
يعتبرون هذا نجاسة، ويعقوب أرسل بعثة لتحرى الأمر إرضاءً
لهؤلاء.
وأمام هؤلاء
من أفراد
بعثة يعقوب أفرز بطرس نفسه وأكل مع الختان
فقط. ربما
لأجل
خوفه منهم
أو لئلا يتعثروا وتتعطل الكرازة. ويقول فم الذهب إنه فعل
هذا عامداً ليعطى بولس فرصة أن يعلن رأيه
بوضوح ويكون هذا درسا للجميع، وكأنه يأخذ
الدرس معهم.
وحين يُلام
بطرس أمام الجميع يسكت الجميع، ولا يحدث شرخ فى
الكنيسة إذ
يشعر الأمم بإحتقار
الختان لهم ، فها هو بولس الذى من الختان ينتصر لهم
ويدافع عنهم.
وكان
هذا بحكمة من بطرس حتى لا يتعثر الختان حين يرون بطرس
يترك تقاليد الأباء اليهود فجأة. وراجع فى المقدمة
عن الخلاف بين بطرس وبولس.
آية (13):- "13وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي
الْيَهُودِ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أَيْضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ!"
رَاءَى: سلك
سلوكًا
يرضى به الآخرين
عن غير إقتناع
منه.
وبولس حزن
بسبب هذا التصرف لأنه سيعثر الأمم
وبالذات الذين آمنوا
على يدى برنابا، وقوله راءى
فهذا لأن
برنابا مقتنع بقبول الأمم وهو الذى
بشرهم.
آية (14):- "14لكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ
أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ
لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ:«إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ
أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟"
حَقِّ الإِنْجِيلِ:
المقصود به
التعليم الصحيح والإيمان الصحيح الذى تسلمته
الكنيسة من المسيح ورسله. وهنا هو خلاص الأمم
بالإيمان
دون أعمال الناموس. ولنعلم أن من يحيد عن
إيمان
الكنيسة وعقيدتها
فهو
يحيد عن
الحق.
قُدَّامَ الْجَمِيعِ: لأن
خطأ بطرس
وبرنابا كان سبب عثرة للأمم وسيضر الكنيسة كلها.
وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا: كان
بطرس بعد رؤياه
بخصوص كرنيليوس، قد
قبل الأمم فى الإيمان، وأهمل
الفروض
الناموسية كالختان وخلافه (فصار كالأمم فى
تركه
الناموس) وهذا بالرغم من أنه وُلِد
يهودياً وعاش فترة
طويلة تحت الناموس (أع15:10، 28).
فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟:
الأمم بطبيعتهم أحرار من الناموس (ناموس موسى)
فلماذا العودة للوراء وإلزامهم أن
يتهودوا أولاً ويُلزَموا
بالناموس.
فبطرس
بهذا يناقض
الصوت الذى سمعه
بخصوص قبول الأمم.
قُدَّامَ الْجَمِيعِ:
لأن خطأ بطرس وبرنابا كان سبب عثرة للأمم وسيضر الكنيسة كلها.
وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا =
كان اليهودى يمتنع تماما عن أكل اللحوم المحرمة والمنهى عنها في
(لا11). ولكن من المؤكد أن بطرس صار يأكل من هذه اللحوم بعد هذه الرؤيا التي
أمره فيها الله أن يأكل من هذه اللحوم المحرمة "فَجَاعَ كَثِيرًا وَٱشْتَهَى
أَنْ يَأْكُلَ. وَبَيْنَمَا هُمْ يُهَيِّئُونَ لَهُ، وَقَعَتْ عَلَيْهِ غَيْبَةٌ، فَرَأَى
ٱلسَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِنَاءً نَازِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ مُلَاءَةٍ عَظِيمَةٍ
مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَلَّاةٍ عَلَى ٱلْأَرْضِ. وَكَانَ فِيهَا
كُلُّ دَوَابِّ ٱلْأَرْضِ وَٱلْوُحُوشِ وَٱلزَّحَّافَاتِ وَطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ. وَصَارَ
إِلَيْهِ صَوْتٌ: قُمْ يَا بُطْرُسُ، ٱذْبَحْ وَكُلْ. فَقَالَ بُطْرُسُ:
كَلَّا يَارَبُّ! لِأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا. فَصَارَ
إِلَيْهِ أَيْضًا صَوْتٌ ثَانِيَةً: مَا طَهَّرَهُ ٱللهُ لَا تُدَنِّسْهُ أَنْتَ"
(أع10: 9-15). فقول الرسول بولس للرسول بطرس وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا يعنى أنك وَأَنْتَ
يَهُودِيٌّ صرت تأكل من هذه اللحوم المحرمة مثل الأمم = تَعِيشُ أُمَمِيًّا.
فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا. وراجع قول القديس
بطرس بعد هذه الرؤيا "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى
رَجُلٍ يَهُودِيٍّ أَنْ يَلْتَصِقَ بِأَحَدٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَرَانِي ٱللهُ أَنْ لَا أَقُولَ عَنْ إِنْسَانٍ مَا
إِنَّهُ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ" (أع28:10). القديس بولس هنا يقول للقديس بطرس:
لقد صرت تأكل اللحم المحرم كما لو كنت أممياً، وكان هذا بأمر إلهى لك في
رؤيا. فلماذا تريد من الأممى أن يعود ويتهود ويلتزم بالطقوس اليهودية، ويمتنع عن
أكل سمح الله بالأكل منه.
آية (15):- "15نَحْنُ بِالطَّبِيعَةِ
يَهُودٌ وَلَسْنَا مِنَ الأُمَمِ خُطَاةً.
"
كان
اليهود يحتقرون الأمم لوثنيتهم وأخلاقياتهم المتدنية
ولذلك أسموهم كلاب، فالكلب
نجس عند اليهودى. أما بولس اليهودى فكان يرى نفسه أنه بار
وبلا
لوم
بحسب الناموس (فى3:3 ، 6) إذ أنه كان
يلتزم
بالناموس خارجيا، أى يلتزم بقوانينه لكن
الضمير كان ملوثاً.
آية (16):- "16إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ
الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ
الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ
بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ
النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.
"
لقد اختبر بولس أن أعمال الناموس لم تبرره، أى
تنقيه
داخليا أو تمنع وحشيته ضد الكنيسة. ولكنه تبرر
حين آمن
بالمسيح. لقد
شعر بولس بعد أن إختبر بر المسيح، أنه كان
يعيش فى الخطية،
بينما كان يظن أنه بار بحسب الناموس، فالبر
المسيحى رفعه
لمستوى القداسة ونقاوة الضمير (عب14:9) التى
لا يمكن الوصول إليها سوى بالنعمة. وإٍذا
كان هذا حال اليهودى، فكم بالأولى الأمم الذين هم خطاة (الكل محتاج للتبرير
بالمسيح رو22:3 – 26).
بولس
فى الآيتين
15، 16 يقول لبطرس: ماذا اٍنتفعت
بيهوديتك وكنت تعتبر نفسك باراً اٍذ كنت ملتزماً خارجيا بكل وصايا الناموس (سواء
أنت أو أنا) لقد اختبرنا فشلنا فى أن نتبرر حقاً بالناموس. لقد
كنت أنت يا بطرس وأنا بولس أبرارا بحسب الناموس، ولكن
كل منا كان أدرى
بالفساد الذى فى داخله. أما فى ظل النعمة، فلقد
اختبرنا التبرير الحقيقى بالمسيح. فلماذا يا بطرس تريد أن
تلزم الأمم بأن يسلكوا فى طريق اختبرنا فشله. ولقد إقتبس بولس
فكرة عدم تبرير إنسان أمام الله حتى بالناموس من "لا يتبرر قدامك حى"
(مز2:143).
ونحن الآن كمسيحيين علينا أن نستفيد من هذا الكلام ونفهم أن ممارسة الطقوس دون أن تكون
لنا حياة عميقة مع الله، فهذا لن يفيد. وهذا كان طلب
الرب يسوع لسمعان "ٱبْعُدْ إِلَى ٱلْعُمْقِ" (لو4:5). والحياة العميقة تؤدى
للإمتلاء من الروح القدس الذى يُغَيِّر طبيعتنا،
آية (17):- "17فَإِنْ كُنَّا وَنَحْنُ
طَالِبُونَ أَنْ نَتَبَرَّرَ فِي الْمَسِيحِ، نُوجَدُ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا
خُطَاةً، أَفَالْمَسِيحُ خَادِمٌ لِلْخَطِيَّةِ؟ حَاشَا!. "
اليهودى
أو الأممى الذى إعترف بخطيته وآمن بالمسيح برره المسيح، فمن يعود بعد ذلك إلى
أعمال الناموس بعد قبوله الإيمان بالمسيح يعنى أنه وجد أن الإيمان بالمسيح لم يكفه
لأن يتبرر أو أن الإيمان بالمسيح عاجز عن تبريره: نُوجَدُ أَنْفُسُنَا خُطَاةً: خطاة
لأن المسيح وحده لم يستطع أن يطهرنا وإننا فى احتياج لناموس موسى لنتطهر من
خطايانا.
أَفَالْمَسِيحُ خَادِمٌ لِلْخَطِيَّةِ:
1.
تعنى أن الإيمان بالمسيح لم يستطع سوى أن
يظهر له أنه خاطئ ومحتاج للناموس وتبرير الناموس.
2.
إذا كان نسياننا للناموس لأجل المسيح لا
يبررنا بل يديننا، إذاً فإيماننا بالمسيح سيكون سبباً لدينونتنا ويكون المسيح هو
السبب فى خطيتنا ودينونتنا.…..لماذا؟
3.
المسيح هو الذى ألغى أحكام الناموس إذ قال
"من آمن واعتمد خلص" (مر16:16)، وقال
أيضاً
"الذى
يؤمن به لا يدان" (يو18:3)، وقال "من
آمن بى ولو مات فسيحيا" (يو25:11). وفى
كل هذا لا إشارة للناموس، *فهل قادنا المسيح لأن نخطئ ونؤمن به تاركين الناموس، *وهل
أخطأ المسيح إذ لم يشر للناموس كطريق للخلاص، *إنما
تكلم فقط عن الإيمان به والمعمودية؟ حاشا.
ويقول
بولس إن من
يفعل هذا لن ينفعه المسيح شيئاً (غل4:5) وأنه
قد سقط من النعمة. فمن لا يثق فى المسيح كمخلص وحيد فهو لا يؤمن به. ومن لا يؤمن
به لن يرضيه "بدون إيمان لا يمكن إرضاءه" (عب6:11). ومن
لا يرضيه لن يحصل على نعمته.
آية (18):- "18فَإِنِّي إِنْ كُنْتُ
أَبْنِي أَيْضًا هذَا الَّذِي قَدْ هَدَمْتُهُ، فَإِنِّي أُظْهِرُ نَفْسِي
مُتَعَدِّيًا. "
حين
آمنوا بالمسيح وتبرروا بالإيمان، هم هدموا العوائد الناموسية وبعودتهم الآن لها،
يحسبون أنهم بهدمهم للعوائد الناموسية قد أخطأوا إذ تعدوا على الناموس سابقاً.
آية (19):- "19لأَنِّي مُتُّ
بِالنَّامُوسِ لِلنَّامُوسِ لأَحْيَا للهِ.
"
لأَنِّي مُتُّ بِالنَّامُوسِ: لقد
حكم اليهود على المسيح بالصلب بحسب الناموس، إذ حسبوه ضالاً ومضل (مت63:27)، وأنه
قد جدف ومستوجب الموت (مت65:26، 66).
ونحن حسب الناموس خطاة مستوجبين الموت. فكيف نموت ليستوفى الناموس حقه ، ونظل
أحياء فى الوقت نفسه. كان هذا بأن المسيح أسس لنا سر المعمودية لنموت معه. فنحن
نموت مع المسيح فى المعمودية لنكمل قوانين الناموس. فنحن
نموت بالناموس أى بحسب حكم الناموس الذى حُكِمَ به على المسيح.
لِلنَّامُوسِ:
قوله بِالنَّامُوسِ يقصد به لقد نفذت
فينا أيها الناموس إرادتك بأن نموت. وها نحن قد متنا في المعمودية. وقوله لِلنَّامُوسِ يعنى أنه بعد أن متنا بحسب أوامر
الناموس: ما هو موقفنا الآن من الناموس، أو ما هو موقف الناموس منّا، إذ نحن الآن
أموات. نحن الآن أموات أمام الناموس. والرسول يقصد بهذا: ماذا تريد منا أيها
الناموس الآن ونحن أموات. وقوله لِلنَّامُوسِ
= بعد الموت ما هو موقفنا من الناموس؟ نحن الآن أموات أمام الناموس. الناموس
يستطيع أن يحكم بالموت على الأحياء، لكنه بلا سلطان على الأموات. فإذا كنا قد متنا
مع المسيح، فالناموس لا سلطان له علينا. نحن فى المعمودية متنا وقمنا مع المسيح.
ونحن قمنا بحياة المسيح فينا، وحياة المسيح فينا حياة أبدية "عَالِمِينَ
أَنَّ ٱلْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ لَا يَمُوتُ أَيْضًا. لَا
يَسُودُ عَلَيْهِ ٱلْمَوْتُ بَعْدُ" (رو9:6). الناموس بلا قوة ضدنا فنحن
أموات إذ تم تنفيذ حكم الموت فينا، ولنا أيضاً حياة أبدية فهو غير قادر أن يميتنا.
فمن يرجع للناموس الآن ماذا يريد؟ هل يريد أن يحكم الناموس عليه بالموت
ثانية. ولنلاحظ أن الناموس يقف عاجزاً عن الحكم على الأموات، وحقاً نحن متنا فى
المعمودية، وعلينا أن نظل أموات والناموس عاجز عن الحكم علينا
إذا جاهدنا أن نظل أموات عن الخطية (رو11:6 + كو5:3)
لذلك نجد بولس الرسول هنا يقول "مع المسيح صلبت."(آية20) فهو
يقدم جسده ذبيحة حية (رو1:12)،
ويصلب أهواءه وشهواته (غل24:5) حتى يحيا المسيح فيه، ويظل الناموس عاجزاً عن الحكم
عليه بالموت ثانية. لأَحْيَا للهِ: ولكن أى نوع من الحياة؟ هذا يشرحه فى (آية20)،
والتي منها نفهم أن الحياة التى فيه هي حياة المسيح. وقارن مع (فى21:1). ويحيا
المسيح فيه ويصير هو نبع حياته، وأفكاره، وأقواله، وأعماله. بل تصير أعضاؤه هى
أعضاء للمسيح الذى يحيا فيه "أفآخذ أعضاء
المسيح وأجعلها أعضاء زانية" (1كو15:6). وحياة المسيح التى فينا هى حياة
أبدية. وإذا كنا أحياء فى المسيح فالناموس أيضا لا سلطان له أن يحكم علينا بالموت،
فالحياة التى فينا هى حياة أبدية، هى حياة المسيح الذى لن يموت ثانية (رو9:6).
آية (20):- "20مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ،
فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي
الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي
أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي.
"
مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ:
المسيح صُلِبَ لأجلى وأنا بولس صُلِبت معه. من يقول هذا هو من صلب الجسد مع الأهواء
والشهوات (24:5) كما فعل بولس الرسول الذى كان يقمع جسده ويستعبده (1كو9 : 27)، وأيضا
صُلِب للعالم والعالم صُلِبَ له (14:6) أى يقف كميت مصلوب أمام الأهواء والشهوات.
وكلمة صًلِبتُ فى هذه الآية جاءت فى اليونانية
فى صورة فعل استمرار، فحياتنا المصلوبة عن العالم حياة مستمرة ومن يضع هذا فى قلبه
ويصمم على أن ينفذه يعينه الروح القدس(رو8 : 26) .
ومن
يحيا هكذا يكون المسيح حياته: فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ: فأنا
أصلب نفسى = (جسدى مع أهوائى وشهواتى) لا لأموت بل لأقوم مع المسيح = بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فالمسيح قام
ليعطينى حياته لأحيا بها إلى الأبد وتثبت فىَّ
حياة المسيح، على أن أكون ممن قيل عنهم "ٱلَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ
صَلَبُوا ٱلْجَسَدَ مَعَ ٱلْأَهْوَاءِ وَٱلشَّهَوَاتِ" (غل24:5). والمسيح
أعطانى حياته لكى أحيا حياة أبدية: لا لأهتم بشهوات الأرض، بل
لكى
أكون مهتما بالسماويات لا الأرضيات. فحياتى الجديدة هى حياة المسيح السماوى "فَإِنْ
كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فَٱطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ
ٱلْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ ٱللهِ" (كو1:3) وأيضاً
"وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى ٱلْأَشْيَاءِ ٱلَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى
ٱلَّتِي لَا تُرَى. لِأَنَّ ٱلَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا ٱلَّتِي لَا
تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو18:4). ويقول القديس بولس الرسول "حَامِلِينَ
فِي ٱلْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ
يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا" (2كو10:4) = فلكى تظهر حياة يسوع فينا يجب أن
نمارس حياة الإماتة عن الشهوات الأرضية ونتطلع للسماويات. ولاحظ أن حياة المسيح
القائم من الأموات، الأبدية، قد إتحدت بجسده المائت (مائت بحياة آدم التي أخذها من
العذراء مريم)، لذلك تظهر حياة المسيح فينا حينما نمارس حياة الإماتة = صلب الجسد
مع الأهواء والشهوات.
وهذا
تم بالمعمودية ولكنه يتجدد ويستمر فىَّ بإيمانى وجهادى أن أقف أمام الخطية كميت.
والروح القدس يسكن فىَّ لأن المسيح ثابت فىَّ (هذا ما حدث فى المعمودية رو5:6)
والمسيح يثبت فىَّ ويحيا فىَّ بالروح القدس المحيى (2كو21:1).
هناك من يدخل فى الرهبنة ليصلب نفسه عن العالم. وهناك من يعيش فى العالم حارماً
نفسه من ملذاته ليصلب نفسه عن العالم. ومن لا يفعل هذا ولا ذاك يساعده المسيح
بصليب من عنده (تجربة) ليحيا فيه لذلك علينا أن نفرح فى
التجارب (يع2:1)، فهى
طريق لحياة المسيح فينا.
فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ: أى
لا داعى للموت حقيقة ولا داعى للانسحاب من هذا
العالم، إنما بالإيمان نشترك مع المسيح فى صلبه وقيامته، فنموت عن الإنسان العتيق
ونحيا لله فى المسيح، ونحن ما زلنا فى
الجسد.
أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ:
المسيح يحل بالإيمان فى قلوبنا (أف17:3) فنحن
لا نرى بعيوننا الجسدية هذا الحلول، ولا حياة المسيح فينا، وسنستمر فى شكلنا
الحالى. ولكن بالإيمان يحيا المسيح فىَّ ويستعمل أعضائى كأعضاء له، كآلات بر تعمل
لمجد اسمه.
الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي: هنا
نرى العلاقة الشخصية التى تربط بولس بالمسيح. هذه مثل "أنا
لحبيبى وحبيبى لى" (نش3:6). الكنيسة كلها بكل أفرادها هي عروس واحدة لعريسها المسيح.
وحينما علمنا الرب يسوع أن نصلى علمنا أن نقول "أبانا الذى – إغفر لنا ذنوبنا
… إلخ" والمقصود شعورنا بأن الكنيسة كلها جسد واحد. والله أبُ لنا جميعاً.
ولكن هناك علاقة شخصية بين كل فرد على حدة مع المسيح. وهذه العلاقة الخاصة هى
التى يطلبها السيد المسيح حين يطلب أن من يريد أن يصلى عليه أن يدخل إلى مخدعه
ليصلى، فهى علاقة خاصة.
آية (21):- "21لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ
اللهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ
سَبَبٍ! "
لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ.: يريد
الرسول أن يقول أنا لن أعمل مثلكم يا أهل غلاطية، ولن أوافقكم على ما تقولونه إن
الختان أو أعمال الناموس شرط للخلاص. هل أعود للناموس الذى يحكم علىَّ بالموت
وأترك النعمة التى أماتت فىَّ الإنسان العتيق (أى قتلت الخطية وأبطلتها) وأعطتنى
بالحب حياة المسيح. فمن يعود ويقول إن أعماله أو
أعمال الناموس تخلصه فهو يبطل عمل النعمة. وإن كانت أعمال الناموس كافية للخلاص
فلماذا مات المسيح إذاً: إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ
سَبَبٍ: هذه
الآية الأخيرة رد على من يقول إنه لا داعى
للإيمان حتى يخلص الإنسان. فإذا كان الخلاص
لكل إنسان حتى بدون إيمان – فَالْمَسِيحُ
إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ.
آية (1):- "1أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ
الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ
الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ
مَصْلُوبًا! "
أيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ=
(راجع تفسير
الأغبياء
فى
الصفحة الأولى
من
المقدمة).
السيد
المسيح حين قال:
"من
قال لأخيه يا أحمق…" كان
هذا بعد قوله:
"من يغضب على أخيه باطلاً.." ،
وباطلاً تعنى أن تهين شخصا لأسباب دنيوية كأن
يهينك مثلاً.
وبولس
لم يغضب عليهم ويصفهم بالأغبياء باطلاً أى لأسباب شخصية، بل
كان له سبب
وجيه، هو
خوفه على
خلاص نفوسهم.
حزن
بولس وغضبه يرجعان
لسرعة اٍرتداد الغلاطيون للعبودية بعد أن تعب معهم وأراهم طريق النعمة وطريق الحرية وطريق الإيمان، بسبب
الاخوة
الكذبة.
رَقَاكُمْ: الرقية
هنا هى السحر،
أى
من كتب لكم
تعويذة أو سحراً، فإرتدادهم كان سريعا بدرجة عجيبة
كأن
عقلهم فى غيبوبة لذلك
أسماهم
بالأغبياء.
فهم
قد عميت عيونهم كأنها بسحر شيطانى، فلم يعودوا يميزون الحق من الباطل. وذهبى الفم يقول إن الرُقية
هنا ناتجة ليس عن سحر حقيقى، بل هى ناتجة عن حسد الاخوة
الكذبة بمفهوم
العين الشريرة
الحاسدة،
وهم
حسدوهم على الحرية التى هم فيها، فأرادوا أن يزعزعوهم عن الحق الذى هم فيه. الشيطان
أغواهم لكى لا يطيعوا الحق. ومن المؤكد أن بولس الرسول لا يؤمن بهذه
الأفكار (الرقية والحسد) ولكنه تعبير دارج للشرح.
قَدْ رُسِمَ: فيها تصوير لطريقة
عمل الروح القدس الذى تكلم على لسان بولس الرسول فى شرح عمل
المسيح كأنه قدم
لهم
لوحة
مرسومة، وهذا عمل الروح القدس معنا دائما (يو16 : 14)، فهو أوضح
لهم كل صفات
المسيح، قوته
ومحبته
وتواضعه…
وأَوضَحْ
صفة تميز شخص المسيح، وتبرز
صفاته
كلها هى صليبه
(1كو23:1+
2:2). وهذه
الصفة هى التى
أثرت
فى الغلاطيين وألهبت قلوبهم بحب المسيح. ونلاحظ
أنه ليس
من المهم أن
نعرف شكل المسيح جسديا، فعين الإيمان
ترى بوضوح أكثر من عين الجسد، ولنلاحظ ان الروح القدس هو الذى يعطى هذه الرؤية.
فبعين الاٍيمان
نرى المسيح مصلوبا بحب وبذل عجيب عنا وهذا لا تراه عين
الجسد.
فاليهود رأوه
بعيونهم الجسدية مصلوباً ولم يروا حبه، رأوه
بالجسد وصلبوه.. رأوه ولم يؤمنوا به ولم يحبوه. وحتى
تكون لنا العيون الداخلية التى نرى بها الله
والأذان التى
تميز صوته، وحتى
نتذوق حلاوة عشرته، هذا يستلزم نقاوة القلب ويستلزم القداسة (مت8:5+عب14:12) .
قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا =
صورة المسيح المصلوب هي الصورة المحببة للرب يسوع، فهى أوضح إعلان عن محبته. لذلك
إستخدم الملائكة لقب يسوع المصلوب حتى بعد أن قام – يوم قيامته – صباحا "فَأَجَابَ
ٱلْمَلَاكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ: «لَا تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ
أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ ٱلْمَصْلُوبَ" (مت5:28). وإستخدم القديس بولس الرسول نفس الأسلوب في هذه الآية وفى "وَلَكِنَّنَا
نَحْنُ نَكْرِزُ بِٱلْمَسِيحِ مَصْلُوبًا" (1كو23:1). وأيضاً "أَنِّي
لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلَّا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ
وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (1كو2:2). بل أن الصورة التي أراد الرب يسوع أن يضعها
أمامنا يومياً على المذبح في كل قداس: جسده المنفصل عن دمه، جسده ممزق في الصينية،
ودمه منفصل عن جسده في الكأس. فهذا ما تم بالصليب، المسيح سفك دمه بالكامل وإنفصل
دمه عن جسده إعلاناً عن محبته العجيبة لنا.
آية (2):- "2أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ
مِنْكُمْ هذَا فَقَطْ: أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ
بِخَبَرِ الإِيمَانِ؟"
هذه
سخرية
من بولس الرسول عليهم. هذه مثل
مدرس أجابهُ
تلميذ بإجابة خاطئة جدا فسخر منه قائلاً: "علمنى
من أين أتيت بهذه المعلومات الخطيرة". فهم آمنوا وحلَّ عليهم الروح القدس وابتدأ
يعمل فيهم بقوته
أعمال إعجازية
عجيبة وأعطاهم مواهب ألسنة
وشفاء. وهم
قد إختبروا كل هذا، فكيف بعد ذلك يصدقون الإخوة الكذبة أن
أعمال الناموس
لازمة للخلاص.
آية (3):- "3أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ!
أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟"
عمل
الروح القدس فينا هو أنه يهدم الإنسان
العتيق الذى فينا ويبنى الإنسان الجديد الذى
هو على صورة المسيح. وهذا قطعا لمن آمن وإعتمد وحل
عليه
الروح القدس وكانت له إرادة
التغيير التى
تظهر فى جهاده "كم
مرة أردت.. ولم تريدوا" (مت37:23)
وكلما مات فينا الإنسان العتيق وقام الانسان الجديد نَكْمُلْ. وهذا
معنى نَكْمُل
بالروح،
أى هذا الكمال هو عمل الروح القدس فينا، وعمل الروح فينا يستمر العمر كله لنقترب
من صورة المسيح (غل4 : 19). وغباوتهم هنا راجعة لأنهم لجأوا لعمل
جسدى هو الختان ليكملوا، فهل عجز الروح القدس عن أن يكملهم وكأن الختان قادرا أن
يقوم بما عجز عنه الروح.
ومن
يعمل ما عمله
الغلاطيون يكون بلا
حكمة
:
أَغْبِيَاءُ: فهم بعدما حصلوا
على الروح القدس باعتباره القوة التى تغير طبيعتنا لنصير خليقة جديدة ، وجدهم
الرسول عادوا لأعمال الجسد من ختان وتطهيرات ناموس ليكملوا. ويسميها الرسول هنا
ممارسات جسد لأن فرائض الناموس تعتمد على ممارسات ظاهرية وخارجية، ولا تمس أعماق
الحياة الباطنية، ولذلك قال عنها أنها لا تستطيع إلا أن تطهر الجسد (عب 13:9) . هنا
الرسول يتعجب منهم كيف يعودون لأعمال الجسد بعد أن إختبروا عمل الروح فيهم. ولاحظ
أنه يستعمل كلمة الجسد، فالجسد ضعيف وله شهواته الخاطئة إشارة لضعف الطرق التى إرتدوا
إليها.
آية (4):- "4أَهذَا الْمِقْدَارَ
احْتَمَلْتُمْ عَبَثًا؟ إِنْ كَانَ عَبَثًا.
"
هم
حين آمنوا تحملوا إضطهادات وأتعاب حتى
بلغوا الإيمان
الصحيح. وذلك من الوثنيين واليهود والإخوة الكذبة الذين
يزعجونهم، فهل ما تحملوه كان عبثاً أى بلا سبب. إِنْ
كَانَ عَبَثًا: أى هو ليس عبثاً قطعاً فأنتم تلمسون التغيير الذى حدث فيكم
والمواهب التى حصلتم عليها . أى لماذا إحتملتم ما إحتملتوه
من آلام، هل أخطأتم حين آمنتم، بل أنتم تخطئون الآن بارتدادكم.
آية (5):- "5فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ
الرُّوحَ، وَيَعْمَلُ قُوَّاتٍ فِيكُمْ، أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَمْ بِخَبَرِ
الإِيمَانِ؟"
فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ: الله
هو الذى يمنح الروح : والروح هو الذى يعمل قوات فيهم. أى
أن الله منحهم الروح وبدأ الروح يعمل قوات فيهم بعد إيمانهم، فلم يسمع أن يهودى فى ظل الناموس كان
يعمل قوات، وهم كأمم لم يعرفوا القوات (المعجزات والمواهب الروحية ) قبل إيمانهم.
فبولس هنا يلجأ للمنطق. وكأنه يقول… قارنوا بين حالكم الآن وحالكم قبل الإيمان. الآن
لكم مواهب وتعملون معجزات،
وهذا
بالإيمان بدون ناموس، واليهود أمامكم لم يكن لديهم القدرة على عمل قوات فى ظل ناموسهم، فلماذا
تعودون للناموس، فبماذا سيفيدكم الناموس. وفى هذه الآية نراهم يعملون معجزات
وفى الآية السابقة نراهم يحتملون الآلام لأجل المسيح، وإحتمال الألام هذه درجة
أعلى روحياً.
آية (6):- "6كَمَا «آمَنَ إِبْرَاهِيمُ
بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا»."
بعد
أن قدم الرسول أدلة من إختبارهم الشخصى ها هو يقدم أدلة من الكتاب، وهو هنا يقدم شخصية
من الكتاب يمجدها الجميع وهو إبراهيم الذى قيل عنه "آمن بالله فحسب له براً"
(تك 6:15) (ترجمة سبعينية). وهذا التبرير حصل عليه إبراهيم
قبل أن يختتن بحوالى 15 سنة. فالأمر فى الختان كان فى تك14:17 بل أن
إبراهيم قيل عنه أنه تبرر قبل ناموس موسى بحوالى 400 سنة. إذاً إبراهيم
قد تبرر دون ناموس ودون ختان.
آية (7):- "7اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ
الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ. "
كيف
يصير الغلاطيون أبناءً لإبراهيم وهم لم يعرفوه؟ البنوة
التى يتكلم عنها الرسول هنا ليست البنوة الجسدية، بل بنوة فيها يتشابه الابن
بأبيه ليس تشابه جسدى ولكن فى الصفات. فهم بإيمانهم شابهوا إبراهيم فى إيمانه، فليس من
المهم أن يجرى فى عروقهم دماء إبراهيم، بل أن يجرى فى قلوبهم إيمان إبراهيم. وهكذا
كل مؤمن هو إبن
لإبراهيم. وهذا هو ما قاله السيد المسيح لليهود (يو8 : 39 ، 44) .
آية (8):- "8وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ
فَرَأَى أَنَّ اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ، سَبَقَ فَبَشَّرَ
إِبْرَاهِيمَ أَنْ «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ»."
فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ: قيل
فى تك3:12
"تتبارك فيك جميع قبائل الأرض". وقيل
فى تك18:18 "ويتبارك
به جميع أمم الأرض". لقد
عاش الأمم فى ظلام دامس ولم تنقذهم فلسفاتهم من الخطايا ومن ألامهم.
والناموس كشف
لليهود عن خطاياهم ولكنه لم يخلصهم منها. لذلك صار الكل أمما ويهود فى إحتياج إلى مخلص الذى هو
المسيح. ولو كان بالناموس خلاص لبَشَّر الله إبراهيم بالناموس. ولكن الله بَشَّر
إبراهيم أنه
سيأتى من نسله من سيكون سبب بركة لكل العالم "ويتبارك
فى نسلك
جميع
أمم الأرض" (تك18:22). وإبراهيم
حصل على هذه البركة أن من نسله ستكون بركة لكل العالم لأنه آمن ، أى أن كل هذه
البركة كانت بالإيمان.
بَشَّرَ: كلمة يبشر تشير
لخبر مفرح. وقوله "لجَمِيعُ الأُمَمِ" يشير إلى علم
الله
السابق أن
الأمم سيدخلون فى الإيمان، فهو هنا قال جميع قبائل الأرض وجميع الأمم، فهو بهذا أدخل الوثنيون
مع اليهود فى البركة وفى
الموعد،
وأنهم بإيمانهم سيصيروا أبناء لإبراهيم. ونلاحظ كون أن
إبراهيم يتبرر
بالإيمان
(بالله). وأن فى نسله تتبارك الأمم بالإيمان (بالمسيح إبن الله) وهذا يعنى أيضاً الإيمان بالله.
ولكن بطريقة الخلاص التي رآها الله لكى نخلص بها. أي أن نموت مع المسيح فنحيا
ونتبرر بحياة المسيح فينا، بهذا يكون الناموس مجرد مرحلة مؤقتة.
الملخص:
– الرسول يريد أن يقول 1*أن الله كان في
خطته أن يُدخِل الأمم في البركة التي حَصُل عليها شعب اليهود قديماً. 2*وكانت
الطريقة التي رآها الله لذلك هو مجرد إيمانهم. 3*وبدأ الله تنفيذ هذا مع إبراهيم.
فسمعنا قول الكتاب عن إبراهيم "فَآمَنَ بِٱلرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا"
(تك6:15). 4*نرى هنا أن مجرد إيمان إبراهيم، جعله باراً أمام الله. 5*وبنفس
المفهوم قال القديس بطرس الرسول في مجمع أورشليم عن الأمم "وَٱللهُ
ٱلْعَارِفُ ٱلْقُلُوبَ، شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِيًا لَهُمُ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ كَمَا
لَنَا أَيْضًا. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ، إِذْ طَهَّرَ
بِٱلْإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ" (أع9،8:15). 6*وحينما تشابه إبراهيم والأمم بأنهم
آمنوا، صار الأمم المؤمنين أولاداً لإبراهيم بالإيمان.
7*قال الرسول عن الله "وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ"
(عب6:11). 8*وهنا نجد أن إبراهيم أرضَى الرب بإيمانه بالله، فباركه الرب، 9*وأتى
المسيح الذى سيبارك العالم كله من نسل إبراهيم. 10*وصار الإيمان بالمسيح إبن الله
خلاصاً للأمم وسبب كل بركة. وهذا يعنى أيضاً الإيمان بالله. ولكن بطريقة الخلاص
التي رآها الله لكى نخلص بها. أي أن نموت مع المسيح إبن الله، ونقبل أن نستمر
أمواتا أمام الخطية التي
في العالم، فنحيا ونتبرر
بحياة المسيح فينا، بهذا يكون الناموس مجرد مرحلة مؤقتة.
وهذا معنى فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ = وكيف يتبارك
الأمم؟ ذلك سيكون بالمسيح نسل إبراهيم = فِيكَ
تَتَبَارَكُ. وما هي
كيفية البركة؟ 1) بالإيمان به. 2) بالمعمودية "مَنْ
آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16:16). فبالمعمودية يموت الإنسان العتيق الذى
فينا، ويولد فينا إنساناً جديداً فتصير لنا حياة المسيح وبها نصنع البر فنتبارك.
وراجع الآيات "مع المسيح صلبت فأحيا، لا أنا بل
المسيح يحيا فىَّ" (غل22:2) ، "لى الحياة هي المسيح" (فى21:1) ،
"لِأَنَّهُ جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ
خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ"
(2كو21:5). وفى الآية الآخيرة نجد أن من يثبت في المسيح يصنع البر.
الآيات
(9-10):- "9إِذًا الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ
إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ. 10لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ
أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ
كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ
لِيَعْمَلَ بِهِ»."
هنا
نجد الرسول يرسم لهم طريق للبركة وطريق للعنة. فطريق البركة هو الطريق الذى سلكه إبراهيم
فتبرر وباركه
الله. وكان كل هذا
لأنه
آمن، أما
طريق الناموس فهو يقود للعنة إذ يقول الناموس إن كل
من لا يلتزم
بالناموس
هو ملعون (تث26:27).
وهنا سؤال لكل واحد فيهم… هل فيكم من
استطاع أن يلتزم
بكل
بنود ووصايا الناموس، لذلك من يرجع للناموس يجد أن الناموس يحكم عليه باللعنة. هل
كان لإبراهيم خطايا ؟ قطعًا كان له خطايا.
ولكن نوعية إيمان إبراهيم جعلت الله يبرره بالرغم من خطاياه. والسؤال هنا لأهل غلاطية….أى
طريق تختارون البركة أو اللعنة.. الإيمان أم
الناموس؟!.
وإيمان
إبراهيم كان يتلخص فى أن الله قادر أن يخرج حياة من الموت، فالله قادر أن يعطيه نسل
من مستودع ميت، والله قادر أن يقيم له إسحق بعد أن يقدمه ذبيحة. لذلك كانت العلامة
التى أعطاها الله لإبراهيم
فيصبح بها فى
عهد مع الله ولا
يُقطع من
شعب الله، أى تكون له حياة، هى علامة الختان. ولماذا
الختان بالذات؟ لأن الختان فيه إشارة لنوعية إيمان إبراهيم. فالختان هو قطع جزء من الجسم
وتركه ليموت، وبهذا يحيا الإنسان، فهو حياة بعد موت وهذا هو إيمان إبراهيم. ولذلك
قال عنه بولس إنه
ختم لبر الإيمان (رو11:4 وراجع تك9:17 – 14
وقارن تك4:17
مع رو17:4)، وهل
إيماننا بالمسيح فقط يبررنا؟ راجع المقدمة
لترى أن الإيمان
هو
المدخل لطريق التبرير. ولكن علينا أن نجاهد ونحيا حياة التوبة وبهذا نثبت فى المسيح، ومن هو
ثابت فى المسيح يحسب كاملاً، فالمسيح جاء ليكمل الناموس عنى، يكمل الناموس الذى لم
يستطيع أحد أن يكمله، وبذلك فكل من يثبت فيه يحسب كاملا (كو1 : 28). وحياة التوبة
هى أن نجاهد لنحيا كأموات أمام الخطية (رو11:6+ كو5:3) ومن
يخطئ عن ضعف يسرع بالتوبة والاعتراف (1يو8:1، 9)
وبهذا نظل
ثابتين فى المسيح. ختاماً نقول إن الختان كان
إظهاراً لنوعية إيمان إبراهيم ولكنه ليس شرطاً للخلاص بدليل أن إبراهيم
نفسه تبرر قبل أن يختن. وإيمان إبراهيم كان فى أن الله قادر أن
يخرج
حياة من الموت. ومن يؤمن بالمسيح القادر أن يعطيه حياة إن مات عن الخطية يتبرر (ليس المقصود أن يحيا الإنسان بلا
خطية تماماً بل أن يجاهد وإن سقط عن ضعف يتوب).
إذاً
كان الختان هو إظهار لنوعية إيمان إبراهيم الذى يتلخص في
أن المسيح قادر أن يُخرِج حياة من الموت. وهذا ما جعل القديس بولس الرسول يفهم أن
الختان كان رمزاً للمعمودية، فنجده يقول "وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا
غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا ٱلْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ
ٱلْمَسِيحِ. مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، ٱلَّتِي فِيهَا
أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ ٱللهِ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ مِنَ
ٱلْأَمْوَات. وَإِذْ
كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي ٱلْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ،
مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ ٱلْخَطَايَا" (كو2: 11-13). فالمعمودية فيها
نموت مع المسيح ونقوم ولنا حياة المسيح، فنصير أبناءً لله.
آية (11):- "11وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ
يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ
بِالإِيمَانِ يَحْيَا»."
راجع
المقدمة تحت عنوان الخلاص بالإيمان
نجد
الرسول هنا يلتقط آية
من
سفر حبقوق هى أن "البار بالإيمان
يحيا"
ويستشهد بها بأن الإيمان هو طريق الحياة. وهذه الآية من (حب4:2)، وقالها حبقوق
بقصد أن المؤمن بالله سينجو من الهلاك الآتى بيد بابل. قطعاً لو استطاع إنسان أن
يلتزم بالناموس بالكامل سيحيا ولن يهلك . ولأنه لا يوجد مثل هذا الإنسان، دبَّر
الله أن يكون الإيمان بالمسيح هو طريق التبرير وطريق الحياة.
آية (12):- "12وَلكِنَّ النَّامُوسَ
لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، بَلِ «الإِنْسَانُ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا»."
قيل
عن الناموس إن
الإنسان
الذى يفعلها يحيا بها (لا5:18). لكن
الناموس هذا يشمل وصايا
أخلاقية
كما يشمل أعمال تطهير وخلافه كالختان… إذاً نقطة البدء
فى الناموس هى
الأعمال.
النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ: فى المسيحية نقطة
البدء هى الإيمان، ومن يؤمن بالمسيح، فالمسيح يعينه
فى
كل شئ، بل بدونه
لا نقدر على شئ (يو5:15 + فى13:4).
لذلك الناموس
ليس من الإيمان، هو مختلف عنه تماماً. لأن الناموس **يركز
على أن أعمل أنا الأعمال**. أما
الإيمان بالمسيح فيعطينى أن**المسيح يحيا فىَّ** فتكون
لى أعمال
بر أعملها بالمسيح
الذى فىَّ،
هى أعمال نابعة من النعمة التي يعطيها لنا الروح القدس
والتى تأتى كثمرة للإيمان، ودليل على وجوده وفاعليته. ولذلك كان رد المسيح على سؤال اليهود
له "ماذا نعمل" قال "أن تؤمنوا": فَقَالُوا لَهُ: مَاذَا
نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ ٱللهِ؟ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا
هُوَ عَمَلُ ٱللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِٱلَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ" (يو29،28:6).
فالإيمان بالمسيح هو الذى سيعطينى أن أعمل أعمال بر. وبغيره لن أستطيع شيء كما قال
لنا "أَنَا ٱلْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ ٱلْأَغْصَانُ. ٱلَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ
وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لِأَنَّكُمْ بِدُونِي لَا
تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو5:15).
ولكن
وضع الله الناموس ليُعَلِّم الإنسان الطاعة والخضوع لله وكره الخطية والنجاسة، وكل الطقوس
والممارسات الشكلية فى الناموس كانت رمزا للمسيح. لذلك نسمع فى آية 24 أن الناموس مؤدبنا
إلى المسيح.
ولم يستطيع أحد أن يلتزم بالناموس، لكن بالمسيح استطعنا ذلك (رو
3:8، 4). ونحن فى المسيح الذى أكمل الناموس وحده نُحسب كاملين (كو28:1).
آية (13):- "13اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا
مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:
«مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ»."
هذه من (تث23:21). ولكن لماذا يصبح المصلوب ملعوناً؟ كان هذا لأن التدبير
الأزلى للفداء كان بأن المسيح سيموت مصلوباً. وتصبح هذه الوصية مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ نبوة
تشرح أن المسيح حينما يُصلب يصير لعنة لأجلنا ليرفع
عنا اللعنة. راجع مقالة "الصليب لعنة تتحول إلى بركة في نهاية
الإصحاح".
فى
(غل10:3
+ تث26:27) نرى
أن من لا يلتزم بكل
الناموس
يكون تحت اللعنة. وفى (غل12:3+لا5:18) من
يفعلها يحيا بها. وهذا ثبت
إستحالته.
لذا صار الكل تحت اللعنة. وهذا ما إعترف به الرسل فى (أع 10:15) أن وصايا الناموس
كانت كنير لم يستطيعوا أن يحملوه. والمسيح إفتدانا من هذه اللعنة لما حمل خطايانا فى جسده، ومات
تحت اللعنة على الخشبة (تث22:21،23) وبنفس المفهوم
قيل إنه
صار خطية لأجلنا (2كو21:5).
فالكهنة اليهود
حكموا
على المسيح بأنه مخالف للناموس أى خاطئ وأوقعوا عليه لعنة الناموس وحكموا بموته معلقاً
على خشبة رمزاً للعنة والعار. والمسيح رضى بالحكم ولم يعترض، فهو الحكم الصادر على
البشرية التى يحملها فى جسده معتبرا جسده ذبيحة خطية. واللعنة هى لعنة الله نفسه التى
تأكل بنار متقدة المضادين ولقد قبلها المسيح فى نفسه إذ صار هو لعنة وقَبِلَ أن تشتعل
فيه نار الغيرة الإلهية لتحمل لعنتنا.
ويقول
البابا أثناسيوس
الرسولى إن القول بأن المسيح
صار لعنة وصار خطية يشير إلى أنه قَبِلَ
اللعنة والخطية (صار منظره على الصليب منظر خاطئ مدان فهو حمل لعنتنا وحمل خطيتنا
ليميتها بموته) وذلك كقولنا
صار
جسداً (يو14:1) فهذا
لا يشير لتحوله إلى جسد بل أنه لبس جسدا (اتخذ له
جسدا)
مع
احتفاظه بلاهوته بلا تحول ولا تغيير. وهكذا هو صار له منظر الخطية واللعنة مع احتفاظه ببره
وقداسته. وهو حمل خطيتنا لنأخذ نحن بره
.
وقوله
صار خطية يوسع دائرة تحمل
المسيح
لخطايا البشرية لتتعدى الزمان والمكان بمعنى أنه صار كفارة أبدية. وهو لحمله خطايا كل
البشر صار لعنة بحسب الناموس= فكما رأينا ان الناموس يلعن المصلوب وصار خطية (1بط24:2)
وبموته قتل الخطية
لينقذنا
منها.
افْتَدَانَا: قارن مع (1بط18:1 – 20)
فهى
فدية على مستوى الذبيحة للكفارة + (أع28:20 + إش1:43،
3، 4، 14، 25
+6:44، 22 – 24)، فالرب
اشترانا لنفسه لمحبته. ويمكن أن نقول عن إنه صار خطية وصار
لعنة أن المسيح
ظهر فى شكل
جسد الخطية ومات بجسده ميتة ملعونة ناموسيا أى الصلب.
آية (14):- "14لِتَصِيرَ بَرَكَةُ
إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ
الرُّوحِ. "
قيل
فى تك3:12 "تتبارك فيك جميع قبائل الأرض" وفى آية8 من هذا الإصحاح يقول
الرسول. فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ: فما
الذى عطَّل هذه البركة عن أن تصل للأمم فورا بعد أن وعد الله إبراهيم بذلك؟ السبب
هو الخطية، واللعنة التى أصابت الجميع بسببها. إلى أن أتى المسيح وحملها عن الجميع
يهودا وأمم.
وكأن
لعنة الناموس ظلت حاجزة بين بركة إبراهيم والنسل الموعود له بالبركة
(أى الأمم كلها). وكان لا يمكن للبركة أن تصل لنا إلا بعد أن حمل المسيح اللعنة.
وبعد أن حملها تم الصلح مع الله بموت إبنه "لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ
أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ ٱللهِ بِمَوْتِ ٱبْنِهِ" (رو10:5). وبعد
الصلح حلت البركة على المؤمنين (أولاد إبراهيم بالإيمان) وكانت أعظم بركة هو الروح
القدس الذى نناله بالإيمان = لِنَنَالَ
بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ. لقد صار موعد
الروح بالإيمان = لمن يؤمن بالمسيح عوضاً عن موعد سيناء الذى
كان الناموس. لقد كانت عطية الله في العهد القديم هو الناموس، أما في العهد الجديد
فعطية الله للمؤمنين هو الروح القدس. ولقد صار الإيمان بالمسيح سبباً
فى رفع اللعنة عنا. فالصليب أزال اللعنة، والإيمان أعطانا التبرير. وكلما نجاهد
لنسلك فى البر تغمرنا نعمة الروح. لقد كان الناموس هو الخطوة الأولى للتعرف على
الله. ثم صار الإيمان هو واسطة نوال موعد
الروح.
آية (15):- "15أَيُّهَا الإِخْوَةُ
بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْدًا قَدْ تَمَكَّنَ
وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ.
"
أيُّهَا الإِخْوَةُ:
سبق وقال لهم يا أغبياء للتوبيخ وهنا يشجعهم بقوله لهم إخوة. فمن
الحكمة أن يقسو مرة عليهم، ومرة أخرى يعاملهم برفق ليجتذبهم. وهنا يلجأ بولس الرسول
لمنطق واضح جداً. أنه إذا وَعَد إنسان إنسان آخر بشئ، لا أجرؤ أنا أو غيرى أن نغير وعد هذا
الإنسان الذى وَعَد، ونضيف شروطا أخرى عليه. فما بالك بوعد الله لإبراهيم، فالله تعهد لإبراهيم
فكيف يجرؤ الإخوة الكذبة على نقض عهد الله بالزيادة أو بالنقصان، فهم يريدوا أن
يضيفوا ناموس موسى لوعد الله لإبراهيم؟
1
ـ إبراهيم يتبرر بالإيمان… راجع آية6… تك6:15
2
ـ فيك تتبارك كل الأمم…راجع آية 3 … تك3:12
وكانت
هذه الوعود لمجرد إيمان إبراهيم ، فمَنْ مِنْ حقه أن يضيف شيئاً آخر كالختان أو الناموس
الذين أتوا بعد وعد الله بسنوات طويلة. بولس يريد أن
يقول لأهل غلاطية، إن الله وضع شرط الخلاص والتبرير بالإيمان. إذاً
عليهم أن لا يضيفوا شيئا آخر على ما قاله الله لإبراهيم. ونلاحظ أن الناموس أتى بعد الوعد
بحوالى430 سنة ولم يذكر فى الوعد شئ عن حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان،
فإذا ما أضيف شئ، أى حفظ الناموس لوعد الله، يُساء
إلى العهد
الإلهى.
فهل يُغيِّر
الناموس الذى أتى بعد الوعد بـ430 سنة
وعد الله لإبراهيم؟ قطعاً لا. ووعد الله لإبراهيم بأن يبارك الأمم فيه (تك3:12) شرطه أن يشبهوا
أباهم إبراهيم ويؤمنوا مثله ويعملوا أعماله (يو8: 39) فيكونوا أولاده فى الإيمان (غل7:3
،8). فمن
يؤمن مثله يتبارك مثله.
بِحَسَبِ الإِنْسَانِ: أى
سأستعمل تشبيهات
بشرية.
آية (16):- "16وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ
فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ:«وَفِي الأَنْسَالِ»
كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ:«وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي
هُوَ الْمَسِيحُ. "
الكتاب
تكلم عن البركة التى ستكون لأولاد إبراهيم الذين يشبهونه فى إيمانه. فما
هى هذه البركة؟ هنا نسمع أنها نسل إبراهيم أى المسيح. ولاحظ بولس الرسول أن الكتاب قال "ويتبارك
فى نسلك جميع أمم الأرض" (تك18:22) ولاحظ
أن نسلك جاءت
بالمفرد. وهنا يقول أن الكتاب لم يَقُل "وفى
الأنسال" حتى
لا يقول اليهود
إنهم
هم الذين سيباركون العالم كأنسال إبراهيم بالجسد. وعود الله لإبراهيم بدأت فى (تك3:12 ثم18:18
ثم18:22)
وقارن
مع (رو13:4). وإبراهيم نال
هذه
البركة، أنه سيتبارك العالم كله فى واحد من نسله أى من أحفاده. والناموس لا يستطيع أن يلغى
هذا الوعد الذى أخذه إبراهيم خصوصاً أنه جاء بعد 430 سنة
من الوعد الذى
كان فى حاران.
آية (17):- "17وَإِنَّمَا أَقُولُ هذَا:
إِنَّ النَّامُوسَ الَّذِي صَارَ بَعْدَ أَرْبَعِمِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، لاَ
يَنْسَخُ عَهْدًا قَدْ سَبَقَ فَتَمَكَّنَ مِنَ اللهِ نَحْوَ الْمَسِيحِ حَتَّى
يُبَطِّلَ الْمَوْعِدَ. "
430 سنة:
هى المدة ما بين تاريخ الوعد الأول (تك2:12و3) حتى ناموس موسى.
من
هذه الآية نفهم أن المدة التى قضاها بنى إسرائيل فى مصر لا تتعدى 215 سنة. فالوعد
لإبراهيم كان وعمره 75 سنة. وإبراهيم ولد
إسحق وعمره 100 سنة. إذاً المدة من الوعد حتى ولادة إسحق = 25 سنة. وإسحق
ولد يعقوب وعمره 60 سنة. ويعقوب نزل مصر وعمره 130 سنه. فتكون المدة من الوعد حتى النزول لمصر
هى =25+60+130=215 سنة. وبالتالى تكون مدة بقاء بنى إسرائيل فى مصر=
430-215=215 سنة. أما لماذا قال الله إن نسل إبراهيم سيتغرب
400 سنة تك 13:15
فذلك
لأن مدة الـ400
سنة تشمل مدة بقاء إبراهيم وإسحق ويعقوب فى أرض فلسطين كغرباء دون أن يمتلكوها.
ولاحظ أنه حين
يقول 400 سنة فهو يبدأ فى حساب المدة من يوم أهان إسماعيل أخوه إسحق تك9:21 فكلمة يمزح تعنى فى اللغة
الأصلية يسخر
منه. هذا
بالإضافة لأن إبراهيم وإسحق ويعقوب عاشوا فى الأرض التى وعدهم الله بها كغرباء فى
خيام (إبراهيم إشتهر بأنه كان له خيمة ومذبح) ولم يمتلك فى أرض الميعاد سوى مقبرة
مغارة المكفيلة إشارة لطبيعة حياتنا كغرباء فى هذا العالم (عب 10،9:11) ولكن نسل
إبراهيم وإسحق ويعقوب هم الذين إمتلكوا الأرض بعد ذلك.
ووعود
الله ثابتة للأبد، ووعد الله يتركز فى الإيمان بنسل إبراهيم الواحد والذى فيه
تتبارك كل الأمم. وغلطة المتهودين أنهم حسبوا أن الناموس التأديبى قادر أن ينسخ= أى
يلغى العهد المجانى لإبراهيم. هؤلاء تمسكوا
بناموس يؤدب بالموت واللعنة كل من يتعدى عليه، ويبطلوا عهد الإيمان المجانى بالبركة.
هؤلاء لم يفهموا أن الناموس (أى قانون) دائما للعقاب أما وعد الله لإبراهيم فيتضمن الميراث المجانى لمن يؤمن (رو17:8).
آية (18):- "18لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ
الْوِرَاثَةُ مِنَ النَّامُوسِ، فَلَمْ تَكُنْ أَيْضًا مِنْ مَوْعِدٍ. وَلكِنَّ
اللهَ وَهَبَهَا لإِبْرَاهِيمَ بِمَوْعِدٍ."
هذه
الآية تعنى ببساطة أن هناك طريقين للوراثة:
1)
إما
بأعمال الناموس. 2)
أو بوعد
من الله.
(وكان الوعد سابق للناموس).
والآن
لنرىَ ماذا سنرث؟
مجد
أبدى وفرح أبدى، ما
لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على بال إنسان. وأجسادنا يصير لها نفس مجد جسد
المسيح فنصير مثله (1كو9:2
+ فى
21:3 +1يو2:3). فإن فهمنا أن الميراث سيكون فى نظير أعمال، فما هو العمل الذى يوازى ما
سنحصل عليه فى السماء.
الناموس
يلزم الخاطئ بتقديم شاة أو غسل يديه، فهل هذه الأمجاد السمائية تناظر شاة. لقد
تساءل هذا السؤال ميخا النبى فقال: "بم
أتقدم إلى الرب… هل يسر الرب
بألوف الكباش. بربوات أنهار زيت" (مى6:6، 7)، ويجيب ميخا عن ما الذى يفرح
الرب حقيقة وأجاب النبى قائلا : "أن
نصنع الحق ونحب الرحمة ونسلك بتواضع مع
الله" (مى8:6). إن
الله
لا يُسَّر
بألوف الكباش لأنه قدم ابنه محرقة، ولن أقدم أنا زيتاً
لله،
فالله
هو الذى
سكب الروح
القدس على الكنيسة وملأنا نعمة لتغيير طبيعتنا، وبالطبيعة الجديدة نخلص. أعمالنا
لن تخلصنا وإلا ما كان المسيح قد تجسد وصلب. ولكن حتى نمتلئ من النعمة علينا أن نجاهد
وهذا ما قاله ميخا: "أن نصنع الحق
ونحب الرحمة…".
إن
من يتصور أنه يرث البركة بسبب الناموس فهو يلغى الوعد بالبركة الذى أعطاه الله
لإبراهيم بالإيمان. وبنفس المنطق لا يصح أن أقف أمام الله وأقول: أنا
صليت لك وصمت لك وخدمتك… فلماذا تسمح لى
بكذا وكذا
من التجارب. لا يصح أن نتفاخر بأعمالنا أمام الله فهذا هو البر الذاتى الذى تكلم عنه
المسيح: "لا
تعلم شمالك ما تفعله يمينك".
آية (19):- "19فَلِمَاذَا النَّامُوسُ؟
قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ
وُعِدَ لَهُ، مُرَتَّبًا بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ. "
هنا
يبدأ الرسول فى بحث جديد وهو إذا كان الوعد بالبركة مجاناً بالإيمان
فلماذا الناموس؟ ونفس السؤال أجاب عنه فى رسالة رومية (راجع المقدمة تحت عنوان
عمل الروح القدس فى تجديد طبيعة الإنسان ).
قَدْ زِيدَ: أى أضيف على
الوعد بالإيمان. بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ: بعد
سقوط آدم تحجر قلب
البشر
وصاروا ينحدرون من مستوى إلى مستوى أحط وزادت التعديات. وبعد خروج بنى إسرائيل من
مصر، خطط الله ليجعلهم شعباً مقدساً فكان أن أعطاهم الناموس عوناً ليسيطر على
أخلاقهم الشرسة ويهذبهم. كان الناموس كلجام لهم ليضبطهم حتى لا ينفلتوا فى الشر
خوفاً من عقوبات الناموس وتأديبه. والناموس عرَّفَ الخطية وأدخل الخاطئ تحت عقوبة
الموت. وبولس هنا يشرح أن عمل الناموس كان إلى أن يأتى النسل الموعود به الذى
ستكون به البركة، لكل من يؤمن به فى موعد محدد أزليا أسماه الرسول ملء
الزمان أى الزمان المناسب. فالفداء وإرسال الروح القدس سيغير طبيعتنا كطريق للخلاص
مُرَتَّبًا بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ: بولس
يشرح هنا التقليد اليهودى أن الله أعطى الناموس لموسى
كوسيط بينه وبين الشعب. وعين الله ملائكة خاصة ليسلموا موسى الناموس ويشرحوه له
(أع 53:7 + عب 3،2:2). وربما
هذا ما عناه موسى فى تث2:33. وهكذا كان ملاك مرافق ليوحنا فى رؤياه ليشرح له. وهذا
الناموس تم تسليمه بيد ملائكة ولم يسلم لإسرائيل رأساً شأن وعد الله لإبراهيم،
الذى إستلمه إبراهيم مباشرةً من الله. وكان موسى وسيط
بين الله والناس ليُذَكِّر بالمسيح الوسيط بين الله والإنسان، المسيح الذى سيأتى
فى ملء
الزمان.
آية (20):-
"20وَأَمَّا الْوَسِيطُ فَلاَ
يَكُونُ لِوَاحِدٍ. وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ.
"
أَمَّا الْوَسِيطُ فَلاَ يَكُونُ لِوَاحِدٍ: فى
العهد القديم. الأمر إستلزم أن يكون هناك وسيط بين
الله والناس وهو موسى. فالله يعطى الناموس للملائكة، والملائكة تعطيه لموسى، وموسى
يعطيه للشعب. وقوله الوسيط لا يكون لواحد تعنى أنه طالما هناك وسيط، فهذا الوسيط
يكون بين طرفين والطرفين هنا هما الله والشعب. وَلكِنَّ
اللهَ وَاحِدٌ: أما فى العهد الجديد
فلم
يكن هناك وسيط بين طرفين، بل أن الله تجسد وإتحد بالطبيعة البشرية.

الرسول
يريد أن يقول هل تريدون أن ترتدوا من هذا الوضع الذى صرتم فيه واحداً مع المسيح،
إتحدتم به. والمسيح هو الله، لتعودوا للناموس ويكون هناك وسيط بينكم وبين الله.
ونلاحظ قول بولس الرسول "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس
الإنسان يسوع المسيح" (1تى5:2). إستشعر
الإنسان فى
العهد
القديم غضب الله، فطلب أيوب وسيطًا بينه وبين الله
فقال "ليس بيننا مصالح يضع يديه على كلينا، ليرفع عنى عصاه ولا
يبغتنى رعبه، إذاً أتكلم ولا أخافه" (أى33:9
– 35). فهو
اشتهى وجود مصالح بين الله وبينه ليرفع الله غضبه عنه. وكمرحلة أولى نجد الله يرسل
موسى كوسيط بينه وبين البشر، وناموس موسى كان معاهدة بين الله
والشعب اليهودى.
ويظل الاتفاق سارى المفعول طالما ينفذ كلا الطرفين بنوده بكل دقائقه وحذافيره.
ولكن الشعب اليهودى لم يلتزم ولذلك ثبت بطلان وعدم نفع الناموس الذى كان وسيطه موسى. وفى
العهد الجديد كان الوسيط بين الله والإنسان هو الله يسوع المسيح. إذاً
لا وسيط آخر بل الله الواحد لذلك ارتفع مستوى العهد الجديد عن العهد القديم الذى إستلزم
وسيطاً من البشر ومن الملائكة، وفى العهد
الجديد لا يوجد طرفى تعاهد، بل يوجد واحد هو الله معطى الوعد، والله الذى اتحد بالطبيعة
البشرية، فالله المعطى هو كل شئ وهو الوسيط. والإنسان قابل
العطية قد إتحد به الوسيط إبن الله. والعطية كانت هى هذا الإتحاد. لم يعد هناك
طرفان بينهما وسيط، فالله
المسيح
أخذ جسداً وتأنس واتحد بالبشرية. الله صار هو كل شئ، لم يعد يظهر فى الصورة سوى الله،
فالإنسان مهما كان هو لا شئ أمام الله. وهذا هو ما سنصل إليه فى اليوم الأخير حين يكون
الله الكل فى الكل (1كو28:15).
والكل سيكون خاضع لله. وبهذا المفهوم أيضاً يكون وعد الله لإبراهيم أعلى درجة من وعد الله
للشعب بالناموس، إذ لم يكن وسيط بين الله وإبراهيم. ولأن الله الذى اتحد بالبشر
واحد، فهو سيجمع اليهود والأمم لأنه إله الجميع يهود وأمم.
آية (21):- "21فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ
مَوَاعِيدِ اللهِ؟ حَاشَا! لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ،
لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ.
"
الآية
(8) :- كان تدبير الله أن يبرر الأمم بالإيمان.
فلم يوجد من إستطاع أن ينفذ كل وصايا الناموس، ومن سقط في
وصية واحدة فهو ملعون. ولاحظ قول القديس بطرس
الرسول في
مجمع أورشليم حينما أراد المتهودين إلزام الأمم الداخلين للإيمان بالمسيحية أن
يلتزموا أولاً بالناموس "فالآن لماذا تجربون الله بوضع نير على عنق التلاميذ
لم يستطع أباؤنا ولا نحن أن نحمله" ((أع10:15). ولأن الناموس مع كماله لم
يستطع أحد أن يلتزم به فيتبرر، قام المسيح بعمل الفداء لنتبرر :-
التبرير
والخلاص هما بالمسيح = 1) ابن الله يتجسد
ويموت ويقوم. 2) نموت مع المسيح بالمعمودية فتموت خطايانا فترفع اللعنة. ونقوم مع
المسيح بحياة جديدة وخليقة جديدة. 3) تكون لنا حياة المسيح نسلك بها في بر. 4)
ولكن مجئ المسيح سيأتى في ملء الزمان أي الميعاد المحدد أزلياً بحسب التدبير
الإلهى. 5) وكان تدبير الناموس للسيطرة على خطايا البشر الذين سيولد المسيح منهم
(المسيح والعذراء أمه ورسله).
الآيات (10،9) :- ما
يُعَطِّل هذا التبرير هو اللعنة التى لحقت بالبشر بسبب الخطية. وخطية واحدة تجعل
الإنسان ملعوناً في ظل الناموس (يع10:2).
الآية (13) :- كان
على البشر أن ينتظروا حتى يرفع المسيح اللعنة بصليبه ليتبرروا.
الآية (14) :- بعد
أن رفع المسيح اللعنة تَصِيرَ بَرَكَةُ
إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.
فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ مَوَاعِيدِ اللهِ…
هذا سؤال
يسأله بولس الرسول. لأَنَّهُ
لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ…هذا
شرح للسؤال
وإجابة هذا السؤال نجدها فى آية 22.
والجزء
الثانى من الآية هو نفسه تكرار للآية 21:2 "لأنه
إن كان بالناموس بر، فالمسيح إذاً مات بلا سبب". هنا بولس يتساءل. إذا
كان وعد الله له كل هذه البركات، والناموس صار سبب لعنة لمن يخالف وصاياه، ولم يوجد من إستطاع
الإلتزام
بكل
الناموس. فهل الناموس ضد مواعيد الله. ويسترسل بولس الرسول ليقول، إننى أسأل هذا السؤال لأنه لو وُجِدَ ناموس
يقدر أن يعطى حياة وبر، لكان الله أعطانا
هذا الناموس:
لأن الله يريد
أن
يعطينا حياة وأن يبررناـ فى نظر
الرسول أن
الناموس مقدس والوصية مقدسة (رو12:7).
ولكنه لم يستطع أن يكمل وعد
الله
لإبراهيم. فالناموس حكم بالموت واللعنة بينما وعد الله بركة وحياة. ولو كان هناك ناموس يعطى
حياة لوفر الله على نفسه مشقة الصليب. الناموس لا يقاوم مواعيد الله فكلاهما
مصدرهما الله ولكن هذا كنور الشمس (الوعد) وذاك كنور شمعة (الناموس) ومع
هذا أفرز الناموس قديسين وأنبياء أطهار، وكان الشعب اليهودى أفضل بمراحل ممن حوله، وهذا دليل
على نجاح الناموس. ولكن من استفاد من الناموس
هو من لم يبحث عن بره
الذاتى
وإنتفخ.
أما فى العهد الجديد فأنا أستطيع تنفيذ الوصايا بالمسيح الذى فىًّ. فهل
أنتفخ وأتفاخر بنجاح مصدره هو المسيح، وكأننى أنا مصدر البر وليس المسيح. المسيحى
الحقيقى يزداد تواضعاً كلما
إزداد
بره.
فبر المسيحى راجع لأن المسيح يحيا فيه. والمسيح الذى يحيا فى المسيحى هو مسيح
متواضع .
آية (22):- "22لكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ
عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، لِيُعْطَى الْمَوْعِدُ مِنْ إِيمَانِ يَسُوعَ
الْمَسِيحِ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.
"
الْكِتَابَ: الأنبياء وبقية
الكتاب المقدس (العهد القديم).
أَغْلَقَ: أقنع. إذاً
الكتاب المقدس بنبواته ووصاياه أقنع الكل أمماً ويهود. إن الكل زاغ وفسد ويحتاج
لمخلص من السماء هو المسيح. لذلك يقول إرمياء النبى
"هَلْ يُغَيِّرُ ٱلْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ ٱلنَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ
أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا ٱلْمُتَعَلِّمُونَ ٱلشَّرَّ"
(إر23:13) والمعنى أنتم غير قادرين أيها البشر على تغيير طبيعتكم الخاطئة كما أنه
لا يمكن للكوشى أن يُغَيِّر لونه الأسود. وأن أحسن من فى البشر قد زاغ وله خطاياه،
لذلك سجل الكتاب خطايا الأباء الكبار وضعفاتهم (إبراهيم ويعقوب وداود…).
ونسمع
فى (رو9:3-18) "فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ (يقصد اليهود فبولس من اليهود)
أَفْضَلُ؟ كَلَّا ٱلْبَتَّةَ! لِأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ ٱلْيَهُودَ
وَٱلْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ ٱلْخَطِيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:
أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ
ٱللهَ. ٱلْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا
لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ.
بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ ٱلْأَصْلَالِ تَحْتَ شِفَاهِهِم. وَفَمُهُمْ
مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ
إِلَى سَفْكِ ٱلدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ ٱغْتِصَابٌ وَسُحْق. وَطَرِيقُ ٱلسَّلَامِ
لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ ٱللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ". وهذه أوصاف
فظيعة عن البشر كما يصفهم الناموس. وهذه الأوصاف كلها مأخوذة من الكتاب المقدس.
وملخص نبوات الأنبياء أن البشر فى حالة خطية فظيعة.
لكن
يشير الأنبياء كلهم أن هناك مخلص سوف يأتى لينقذ البشرية "اِزْرَعُوا
لِأَنْفُسِكُمْ بِٱلْبِرِّ. ٱحْصُدُوا بِحَسَبِ ٱلصَّلَاح. ٱحْرُثُوا لِأَنْفُسِكُمْ حَرْثًا، فَإِنَّهُ وَقْتٌ
لِطَلَبِ ٱلرَّبِّ حَتَّى يَأْتِيَ وَيُعَلِّمَكُمُ ٱلْبِرَّ"
(هو12:10). النبى يطالب الشعب هنا بأن يبذلوا قصارى جهدهم ليتوبوا (الحرث) وأن
يعملوا البر. وذلك حتى يأتي المسيح الذى سيبرر. وبهذا فالكتاب
أقنع البشر بفسادهم وجعلهم فى وضع انتظار للمخلص الآتى. هذا بالإضافة لأن الناموس
بتأديباته وعقوباته كان كمؤدب للشعب اليهودى. وبهذه الآية يجيب الرسول على سؤاله
فى آية 21 أن الناموس كان:
1)
مؤدِّب 2) ليعطى البشر أن يكونوا فى حالة إنتظار وترقب لمجئ المخلص.
ولكن
لا يوجد ناموس يعطى حياة. وحتى الآن فإن النعمة لا تعمل فى إنسان ما لم
يدرك أنه خاطئ وفى حاجة للمسيح ليبرره، أما من يشعر أنه غير محتاج للمسيح يتقيأه
المسيح "هَكَذَا
لِأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلَا حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ
أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي، لِأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ
ٱسْتَغْنَيْتُ، وَلَا حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ
ٱلشَّقِيُّ وَٱلْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ" (رؤ17،16:3).
وأتقيأك أي لا يعود ثابتا فى المسيح. إذاً الناموس ليس ضداً للإيمان. بل هو يقود
إليه كما يقول القديس بولس الرسول "لِأَنَّ غَايَةَ ٱلنَّامُوسِ هِيَ:
ٱلْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ" (رو4:10). إذاً كل خاطئ الآن
ليس ثابتا فى المسيح، والمسيح لا يحيا فيه، هو خاضع للناموس وعليه لعنة الناموس.
وحينما يدرك بالناموس خطيته يبحث عن المسيح الذى يميت خطيته بموته ويعطيه حياته
ليسلك بها في البر في المعمودية.
إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ:
تصديق يسوع المسيح أنه إبن الله وأن عمله أدى للخلاص. وهذا عين ما عمله إبراهيم
حين آمن بالله
أى صدَّق الله فتثبتت له المواعيد. وهكذا بالإيمان نال جميع الأمم فى المسيح يسوع
موعد الله لإبراهيم فتباركت فيه كل أمم الأرض حسب وعد الله : لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. ولكن لاحظ قول
الرسول إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
ولم يقل إيمان الله فقط. والمعنى الإيمان بالله… ولكن بالطريق الذى
رسمه المسيح أي بموته وقيامته. فموت
المسيح وقيامته هو الطريق الوحيد لإماتة الخليقة القديمة وقيامة خليقة جديدة لها
حياة المسيح الأبدية التي بها نخلص. وذلك عن طريق المعمودية.
الآيات
22،21: – التبرير والخلاص هما بالمسيح
= 1) ابن الله يتجسد ويموت ويقوم. 2) نموت ونقوم مع المسيح بحياة جديدة وخليقة
جديدة. 3) تكون لنا حياة المسيح نسلك بها في بر. 4) ولكن مجئ المسيح سيأتى في
ملء الزمان أي الميعاد المحدد أزلياً بحسب التدبير الإلهى. 5) وكان تدبير الناموس
للسيطرة على خطايا البشر الذين سيولد المسيح منهم (المسيح والعذراء أمه ورسله).
آية (23):- "23وَلكِنْ قَبْلَمَا جَاءَ
الإِيمَانُ كُنَّا مَحْرُوسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، مُغْلَقًا عَلَيْنَا إِلَى
الإِيمَانِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ."
مَحْرُوسِينَ: تعنى محبوسين
كمن فى سجن بأوامره ونواهيه. مُغْلَقًا عَلَيْنَا: فى
الحبس. فى الآية السابقة سمعنا أنه قد أغلق علينا تحت الخطية أى صار الكل مقتنعاً
بأنه خاطئ نجس يستحق الموت، والكل فى إنتظار الموت. وهنا نجد الكل مغلق عليه
بأوامر ونواهى الناموس، بأن هذا حلال وهذا حرام، كنا كمن فى سجن الناموس. والناموس
أيضا يحكم بالموت على من يخالف وصاياه وأوامره
وطقوسه. أما الوضع فى المسيحية أننا قد تحررنا من أعمال الناموس، وصرنا نطيع وصايا
الكتاب بحرية وبدون خوف أو كبت، وذلك بسبب حياة المسيح فينا ومعونة
الروح القدس (رو8 : 26). فالمسيح حررنى من طقوس الناموس وأعطانى أن أسلك بحسب
وصاياه بقوة يعطيها هو لى (النعمة). أما فى ظل الناموس، كانت طبيعتى هى الطبيعة
القديمة المتمردة، وهذه احتاجت لمروِّض أو
مؤدب
يقول
لها هذا حرام وهذا حلال، ويخيفها بعقوباته. مثال: من ثمار الروح القدس المحبة (غل22:5). فمن
هو مملوء
بالمحبة لن يحتاج لوصية "لا تقتل". ومن
ثمار الروح التعفف، ومن له هذه لن يشتهى شهوة خاطئة ولن
يحتاج لوصية "لا
تزن".
آية (24):-
"24إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ
مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. "
مُؤَدِّبَنَا:
الكلمة المستخدمة هنا تعنى العبد المكلف بتربية طفل = ابن
البيت ،
أى
الذى
يرافق
الابن
الحر أينما صار ليعلمه كيف يتحرك ويتصرف وكيف يسلك حسنا، وله أن يستخدم العصا فى
التهذيب كوصية أبيه حتى لا يستخدم الابن حريته فى
الباطل. وهذا الوضع يستمر حتى ينضج الإبن.
لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ:
بالإيمان بالمسيح نتبرر، أى تتغير طبيعتنا فنستطيع أن نسلك فى البر ونعمل أعمال بر
بحريتنا. والفرق بين الناموس والإيمان بالمسيح، هو أن الناموس هو مثل القانون
الجنائى لا يستطيع سوى أن يحاكم القاتل، لكنه لا يستطيع أن يصل لضميره الداخلى
ليمنعه أن يشتهى موت عدوه. ولا يستطيع الوصول لداخل القلب والفكر سوى الروح القدس.
ووصية مثل
لا تشتهى لا يمكن تنفيذها إلا بالروح القدس.
آية (25):-
"25وَلكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ
الإِيمَانُ، لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ.
"
هنا
يؤكد إستحالة الجمع بين العبودية وحرية البنين التى حصلوا عليها بالإيمان. من يرجع
للناموس إذاً يكون مثل الرجل الناضج الذى يحن لضرب العصا الذى ذاقه فى الطفولة،
ولكن لنلاحظ أن الناموس ليس متعارضاً مع النعمة بل هو كان ممهداً
وشارحاً لها، ويقود لها وهو عاملاً معها. ولكن عليه ألا يشدنا للوراء فنكون كمن
إرتد من نور الشمس لنور الشمعة. تطبيق الآية: أنا الآن كمسيحى، طبيعى أن
أخطئ كما يقول القديس يوحنا الرسول "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا
خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ ٱلْحَقُّ فِينَا" (1يو8:1). والمسيحى
يسكن الروح القدس فيه، وعمل الروح القدس أن يبكت الخاطئ (يو8:16). فماذا يعمل
المسيحى بعد أن إقتنع أنه خاطئ؟ يصرخ للمسيح في توبة طالبا المغفرة، ويسأله أن
يملأه نعمة تحفظه من أن يُخطئ ثانية ويذهب ليعترف ويتناول فتغفر خطيته وينال الحياة
الأبدية. أما لو إرتد للفكر الناموسى فعليه أن يقدم ذبيحة دموية مقتنعا أن الذبيحة
تغفر الخطية. وفى هذا إنكار لفاعلية دم المسيح الذى قال عنه يوحنا الرسول "وَدَمُ
يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو7:1).
وواضح أنه من المستحيل الجمع بين الإيمان المسيحى، وبين التبعية للناموس.
آية (26):-
"26لأَنَّكُمْ جَمِيعًا
أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. "
الأصل
اليونانى لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ
بِالإِيمَانِ في الْمَسِيحِ يَسُوعَ: وفى تعنى أننا صرنا أبناء بالإتحاد بالمسيح
إبن الله، وهذا يتم بالمعمودية (رو5:6).
ونستمر بهذا الإتحاد فى حياة التوبة
والجهاد.
جَمِيعًا: يهوداً وأمم
فالمسيح فدى الكل ولاحظ أنه فى الآيات
السابقة كان يقول " كنا،
مؤدبنا.." فالناموس كان لليهود وهو منهم. وهو فى هذه الآية يقول "لأنكم".. يقصد أيها
الأمم، أنتم لم يكن لكم ناموس موسى فيما مضى، هو كان لنا نحن اليهود، فما لكم
وماله.
آية (27):-
"27لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ
اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. "
اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ:
= صحتها إعتمدتم فى
المسيح. فنحن متنا مع المسيح وقمنا معه كخليقة جديدة قد تبررت وتقدست (رو
1:6-11 +2 كو17:5 +1 كو11:6). إتحدنا معه في موته، فمتنا معه، فغفرت خطايانا. وإتحدنا
معه في قيامته فصارت لنا حياته "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ،
ٱلَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ ٱللهِ، ٱلَّذِي
أَقَامَهُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ" (كو12:2). فكوننا متنا معه متحدين معه يقال
عنها متنا فيه إذ قد صرنا متحدين به ثابتين فيه في موته وهكذا يقال عن حياته لذلك
نقول "إعتمدتم فى المسيح". الروح القدس ثبتنا فيه، في موته وفى
حياته في المعمودية. والمسيح يطلب منا أن نظل ثابين فيه فيقول لنا "اُثْبُتُوا
فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو4:15).
لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: صار
المسيح يحيا فينا
وتكون أعضاءنا أعضاء له يستخدمها كآلات بر. يعطينا بره ويستر عيوبنا وتكون لنا فضائله.
المُعَمَّد فى المسيح مات عن إنسانه العتيق ولبس إنساناً جديداً شكل المسيح، لذلك
نكون
صورة المسيح فى تواضعه ووداعته.. إلخ.
خلع
الإنسان العتيق: موت مع المسيح فى المعمودية ولبس المسيح تعبير عن
القيامة بجسد
مبرر يسلك ببر المسيح لذلك يلبس المُعَمَّد
ثوبا أبيض. ولكن ليحيا المسيح فىَّ، علىَّ أن أقبل
الصليب (غل20:2).
والمعمودية هى سر لأن الروح القدس يُجرى فينا موتا حقيقيا للإنسان العتيق وقيامة
حقيقية، وذلك بأن يجعلنا نموت مع المسيح ونقوم معه متحدين به ولنا حياته.
آية (28):- "28لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ.
لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ
فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. "
كما
رأينا فى الآية السابقة، ففى المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه لابسين صورته،
ولذلك فكل من دخل المعمودية يَهُودِيٌّ أوَ يُونَانِيٌّ. عَبْدٌ
أوَ حُرٌّ. رجلٌ أمَ أُنْثَى الكل
مات، والكل قام بشكل المسيح. وإذا كنا كلنا شكل المسيح فلا فرق بين واحد وآخر (غل19:4).
وبولس هنا يركز على أقوال اليهود ويقتبس من كتاب
الصلوات الصباحية لهم حين يصلون شاكرين الله ، أنه لم يخلقهم أمميين ولا عبيد ولا
نساء، فهذه تحسب أصل النجاسة. ونلاحظ أن فى الكنيسة لا فرق بين سيد وعبد، فمثلاً
فليمون السيد وأنسيمس عبده كلاهما صارا أساقفة.
ويكفى المرأة كرامة أن العذراء كانت إمرأة.
آية (29):- "29فَإِنْ كُنْتُمْ
لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ
وَرَثَةٌ. "
فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ =
هؤلاء هم من آمنوا بالمسيح.
نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ =
هؤلاء ليسوا نسله بالجسد. بل من يشابهونه في إيمانه "أَجَابُوا وَقَالُوا
لَهُ: أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كُنْتُمْ أَوْلَادَ
إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" (يو39:8).
لذلك فكل من آمن بالمسيح يتشابه مع إبراهيم في إيمانه فيصير إبناً لإبراهيم. وأولاد
إبراهيم لهم وعد بالميراث "وَظَهَرَ ٱلرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ:
لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ ٱلْأَرْضَ" (تك7:12). ولكن أرض الميعاد كانت رمزاً
لميراث الأمجاد السماوية بالمسيح.
الوعد
لإبراهيم أن تتبارك فى نسله (المسيح) كل الأمم (نحن)
صار لنا بالإيمان، فإبراهيم حصل على الوعد بالإيمان، ونحن نحصل عليه بالإيمان.
والميراث السماوى صار لنا لا بالختان بل بالثبات فى المسيح بالإيمان
والمعمودية.
الصليب: لعنة تتحول إلى بركة
(I إختار الرب موت الصليب لعدة أسباب منها :-
1. حتى لا يُكسر منه عظم. ولا تنفصل رأسه عن
جسده. فجسد المسيح هو كنيسته وهو يريدها بغير إنشقاق. ويريدها أيضا بلا إنفصال
عنه. فهو رأس الكنيسة الواحدة الوحيدة. فمثلاً نجد أن موت
السيف فيه تنفصل الرأس عن الجسد، وجسد المسيح هو كنيسته "وَأَخْضَعَ كُلَّ
شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ
لِلْكَنِيسَةِ، ٱلَّتِي هِيَ جَسَدُهُ"
(أف1: 22-23 + أف5: 30). وهو لا يريد أن ينفصل عن كنيسته.
2. الصليب من خشبتين، رأسية وأفقية. والمسيح
بصليبه "جعل الإثنين واحداً" (أف2 : 14). فهو وحَّد السمائيين مع
الأرضيين "ليجمع كل شئ فى المسيح" (أف1 : 10). هو جعل الكنيسة التى ما
زالت تجاهد على الأرض (ويمثلها الخشبة الأفقية) واحدا مع السمائيين (ويمثلها
الخشبة الرأسية). وأيضاً وحَّدَ اليهود مع الأمم، هو جعل الإثنين واحداً. بل جمع
الكل فيه. الخشبة الأفقية تشير لأنه يجمع كل من على الأرض
فيه، والخشبة الرأسية تشير أنه يجمع كل من فى السماء فيه. وهذا ما قاله رب
المجد "وَأَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ عَنِ ٱلْأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ. قَالَ
هَذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ" (يو12:
32-33).
3. مات فاتحا ذراعيه فهو فى محبته يريد أن
يقبل ويحتضن الجميع.
4. يهزم الشيطان فى مكانه أى الهواء. الرب
يسوع أراد أن يحارب الشيطان في عرينه أي مكان إقامته. فلقد لاحظ أباء اليهود أن
الوحى قد ذكر تعبير أن "الله رأى أن كل ما عمله كان حسن" أثناء
الخلقة في الأيام الستة للخليقة ما عدا اليوم الثانى، يوم أن خلق الله الجلد
(الهواء). وفهموا من هذا أن الهواء صار مسكناً للشيطان حين طرده الله من السماء،
وصار مسكنه الهواء. وصدَّق القديس بولس الرسول على هذا إذ قال عن الشيطان
"رئيس سلطان الهواء" (أف2:2). وأراد المسيح محاربته في الهواء مكانه.
وحين رُفِعَ المسيح معلقاً على الصليب كان الشيطان في الهواء.
5. أية ميتة أخرى – مثلا السيف تعنى أن الذى
ضربه بالسيف هو الذى قتله. ونفهم أنه لا سلطان لمخلوق أن
يقتل المسيح. أما بالصليب فهو أسلم روحه فى يدى أبيه وقتما أراد. هم تآمروا عليه
حتى وضعوه على الصليب، أما هو إذ له سلطان أن يضع نفسه ويقيم نفسه أيضا، أسلم روحه
فى يدى أبيه وقتما أراد هو وكان ذلك حينما قال "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ
أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (لو46:23). وأيضاً " لَيْسَ أَحَدٌ
يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ
أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو10 : 18).
6. ظن اليهود أنهم أوقعوا على المسيح موتاً
مهيناً لكى ينهوا على سيرته العطرة فيحتقره الناس وينسونه، فموت الصليب هو لأشر
المجرمين. فحول المسيح الصليب إلى علامة نصر وقوة ومجد، صار الصليب علامة قوة وفخر
لكل مسيحى. بل لقد صار الصليب رعبا للشياطين ويبطل أعمالهم
كالسحر وما شابه من العرافة وكل هذه الخرافات الشيطانية. صار الصليب فى يد المؤمن
قوة ضد الشيطان. وصار الشيطان يهرب بعلامة الصليب.
7. يقول القديس البابا أثناسيوس الرسولى:-
ربما تساءل أحد إن كان لا بد للمسيح أن يُسَلِّم نفسه للموت، فلماذا لم يضع نفسه
على فراش الموت كأى إنسان فى السر وفى هدوء وبكرامة بعيداً عن مهانة الصليب؟ (أ) لم يكن مناسباً أن يوقع المسيح الموت على نفسه
بنفسه، بل إنتظر أن يأتيه الموت ليبيده بقيامته. (ب) لو مات المسيح فى
زاوية دون أن يراه أحد وهو يموت، ثم أتى فجأة وقال لقد مت ثم قمت من الموت، فمن
كان سيصدقه. بل أن اليهود بعد أن مات علناً وقام وشاهده الكثيرون أجبروا من رآه
بعد القيامة أن ينكرها. (ج) ولماذا يجعل موته سراً إن كانت قيامته قد
صارت علانية (ولكن لا يراه إلا من كان يستحق أن يراه، فالجسد الممجد لا يراه أى
إنسان). (د) ويرد القديس بأن الموت العادى يأتى للبشر بسبب ضعف
طبيعتهم إذ هم لا يستطيعون البقاء لزمن طويل لذلك فهم ينحلّون فى الزمن المحدد
لهم. ولنفس السبب تنتابهم الأمراض فيمرضون ويموتون. أما الرب فإنه ليس ضعيفاً بل
هو قوة الله وكلمة الله وهو الحياة عينها. فلو مات بطريقة طبيعية لظن الناس أنه
مات كسائر البشر نتيجة لضعف طبيعته. ولظنوا أنه لم يكن فيه ما يميزه عن سائر
البشر.
8. لكن لاحظ أن المسيح بموت الصليب أظهر أن
موته كان بإرادته:- (أ) بل أظهرت الطبيعة غضبها على ما يحدث لخالقها
(الزلزلة وإحتجاب الشمس). (ب) ظهر لاهوته فى صرخته بصوت عظيم، فالمصلوب
يكون غير قادر على التنفس، فمن أين للمصلوب أن يصرخ بصوت عظيم، وهذه الصرخة هى
التى تسببت فى إيمان قائد المئة الواقف تحت الصليب (مر15: 37-39). فهو شاهد عمليات
صلب كثيرة ولم يرى مثل هذه القوة لمصلوب من قبل. هذه
الصرخة القوية كانت إعلانا أن لاهوته متحد بناسوته، وكانت هذه صرخة الإنتصار على
الموت وعلى الخطية وعلى الشيطان. هذه اللحظة هى التى حينها
قيَّد المسيح المتحد جسده بلاهوته، إذ ظهرت قوته اللاهوتية وقَيَّد الشيطان بسلسلة
1000 سنة (رؤ20: 1-3). (ج)
المسيح هو الذى أسلم روحه ولم يمت موتاً طبيعياً، فكان كما قال أن له سلطان على
نفسه أن يضعها من ذاته وليس أحد يأخذها منه (يو10: 17-18). المسيح
هو الذى أسلم روحه بإرادته فى يدى الآب "وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ:
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هَذَا
أَسْلَمَ ٱلرُّوحَ" (لو23: 46). ولقد كان كل الواقفين شهوداً على ذلك. (د)
عند موته إنشق حجاب الهيكل فوصلت الرسالة للواقفين
وللسامعين أنه فى لحظة موته إنفتح طريق الأقداس للبشر (عب10: 19-20). (ه)
تشقق القبور وقيامة الأموات بعد قيامة المسيح أظهرت أنهم قاموا ليعلنوا أن موت
المسيح كان هدفه إعطاء حياة للبشر.
9. هو أراد أن يموت موت العبيد، وبأبشع ميتة
معروفة وهى الصليب وقبلها الجلد وألام الخيانة والكراهية بدون سبب. لذلك لم يشرب
الخل الممزوج بالمر، فهذا المر يعمل كمُسَكِّن للألم. الرب أراد أن يشابهنا فى كل
شئ ما خلا الخطية وحدها. ولما كان الألم والموت لا يمكنهما أن ينالا منه فهو
القدوس البار الذى بلا خطية، فالألم والموت عقوبة على الخطية "أنا
إختطفت لى قضية الموت والألم". إختار هو أن
يتذوق الألم فى أبشع صوره التى عرفها الإنسان ليشابهنا فى كل شئ. وهذا معنى قول
الرسول "ولكن الذي وضع قليلا عن الملائكة، يسوع، نراه مكللا بالمجد والكرامة،
من اجل الم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لاجل كل واحد. لانه لاق بذاك الذي من اجله الكل وبه
الكل، وهو ات بابناء كثيرين الى المجد، ان يُكِمِّل رئيس خلاصهم بالالام"
(عب2 : 9 ، 10). يُكَمِّل أى يشابهنا تماما فى ألامنا. ألام البشر نتجت عن الخطية، والمسيح كان بلا خطية، فما كان
لأى ألم أن يصيبه. لكنه إختار أن يتألم وبأقصى وأقسى أنواع الألم لماذا؟
أولاً:
ليشابهنا في حمل الألام بل أصعب أنواع الألام التي يعرفها البشر. وهذا معنى أنه
يَكْمُل بالألم أي يشبه البشر في كل شيء حتى الألم. وهو يسمح لنا نحن أن نَكْمُل
بالألم لنشبهه فى قداسته حين نكف عن الخطية. فالرب يسمح لنا
ببعض الألام لنكف عن الخطية (1بط4 : 1) ونسمى هذه الألام أيضا الصليب. وهدف هذه
الألام أن نشبهه فى طهارته ونقاوته. فالصليب هو عامل مشترك لنتشابه نحن مع
المسيح. ثانيا:
يقول إشعياء النبى عن ألام المسيح "لَكِنَّ
أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا" (إش4:53). فالمسيح
أراد حمل أصعب أنواع الألام، فكل من يرتبط معه بالنير أي يلتزم بوصاياه، يحمل
المسيح ألامه، لذلك يقول الرب يسوع "تعَالَوْا إِلَيَّ يا جَمِيعَ
ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ . اِحْمِلُوا نِيرِي
عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ،
فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ . لِأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ" ( مت11 :
28-30). ولماذا نيره هيِّن، لأنه هو الذي يحمل الحمل. وهذا سر التعزيات العجيبة
التي يشعر بها مرضى الأمراض المؤلمة أن المسيح حمل عنهم ألامهم. هو أراد لا أن
يفدى البشر فقط بل أن يحمل عنا أصعب ألامنا.
10. هو
أراد أن يحمل اللعنة عن البشر "المسيح
افتدانا من لعنة الناموس" (غل3 : 13).
فكيف
شرح الله موضوع اللعنة التى حملها المسيح على الصليب؟ وماذا تعنى كلمة اللعنة وكيف
دخلت للعالم. ونلاحظ أن البركة واللعنة كلمتان تترددان كثيرا فى الكتاب المقدس.
فما معناهما؟
II) تقابلنا أولا كلمة البركة :-
نشكر
الله أن كلمة البركة والخليقة الحسنة هى أول ما يقابلنا فى الكتاب المقدس (تك1) ثم
الفرح والجمال فى (تك2)، وذلك قبل أن نسمع عن اللعنة. وبهذا نفهم أن البركة هى ما
يقصده الله تجاه الإنسان.
*"…
وكل طائر ذي جناح كجنسه. وراى الله ذلك انه حسن. وباركها الله قائلا:
«اثمري واكثري واملاي المياه في البحار. وليكثر الطير على الارض" (تك1 : 22 ،
23).
*"فخلق
الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وانثى خلقهم. وباركهم الله
وقال لهم: «اثمروا واكثروا واملاوا الارض، واخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى
طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الارض" (تك1 : 27 ، 28).
*"ورأى
الله النور انه حسن" (تك1 : 4). وتكررت العبارة بعد ذلك 4 مرات.
وحينما خلق الله الإنسان فرح به وقال "وراى الله كل ما عمله فاذا هو حسن
جداً" (تك1 : 31) وهذا يشير لأن كل ما خلقه الله كان حسنٌ وجميل، وأكثر
ما جعل الله فرحا هو الإنسان فقال عن خلقة اليوم السادس الذى خلق فيه الإنسان أنه
حسن جدا، الإنسان الذى أحبه الله، وظل الله يُعِّد له الخليقة بلايين السنين
ليجدها الإنسان مكانا رائع الجمال ليفرح به "وغرس الرب الاله جنة في عَدْنْ
شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله"(تك2 : 8). جنة عَدْنْ = جنة (أى مكان
جميل جداً) وعَدْنْ (فرح وبهجة).
*"وجبل
الرب الاله من الارض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فاحضرها الى آدم ليرى
ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها" (تك2 : 19).
مفهوم
البركة
من
الآيات المذكورة عاليه نفهم أن الله أراد أن الإنسان حبيبه الذى قال عنه
"لذاتى مع بنى آدم" (أم8 : 31) *أن يحيا للأبد لأننا نجد شجرة الحياة
وسط فردوس الله (تك2 : 9). *وأن يحيا فى جمال وفرح. *يعمل ويشترك معه الله فى
العمل، يحضر له الحيوانات ليعطيها أسماء = وهذه تعنى يفهم خواصها وله سلطان عليها،
لكى يعرف فائدتها وكيف يستخدمها. *يد الله معه فى كل شئ فكل ما يعمله ينجح فيه.
*يخلق له الحيوانات ويعطيه سلطانا عليها لكى يستفيد منها. وكل هذا يعنى أن الله
يبارك.
*
وبنفس المفهوم نجد أن "الرب كان مع يوسف فكان رجلا ناجحا" (تك39 : 2) بل
أنظر قول الكتاب عن يوسف البار "وراى سيده ان الرب معه، وان كل ما يصنع كان
الرب ينجحه بيده. فوجد يوسف نعمة في عينيه، وخدمه، فوكله على بيته ودفع الى يده كل
ما كان له.
وكان
من حين وكله على بيته، وعلى كل ما كان له، ان الرب بارك بيت المصري بسبب يوسف.
وكانت بركة الرب على كل ما كان له في البيت وفي الحقل، فترك كل ما كان له في يد يوسف (تك39 : 3 – 6).
*
وهكذا بارك الله لإسحق "وزرع اسحاق في تلك الارض فاصاب في تلك السنة مئة ضعف،
وباركه الرب.
فتعاظم
الرجل وكان يتزايد في التعاظم حتى صار عظيما جدا" (تك26 : 12 ، 13). وقصد
الله من هذا :- (أ) الله يحب أولاده الذين يتقونه ويريد أن يشترك معهم فى
أعمالهم فتنجح. (ب) ويرى الآخرين نجاحهم فيريدون أن يكونوا ناجحين مثلهم
فيطلبون الرب ويعرفونه، ويتقى الجميع الرب. ولاحظ قول الفلسطينيين لإسحق حينما
رأوا بركة الرب عليه "فقالوا: «اننا قد راينا ان الرب كان معك، فقلنا:
ليكن بيننا حلف، بيننا وبينك، ونقطع معك عهدا. ان لا تصنع بنا شرا، كما لم نمسك وكما لم نصنع بك الا
خيرا وصرفناك بسلام. انت الان مبارك الرب" (تك26 : 28 ، 29).
*
بل نرى درجة أعلى فى البركة أن إنسانا يصير بركة للآخرين "وقال الرب لابرام:
«اذهب من ارضك ومن عشيرتك ومن بيت ابيك الى الارض التي اريك. فاجعلك امة عظيمة واباركك واعظم اسمك، وتكون بركة. وابارك مباركيك،
ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الارض" (تك12 : 1 – 3). هنا نرى بركة
الطاعة لله، فحينما أطاع إبراهيم الله، باركه الله بل جعله بركة. بل بارك الله
إسحق بسبب إبراهيم "فظهر له الرب في تلك الليلة وقال: «انا إله ابراهيم ابيك.
لا تخف لاني معك، واباركك واكثر نسلك من اجل ابراهيم عبدي" (تك26 : 24) +
ويقول إسحق لإبنه يعقوب "ويعطيك بركة ابراهيم لك ولنسلك معك، لترث ارض غربتك
التي اعطاها الله لابراهيم" (تك28 : 4).
*
ثم نسمع أن بركة الله تنتقل عبر البشر: فإسحق بارك يعقوب، ويعقوب بارك أولاده.
*
ثم صارت البركة عن طريق الكهنوت "وكلم الرب موسى قائلا: كلم هرون وبنيه قائلا
هكذا تباركون بني اسرائيل قائلين لهم. يباركك الرب ويحرسك. يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع
الرب وجهه عليك ويمنحك سلاما. فيجعلون اسمي على بني اسرائيل وانا اباركهم" (عد6
: 23 – 27). وهذا يعنى أن الله هو الذى يبارك الشعب، ونطق الكاهن بكلمات البركة
ليسمع الشعب فيفرحون بأن الله سيباركهم.
الخلاصة: الله خلق الإنسان ليباركه وليفرح ويحيا أبديا
فى شركة مع الله
وبعد الخطية صار الله يبارك من يتقيه
III) ثم سمعنا عن اللعنة بعد سقوط آدم :-
كلمة
اللعنة إذاً دخلت بسبب الخطية ولم يكن هذا قصد الله من نحو الإنسان أولا.
*"فقال
الرب الاله للحية: لانك فعلت هذا، ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع
وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تاكلين كل ايام حياتك. واضع عداوة بينك وبين
المراة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك، وانت تسحقين عقبه" (تك3 : 14 ، 15).
*"وقال
للمراة: «تكثيرا اكثر اتعاب حبلك، بالوجع تلدين اولادا." (تك3
: 16).
*"وقال
لآدم: لانك سمعت لقول امراتك واكلت من الشجرة التي اوصيتك قائلا: لا تاكل منها، ملعونة
الارض بسببك. بالتعب تاكل منها كل ايام حياتك. وشوكا وحسكا تنبت لك،
وتاكل عشب الحقل.
بعرق
وجهك تاكل خبزا حتى تعود الى الارض التي اخذت منها. لانك تراب، والى تراب تعود"
(تك3 : 17 – 19).
*"فطرد
الانسان (والمعنى ضاع الفرح من الإنسان)، واقام شرقي جنة عدن الكروبيم،
ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة" (تك3 : 24). (والمعنى لم يعد
للإنسان حياة أبدية).
*"فالان
ملعون انت من الارض التي فتحت فاها لتقبل دم اخيك من يدك. متى عملت الارض لا
تعود تعطيك قوتها. تائها وهاربا تكون في الارض" (فقد سلامه الداخلى) (تك4
: 11 ، 12). ومعنى هذا أن كل ما تعمله في الأرض، كل ما تمتد إليه يدك يخرب. ولقد
شرح الرب هذا ليهوشافاط ملك يهوذا القديس، إذ حينما إشترك مع آخاب الوثنى تقريباً
في حربه ضد أرام. كاد أن يموت في الحرب وأنقذه الله. وحينما لم يفهم يهوشافاط معنى
اللعنة التي تصيب من يشترك مع ملعون، عاد وتعاون مع ملك إسرائيل الوثنى وعملا
أسطولاً للتجارة فتكسَّرَ الأسطول (1مل22: 31-33 ، 1مل48:22). إذاً اللعنة تعنى
الخراب في كل عمل تمتد إليه يد الملعون. ولكن لما فهم يهوشافاط الدرس رفض التعاون
مع ملك إسرائيل (1مل49:22). والعكس فالبركة تعنى أن الله ينجح كل عمل تمتد إليه
أيدى أولاده، فإذ أحب الله داود إمتدت مملكته من حدود سوريا إلى حدود مصر وضمة
إليها الأمم المجاورة.
*"فقال:
«ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لاخوته. وقال: «مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا
لهم. ليفتح
الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم" (تك9 : 25 ، 26).
مفهوم
اللعنة
من
الأيات المذكورة عاليه نفهم ماذا تعنى اللعنة :- هى عكس البركة، فنرى آدم *يُطرد
من الجنة أى لا يعود يفرح (عَدْنْ تعنى فرح). *وفقد الإنسان سلامه الداخلى. *بل
موتا يموت "إلى تراب يعود". *ودخلت كلمتى التعب والوجع = أنا إختطفت لى
قضية الموت" (القداس الغريغورى) *بل يُطرد قايين من أمام الله ويصير مرفوضا
من الله. *الإنسان يعمل ويجتهد والأرض لا تعطى خيراتها = قوتها – وقارن مع (تك26 :
12 ، 13) – فأرض إسحق تعطى 100 ضعف أرض الفلسطينيين. وقارن أيضاً مع (حج2 : 10 –
19). *بل نرى أنه لا بركة لإنسان تقى لو إشترك فى العمل مع آخر شرير "وصالح
يهوشافاط ملك إسرائيل" (1مل22 : 44). وعملوا أسطولا من المراكب للتجارة وفشلت
التجارة "وعمل يهوشافاط سفن ترشيش (سفن ضخمة لتبحر مسافات بعيدة) لكي تذهب
الى اوفير لاجل الذهب فلم تذهب لان السفن تكسرت في عصيون جابر" (1مل22 : 48).
وحينما ذهب يهوشافاط للحرب مع آخاب الشرير كاد يهوشافاط أن يموت إذ خدعه آخاب
الشرير ولكن الله نجاه. ولكنه تعلم الدرس بعد ذلك = "حينئذ قال اخزيا بن اخاب
ليهوشافاط ليذهب عبيدي مع عبيدك في السفن. فلم يشأ يهوشافاط" (1مل22 : 49).
1. وأول لعنة سمعنا عنها كانت للحية
أى للشيطان.
2. ثم سمعنا عن لعنة الأرض أى لا تعود
تعطى قوتها.
3. ثم سمعنا عن لعنة الإنسان.
*
ونرى فى (تث27) ما الذى يأتى باللعنة على الإنسان.
*
ونرى فى (تث28 : 1 – 14) أن البركة هى لمن يطيع صوت الرب.
*
أما اللعنات فتلحق بمن يعصى الرب ولا يسمع لصوته (تث28 : 15 – 68).
*
ولقد دخلت اللعنة نتيجة للخطية أى عصيان الرب. وكلمة خطية لغويا تعنى أن يخطئ
الإنسان الهدف. ومن يخطئ الهدف لا يكافأ. ونسمع قول بولس الرسول "إذ الجميع
اخطاوا واعوزهم مجد الله" (رو3 : 26) أى ما أراده الله للإنسان من فرح وجمال
وبركة وشركة مع الله، والتواجد فى محضر الله ومجده فيتمجد الإنسان، كل هذا فقده
الإنسان بسبب الخطية. ويقول الرسول أيضا "الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من
يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (رو3 : 12).
الخلاصة خلق الله الإنسان ليباركه لذلك نجد كلمة
البركة تأتى أولا
وكان هناك شرط وهو الطاعة : لا تأكل
ولكن حدث العصيان، فدخلت اللعنة وشملت كل بنى آدم.
فهل يفشل قصد الله؟ قطعا لا يمكن هذا. وكان أن تجسد
المسيح.
*وهناك
نص في إنجيل القديس مرقس يوضح تماما معنى البركة واللعنة، فحينما لم يجد الرب ثمر
تين في التينة "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لَا
يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ" (مر14:11).
وَفِي ٱلصَّبَاحِ إِذْ كَانُوا مُجْتَازِينَ رَأَوْا ٱلتِّينَةَ قَدْ يَبِسَتْ
مِنَ ٱلْأُصُولِ، فَتَذَكَّرَ
بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، ٱنْظُرْ! اَلتِّينَةُ
ٱلَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ" (مر21،20:11). إذاً الله هو الذى
يُعطى الحياة للشجرة فتتبارك وتثمر وتكون سبب فرح وشبع للناس. وحين لعن الرب يسوع
التينة إنقطع عنها بركة الحياة فجفت. وقارن التعبيرين، ما قاله الرب يسوع وما قاله
التلاميذ: فالرب يسوع قال [لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى
ٱلْأَبَدِ]. أما التلاميذ فقالوا [اَلتِّينَةُ ٱلَّتِي لَعَنْتَهَا].
ومن هنا نفهم أن كلمة لعنة تعنى ألا يكون هناك ثمر من الشجرة وهذا يعنى إنقطاع
الحياة وبالتالي الإثمار والبركة والخير والفرح والنجاح من الشئ الملعون. وبنفس
المفهوم: لو كانت طرق إنسان تُرضى الله سيحيطه الرب بحمايته ويبارك حياته فتنجح
طرقه وأعماله. أما لو عاند الإنسان الله، فالله يبتعد عنه ولا يعود هذا الإنسان
متمتعاً بحماية الله، وتختفي البركات من حياته. فحينما يبتعد الله عن إنسان يفقد هذا
الإنسان حماية الله. حينئذٍ يجد الشيطان طريقه ليدخل ويُدَمِّر ويُخَرِّب حياة هذا
المعاند. وجود الله في حياة أحد يكون مصدر بركة ونجاح وفرح وسلام، وإبتعاد الله عن
حياة أحد، هذا إن سلك بالعناد يعنى دخول الشيطان لحياته ليُخَرِّبها وهذه هي
اللعنة.
IV) صليب المسيح حول اللعنة
إلى بركة لأن قصد الله أن يبارك الإنسان
ولاحظ
أن الله يطلب الطاعة كعلامة على المحبة، فمن يحب الله سيثق فيه ويطيعه، وحينما
يقول له الله أن هذا السلوك سيؤدى للموت كان ينبغى عليه أن يطيع. هنا نفهم أن
الخطية تتلخص فى أن الإنسان يقول "سأفعل ما أريده أنا لا ما يريده
الله". وهذا تماما عكس ما قاله الرب يسوع فى جثسيمانى "يا ابتاه ان امكن
فلتعبر عني هذه الكاس ولكن ليس كما اريد انا بل كما تريد انت" (مت26 : 39).
وهذا تماما ما يعمله القديسين الآن، فهم "يقدمون أجسادهم ذبيحة حية"
(رو12 : 1)، ولا يفعلون ما تمليه عليهم شهواتهم الخاطئة = "يصلبون الجسد مع
الأهواء والشهوات" (غل5 : 24). ويعملون ما يريده الله فيكون لهم المجد نصيبا.
*
وكيف يستطيع القديسين أن يفعلوا ذلك؟ هذه بركات الفداء، فالمسيح بعد فدائه وصعوده
أرسل الروح القدس يثبتنا فى المسيح فتكون لنا حياته (غل2 : 20). ونُحسب فى المسيح
كاملين (كو1 : 28). ويعطينا الروح القدس قوة ومعونة (رو8 : 26). يسميها الكتاب النعمة
(رو5 : 15 ، 20)، وبها نستطيع طاعة الوصية بسهولة (عب12 : 1). وحينئذٍ ننفذ ما
فعله المسيح تماما ونقول "ليس كما اريد انا بل كما تريد انت". وهذا
تماما ما سمعناه عن المسيح في سفر الرؤيا أنه "خرج غالباً ولكى يغلب"
أي يغلب فينا (رؤ2:6). وبهذا يتحقق قصد الله ونعود للفرح والحياة الأبدية والمجد.
*
ولكن ما الذى كان يحول بين الإنسان وبين حلول الروح القدس والتمتع بالنعمة والقوة؟
كان هذا بسبب غضب الله على الإنسان ودخول اللعنة بسبب الخطية، وراجع تفسير الأيات
13 ، 14 من هذا الإصحاح. وجاء المسيح ليحمل هو اللعنة ويرفعها عنا، ويصنع الصلح
بين الله وبيننا بصليبه :-
*"إذ
محا الصك الذي علينا في الفرائض، الذي كان ضدا لنا، وقد رفعه من الوسط مسمرا اياه
بالصليب" (كو2 : 14).
*"لانه
ان كنا ونحن اعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه" (رو5 : 10).
*"وان
يصالح به الكل لنفسه، عاملا الصلح بدم صليبه، بواسطته، سواء كان: ما على الارض، ام
ما في السماوات" (كو1 : 20 ، 21).
*"ولكن
الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح واعطانا خدمة المصالحة. اي ان الله
كان في المسيح مصالحا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعا فينا كلمة
المصالحة" (2كو5 : 18 ، 19).
*"ويصالح
الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به" (أف2 : 16).
"المسيح افتدانا من لعنة الناموس، اذ صار لعنة لاجلنا، لانه
مكتوب: «ملعون كل من علق على خشبة. لتصير
بركة ابراهيم للامم في المسيح يسوع، لننال بالايمان موعد الروح" (غل3 : 13 ،
14).
لقد حمل المسيح لعنتنا على الصليب. وتحول الصليب من
كونه لعنة ليكون بركة
**
يقول
موسى النبى "ٱلْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ ٱللهِ" (تث23:21). وهناك
سؤال: لماذا يكون المصلوب دوناً عن بقية العقوبات ملعوناً؟ كانت هذه الوصية
التي تشير بأن من يعلق على خشبة هو ملعون، نبوة تشرح ماذا عمل المسيح لنا: وأن
المسيح المصلوب سيقال عنه أنه ملعون. وبهذا يحمل اللعنة عنا، فهو صُلِبَ بدلاً
منا. هذه الوصية وُضِعت خصيصاً لتشرح فكرة:
أن المسيح بصليبه سيرفع عنا اللعنة التي حلت علينا
بسبب الخطية.
المسيح افتدانا من لعنة الناموس، اذ صار
لعنة لاجلنا.
V) كيف شرح الله ذلك فى العهد القديم
هناك
رموز كثيرة فى العهد القديم تشرح كيف يتم هذا :-
[1] راجع
قصة مردخاى وهامان (إس6 ، 7 ، 8) هى رمز واضح لذلك. فالصليب الذى أعده هامان
لمردخاى صُلِب عليه. وكان الصليب لعنة (تث2 : 23) "لأن المعلق ملعون من
الله". ويأتى المسيح ليحمل هذه العقوبة عنا. فالصليب كان يشير إلى اللعنة.
وحينما زالت لعنة الناموس عنا تصالح الله معنا. نجد أن الله شرح أن المسيح سيحمل
اللعنة عنا بقوله "المعلق ملعون من الله" فحينما يُصلب المسيح الذى بلا
خطية نفهم أن هذا كان لكى يحمل عنا لعنة الناموس. لقد تحمل المسيح لعنة الناموس
بدلا عنا.
فَصَلَبُوا هَامَانَ عَلَى الْخَشَبَةِ
الَّتِي أَعَدَّهَا لِمُرْدَخَايَ.
ثُمَّ سَكَنَ غَضَبُ الْمَلِكِ."
(إس7 : 10).
1. هامان يدبر مؤامرة لقتل كل شعب الله =
الشيطان يسقط آدم وبنيه ليدخل الموت إلى العالم.
2. مردخاى يدبر الخلاص لشعبه = المسيح يدبر
الخلاص لكنيسته.
3. مردخاى المولود فى بابل أرض العبودية،
وكان فى وضع المهانة كبواب = المسيح الذى أخلى نفسه وولد فى العالم، آخذاً شكل
العبد (فى2).
4. مردخاى فى مجده (8 : 2) = المسيح الذى
تمجد بالجسد بعد الصليب.
5. مردخاى الذى حُكِم عليه بالصلب = المسيح
المصلوب.
6. مردخاى ظل حياً كما عاد إسحق حيا = المسيح
يقوم من الأموات.
7. فَصَلَبُوا هَامَانَ عَلَى
الْخَشَبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لمردخاى
= الصليب الذى دبره الشيطان ليُصلب المسيح عليه مستخدماً شر اليهود وخبثهم، ووحشية
الرومان، كأدوات لتنفيذ خطته، كان هو الأداة التى سحق المسيح بها الشيطان.
8. بعد صلب هامان سكن غضب الملك = بالصليب تصالح الله مع البشر.
9. كل ما كان لهامان صار لإستير (8 : 1 ، 7)
= دخول الكنيسة إلى الأمجاد السمائية بدلا من الشيطان الذى كان مخلوقا سماويا
يتمتع بالأمجاد السماوية.
10.
أهلك اليهود أعداءهم (8
: 11) = صار للكنيسة المجاهدة سلطان أن تدوس الشيطان "وأبواب الجحيم لن تقوى
عليها" (مت16 : 18).
الصليب الذى كان لعنة (تث21 : 23)، صار
بركة لنا وسحقا للشيطان. لقد أراد الله أن يبارك الإنسان حبيبه، فلما دخلت اللعنة
بسبب الخطية، جاء المسيح لتعود البركة كما أرادها الله منذ البدء. فقصد الله لا
يسقط. وهذا معنى أن المسيح هو البداية والنهاية (راجع تفسير رؤ1).
[2] موسى
يُلقى عصاه فيتحول إلى ثعبان = المسيح صار خطية لأجلنا (2كو22:5). ثم يمسك الثعبان
فيعود كما كان أى عصا = المسيح يتمجد بعد الفداء. فالعصا فى يد موسى كانت قوة –
والمسيح هو قوة الله (1كو1 : 24) + وتتحول يد موسى لتصير برصاء ثم تعود سليمة +
الماء يتحول إلى دم. فبدم الصليب غفرت خطايا البشر. وصارت عصا موسى رمزاً
للصليب القوى الذى به تصالحنا مع الله وإنسحق الشيطان.
[3]
بشجرة كانت رمزا للصليب الخشب، يتحول الماء المر إلى ماء حلو (خر15 : 22 – 25).
وهذا يشير لمرارة الحياة قبل الصليب، وبعد الصليب وجدنا تعزيات الروح القدس وسط
ضيقات هذا العالم.
[4] بعصا
موسى ينشق البحر (خر14 : 15) ويخرج بنى إسرائيل من العبودية إلى الحرية. ونفهم من
(1كو10 : 1 ، 2) أن عبور الشعب للبحر الأحمر كان رمزا للمعمودية. والمعمودية
إكتسبت قوتها من الصليب.
[5] بعصا
موسى تخرج مياه من الصخرة فيحيا الشعب (خر17 : 1 – 7) = الروح القدس ينسكب على
الكنيسة بعد فداء المسيح على الصليب.
[6]
ذبيحة المحرقة كانت توضع على المذبح على سيخين على شكل صليب
(كتب التقليد اليهودى). وذبيحة المحرقة كانت ترمز للطاعة. والمسيح أطاع حتى الموت
موت الصليب. وفيه نحسب نحن طائعين. لذلك كانت تسمى ذبيحة المحرقة "وقود رائحة
سرور للرب" (لا1 : 13). وكذلك "تنسم الله رائحة الرضا" حينما قدم
نوح محرقته (تك8 : 21) إذ رأى فيها الله طاعة المسيح والتى بها نُحسب نحن فى
المسيح طائعين (راجع تفسير 1كو15 : 28).
[7]
الحية النحاسية: "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي ان
يرفع ابن الانسان،
لكي
لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية (بالصليب صارت لنا حياة أبدية
بدلا من الهلاك).
لانه
هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له
الحياة الابدية.
لانه
لم يرسل الله ابنه الى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا
يدان" (يو3 : 14 – 18). ولاحظ أن الصليب يحول الموت إلى حياة وبركة لمن يؤمن
= لأن من لم يؤمن ورفض النظر للحية النحاسية كان يموت من لدغة الحيات المحرقة.
ولدغة الحيات المحرقة رمزا للخطية التى يسقطنا فيها الشيطان = الحية، والخلاص من
الخطية لا شفاء منه إلا بالإيمان بالمسيح والثبات فيه.
[8] مذبح نوح: بعد
أن إنتهى الطوفان وخرج نوح من الفلك بنى نوح مذبحا للربً وقدم عليه محرقة فتنسم
الله رائحة الرضا (تك8: 20-21). فهذا الطوفان الذى أباد البشرية كان لعنة.
ولكن بفعل الذبيحة والمذبح، والمذبح هو رمز للصليب والذبيحة ترمز للمصلوب،
تنسم الله رائحة الرضا، وقال الله "لا أعود ألعن الأرض" (تك8:
21). والمعنى أنه بالصليب تُرفع اللعنة. أى حدث الصلح بين الله والإنسان
بالصليب. وكان قوس قزح رمزاً لهذا الصلح فهو وعد بأن لا يعود الله ويغرق العالم
مرة أخرى (تك9: 8-17). ومذبح نوح هذا كان أول مرة نسمع فيها عن كلمة مذبح رمز
الصليب. والمعنى أنه بالصليب تُرفع اللعنة ويحدث الصلح
ووعد الحياة "لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ
ٱللهِ بِمَوْتِ ٱبْنِهِ" (رو5: 10). بل نجد قوس قزح حول عرش الله علامة أن
هذه إرادة الله أن لا يعود يهلك الإنسان، بل يريد له الحياة الأبدية (رؤ4: 3).
بعد أن كان الصليب لعنة صار الصليب بركة لذلك قال بولس
الرسول
"واما من جهتي، فحاشا لي ان افتخر
الا بصليب ربنا يسوع المسيح (غل6 : 14).
آية (1):- "1وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا
دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرًا لاَ يَفْرِقُ شَيْئًا عَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ
صَاحِبَ الْجَمِيعِ. "
القديس
بولس الرسول يستخدم وسائل متعددة ليثبت لهم أن الناموس والختان كانا لمرحلة مؤقتة.
وهنا يقول إن
الطفل والعبد لا يستطيعان أن يتصرفا فى ثروة صاحب البيت وبهذا يقول لهم إن إرتدادهم
للناموس شبيه بهذا الموقف، فإنسان الناموس وعدم نضجه الروحى يشبَّه بالطفل. وفى
عدم تمتعه بالحرية يشبه بالعبد. أما المسيحى بنضجه الروحى وتمتعه بالحرية فهو يكون
لائقاً بالميراث. فالناموس يمثل الوصى على الولد القاصر حتى لا يمد يده على
الميراث قبل أن يصل إلى حالة الإدراك الكافى، والوصى يعتنى بالممتلكات ويحرسها،
أما القاصر فلا حرية له فى التصرف فيها. وفى هذا
تأنيب لهم أنهم بإرتدادهم للناموس يصيروا كمن يعود لمرحلة
الطفولة أو يصير عبدا فاقدا لحريته.
الناموس
كان لمرحلة مؤقتة:- خلق الله الإنسان
والوصايا مطبوعة على قلبه. وهذا ما يُسَمَّى بالناموس الطبيعى. فبدون الناموس
عَرِف يوسف أن الزنا خطية تُغضب الله. وكان ذلك لأن آدم كان مخلوقاً على صورة
الله، والله محبة. فكانت المحبة التي
في قلبه تمنعه من مخالفة
وصايا الله. وإستمرت محبة الله في
قلوب الكثيرين مثل أخنوخ ونوح وإستمرت حتى يوسف وكان هذا بلا ناموس. ولما إزدادت
الخطية وتحجر قلب البشر، أعطى الله موسى الناموس مكتوباً على حجر ليتناسب مع حالة
البشر التي
إنحدروا إليها كما يقول القديس إغريغوريوس في قداسه
"أعطيتنى الناموس عوناً". وكان هذا كمرحلة مؤقتة بدليل وعود الله
لإرمياء وحزقيال النبيين:
·
"هَا أَيَّامٌ
تَأْتِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ
يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ
آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لِأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ،
حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. بَلْ هَذَا هُوَ
ٱلْعَهْدُ ٱلَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ
ٱلْأَيَّامِ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ
وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي
شَعْبًا" (إر31: 31-33). وكيف يكتب الله الوصايا على القلب؟ سيكون هذا حين
يسكب الروح القدس محبة الله في
قلوب المؤمنين بالمسيح (رو5:5). فنعود كما كان آدم قبل السقوط. وطبعاً هذا سيكون
بعد فداء المسيح والصلح بين الله والبشر (2كو19،18:5). وإرسال الروح القدس.
·
"وَأُعْطِيهِمْ
قَلْبًا وَاحِدًا، وَأَجْعَلُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحًا جَدِيدًا، وَأَنْزِعُ قَلْبَ
ٱلْحَجَرِ مِنْ لَحْمِهِمْ وَأُعْطِيهِمْ قَلْبَ لَحْمٍ، لِكَيْ يَسْلُكُوا فِي
فَرَائِضِي وَيَحْفَظُوا أَحْكَامِي وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَيَكُونُوا لِي شَعْبًا،
فَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا" (حز20،19:11).
·
وهذا يعنى أن الله
يريدنا أن نحفظ الوصايا عن محبة كأبناء أحباء (يو23،21:14)، وليس عن خوف كالعبيد
الذين ينفذون وصايا سادتهم عن خوف من العقاب. لذلك يقول الرب
يسوع "لَا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لِأَنَّ ٱلْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ
مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لَكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لِأَنِّي
أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" (يو15:15).
آية (2):- "2بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ
وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ. "
الوصى
هو المتولى القانونى على الطفل القاصر ويكون مسئولاً أمام القانون عن الأموال
الموروثة. والوكيل هو المُعَيَّن من البيت أو العائلة ليرى أمور حياته وصحته
وتعليمه ويكون بمثابة أبيه. والناموس بأحكام وصاياه
يمثل الوصى، وبتعاليمه [من ختان وغسلات وعدم لمس ميت لئلا يتنجس وعدم أكل أشياء
معينة…]
يمثل الوكيل، وعمله ذلك مؤقت إلى أن يأتى ناموس الحرية. ونفهم الآن فى ظل ناموس
الحرية أن الختان رمز للمعمودية، والموت يساوى الخطية، فالتلامس مع ميت رمز لمن
يذهب لكى يتذوق ويتلامس مع الخطية فيموت… وهكذا.
وفى
مرحلة الطفولة (فى ظل الناموس) كان الإنسان لا يستطيع أن يفهم سوى الماديات،
وميراث الأرض، والعمر الطويل، والصحة.. هكذا كانت وعود العهد القديم للأبرار. فقبل
المسيح كانت عقيدة الحياة بعد الموت غير واضحة بدليل أن الصدوقيين الذين منهم
رؤساء الكهنة كانوا غير مؤمنين بها. فهل كان من لا يؤمن بالقيامة من الأموات سيفهم
معنى أمجاد السماوات؟! أما فى مرحلة النضج فصرنا نفهم الأمجاد السماوية ولا نهتم
بالميراث الأرضى ولا الصحة (بولس كان عليل الصحة) ولا العمر الطويل (الشهيدين
أبانوب وقرياقص). وصرنا نفهم أن التجارب هى طريق السماء، والإعداد للسماء.
الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ:
أسماه بولس ملء
الزمان آية 4. حين يأتى المسيح ليعطينا الحرية. هو الوقت الذى كان الله يعلم أن
الإنسان سيكون فيه ناضجا ويستطيع أن يترك مرحلة
الطفولة، وبالتالى يمنحه الله هذه الحرية. ولاحظ تعليم بولس عن الحرية "كل
الأشياء تحل لى. لكن ليس كل الأشياء توافق" وعلىَّ
أن يكون ما أختاره يبنى علاقتى بالله، وأن لا يتسلط علىَّ شئ(1كو12:6، 23:10) هذا
تعليم يصلح للناضجين.
آية (3):-
"3هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا: لَمَّا
كُنَّا قَاصِرِينَ، كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ. "
قبل
المسيح كان اليهود قاصرون تحت عبودية الناموس (غل10،9:4) وكان
الأمم مستعبدين تحت
أركان العالم (غل8:4).
والمسيح حرر الجميع من عبوديتهم، هل بعد ما أصبحوا سادة للبيت يعودون ليصبحوا
عبيدا للناموس. وفى هذه الآية الشاملة (3:4) يشمل
أركان العالم وأركان الناموس فى كلمة واحدة أسماها أَرْكَانِ
الْعَالَمِ
، ثم فصلها فى آيات 8، 9، 10.
أَرْكَانِ كلمة باليونانية تعنى أشياء مرصوصة بجوار
بعضها مثل الحروف الأبجدية (أ،ب،ت…) وأحسن مثال لهذه الكلمة المكعبات المرسوم عليها حروف اللغة
الأبجدية ليكون منها الطفل كلمة مفهومة. والأبجدية هى أول ما يعلمونه للطفل ، لذلك
صارت كلمة أركان باليونانية تعبر عن الشئ البدائى أو البدائيات أو المبادئ الأولية
(عب12:5).
وننتهى بذلك أن أركان اليهود هى إشارة لمطاليب الناموس البدائية روحياً وأركان
العالم الوثنى هى خرافات الوثنيين مثل التفاؤل والتشاؤم وإسترضاء الآلهة بالذبائح.
أمثلة:
كيف يشرح الله معنى الخطية في العهد القديم؟ *وصية عدم التلامس مع ميت
تعتبر نجاسة = والمعنى الخطية تؤدى للموت فلا تقترب من الخطية لئلا تموت. *وصية
اللحوم المحرمة (لا11) = الله يطلب من شعبه أن يتأمل فى طريقة سلوك كل
حيوان أو طير محرَّم أكله وأن لا يعمل مثله، فالخنزير بعد إغتساله يعود ليتمرغ في
الطين. فلا تعود أيها التائب لخطيتك التي تبت عنها. هذه هي أركان الناموس.
ومن ضمن أركان الناموس وعد الله بميراث الأرض وكثرة البنين. فلم يكن هناك من سيفهم
ميراث الأمجاد السماوية. ولأن اليهود كانوا في حالة عدم النضج كأطفال، تعامل معهم
الله على حسب مستواهم فوعدهم بمواعيد أرضية. ومع النضج والبنوة التي صارت بالمسيح
كشف لهم عن الأمجاد السماوية التي تنتظرهم.
آية (4):- "4وَلكِنْ
لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ
امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ. "
مِلْءُ الزَّمَانِ:
هو ما أسماه سابقاً الوقت المؤجل (آية 2) من أبى الولد الوريث لكى تفك وصايته، هو
الوقت الذى رآه الله مناسباً من كل الوجوه لكى يأتى المسيح. (راجع المقدمة).
أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ
عبارة يفهم منها بوضوح أن المسيح كان موجوداً قبل أن يولد من العذراء.
مِنِ امْرَأَةٍ:
أى ليست ولادة طبيعية. فالمسيح ليس من نسل رجل. بل من عذراء. كان تدبير الله أن لا يولد المسيح ولادة طبيعية من علاقة بين
رجل وإمرأة، حتى لا يرث الخطية الجدية فيكون قادراً
أن يفتدى غيره أي البشر. فلو كان يحمل خطية لحَكَمِ عليه الناموس كخاطئ ولمات عن
نفسه.
إذاً:
– 1) المسيح كان بلا خطية وقال المسيح
لليهود "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ" (يو46:8). 2)
والمسيح أيضاً لم يرث الخطية الجدية. لذلك لم يُلْعَن من الناموس. لذلك طلب
منا المسيح أن نثبت فيه "إثبتوا فىَّ وأنا فيكم" (يو4:15). فمن يثبت فيه
يكون كاملاً (كو28:1). ومن يثبت فيه يكون أيضاً بلا لوم وبلا دينونة (أف4:1 + رو1:8).
آية (5): – "5لِيَفْتَدِيَ
الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. "
لِيَفْتَدِيَ:
1*يشترى لنفسه بثمن هو جسده ودمه، 2*وبذلك دفع كل الديون التى علينا. 3*وأنهى لعنة
الناموس 4*وأخرجنا من رباطات الخطية والموت. 5*وبهذا نلنا التبنى والحرية من
الناموس. *حالة التبنى ننالها كعطية بمقتضى الوعد القديم لأبينا إبراهيم، بأن
إبراهيم سيكون أباً لجمهور من الأمم وذلك لمن يؤمن مثله (نحن المؤمنين الآن كلنا).
*وأيضاً ننال التبنى بالمعمودية لإتحادنا بالمسيح الإبن "لِأَنَّهُ إِنْ
كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا
بِقِيَامَتِهِ" (رو5:6).
وعد
الله لإبراهيم
1)"وَأُبَارِكُ
مُبَارِكِيكَ، وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ
ٱلْأَرْضِ" (تك3:12). الله يبارك إبراهيم. والرب يسوع المسيح يأتي من نسله
ليبارك جميع قبائل الأرض.
2)"وَتَكُونُ
أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ ٱلْأُمَمِ، فَلَا يُدْعَى ٱسْمُكَ
بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ ٱسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا
لِجُمْهُورٍ مِنَ ٱلْأُمَم. وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا،
وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ
مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لِأَكُونَ إِلَهًا لَكَ
وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ (تك6،5:17). "أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً،
وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ ٱلسَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي
عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ
فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلْأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي"
(تك18،17:22). "وَقَالَ ٱللهُ لِإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ ٱمْرَأَتُكَ لَا
تَدْعُو ٱسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ ٱسْمُهَا سَارَةُ. وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ
أَيْضًا مِنْهَا ٱبْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ
مِنْهَا يَكُونُون" (تك16،15:17). ٱنْظُرْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَعُدَّ
ٱلنُّجُومَ إِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا. وَقَالَ لَهُ: هَكَذَا يَكُونُ
نَسْلُكَ" (تك5:15). "وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ ٱلْأَرْضِ، حَتَّى
إِذَا ٱسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّ تُرَابَ ٱلْأَرْضِ فَنَسْلُكَ أَيْضًا
يُعَدُّ" (16:13). وفى كل هذا إشارة لأبوة إبراهيم لكنيسة المسيح الجمهور
من الأمم التي شملت العالم كله من الأمم واليهود.
3)نوعية
أبناء إبراهيم:- أ) لهم إيمان إبراهيم: نلاحظ أن البنوة
لإبراهيم ليست بحسب الجسد والدم بل بالإيمان كما قال الرب يسوع لليهود "قَالَ
لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كُنْتُمْ أَوْلَادَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" وأهم عمل لإبراهيم كان إيمانه القوى. وراجع قول الرب
يسوع لليهود "فَقَالُوا لَهُ: مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ
ٱللهِ؟
أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ عَمَلُ
ٱللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِٱلَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ" (يو29،28:6). ب)
أولاد موعد: "فقَالَ: إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ
ٱلْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ٱمْرَأَتِكَ ٱبْنٌ" (تك10:18). كان هناك
إستحالة أن يولد إبن لإبراهيم من سارة. وهذا ما قاله إبراهيم حين أخبره الله بذلك
"فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِه: هَلْ
يُولَدُ لِٱبْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ
سَنَةً" (تك17:17). وراجع (تك18: 11-15). فإبراهيم لا يمكنه في هذا السن أن
يُنجب، ومستودع سارة ميت! وهذا هو حال كلٌ منا: إذ نحن كنا أموات بالخطية وجاء
المسيح ليُعطينا وعداً بالحياة والتبنى. نحن نظير إسحق، أولاد موعد. ج)
الختان: ولكن هناك شرط آخر للدخول في عهد مع الله، أعطاه الله لإبراهيم "هَذَا
هُوَ عَهْدِي ٱلَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ
بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، فَتُخْتَنُونَ فِي
لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلَامَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ"
(تك11،10:17). وحينما حفِظ بنو إسرائيل شرط الختان دخلوا في عهد مع الله وقال الله
عنهم "إبنى البكر" "فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذَا
يَقُولُ ٱلرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ٱبْنِي ٱلْبِكْرُ" (خر22:4). وحينما قدَّم
اليهود أبنائهم ذبائح للأوثان قال الله "أَخَذْتِ بَنِيكِ وَبَنَاتِكِ
ٱلَّذِينَ وَلَدْتِهِمْ لِي، وَذَبَحْتِهِمْ لَهَا طَعَامًا. أَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ
زِنَاكِ أَنَّكِ
ذَبَحْتِ بَنِيَّ وَجَعَلْتِهِمْ يَجُوزُونَ فِي ٱلنَّارِ لَهَا"
(حز21،20:16). وكان الختان رمزاً للمعمودية التي ننال بها غفران الخطايا والتبنى.
د) لاحظ قول الله عن بنى إسرائيل "إبنى" و"بنىَّ".
وبهذا تنطبق علينا هذه الوعود التي كانت لإبراهيم، لنصير أبناء لله: *نحن مؤمنين
كإبراهيم، نحن أولاد إبراهيم بالإيمان. *نحن أولاد موعد كإسحق. *معمدين (الختان
كان رمزاً للمعمودية). *حررنا المسيح "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ
فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" كما حرَّر موسى الشعب من عبودية
فرعون (يو36:8). *كما أعطى الرب كنعان الأرضية ميراثًا بحسب وعده لإبراهيم، صرنا
ورثة لكنعان السماوية. والميراث يكون للبنين. *ولكل هذا علمنا الرب أن نصلى
قائلين "أبانا الذى في السماوات" وقال عن بنوتنا لله "فَكُونُوا
أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ
كَامِلٌ" (مت48:5).
التَّبَنِّيَ:
فى المعمودية نموت مع المسيح فتغفر خطايانا. ونقوم متحدين مع المسيح الابن فنصير
أبناء. وهذا يتم بناءاً على الفداء الذى فيه مات المسيح وقام.
تَحْتَ النَّامُوسِ:
المسيح إفتدى اليهود الذين هم تحت الناموس
وإفتدى الأمم أيضاً الذين بلا ناموس وأحراراً منه. ولكن بولس الرسول يقول هنا ذلك
إشارة للغلاطيين الذين كانوا أمماً، وصاروا فى المسيحية أبناء مباشرةً، ويريدون
الآن أن يعودوا للناموس. اليهود كانوا تحت لعنة الناموس إذ لم يستطيعوا الإلتزام
به. فالناموس يقول "مَلْعُونٌ مَنْ لَا يُقِيمُ كَلِمَاتِ هَذَا ٱلنَّامُوسِ
لِيَعْمَلَ بِهَا" (تث26:27). والمسيح حررهم من لعنته. وأنتم أيها الغلاطيون
كنتم أصلاً أحراراً من لعنة الناموس، إذ لم يكن الناموس لكم، فماذا تريدون،
أتريدون الدخول إلى لعنة الناموس؟!!
آية (6):- "6ثُمَّ
بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ
صَارِخًا:«يَا أَبَا الآبُ»."
قال لهم الرسول في الآية السابقة "بفداء المسيح نلنا التبنى. وفى هذه الآية يقول
إن الروح القدس الذى في داخلنا يشهد بذلك ويقنعنا بأننا صرنا أبناء لله في المسيح. أي صار لنا
شهادة داخلية بأننا أبناء الله.
من
آمن وقبل الفداء صار إبنا وحراً من الناموس والخطية. وحل عليه الروح القدس نتيجة
إتحاده بالإبن. وصار الروح القدس الذى فى داخلنا يشهد بهذه البنوة، فصرنا نصلى
للآب بقولنا يَا أَبَا الآبُ كما كان
المسيح يقولها تماما "كَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ ٱلسَّاعَةُ إِنْ
أَمْكَنَ. وَقَال: "يَا أَبَا ٱلْآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ
لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هَذِهِ ٱلْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِيَكُنْ لَا مَا أُرِيدُ
أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ" (مر36:14). فنحن صرنا أبناء للآب بالتبعية
أى بإتحادنا بالمسيح الإبن. واللفظ يا آبا هى صرخة الطفل لأباه ومازالت تنطق هكذا بالعربية.
ولفظ يا آبا هو عبرانى أرامى معناه يا بابا. ولفظ باتير (الأب) يونانى. ويصير
المعني ( يا بابا الذى هو الآب ) والمعنى أن الله صار أبا للجميع يهودا وأمم.
صَارِخا: الروح لا يصرخ بل يقنعنى بمحبة
الله لى فهو أب لى. صَارِخا: الروح لا يصرخ
بل يقنعنى بمحبة الله لى فهو أب لى ويقنعنى الروح القدس بأن أصرخ لله قائلاً يا
رب أنت أبى. هو يعطينى شعور بالبنوة لله.
ولنلاحظ أننا معرضين فى كل لحظة بحروب من إبليس ليوقع بيننا وبين الله، ويشككنا فى
محبته وأبوته، مثل مرض أحد أحبائنا أو موته، أو فى تجربة تحدث لى أو مرض يصيبنى
شخصياً فيأتى الشيطان ويصور لى أن هذا ناتج عن عدم محبة الله لنا أو ناتج عن قسوته
أو أن الله يكرهنا. وهنا يصرخ الروح القدس فى داخلنا قائلاً…
أبداً لا تصدق. الله يحبك. أنت إبن محبوب لله. ثق أن هذة التجربة هى طريقك للسماء،
لو لم تكن طريقك للسماء ما سمح بها الله. إثبت
أنت إبن.
هل يترك أب ابنه.
أذكر قول المسيح "هل يطلب إبن من أبيه رغيف فيعطيه حجر، هل يطلب سمكة فيعطيه
حية". نسمع صوت إبليس يوقع بيننا وبين الله، إن هذه
التجربة هى عقرب فيصرخ الروح القدس داخلنا، أنت إبن،
هل يعطى أب لابنه
عقرب أو حية. هذه
سمكة (سمكة= حياة تخرج من موت ، فالبحر هو موت للانسان أما السمكة فتحيا فى
البحر). إفهم إذاً أن هذه التجربة إنما هى طريقك للسماء. هى لصالحك. هذا هو صراخ
المصالحة مع الله (2كو18:5، 19).
وإذا
سلكت فى طريق الخطية يصرخ الروح القدس فى داخلى. أنت ابن
لله. أنت تنتمى
للسماء. هل يصح أن تفعل ما تفعله. هل تقبل أن تكون سبب فى التجديف على إسم
أبيك السماوى وهذا ما يسمى تبكيت الروح القدس على خطية (يو8:16).
والروح
القدس يصرخ فى قلب الخادم أن لا يتكاسل فهو إبن الله. وأن المخدومين إخوته وعليه
أن يفتقدهم فهم جميعاً أبناء الآب السماوى. وهو
يصرخ فينا ليدفعنا لنصلى ونسبح لنتذوق الأحضان الأبوية. وهذا ما يسمى تبكيت الروح
القدس على بر (يو8:16).
ولو
تكاسلت وإعتذرت بأن الشيطان أقوى منى وسبب هذه
السقطات ، يصرخ فى داخلى بأن الشيطان قد دين، وأن المسيح صرخ للآب
قائلاً أيها
الآب
إحفظهم فى اسمك (يو11:17) فهل
يعود الآب
ويترك إبنه لسلطان إبليس، خصوصاً أن إبليس مدان. وهذا ما يسمى تبكيت على
دينونة (يو8:16).
والروح
القدس يحكى لى عمن هو المسيح فأحبه. ويحكى لى عن المجد المعد فأشتهيه. فيقول لى كل
هذا لك فأنت إبن. فأصرخ لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً (يو14:16+
1كو 9:2-12+ فى 23:1).
والروح
القدس هو الذى يعطينى الشعور بالبنوة، وبدالة البنوة ويقول لى
أطلب بثقة من الله. أنت إبن.
آية (7):- "7إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا
فَوَارِثٌ ِللهِ بِالْمَسِيحِ. "
(رو17:8)
: " فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح" .
(عب2:1):
"إبنه الذى جعله وارثاً لكل شىء" .
ما
معنى أن المسيح يرث؟ هل كان المسيح ابن الله بلا مجد وصار له المجد؟
إذا
تكلمنا عن لاهوت المسيح فهو لم يفقد مجده لحظة واحدة ولا طرفة عين. وإذا تكلمنا عن
جسده، فهو وُلِدَ بجسد عادى كجسدنا تماما. هذا الجسد صار له كل المجد حينما جلس عن
يمين الآب، وهذا ما طلبه المسيح من الآب (يو17 : 5).
وكان
هذا لحسابنا فكل من إتحد به، واستمر ثابتا فيه سيصير له المجد كميراث "أنا
قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى" (يو22:17). + من يغلب أى يظل ثابتاً فى
المسيح "أعطيه أن يجلس معى فى عرشى" (رؤ21:3). + "أَيُّهَا
ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ
أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو24:17). لذلك
يقول السيد المسيح "اثبتوا فىَّ وأنا فيكم" (يو4:15). فمن
يظل ثابتا فى المسيح فما يحصل عليه المسيح سأحصل عليه أنا. الله الذى أعطى
لإبراهيم الوعد ها هو ينفذ وعده ويعطى الميراث لأبناء إبراهيم بالإيمان.
آية (8):- "8لكِنْ
حِينَئِذٍ إِذْ كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ، اسْتُعْبِدْتُمْ لِلَّذِينَ
لَيْسُوا بِالطَّبِيعَةِ آلِهَةً.
هذا
الكلام موجه للغلاطيين الذين عبدوا الأوثان قبل إيمانهم بالمسيح، ولم يعرفوا الله
الحق. الله هو الحق، ومن لا يعرف الله لا يعرف الحق، وهكذا تتزيف له كل الحقائق،
ومثل هذا الإنسان يصدق الشيطان الكذاب. ومن يعرف الحق يتحرر، ومن يتبع الشيطان
يستعبد. والله أرسل المسيح وهو الطريق والحق والحياة لنعرف الحق "وَتَعْرِفُونَ
ٱلْحَقَّ، وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو32:8). فمن لم يتذوق حلاوة عشرة
الله، يخدعه الشيطان بالملذات الحسية والملذات الأرضية. لذلك قال عنه الرب أنه "رئيس
هذا العالم" (يو30:14). فهو قادر أن يعطينى ملذات كثيرة ولكن الثمن أنه
يستعبدنى. وهذا ما حاول صنعه مع الرب يسوع "ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ
إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ
لَهُ: «أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي"
(مت9،8:4).
ولكن
من يعرف الحق:
1.
سيدرك أن العالم بكل
مافيه من أمجاد، هو زائل وأن "حياتنا ما هي سوى بخار يظهر قليلاً ثم
يضمحل" (يع14:4).
2.
حلاوة الحياة مع الله هي
الفرح الحقيقى ولا يساويها شيئاً آخر في هذا العالم.
3.
ملذات العالم هي للحظات
يعقبها هم وغم.
4.
المسيح أتى ليقدم خلاصاً
له بهجة وفرح قال عنه داود النبى "رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلَاصِكَ"
(مز12:51). والشيطان يحاول أن يُعمى أعيننا عن بهجة الخلاص هذه بملذات هذا العالم
ليقتنصنا فنهلك.
إِذْ كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ، اسْتُعْبِدْتُمْ: ما
الذى جعل إنسان مؤمن يذهب لأماكن خطية فيستعبد لها؟ إنه لم يعرف الله ولم يتذوق
حلاوة عشرة الله. وما الذى يجعلنا نهرب من الصلاة والأصوام والقداسات؟ إننا لم
نعرف الله أى لم نتذوق حلاوة عشرة الله. حقاً "هلك
شعبى من عدم المعرفة" (هو6:4).
آية (9):- "9وَأَمَّا الآنَ إِذْ
عَرَفْتُمُ اللهَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ
اللهِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضًا إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ
الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟"
الله
أعلن نفسه فى شخص المسيح، ومن آمن بالمسيح وعرفه فقد عرف الآب أيضاً "من رآنى
فقد رأى الآب" (يو9:14+ يو18:1).
عَرَفْتُمُ اللهَ: "لا
أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الإبن أن يعلن له" (مت 27:11).
ومعرفة الله هذه عبارة تعنى الإتحاد بالله (راجع تفسير مت11 : 27) عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ: وكأن
الرسول بعد أن قال عرفتم الله تدارك فقال بل عُرِفْتُمْ
مِنَ اللهِ
=
فأنا لا أستطيع أن أتحد بالله من نفسى، فالله هو الذى جاء للإتحاد بى، وأنا لن
أستطيع أن أعرف الله وأسرار الله من نفسى بل أن الله هو الذى يعرفنا نفسه ومن خلال
الإتحاد به (فأنا لن أستطيع إقتحام قصر الملك لأعرفه وأشاهد قصره، بل هو يدعونى إن
أحبنى، والحب هو أساس هذا الإتحاد ووسيلة هذا الإتحاد… راجع تفسير يو15 : 9)
إذاً المبادرة من الله (رؤ3 : 20) . فنحن ليس لنا القدرة الذاتية على معرفة الله.
ولكن قوله عُرِفْتُمْ تعنى أن الله يعرف من يستحق أن يكشف له
نفسه ويكشف له أسراره. وكونه عرفنا نفسه أو كوننا عرفناه فهذا يعنى أنه حسبنا من
أخصائه بل من أبنائه.
الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ:
الرسول يتعجب كيف بعد أن عرفوا الله فى شخص إبنه يعودون للختان وخلافه من ذبائح
وتطهيرات، يُسَكِّن بها الخاطئ ضميره الملوث ، وأنه عمل كل المطلوب وتبرر أمام
الله . أو يعود الأممى لذبائح أوثانه. وهى ضعيفة إذ هى غير قادرة على تطهير
الضمائر. وهى فقيرة إذ لا قوة فيها. وهذه الآية تنطبق علينا. إذ كيف بعد أن عرفنا
الله وكشف الله لنا عن محبته وعن الأمجاد التى أعدها لنا، نرتد لشهواتنا السابقة
التى ليس فيها شبع حقيقى ولا فرح حقيقى ولا تملأ القلب سلام. الشهوات الحسية هى
أركان ضعيفة فقيرة فهى تعطى لذات حسية للحظات. أما الله فيعطى سلاماً يملأ القلب
العمر كله، سلام يفوق كل عقل (فى7:4). هذا
ما جعل الله يتساءل ويعاتب شعبه أنهم تركوه هو ينبوع الماء الحقيقى الحى وذهبوا
ينقروا لأنفسهم آبار مشققة لا تضبط ماء (إر13:2).
بل عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ =
إذاً المبادرة تأتى من الله: 1*"هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى ٱلْبَابِ
وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ ٱلْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ
وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ20:3). فنحن ليس لنا القدرة الذاتية
على معرفة الله. ولاحظ قوله هنا أقرع أي أن الله هو الذى يبدأ ويدعو.
2*ولذلك يطلب إرمياء النبى من الله قائلاً "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لِأَنَّكَ
أَنْتَ ٱلرَّبُّ إِلَهِي" (إر18:31). 3*ويقول الرب يسوع لليهود المعاندين
"لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ ٱلْآبُ
ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ" (يو44:6).
الله يدعو ويقنع "أقنعتنى فإقتنعت وألححت علىَّ فغلبت" (إر7:20). 4*ومن
يستجيب لنداء وإقناع الروح القدس يؤمن ويخلص فيحيا "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ
أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلَّا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (1كو3:12).
5*أما من بحريته يرفض يتركه الله بحريته للهلاك "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ
أَجْمَعَ أَوْلَادَكِ كَمَا تَجْمَعُ ٱلدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ
جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا، هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا"
(مت38،37:23).
آية (10):-
"10أَتَحْفَظُونَ أَيَّامًا
وَشُهُورًا وَأَوْقَاتًا وَسِنِينَ؟"
يتكلم
هنا عن مواسم الفصح والأصوام اليهودية، والسنين كسنة اليوبيل.
آية (11):-
"11أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ
أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثًا!
"
يخاف
بولس أن تغويهم الحية بمكرها (أى إبليس) (2كو3:11).
ويضيع تعبه فيهم. وكلمةأخَافُ تحمل
معنى التشجيع والإهتمام والحب.
آية (12):- "12أَتَضَرَّعُ إِلَيْكُمْ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كُونُوا كَمَا أَنَا لأَنِّي أَنَا أَيْضًا كَمَا أَنْتُمْ.
لَمْ تَظْلِمُونِي شَيْئًا. "
فى
الآيات 12 – 20 يلجأ الرسول لوسيلة جديدة عاطفية ليثنيهم عن نيتهم فى إتباع
الختان، فهو يذكرهم بالمحبة التى كانت له عندهم. ومن هذه الآيات يمكننا أن نعرف
الشوكة التى كانت فى جسده. الرسول لم يقصد أن يتكلم عن نفسه ولكنه يريد أن يقول لهم
"لقد بشرتكم وأنا فى منتهى الألم والضعف، ولقد أحببتمونى. فلماذا تشكوا فىَّ
وفى تعاليمى الآن.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ: يكرر
الرسول كلمة الإخوة هنا ليتودد لهم. وهو يتودد لهم بمشاعر أبوية بعد أن إستخدم الشدة
معهم. يقول لهم أنا أحبكم فيا ليتكم تحبوننى كما
أحببتكم ولا تصدقوا الإشاعات المغرضة عنى. أو يا ليتكم تحبوننى كما أحببتمونى من
قبل. كُونُوا كَمَا أَنَا: أنا
كنت يهودياً وبعد أن عرفت المسيح تركت عوائد الناموس فكونوا مثلى فى هذا. لأَنِّني أَنَا أَيْضًا كَمَا أَنْتُمْ: فهم
أصلاً بلا ناموس، وفى هذا صار بولس مثلهم تاركاً للناموس. لَمْ تَظْلِمُونِي شَيْئًا: أى
ليس هناك مشاكل شخصية بيننا.
آية (13):-
"13وَلكِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ
أَنِّي بِضَعْفِ الْجَسَدِ بَشَّرْتُكُمْ فِي الأَوَّلِ. "
كان
بولس حاملاً فى جسده تجربة مرة إعتبرها ضربة من الشيطان ولكن قطعاً بسماح
من الله، ولكن بالرغم من ضعفه كان الله عاملاً فيه بروحه بقوة (زك6:4).
وقالوا عن مرضه آلام فى العين وقالوا إنه ملاريا.
وقالوا صديد فى جسمه. ولاحظ أن بولس لم يستطع شفاء نفسه بالرغم أنه كان يشفى
الآخرين.
آية (14):- "14وَتَجْرِبَتِي الَّتِي فِي جَسَدِي
لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا، بَلْ كَمَلاَكٍ مِنَ اللهِ
قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ.
"
كان
لبولس مرض له رائحة صديد كريهة لكنهم لم يزدروا
بها (أع12:19). هنا
نراهم يأخذون خرق من على جسد بولس. فقيل كان فى جسده قروح.
آية (15):- "15فَمَاذَا كَانَ إِذًا
تَطْوِيبُكُمْ؟ لأَنِّي أَشْهَدُ لَكُمْ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ
عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي. "
فهم
بعض المفسرين أن بولس كانت عينيه مريضة لقوله هنا
لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي: وما
يؤيد هذا أنه كان يكتب بحروف كبيرة (إذ أنه غير قادر على
الكتابة بوضوح) (غل11:6). وهو
كان يملى رسائله لتلاميذه فهو لا يقدر أن يرى الحروف الصغيرة (رو16 : 27 + أف6 :
24). وفى بعض رسائله إضطر أن يكتب بعض كلمات بحروف كبيرة ليميزوا الرسائل التى
يرسلها هو من الرسائل المزورة التى كتبها أعداءه ونسبوها إليه (2تس3 : 17). وبسبب
ضعف عينيه لم يميز رئيس الكهنة (أع23 : 3 -5).
تَطْوِيبُكُمْ: لقد فرحوا بمجئ
بولس لهم وأحبوه
وطوبوا أنفسهم على ذلك أى حسبوا أنفسهم سعداء إذ تعرفوا على بولس وآمنوا بما أتى
به إليهم. وفى هذا عتاب لهم إذ هم نسوا محبتهم لبولس وسعادتهم السابقة به
وبتعاليمه ومواهبهم التى نالوها على يديه ، وتركوا تعاليمه مصدقين تعاليم الاخوة
الكذبة.
آية (16):-
"16أَفَقَدْ صِرْتُ إِذًا
عَدُوًّا لَكُمْ لأَنِّي أَصْدُقُ لَكُمْ؟"
الاخوة
الكذبة أزعجوا الغلاطيون بتعاليمهم. وبولس يقول أنه هو: الَأصْدُقُ
عَدُوًّا: قطعاً
من يكذب فهو عدو وليس صديق.
آية (17):-
"17يَغَارُونَ لَكُمْ لَيْسَ
حَسَنًا، بَلْ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّوكُمْ لِكَيْ تَغَارُوا لَهُمْ. "
هنا
بولس يكشف مكر وخداع الإخوة الكذبة فهم فى غش يدَّعون الأمانة. وهو هنا يقول إنهم
يدَّعون الغيرة والإهتمام بالغلاطيين.
لَيْسَ حَسَنًا: أى
ليس بنية صادقة. يَصُدُّوكُمْ:
يبعدونكم عن الإيمان الصحيح.
لِكَيْ تَغَارُوا لَهُمْ: أى
تنحازوا لهم. فليس مهما فى نظر الإخوة الكذبة أن
يغير الغلاطيون لله بل أن يستحوذون هم على غيرتهم تعمل لحسابهم وأهدافهم. وأن تكون
الغيرة لله فهذا شئ حسن ، أما الغيرة للأشخاص فليست حسنة، خصوصا إذا كانت عن خداع.
هؤلاء الإخوة الكذبة أرادوا أن يحولوا الغلاطيين لمجرد تابعين لهم.
آية (18):-
"18حَسَنَةٌ هِيَ الْغَيْرَةُ
فِي الْحُسْنَى كُلَّ حِينٍ، وَلَيْسَ حِينَ حُضُورِي عِنْدَكُمْ فَقَطْ. "
هنا
ينبه بولس الغلاطيين إنهم كانوا يغيرون للمسيح حين كان بولس الرسول موجودا بينهم،
وبولس رأى أن هذا خطر لأن هذا يعتبر تعلق بشخص بولس وليس بالمسيح. وبولس كان حريصاً
على الغيرة لله فقط.
آية (19):-
"19يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ
أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ. "
أَتَمَخَّضُ:
يشبه بولس آلامه التى عانى منها فى كرازته لأهل غلاطية بألم الولادة للأم، وذلك
حتى يلد أولاداً لهم صورة المسيح. وبولس الرسول هنا يقول أنا كنت لكم كأم ولدتكم
بآلام شديدة. ولنرى صورة لألام بولس فى كرازته (راجع 2كو 11). وبالذات فبولس واجه ألاما
شديدة فى غلاطية، فهم رجموه فى لسترة (ولسترة فى إقليم غلاطية) وجروه خارج المدينة
ظانين أنه مات، ولكنه عوفى بل عاد ودخل المدينة ثانية (أع 19:14 – 21). ونحن نحصل
على صورة المسيح فينا 1*أولاً بالإيمان 2*ثم بالمعمودية 3*ثم بأن نحيا كأموات عن
الخطية لتظهر حياة يسوع فينا (2كو10:4)، 4*بل كمصلوبين أمام العالم، 5*فيحيا
المسيح فينا (غل20:2). 6*وعلينا أن نتغذى على كلمة الإنجيل لتنمو بداخلنا البذرة
التى حصلنا عليها بالمعمودية (1بط23:1). 7*وهذا لا يتم فى لحظة. بل طوال حياتنا
(2كو16:4+ كو10:3).
آية (20):- "20وَلكِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ
أَنْ أَكُونَ حَاضِرًا عِنْدَكُمُ الآنَ وَأُغَيِّرَ صَوْتِي، لأَنِّي مُتَحَيِّرٌ
فِيكُمْ! "
هنا
يعلن الرسول ضيقه من سلوك شعب غلاطية. وَأُغَيِّرَ
صَوْتِي: قد
تعنى أبكى لأستعطفكم. وقد تعنى أصرخ وأهدد وأتوعد كأب يربى أولاده. وغالبا فهى
تعنى الاثنين،
مرة يستعطف، ومرة يهدد.
الآيات (21-31):- " 21قُولُوا لِي، أَنْتُمُ الَّذِينَ تُرِيدُونَ أَنْ تَكُونُوا
تَحْتَ النَّامُوسِ: أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ النَّامُوسَ؟ 22فَإِنَّهُ
مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ
وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. 23لكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ
حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. 24وَكُلُّ
ذلِكَ رَمْزٌ، لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ
سِينَاءَ، الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. 25لأَنَّ
هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَلكِنَّهُ يُقَابِلُ أُورُشَلِيمَ
الْحَاضِرَةَ، فَإِنَّهَا مُسْتَعْبَدَةٌ مَعَ بَنِيهَا. 26وَأَمَّا
أُورُشَلِيمُ الْعُلْيَا، الَّتِي هِيَ أُمُّنَا جَمِيعًا، فَهِيَ حُرَّةٌ. 27لأَنَّهُ
مَكْتُوبٌ:«افْرَحِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. اِهْتِفِي
وَاصْرُخِي أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَتَمَخَّضْ، فَإِنَّ أَوْلاَدَ الْمُوحِشَةِ
أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ». 28وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا
الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ. 29وَلكِنْ
كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ
الرُّوحِ، هكَذَا الآنَ أَيْضًا. 30لكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟
«اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ
ابْنِ الْحُرَّةِ». 31إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلاَدَ
جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلاَدُ الْحُرَّةِ. "
"
هنا
يلجأ الرسول لتشبيه جديد. ويستخدم صورة زوجتَىْ إبراهيم سارة الحرة وهاجر
العبدة. سارة الحرة تنجب إبنا بحسب وعد
الله وضد الطبيعة، إبنا يعطيه الله حياة من موت. وهاجر
الجارية تنجب إبنا
بطريقة طبيعية مثل كل الناس. والرسول يقارن بين عهد النعمة والحرية بيسوع المسيح
وبين عهد الناموس الذى أخذوه فى سيناء. وشبه بولس عهد سيناء بهاجر عبدة سارة التى
ولدت إسماعيل. وهذا العهد هو عهد العبودية. ويقارن مع إسحق إبن الموعد الذى هو ليس
إبناً بحسب الطبيعة. وكان فى حياة إبراهيم عهدان، عهد الختان الذى أخذه فى حياة
إسماعيل وبوجود هاجر العبدة. وعهد الموعد الذى سيقيمه الله فى نسله. وكما عبر
إبراهيم على عهد الختان رمز العبودية بسبب إسماعيل وهاجر إلى عهد الموعد رمز
الحرية بسبب إسحق وسارة. هكذا عبر شعب الله من عهد العبودية فى سيناء وهو عهد
الختانة والناموس إلى عهد الحرية بالمسيح النسل الموعود.
✥
فسيناء المصرية وهاجر المصرية وإسماعيل رموز لعهد
الناموس (والناموس أخذوه فى سيناء المصرية ومصر تذكرهم بالعبودية). كل هذا إشارة للعبودية
والختان.
✥
إسحق ابن
الوعد، هو ابن
سارة الحرة مولود ضد الطبيعة، ولكن بحسب الوعد، هو رمز للمسيح الموعود به المولود
من عذراء ضد الطبيعة، وإسحق أيضاً يرمز لعهد النعمة.
✥ أورشليم العليا
ترمز لأورشليم السماوية وللكنيسة الآن.
✥ سارة الحرة ترمز
للعهد الجديد وللكنيسة التى حررها المسيح.
✥ هاجر الجارية (العبدة) تشير لأورشليم الحاضرة
أيام بولس الرسول، والمستعبدة للناموس وللرومان (وهذا ما يريد الإخوة الكذبة ردهم
إليه أي عبودية الناموس والرومان). قالت سارة عن هاجر أنها جارية "لِأَنَّ
ٱبْنَ هَذِهِ ٱلْجَارِيَةِ لَا يَرِثُ مَعَ ٱبْنِي إِسْحَاقَ" (تك10:21).
وأمَّنَ الله على قول سارة وقال عن هاجر أنها جارية "لِأَنَّهُ
بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَٱبْنُ ٱلْجَارِيَةِ
أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لِأَنَّهُ نَسْلُكَ" (تك13،12:21).
تقاليد
الربيين اليهود: لم يكن الناموس فقط هو الحمل الثقيل
الذى تحمله اليهود من ذبائح وتطهيرات وأطعمة محرمة (أع10:15)، بل تبارى الربيين
اليهود في وضع قوانين بلا حصر تُحَرِّم الكثير على الشعب. مثال في تطبيق
وصية السبت، منعوا حمل إبرة خياطة في ملابسهم يوم السبت فهذا إعتبروه حمل أثقال
(راجع كتاب: حياة وأزمنة المسيح – إدرشيم. على هذا الموقع). وكما قلنا فإن الله لا
يفضل أن يتعامل مع أولاده كعبيد يخافون من العقوبات إن خالفوا الوصية، بل يريد
أولاداً ناضجين مملوئين محبة يختارون الحق ويرفضون الباطل حباً في أبيهم السماوى
وإقتناعاً بأن وصاياه هى في صالحهم.
آية (21):- "21قُولُوا لِي، أَنْتُمُ
الَّذِينَ تُرِيدُونَ أَنْ تَكُونُوا تَحْتَ النَّامُوسِ: أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ
النَّامُوسَ؟"
بولس
هنا يؤنب الغلاطيون، إذ أنهم حين قرأوا الناموس وقفوا عند حدود الفروض الناموسية،
ولم يدركوا أن الناموس يتكلم عن المسيح. فكانوا مثل تلميذى عمواس محتاجين لمن يشرح
لهم عن المسيح. بل هم توقفوا عند المعنى الحرفى كالختان والتطهيرات ولم يفهموا
المعنى الروحى وراء هذه الوصايا. ومن ظل أعمى عن المفاهيم الروحية للناموس قال
عنهم الرسول "بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لِأَنَّهُ حَتَّى ٱلْيَوْمِ
ذَلِكَ ٱلْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ ٱلْعَهْدِ ٱلْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ
مُنْكَشِفٍ، ٱلَّذِي يُبْطَلُ فِي ٱلْمَسِيحِ" (2كو14:3). أما الذين إنفتحت
عيونهم وفهموا المعانى الروحية، مثله هو بولس، قال عنهم "ٱلَّذِي جَعَلَنَا
كُفَاةً لِأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لَا ٱلْحَرْفِ بَلِ ٱلرُّوحِ.
لِأَنَّ ٱلْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ ٱلرُّوحَ يُحْيِي" (2كو6:3).
أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ النَّامُوسَ:
هذه مثل تضلون إذ لا تعرفون الكتب (مت42:21 + مت29:22 + لو26:24، 27). الرسول يريد أن يقول للغلاطيين "هل تفهمون المعانى
الروحية لما تقرأونه فى الناموس".
المعانى
الروحية للوصايا الناموسية: –
الختان:
قطعة لحم تُنزع من الجسد فتموت، لكن يصبح المختون من شعب الله. وكان هذا إشارة
لنزع الخطية من القلب وموتها، وبهذا يحيا المختون في عهد مع الله. وموسى شرح لهم
هذا المفهوم "فَٱخْتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تُصَلِّبُوا
رِقَابَكُمْ بَعْدُ" (تث16:10). ولكنهم إكتفوا بالتطبيق الحرفى ولم يهتموا
بالمفهوم الروحى.
السبت:
كانت وصية السبت "أذْكُرْ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ" (خر8:20).
وعبارة لِتُقَدِّسَهُ تعنى تخصصه لله في تسابيح وصلوات لتحيوا في السماويات.
ولكنهم إكتفوا بالإمتناع عن العمل. وحرمهم التطبيق الحرفى دون الروحى من الحياة في
السماويات.
أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ النَّامُوسَ
= يا من تشبهتم باليهود، وأغمضتم عيونكم عن الفهم الروحى. وتريدون قطع جزء من
لحمكم فقط، أنتم لم تفهموا معنى الختان الروحى ألا وهو الموت عن الخطية فتكون لكم
حياة المسيح.
المكافآت
الأرضية بميراث الأرض: هذه رمز لميراث المجد
السماوى، لأنهم كانوا كأطفال لا يفهمون سوى الماديات.
الآيات
(22-23):- "22فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ،
وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. 23لكِنَّ
الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ
الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. "
لقد
كان اليهود يفتخرون بأنهم أولاد إبراهيم بحسب الجسد. وهنا بولس يظهر لهم أن
إسماعيل أيضاً ابن الجارية هو ابناً لإبراهيم حسب الجسد. أما إسحق فله ميزة أنه
ليس حسب الجسد بل حسب الوعد (أن يُخرج الله حياة من موت)، لذلك ليس غريباً أن ندعى
أولاد إبراهيم رغما عن عدم التصاقنا به جسديا (فالله حوَّل
الموت الذى فينا إلى حياة، أمات الإنسان العتيق الذى
فينا، وأعطانا حياته الأبدية). وكما تأخرت سارة فى الولادة تأخر الأمم فى
الإيمان، وتأخرت الكنيسة فى الولادة عن بداية الشعب اليهودى. وهذا
هو الوعد أنه كما خرج إسحق من مستودع سارة الميت هكذا خرج الأمم المؤمنين الذين
صاروا أحياءً بإيمانهم من مستودع الأمم الوثنى الميت. وهنا سؤال للمتهودين أو
اليهود.. من يفتخر بأنه إبن لإبراهيم
بالجسد فهو نظير إسماعيل. وأما نحن المسيحيين نفتخر بأننا
أولاد لإبراهيم بالإيمان. نحن صرنا أبناء بحسب الموعد نظير إسحق.
آية (24):- "24وَكُلُّ ذلِكَ رَمْزٌ،
لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ،
الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. "
هاجر جارية وعبدة تشير
لعبودية مَن هم فى العهد القديم. وكان من نسل إبراهيم العبيد الذين أتوا من جارية.
وذلك رمز لأن كل نسل إبراهيم بالجسد هم عبيد تحت الناموس، فأولاد إبراهيم ليس كلهم
متساوون فى المقام. وهاجر العبدة المصرية صارت رمز للناموس الذى كان فى سيناء
والذى ولد أولادا يعيشون فى عبودية : الوالد للعبودية
آية (25):- "25لأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَلكِنَّهُ
يُقَابِلُ أُورُشَلِيمَ الْحَاضِرَةَ، فَإِنَّهَا مُسْتَعْبَدَةٌ مَعَ بَنِيهَا. "
أطلق
بولس على عبودية شعب إسرائيل فى سيناء للناموس إصطلاح هَاجَرَ.
فهاجر الجارية مصرية، وسيناء حيث أخذوا الناموس مصرية. ومصر في ذهن اليهود وناموس
اليهود رمز للعبودية. وهذا ينطبق على اليهود والمتهودين وأورشليم اليهودية أيام
بولس الذين هم ما زالوا مستعبدين للناموس وللرومان.
آية (26):-
"26وَأَمَّا أُورُشَلِيمُ الْعُلْيَا،
الَّتِي هِيَ أُمُّنَا جَمِيعًا، فَهِيَ حُرَّةٌ.
"
أُورُشَلِيمُ الْعُلْيَا: هى
الكنيسة الآن، أولاد المعمودية وامتدادها بعد ذلك
فى السماء. وهى عليا فى مقابل أورشليم الحالية المستعبدة. وهى عليا لأن المسيح قال
ينبغى أن تولدوا من فوق (يو7:3)، وهى
عليا لأننا نحيا فى السماويات (أف6:2)
وسيرتنا (أصل كلمة سيرتنا تعنى مواطنتنا/جنسيتنا) هى فى السماوات (فى20:3).
ولذلك يسأل الكاهن فى القداس أين هى عقولكم ونرد هى عند الرب.
وأورشليم العليا سننطلق إليها فى النهاية (يو2:14 و3). هى
مدينة السلام، مركز
العلى، وطننا
السماوى (رؤ2:21،
3، 9-27،11).
والكنيسة هى كنيسة واحدة مكونة من نصفين، الكنيسة المنتصرة فى السماء، والكنيسة
المجاهدة على الأرض والتى سيرتها أيضا فى السموات. وكلمة أورشليم حرفياً تعنى رؤية
السلام. ففى مقابل هاجر سيناء التى ولدت عبيداً، نجد أورشليم العليا التى نولد
منها جميعاً يهوداً وأمم كأبناء أحرار.
آية (27):- "27لأَنَّهُ
مَكْتُوبٌ:«افْرَحِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. اِهْتِفِي
وَاصْرُخِي أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَتَمَخَّضْ، فَإِنَّ أَوْلاَدَ الْمُوحِشَةِ
أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ»."
يستعير
بولس الرسول هنا من قول إشعياء (إش1:54) حيث
يخاطب أورشليم فى حالتها الأولى قبل السبى وكأنها أم مخصبة لها بعل، أما حالتها
أثناء السبى فهى كأم مهجورة بلا زوج ولا بنين فأولادها ذهبوا إلى السبى. ثم
يخاطبها بعد عودتها من السبى وهى مسرورة بعودة بنيها. ولكن الآية تشير حقيقةً إلى
كنيسة الأمم التى كانت بلا عريس ولا أبناء لله ثم صارت عروسة له وأم ولودة تلد
أولاداً لله، أولادها من اليهود والأمم المؤمنين فى كل العالم. فالآية نسبياً على
أورشليم، لأن أورشليم قبل السبى كانت تلد ولم تكن عاقراً. ولكن الآية تشير كليا
إلى الكنيسة. وقارن مع (إش 1:60 – 5 + 10 – 13). ثم
يصور صورة كنيسة المسيح آخر الأيام (إش18:60 – 20).
الَّتِي لَهَا زَوْجٌ: يقصد
كنيسة اليهود وزوجها كان الناموس.
آية (28):-
"28وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا
الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِد. "
إسحق
يشير لأولاد الموعد أى كنيسة المسيح، المواطنون السماويون شركاء الميراث الذين ما
زالوا على الأرض لكنهم لهم حياة سماوية. ونحن نحصل على البنوية لله بحسب وعد الله
الذى نسمعه من فم الكاهن فى العماد.
آية (29):- "29وَلكِنْ كَمَا كَانَ
حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ،
هكَذَا الآنَ أَيْضًا. "
قيل
فى سفر التكوين إن إسماعيل كان يمزح مع إسحق ولكنه لم يكن
مزاح برئ. فكلمة يمزح المستخدمة فى الكتاب تشير للإستهزاء والسخرية. ونلاحظ أن
أولاد الله غرباء فى الأرض مضطهدين فيها. وكل غريب يكون مكروه كمتطفل. ولكن من
يرفض الآلام على الأرض فهو يرفض نصيبه السمائى "إِنْ كُنَّا أَوْلَادًا
فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ ٱللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. إِنْ
كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو17:8).
وبولس يقول هكَذَا الآنَ أَيْضًا: فاليهود
الذين ما زالوا فى عبودية الناموس (نظير إسماعيل المولود من عبدة) مازالوا يضطهدون
المسيحيين الذين هم نظير إسحق الحر ابن الوعد. وكم
عانى بولس الرسول فى كل مكان من إضطهاد اليهود له.
آية (30):- "30لكِنْ مَاذَا يَقُولُ
الْكِتَابُ؟ «اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ
الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ»."
"وَرَأَتْ
سَارَةُ ٱبْنَ هَاجَرَ ٱلْمِصْرِيَّةِ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ لِإِبْرَاهِيمَ
يَمْزَحُ، فَقَالَتْ
لِإِبْرَاهِيمَ: ٱطْرُدْ هَذِهِ ٱلْجَارِيَةَ وَٱبْنَهَا، لِأَنَّ ٱبْنَ هَذِهِ
ٱلْجَارِيَةِ لَا يَرِثُ مَعَ ٱبْنِي إِسْحَاقَ. فَقَبُحَ ٱلْكَلَامُ جِدًّا فِي
عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ٱبْنِهِ. فَقَالَ ٱللهُ لِإِبْرَاهِيمَ:
لَا يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ ٱلْغُلَامِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ.
فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ ٱسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لِأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ
يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَٱبْنُ
ٱلْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً
لِأَنَّهُ نَسْلُكَ" (تك21: 9-13).
سارة
قالت "هذا لا يرث مع ابنى" وكأن الله يؤَمِّنْ على كلام سارة، ويقول
"وإبن الجارية أيضاً. والرسول يلتقط هذا ويقول إن ابن ناموس العبودية
أى اليهود أو المتهودين لن يرثوا مع الأحرار أى الكنيسة. فابن الجارية لا يرث مع
ابن الحرة وابن ناموس العبودية لا يرث فى بركات المسيح وميراثه السماوى. من ظل
مستعبداً ولم يتحرر بالحرية التي أتى بها المسيح لن يرث مع المسيح أمجاد السماء.
وهذه نهاية المضطهِدين الذين عاشوا لا يهتمون سوى بميراث الأرض ويضطهِدوا أولاد
الله، فلا ميراث سماوى لهم. أما من تألم مع المسيح على الأرض فنصيبه فى السماء.
هنا بولس يحذرهم من أن يكون نصيبهم الطرد كهاجر وإسماعيل بسبب استمرارهم فى التمسك
والإلتزام بالناموس كعبيد. فهم طالما يريدون أن يعيشوا كعبيد فلا ميراث سماوى لهم.
ونلاحظ ميراث العبيد من نسل إبراهيم: "وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ
كُلَّ مَا كَانَ لَهُ. وَأَمَّا بَنُو ٱلسَّرَارِيِّ ٱللَّوَاتِي كَانَتْ
لِإِبْرَاهِيمَ فَأَعْطَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَطَايَا، وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ
ٱبْنِهِ شَرْقًا إِلَى أَرْضِ ٱلْمَشْرِقِ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ" (تك6،5:25).
فنلاحظ أن بنو الجارية يرثون أملاكا أرضية. أما إبن الحرة إسحق إبن الموعد فكان له
كل ما كان لدى إبراهيم. وكان هذا نفس ما سمعناه من قول أب الإبن الضال لإبنه
الأكبر "يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ
لَكَ" (لو31:15).
آية (31):-
"31إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ
لَسْنَا أَوْلاَدَ جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلاَدُ الْحُرَّةِ. "
يريد
الرسول أن يقول فلنكن أولاد المسيح وليس أولاد الناموس لنرث الله
مع المسيح كما يقول القديس بولس الرسول "فَإِنْ كُنَّا أَوْلَادًا فَإِنَّنَا
وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ ٱللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا
نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو17:8). وإسحق رمز
للحرية. لذلك علق بولس فى الآية التالية (1:5) على
الحرية الحقيقة . فالآية (1:5) هى
الخاتمة المنطقية للأصحاح الرابع.
تعليق
على الآية28 من هذا الإصحاح
28وَأَمَّا
نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِد.
في المسيح:-
1.
صرنا أولاد موعد = صار لنا حياة المسيح الأبدية بعد
أن كنا موتى بالخطية. وكان هذا وعد الله لإبراهيم. وهذا يتم بالمعمودية التي
فيها نموت بحياة الإنسان العتيق ونقوم بحياة المسيح الأبدية. ولكن لنلاحظ أن إسحق
لم يكتفِ بأنه إبن موعد. بل كان له نفس إيمان أبيه إبراهيم. فحينما عرف أن الله
يريد تقديمه ذبيحة إستسلم ولم يُقاوم أبيه ويهرب. وهنا يمكننا القول أن "إسحق
آمن بالله فحسب له براً". ونقول أن مشابهته لإبراهيم في
إيمانه تجعله إبناً ليس بالجسد فقط بل إبناً لإبراهيم بالإيمان. فضلاً عن أنه
إبناً بالموعد.
2.
صارت لنا
الحرية = "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ
فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو36:8).
3.
ما صرنا
عبيداً = "لَا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ
عَبِيدًا، لِأَنَّ ٱلْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لَكِنِّي قَدْ
سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لِأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ
أَبِي" (يو15:15).
4. صرنا أبناء لله =
"فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ،
لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ" (مت9:6). وأيضاً الآية5 من نفس الإصحاح 5لِيَفْتَدِيَ
الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.
5.
صرنا ورثة
لأننا صرنا أبناء = 7إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا. بَلِ ابْنًا، وَإِنْ
كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ ِللهِ بِالْمَسِيحِ. الآية7
من نفس الإصحاح.
ومن
هنا نفهم معنى كلام بولس الرسول في
هذا الإصحاح على أنه عتاب للغلاطيين على أنهم يريدون بعد أن حصلوا على كل هذا أن
يعودوا للطفولة الروحية أو للعبودية مرة أخرى. يعودون لإشتياقهم للمواعيد الأرضية
وميراث الأرض تاركين الميراث السماوى.
أنهى
الرسول الإصحاح الرابع بأننا أحرار ولئلا يسئ أحد فهم الحرية بدأ هنا فى هذا
الإصحاح يحدثنا عن الحرية التى حررنا بها المسيح (يو36:8)
فالحرية التى لنا ليست كما يتحدث عنها العالم أى هى ليست حرية إباحية يطلق فيها
الإنسان العنان لشهواته. بل نحن نتكلم عن إنسان مؤمن مات مع المسيح عن العالم، صار
مصلوبا عن العالم والعالم مصلوبا له. لا يستعبده شئ فى هذا العالم (غل 14:6). ونحن
بحريتنا نتشابه مع مخلصنا فى بذل حياتنا عن العالم. الحرية الحقيقية هى فى قيادة
الروح القدس لحياتنا فيجذبنا لنتحرر من الأرضيات
ونحيا
فى السماويات. إذا تحدثنا عن الحرية التى قصدها بولس الرسول فهى حرية من الالتزام
الحرفى بطقس الناموس. ولكنها ليست خروجا عن ناموس المسيح ولا عن ناموس موسى
الأخلاقى كالوصايا العشر مثلاً.
الحرية
أساء
الناس فهم الحرية دائما. فحاول أن تقول
لإنسان خاطئ: كف
عن خطيتك (مثال حاول أن تنصح مدخن أن يكف عن التدخين) فستجد الإجابة المكررة من
الجميع: أنا
حر. وهكذا أجاب اليهود على المسيح حينما حدثهم عن الحرية وقالوا لم نستعبد لأحد قط
(يو32:8
– 36)
ولاحظ أنه فى هذا الوقت كان اليهود مستعبدين للرومان. وهكذا كل خاطئ يتصور أنه
يمارس خطيته بحرية ولا يدرى أنه مستعبد لها.
والله
أعطانا الوصايا ليحمينا من أن نُستعبد
لغيره، فنُذَّلْ. حين يطلب الله أن نعبده ولا نعبد سواه فى الوصية الأولى من
الوصايا العشر، كان هذا ليس لأن الله فى حاجة لعبوديتى أو لعبادتى، ولكن الله كأب
يخاف علىَّ أن أعبد غيره فيذلنى هذا الآخر. سواء صنم أو شيطان أو لذة…
والفلاسفة
الملحدين فهموا أن الوصايا هى تَحَكُّم من الله واستعباد
الله لنا.
فقال
بعضهم:
* الله
فى برج عاجى لا يشعر بحاجات الإنسان.
* الله
خلق الإنسان ليستعبده ويذله وأن حرية الإنسان لا تأتى إلا بالإنفلات من الله
والتخلص منه، لذلك ناضلوا ضد فكرة وجود الله. ولاحظ أن الإلحاد غير الوثنية.
فالوثنية هى عبادة أصنام أما الإلحاد فهو رفض فكرة وجود إله أصلاً. هؤلاء إعتبروا
أن الله يقيد حريتهم فرفضوه. وقالوا الإنسان موجود بقدر ما هو حر.
*
قالوا أبانا الذى فى السموات إبق هناك (أى لا نريدك
إلهاً لنا).
*
قالوا لنترك السماء للملائكة والعصافير (فهم يريدون الأرض).
*
نيتشة أعلن موت الله وأعلن الكنائس قبوراً له (ليصير هو إلها).
*
قالوا إنهم برفضهم لله يحققون ملء إنسانيتهم.
ونرد
عليهم
1
ـ الله
خلقنا على صورته أحرارا، فالله يريد أن
نختاره بحريتنا ونحبه بحريتنا ولا نحبه كعبيد. لذلك قال:
"لا
أعود أسميكم عبيد بل أحباء" وإذا كان الله أعطانا الحرية
فلماذا يأخذها ثانية.
2 ـ الله
الذى يسمى نفسه أب وأخ وصديق وعريس… هل يريد أن
يذلنا.
3 ـ كيف
يستعبد الله الإنسان ويذله. وهو الذى أذل نفسه بتجسده وصلبه بل ترك العبيد
يلطمونه. هو غسل أرجل تلاميذه ومازال واقف على الباب يقرع وينتظر من يفتح له،
باحثاً عن الدرهم المفقود.
4 ـ بالحرية
التى أعطاها الله الإنسان:
أ) رفضه
الفلاسفة ب) أهانه
الملحدين
ج)
صلبه اليهود د) خالفنا وصاياه
جميعاً.
5 ـ يقال إن
الأكثر حبا أكثر ضعفا. والله محبة فهو إذاً أكثر حبا. الإله الذى يتهمونه بأنه
يستعبد البشر يقول: "حَوِّلى عنى عينيك
فإنهما قد غلبتانى" ولذلك نجد الله يقف كمهزوم أمام يعقوب.
6 ـ رفضهم
للوصايا هو رفض مريض لروشتة طبيبه.
7 ـ هم
ظنوا الصلوات والأصوام عبودية. ولكن من جربها شعر بلذة الله وبقوة لا نهائية
تسانده.
8ـ
هم يريدون تحقيق ملء إنسانيتهم، والله يريد أن يؤلهنا "أَنَا قُلْتُ:
إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو ٱلْعَلِيِّ كُلُّكُمْ" (مز6:82) فالله يريد أن
يخرجنا من ذاتيتنا وقفصنا البشرى لنتحد به ونلتصق بألوهيته ونصير شركاء الطبيعة
الإلهية.
9 ـ أقصى
ما يحلم به هؤلاء هو أن يعيشوا فى لذاتهم الحسية بحرية كالحيوانات، وتنتهى حياتهم
بالموت مثل الحيوانات ، ولا تكون لهم حياة بعد الموت. أما الله فيخطط لنا لحياة
أبدية ومجد أبدى وفرح أبدى بل نكون معه فى عرشه (رؤ3 : 21).
10 ـ باختصار
هم يهاجمون ويرفضون إلهاً ليس هو إلهنا الذى نعرفه.
لماذا الوصايا ؟
الله
خلق آدم حراً. وأعطاه وصية حتى لا يفقد حريته. ولما أخطأ وسقط خسر كثيرا ومات.
ولكن الله أعطاه بعض الوصايا حتى يعيش بقدر الإمكان فى سعادة الفترة التى سيعيشها
على الأرض. إذاً هذه الوصايا ليست لصالح الله، فالله لن يزداد قداسة لو نفذنا
الوصايا ولن يقل لو لم ننفذها. إنما هى لصالح الإنسان.
آدم
فى الجنة كان كمريض بالإيدز (نقص المناعة) الموجود فى غرفة معقمة. وطالما هو فى
الغرفة المعقمة يمكن له أن يعيش ولا يموت. وقول الله له لا تخطئ،
كقولنا لمريض الإيدز، لا تخرج من الغرفة المعقمة لئلا تموت. وحينما أخطأ آدم خرج
من الجنة وهذه تساوى خروج مريض الإيدز من الحضَّانة. حينئذ يأتى الطبيب ويقول
لمريض الإيدز طالما خرجت، فخذ هذه الوصايا لتحيا أطول فترة ممكنة فى
صحة:
"لا تمتد يدك إلى شئ ملوث، إغسل المأكولات
أولاً…"،
وهكذا فعل الله إذ أعطانا الوصايا، ففائدة الوصايا هى أن نحيا سعداء وبلا عبودية
وبلا مذلة. هى لصالحنا وليست لمصلحة الله. لذلك فالله فى حزقيال20 حين أراد أن
يظهر محبته لشعبه، قال لهم "أنا قد أعطيتكم الوصايا تحيون بها" (حز11:20).
فالخطية
تستعبد الإنسان. وحينما تذوق آدم من الشجرة وتلذذ بها إنفصل
عن الله. وهذا ما نبه له الله ألا يتذوق من الشجرة، ولم يستمع وبنفس المنطق
يعطى الله الوصايا ليقول لنا: آدم خالف الوصية
فخرج من الجنة وعاش فى آلام الأرض، وأنتم لا تخالفون وصاياى فتتألموا.
والله هو الذى خلقنا ويعرف أننا جسد + نفس + روح. أما هؤلاء الفلاسفة فلا يروا
سوى الجسد، فأرادوا أن يعطوا هذا الجسد كل ملذاته وشهواته ظناً منهم أن هذا هو
طريق السعادة للإنسان وملء إنسانيته. لكن الله الذى يعرف كخالق لنا أن هناك روح لا
تشبع وترتاح سوى بطريق آخر غير اللذات الحسية، أعطانا الوصايا التى من يتبعها تشبع
روحه فيجد راحة وسلام وفرح.
ونلاحظ
أن البلاد
الإسكندنافية
بها أعلى نسبة من الانتحار والأمراض النفسية مع إنها بلاد بلا
مشاكل مادية، والسبب أنهم أشبعوا الجسد فقط بالملذات ولم يشبعوا الروح، التى لا
تشبع ولا ترتاح إلا بالقرب من الله وهذا لا يأتى إلاّ بتنفيذ
الوصايا، التى أعطاها الله للإنسان كطريق للفرح. وقارن مع السواح الذين لا يأكلون
ولا يشربون ولا يتلذذون بملذات العالم لكنهم فى منتهى الفرح. لأن الروح حين تشبع،
تشبع النفس ويشبع الجسد. والعكس غير صحيح.
العبودية لله تحرر
يعقوب
ويهوذا أخو الرب حينما كتبا رسالتيهما فى الكتاب المقدس لم يفتخرا بكونهما إخوة
للرب يسوع، بل بكونهما عبيداً له . فالقرابة الجسدية لا تفيد.
لكنهما اكتشفا
أن العبودية لله فيها كل البركة والحرية. لسبب بسيط أن الله خلقنا على صورته أحراراً،
فالله لا يريد عبيدا. بل خلقنا أحرارا وبحريتنا إما نقبل الله إلها نعبده أو نرفضه.
والله يحترم حريتنا هذه، فمن رفضه لا يرغمه الله على شئ. والدليل بلايين البشر
الذين رفضوا الله ووصاياه والله لم يتخل عنهم بل كان يطعمهم
ويعولهم ويشرق بشمسه عليهم. أما العبودية لآخر (شيطان، شهوة، خطية، لذة)
فهى تستعبد الإنسان، ولا يستطيع بسهولة الفكاك من هذه العبودية. والإنسان قبل
المسيح استُعبِد
للشيطان وللخطية. وجاء المسيح ليحررنا (يو32:8 – 36)
ويطلب منا أن لا نعود للخطية فنُستعبد. فطالما نحن عبيدا لله،
فنحن أبناء لله، نعيش فى بيت الله. فى بيت أبينا. نعيش فى فرح وفى ملء البركة. أما
من يرفض كالابن
الضال
فهو
يخرج من بيت أبيه إلى المجاعة فى الخارج وإلى العبودية. وللآن فهناك من يفهم
الحرية خطأ، وأن الحرية هى فى ممارسة الخطية، فيستعبد لها ويُحرم من بركات الله
له. أما الإبن
الذى يحيا يعبد الله طائعا وصاياه فيبقى فى بيت أبيه مستمتعا بالأحضان الإلهية
الأبوية، لا
يعود يخاف من شئ فهو فى يد أبيه الإله القوى، لا
يخاف إنسان ولا يخاف من الغد ولا يخاف على رزقه ، هو
سيتحرر من همومه ويعيش فى حرية. من يستعبد نفسه لله، لن يعود يهتم بالناس بل بأن
يرضى الله، فلن يُستعبَد لإنسان ولن يهتم بتقدير أحد. بل سيتحرر من العواطف
البشرية. فهو قد أحب الله الذى شعر بأحضانه الأبوية أكثر من الناس وأكثر من
أقربائه. سيحب الله أكثر من أبيه وأمه… من يستعبد نفسه
لله سيفتح الله عينيه على أمجاد السماء فلا يعود يشتهى شيئا فى
الأرض.
لذلك
قال أغسطينوس: "جلست
على قمة العالم عندما صرت لا أشتهى شيئاً فى
العالم". وهذا هو سر قوة المسيحية أن نرتبط بالمسيح إلهنا بقوة
حب ترفعنا للسماء وتحررنا من الأرضيات ونشعر بالحرية الحقيقية، أى أن نتحرر من كل
ما يجذبنا للأرضيات ويجعلنا نلتصق بها، لا يعود لشئ سلطان علينا. هذا ليس معناه أن
نترك أعمالنا وبيوتنا. بل إبن البيت يأكل
ويشرب ويلعب وهو مستمتع بمحبة وأحضان أبيه. ونحن نعيش ونعمل ونتزوج
ونحيا حياة طبيعية ولكن القلب لله، يعبد الله، ويستمتع بمحبة أبيه وأحضانه. وهذه
دعوة لكل إنسان. ومن يذهب لله ليعبده يجرى الله نحوه بالأحضان.
تعرفون
الحق والحق يحرركم: (يو32:8)
طريق
الحرية الحقيقية هو معرفة الحق. والمسيح هو الحق "أنا
هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14). والآب هو
الحق، والسماء حق. أما الأرض بكل ما فيها فهى باطل الأباطيل (سفر الجامعة). والأرض
بكل ملذاتها ومجدها هى باطل الأباطيل، هى قبض الريح، هى سراب نسعى وراءه ولا ندرك
شيئاً سوى أن نُستعبد لشهواتها العمر كله. ملذات العالم وقتية وهى إما تتركنا يوما
أو نتركها بالموت .
أما
من يتذوق معرفة الله الحق ويتذوق لذة السمائيات فيكون كمن وجد لؤلؤة كثيرة الثمن
هى (الحق) فمضى وباع باقى اللآلئ (محبة العالم) وباع أى صارت بلا قيمة
عنده. أصبح لا يجرى وراءها ولا يهتم بها. لكننا لن نتحرر من محبة العالم ولذاته ما
لم نتذوق أولاً
حلاوة المسيح أى نعرف الحق. وهذا هو جهاد المؤمن أن يجاهد فى صلاته (يتغصب على
الصلاة مت 12:11). ويوما وراء يوم سيكتشف لذة الصلاة وسيكتشف لذة عشرة المسيح.
وهكذا فى دراسته للكتاب المقدس سيكتشف المسيح (الحق)
الجوهرة الكثيرة الثمن فيتحرر من عبودية العالم.
الروح
والجسد
الله
خلق الإنسان طاهرا. وبعد السقوط صار هناك انفتاح
على الشر، صار فى الإنسان، إنسان داخلى عتيق، أى طبيعة
تميل وتشتهى الشر. وبعد المعمودية تنكمش وتموت هذه الطبيعة (لكن لنا سلطان بحريتنا
أن نقيمها ثانية) وتولد فينا طبيعة جديدة، إنسان داخلى جديد منفتح على السماء
يشتهى الله. وبحريتنا نحكم على إحدى الطبيعتين (أو الإنسانين) الداخليتين بالموت ،
وعلى الأخرى
بالحياة. فمن يحيا ميتاً أمام الخطية مصلياً مسبحاً دارساً للكتاب المقدس فهو يميت
إنسانه العتيق ويحيى وينمى إنسانه الداخلى الجديد والعكس فمن يهمل وسائط النعمة ويجرى
وراء شهواته فهو ينشط ويحيى الإنسان العتيق وكأنه يحكم على الإنسان الداخلى الجديد
بالإنكماش والموت.
إنسان مولود بحسب إنسان وُلِدَ فى
المعموديه إنسان أهمل جهاده
الطبيعة من أبيه وأمه من الماء
والروح وسعى وراء شهواته
وبولس
الذى يتكلم هنا عن الحرية يقول طالما إنك حر فاختار
طريق الروح أى أن تجاهد لينمو الإنسان الداخلى الجديد وينكمش الإنسان
العتيق. والإنسان الداخلى سواء هذا أو ذاك هو الذى سيقود أعضاء جسدك (رو16:6) فإن
قادها الإنسان العتيق صارت آلات إثم. ولو قادها
الإنسان الجديد صارت آلات بر. ونسمع هنا قول الرسول "اسلكوا
بالروح". والروح هنا ليس هو الروح الإنسانى بل هو الروح
القدس. والروح القدس يقود الإنسان الداخلى الجديد. والروح الإنسانى ليس بالضرورة
أن يكون طاهراً.
فالمتكبر إنسان روحه متكبرة والشيطان نفسه روح. ويقول الرسول "لا
تكملوا شهوة الجسد" = الرسول بهذا لا
يهاجم الجسد بل الإنسان الداخلى المنفتح على الشر (العتيق). والرسول يقصد بهذا أن
لا نرضى الجسد العتيق ونشبع شهواته. ونسمع فى (غل17:5) أن
هذان يقاوم أحدهما الآخر ، أى الروح والجسد . فالروح القدس يعمل مع الإنسان
الداخلى الجديد (هذا إن كنت أنا أجاهد وأحافظ على الإنسان الداخلى حيا منتعشا
ناميا بالصلوات ودراسة كلمة الله وممارسة وسائط النعمة عموما) فيجذب الإنسان ليحيا
فى السماويات . والعكس فإن أهمل الإنسان وسائط النعمة يَضمُر الإنسان الداخلى
الجديد ، وينتعش الإنسان العتيق جاذبا الإنسان للأرضيات. وأحسن تشبيه لهذا
الوضع هو المنطاد (بالون يحتوى على غاز خفيف يجذب إلى فوق) ومثبت
بالبالون سلة يركب فيها إنسان لتحمله إلى فوق. ويوجد بالسلة أكياس رمل، وتربط
السلة بأربطة تمنعها من الطيران. وإذا شاء الإنسان أن يطير يقطع الأربطة ويلقى
بأكياس الرمل فيطير البالون. هنا لو تذوق هذا المسافر حلاوة السماء سيلقى بالمزيد
من أكياس الرمل بحريته ليرتفع أعلى وأعلى. والرباطات التى تربط البالون بالأرض هى
الخطايا والشهوات الخاطئة، وقطع الأربطة هى
التوبة. وأكياس الرمل هى اللذات المحللة كالطعام والشراب. وإلقاء أكياس الرمل هو
الصوم والزهد والتقشف وهذا لن نمارسه بلذة، ما لم نتذوق طعم السماويات. الروح يجذب
لأعلى بأن يقنعنا أن نلقى بأكياس الرمل أى نزهد فى ملذات الدنيا. ثم كلما عشنا فى
السماويات وتذوقنا حلاوتها، نزداد فى أصوامنا وزهدنا بحريتنا وهذا ما قاله السيد
المسيح من ضيع حياته لأجلى يجدها (مت39:10) .
![]()
الرسول
بعد أن تكلم عن الحرية طلب منا أننا بحريتنا نختار طريق الروح أى نهتم ببناء
الإنسان
الداخلى الجديد تاركين شهوات الجسد لنحيا فى السماويات. ويكون لنا ثمار الروح (22:5،
23).
وهذا يكون بأن نصلب شهواتنا وأهوائنا (نحكم بالموت على الجسد أو الإنسان العتيق
24:5) أما من يعمل للجسد أى يستخدم حريته لإرضاء ملذاته الجسدية الشهوانية فهو
يحكم بالموت على إنسانه الداخلى الجديد وينعش العتيق وهذا العتيق أعماله فظيعة
سجلها الرسول هنا فى(غل5 : 19 – 21).
كيف نحيا فى السماويات؟
نجاهد
أى نغصب
أنفسنا أن نسمع وننفذ الوصايا (مت12:11).
فيسكن عندنا الآب والإبن (يو23:14) ولا
نقاوم الروح،
فنمتلئ منه، خصوصا إذا سبحنا وصلينا… وبذلك يسكن
عندنا الثالوث. فنصير سماء. وحين نصير سماء ونتذوق حلاوتها يزداد زهدنا فى
الأرضيات (نلقى بأكياس الرمل من المنطاد) بحريتنا.
فنزداد إحساسا بالسمائيات إذ نرتفع أكثر وأكثر وبهذا نفهم ترابط الإصحاح. فهو
يكلمنا عن الحرية، ثم يشرح معنى الحرية الحقيقية وأن الحرية ليست فرصة للاندفاع
وراء شهوات الجسد. فالجسد فى صراع مع الروح وحينما نُغَلِّب
الروح على الجسد تكون لنا ثمار الروح. الحرية أيضاً يجب أن نفهمها أننا
نحيا فى دوائر متماسة، فالله لن يتركنى أعتدى على حرية غيرى. أنا حر الحركة داخل
دائرتى لا أتعداها إلى دائرة الآخر
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
ا
وهذا
مثل لاعب الكرة. هو بحريته يعطى الكرة لمن يشاء، ولكن هناك حدود له. فلو ضرب لاعب آخر
يعاقب، أى أن حريته مقيدة. ولولا أن حريتنا مقيدة سنفسد خطة الله ونعتدى على حياة
الآخرين. والله حدد حريتنا لأننا يمكن أن نخطئ، أما الله فحريته
مطلقة فهو لا يخطئ. إذاً الله لا يذلنا إذ يعطينا وصايا نعيش بها فهذه لكى نعيش فى
فرح ولكى لا نهلك. وإن قال إنسان أنا حر ولم يطع الوصايا فهو كمريض قال أنا حر
وترك الدواء الذى وصفه الطبيب. فمن يترك وصايا الله سيحيا فى حزن. والكنيسة لا
تذلنا إذ تضع لنا وصايا وصلوات طويلة وأصواماً طويلة هى تشجعنا بأن نلقى أكياس
الرمل، تشجعنا أن نتذوق السمائيات فنلقى نحن بأكياس الرمل بعد ذلك بحريتنا أى
نزداد زهداً وتقشفا.
مفهوم الحرية فى غل 5
1 ـ هى
حرية من الخطية. فالخطية تستعبد الإنسان.
2 ـ حرية
من وثنيتهم القديمة حتى لا يرتدوا إليها.
3 ـ حرية
من أعمال الناموس وعوائده مثل الختان والنجاسات والمأكولات النجسة (لا11)
والتطهيرات والذبائح وعدم لمس الميت…
4 ـ حرية
من تقليدات الآباء اليهود. الذين منعوا السير يوم السبت سوى لمسافة محددة وقال آباءهم
إن
الله لا يسير مسافة أطول من قامته يوم السبت. والآن فى إسرائيل يأتى الرجل بعامل
فلسطينى ليضئ له النور ويطفئه يوم السبت فهو لا يعمل يوم السبت حتى فى إنارة
وإطفاء منزله.
الحالة
العكسية
لمن
يستعمل حريته مندفعاً لإرضاء شهواته
يندفع
الإنسان في الشر من سئ إلى أسوأ كمن يتدحرج على منحدر لا يوقفه شيء.
فنجد أن من إنحدر لخطية الزنا. ما عاد يكتفى بالزنا بل إنحدر للأسوأ وصارت الحرية في
الغرب الآن معناها الشذوذ الجنسى والزواج المثلى. بل إنحدر الإنسان في
الشر إلى ممارسات جنونية. ووصل الأمر لممارسة الجنس وقتل الضحية وتصوير هذا وبيعه
بأثمان عالية. إذاً لنلاحظ أنه لا حدود للشر. بينما لاحظ قول الكتاب لمن يلتصق
بالله طائعاً لوصاياه "وَأَمَّا مَنِ ٱلْتَصَقَ بِٱلرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ
وَاحِدٌ" (1كو17:6). ولاحظ إلى أين يريد الله أن يرفعنا، وإلى أي إنحطاط
تريد الحرية الزائفة أن تهبط بنا. أما الحرية الحقيقية فهى التي حررنا بها المسيح
وقال عنها "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ
أَحْرَارًا" (يو36:8). والطريقة التي نتحرر بها قال عنها المخلص "فَقَالَ
يَسُوعُ لِلْيَهُودِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي
كَلَامِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلَامِيذِي، وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ،
وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو32،31:8). حينما تتذوقون حلاوة الحق ستحتقرون
ملذات العالم الباطلة وستتحررون منها، ومن كل شهوات هذا العالم الباطل (سفر
الجامعة).
إذاً
شروط الحرية: – 1) الإيمان بالمسيح والمعمودية. 2)
الثبات في
كلام المسيح وطاعة وصاياه. 3) ومن يطيع وصايا المسيح، سيعرف المسيح الذى هو
الحق. 4) من يعرف المسيح (اللؤلؤة كثيرة الثمن: مت46،45:13) سيبيع كل ما كان في
نظره لآلئ، أي
ملذات العالم التي
سيدرك تفاهتها بالمقارنة مع الحق الذى إختبره وتذوق حلاوته. مثل هذا ستنفتح عيناه
ويدرك أن كل ما في
العالم باطل فيتحرر من عبوديته لملذات هذا العالم التي
هي سلاح الشيطان.
ولكى
نعرف الحق ونتذوق حلاوته علينا أن:
1. نثبت في كلام الرب وننفذ وصاياه.
2. أن نتغصب على ذلك كما علمنا الرب "وَمِنْ
أَيَّامِ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ إِلَى ٱلْآنَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ،
وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ" (مت12:11).
3. أن نجاهد لكى نحيا في السماويات (صلوات
وتسابيح وأصوام ودراسة للكتاب). ولنبدأ هذا بالتغصب، إلى نتذوق حلاوته ونتذوق
حلاوة السماويات كما قال داود النبى "ذُوقُوا وَٱنْظُرُوا مَا أَطْيَبَ
ٱلرَّبَّ" (مز8:34).
آية (1):- "1فَاثْبُتُوا إِذًا فِي
الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا
أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ. "
نِيرِ: هو إسم
للخشبة التى تربط حيوانين يجران حملاً. والمقصود لا ترتبطوا بخطية أو بأحكام
الناموس فتكون لكم كنير. هو وصف صعب لمن يتعبد لوصايا وأحكام ثقيلة بدون فائدة،
ويكون كالبهيمة التى تحمل النير على رقبتها وتجر ثقلاً هائلاً دون أن تفهم أو تدرى
عنه شيئاً. والرسول يريد أن يقول إن المسيح حررنا
من ثقل الناموس فلماذا نعود لعبوديته. هم لم يستفيدوا من خبراتهم السابقة إذ
تحرروا بإيمانهم من أوثانهم وها هم ينتقلون إلى عبودية أخرى للناموس. وفى المقابل
يقول السيد المسيح إحملوا نيرى فهو خفيف (مت11 : 29 ، 30)
فهو
(أى
المسيح) الذى
يحمله حقيقة (يو5:15).
والمقصود بنير المسيح أى وصاياه. ومن يحاول أن ينفذها سيجدها سهلة التنفيذ لأن
المسيح هو الذى يحمل معنا. أما الذى يقف خارجا ويقول هى صعبة التنفيذ لن يقدر على
شئ. لن يقدر إن لم
يبادر ويحاول التنفيذ. وهذا هو الإيمان الحى أن تصدق أن هناك قوة هى النعمة ستعينك
على تنفيذ الوصية فتنفذ الوصية فتجدها سهلة.
مثال: لو
قلت لك إحمل
رجل ثقيل جدا واقف فى الماء، ستقول لا يمكننى حمله.
ولكن لو حاولت ستجده خفيفا جدا. لأن قوة دفع الماء هى التى تحمله. هذه القوة التى
تحمل معنا وتساعدنا فى تنفيذ الوصايا هي النعمة .
الْحُرِّيَّةِ الَّتِي حَرَّرَنَا بِهَا الْمَسِيحُ: هى
حرية من كل خطية ومن الناموس (يو34:8 – 36)=
فالمسيح فى هذه الآيات يشير لأنه فك العبيد من نير عبوديتهم ليصيروا أبناء. وهذه
لا يقدر عليها سوى المسيح الذى يمنحنا روح البنوة.
فَاثْبُتُوا: معناها قفوا
بجدية وحزم. مادام المسيح قد حرركم فقفوا بثبات فى هذه الحرية. ولو علمكم الإخوة
الكذبة أن ترتدوا، عليكم أن تثبتوا فى الحرية التى حرركم بها المسيح، ولا ترتدوا
للاستعباد
لا لخطية ولا للناموس. وقوله إثبتوا فيه إشارة
لتذبذبهم. والثبوت فى الحرية هو الثبوت فى الإيمان بالمسيح. لأن المسيح هو الحق،
والحق هو الذى يحرر. والروح القدس هو الذى يعرفنا المسيح ويخبرنا عنه فنعرف الحق
فنتحرر (يو14:16
+ يو6:14 + يو32:8-36).
آية (2):-
"2هَا أَنَا بُولُسُ أَقُولُ
لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا! "
أَنَا بُولُسُ:
الذى له سلطان من المسيح، وتعليمه من المسيح. بالإضافة إلى أنه هو الذى بشرهم،
وعرفوا المسيح بواسطته. وأحبهم وأحبوه. ولمحبته لهم التى إختبروها، ها هو يخبرهم
بالصالح لهم. إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ
الْمَسِيحُ شَيْئًا: من يذهب ليختتن ظناً منه أن الختان طريق للخلاص،
فهو لا يؤمن بالمسيح مخلصا وأن فيه الكفاية. هو لا يثق فى كفاية دم المسيح للخلاص.
ومن لا يؤمن لا يتبرر، ومن يؤمن بالمسيح أى أن يثق فيه ينال من المسيح خلاصاً وبراً
ومعونة ونعمة بلا حدود. أما من يختتن خوفا من الناموس فهو لا يثق فى قوة النعمة
لذلك فهو يفقد فعلها فى حياته بل يضع نفسه تحت حكم الناموس. ولذلك يقول الرسول
"ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب6:11). والإيمان هو الثقة في وعود
الله.
آية (3):-
"3لكِنْ أَشْهَدُ أَيْضًا
لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُخْتَتِنٍ أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ
النَّامُوسِ. "
أَيْضًا:
عائدة على الآية السابقة. والختان هو المدخل لكل الناموس اليهودى، هو علامة الدخول
لليهودية ومن ثم الإلتزام بالناموس. فمن إختتن يلزمه تقديم ذبائح دموية. ومن التزم
بالناموس عليه أن يكمله وإلا صار ملعونا "مَلْعُونٌ مَنْ لَا يُقِيمُ
كَلِمَاتِ هَذَا ٱلنَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهَا. وَيَقُولُ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ"
(تث26:27) ، (غل10:3) وأين فى هذا العالم من إستطاع الإلتزام بكل ما فى الناموس من
وصايا. ومن إرتد للناموس ليتبرر فهو يرتد عن المسيح لأنه إن كان الناموس يبرر،
فالمسيح مات بلا سبب (21:2). فالذى استعبد نفسه تاركاً حرية المسيح يجب ألا يسلك
فيما بعد كإنسان حر بل كعبد ملتزم بكل قوانين الناموس. أما البر الذى بالمسيح فهو
أنه أى المسيح أُسْلِمَ من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا (رو25:4).
آية (4):-
"4قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ
الْمَسِيحِ أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِالنَّامُوسِ. سَقَطْتُمْ مِنَ
النِّعْمَةِ.
قبل المسيح كان اليهودى التقى الذى يتبع
الناموس بعد أن يموت تذهب نفسه إلى الجحيم ولكن على رجاء (رو8 : 20). ولما مات
المسيح على الصليب ذهبت روحه المتحدة بلاهوته إلى الجحيم، وبسلطانه فتح أبوابه
الدهرية وأخرج هذه النفوس، التى كانت تنتظر على رجاء وذهب بها إلى الفردوس (أف4 :
8 – 10 + 1بط3 : 19).
أما بعد المسيح لم يعد هناك سوى طريق واحد
للفردوس وهو الإيمان بالمسيح والثبات فيه. وهذا تم شرحه فى *(رو3 : 25 ، 26).
*وكان يرمز إليه رجوع الشمس كعلامة لشفاء حزقيا الملك (وراجع تفسير إش38 ، 39).
وبالنسبة لهؤلاء المترددين بين الإيمان
بأن دم المسيح فيه الكفاية، وبين ضرورة الإتزام بالختان نقول: أمامكم أيها
المترددين طريقين للخلاص :-
1. الإلتزام
بالناموس كما يقنعكم هؤلاء المتهودين: على أن تلتزموا
به حرفا حرفا، فتختتنوا وتلتزموا بالتطهيرات بالماء، وتقديم ذبائح دموية …إلخ.
وهذا يعنى عدم الثقة فى أن دم المسيح فيه الكفاية، بل مهما عملتم وإلتزمتم فلا بد
وستكون لكم خطية، وهذه الخطية الواحدة لا غفران لها سوى بدم المسيح. فلم يكن هناك
إنسان كامل سوى المسيح وحده. وعدم الإيمان والثقة فى أن دم المسيح وحده له القدرة
على الغفران يغلق طريق الخلاص إذ أنه "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب11
: 6).
2. الثبات
فى المسيح:
وهذا يعنى الإيمان الكامل بأن دمه فيه الكفاية + جهادنا العمر كله لنظل ملتصقين به
وثابتين فيه. وفى المسيح تحمينا نعمته ونحسب كاملين فيه.
ولكن
على من يعود للناموس وطقوسه أن يعرف أنه بهذا
كأنه
لا يؤمن بأن دم المسيح فيه الكفاية.
فمثل
هذا أغلق أمامه طريق الخلاص
تَبَطَّلْتُمْ عَنِ
الْمَسِيحِ. سَقَطْتُمْ مِنَ
النِّعْمَةِ: إذ ذهبوا لمصدر
آخر غير المسيح ليتبرروا بطلت العلاقة مع المسيح، فمن يرجع ليحيا تحت لعنة الناموس
يسقط من عمل النعمة، فماذا يبقى له حينئذ إلا الغضب لأن الناموس يقف عاجزاً
والنعمة تتخلى تماماً. الناموس ليس لديه قوة، والمرتد قد ترك المسيح ونعمته، ولم
يعد للنعمة عمل معهم. كل هذه الخسارة تحدث فى حالتين:
1) عندما يتكل المؤمن على أحد غير المسيح
أى الناموس فى حالة غلاطية أوعلى بره الذاتى فيفتخر بأعماله (لذلك تعلمنا الكنيسة
فى معظم مردات القداس أن نقول يارب ارحم. أى ليس لنا
يا رب أن نطلب، إذ نحن غير مستحقين فنحن عبيد بطالون. ولا نطلب سوى مراحمك).
2)
أن يرتد المؤمن لطريق الشر، فلا شركة للنور مع الظلمة.
عموماً
الإرتداد لأعمال الناموس يفقدنا النعمة، لأن النعمة الشرط الأول لها هو الإيمان
بالمسيح وحده كمخلص. وبدون إيمان لا يمكن إرضاء الله (عب6:11)
الإيمان هو المدخل لكل البركات الإلهية (انظر
المقدمة).
آية (5):-
"5فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ
الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ.
"
لنا رجاء أن نحيا في بر. والمدخل
لهذا هو الإيمان بالمسيح. ومن يؤمن ويعتمد ويسكن فيه الروح القدس بالميرون، يعمل فيه
الروح فيسلك في البر.
المدخل
هو الإيمان بعمل فداء المسيح، وتأتى المعمودية بعد ذلك، وفيها أموت مع المسيح
وأقوم معه. ثم الميرون أى حلول الروح القدس. كل هذا لخصه الرسول هنا فقال فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ:
فبدون
إيمان كمدخل لن يحل علينا الروح القدس. والروح القدس يعمل على تغيير شكلى ليصبح
على صورة المسيح (كمثال فنان يحول قطعة رخام إلى تمثال جميل) هذا هو الخلاص.
والقوة التى تغير طبيعتى هى النعمة التى تجعلنى أموت مع
المسيح (عن الخطية) وأقوم معه بطبيعة جديدة (جدة الحياة رو6 : 4) هذا إن أردت.
والإيمان هو تسليم نفس لتموت الطبيعة القديمة، هى قبولى أن أموت عن العالم (هى
تسليم قطعة الرخام للمثَّال). هى تسليم نفس للروح القدس، أصابع الله لتعمل فىَّ.
والتسليم هنا يعنى قبول أى شئ من الله حتى لو كانت تجربة قاسية، فالمثال ليشكل
قطعة الرخام يستعمل إزميله ومطرقته. وما يساعد الروح
القدس على أن يجددنى ويصيِّرنى خليقة جديدة هو أن نشكر على كل حال، فى ثقة منى فى
الله الذى يريد خلاصى. ونلاحظ أن الإزميل ومطرقة المثال هما إشارة للتجارب المؤلمة
التي يستعملها الروح القدس لتجديدى. *ولكن
التذمر يبطل مفعول التجارب وبهذا لن أستفيد من التجربة، ولن أتجدد. لذلك يطلب
الرسول أن نشكر وسط الضيقة (كو7:2). ويطلب القديس يعقوب الرسول أن نفرح وسط
التجربة (يع2:1). وذلك لأن ما يساعد الروح القدس على عمله في تجديد طبيعتنا هو أن
نشكر على كل حال فى ثقة منا أن كل ما يسمح به الله إنما هو يريد به خلاصى، فلماذا
التذمر على تجربة صعبة. وهذه التجربة سمح بها الله صانع الخيرات ستؤدى لخلاص نفسى. ولنعلم أنه حتى يعمل الروح القدس فىَّ ويثمر: علىَّ
أن أحافظ على قلبى في حالة سلام دائم، كما يقول القديس يعقوب الرسول "وَثَمَرُ
ٱلْبِرِّ يُزْرَعُ فِي ٱلسَّلَامِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَفْعَلُونَ ٱلسَّلَامَ"
(يع18:3). لكن مع التذمر يختفى سلام القلب فيتعطل عمل الروح القدس فىَّ. وكلما عمل فىَّ الروح القدس أقترب من صورة المسيح،
الصورة السماوية، الخليقة الجديدة التى يريدنى الله عليها. وكلما اقترب من هذه
الصورة تنفتح عينىَّ فأعرف المسيح. ومن يعرف المسيح سيحب المسيح. ومن يدخل فى
علاقة محبة مع المسيح يدخل فيه رجاء لا يُخزى، كما يقول القديس بولس الرسول وَٱلرَّجَاءُ لَا يُخْزِي، لِأَنَّ
مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى
لَنَا (رو5 : 5).
رَجَاءَ بِرّ: رَجَاءَ = أي
يكون عندى أمل أن الله إذا بدأ عمل يكمله (فى6:1)،
فالله سيعطينى طالما بدأ معى أن أتبرر وأصلح للمجد السماوى المُعَّد. بِرّ = 1) أتبرر أي يغطينى دم المسيح. 2)
أعمل أعمال بر بحياة المسيح التي فىَّ. وبدون هذا الرجاء، فنحن
ينقصنا فضيلة مسيحية أساسية (1كو13:13) بعد
كل هذا نسأل أين دور الختان فى كل هذا. فالختان لا يعطى رجاء بر. أما الذى يؤمن
يعطيه الروح القدس رجاء بر. ونلاحظ فى هذه الآية وآية6
ثلاثية بولس الرسول عن الإيمان والرجاء والمحبة. ونلاحظ هنا إرتباط
الإيمان بالرجاء. فالإيمان هو الثقة بما يرجى (عب1:11.
وقارن مع 1كو13:13 + عب6 : 10 – 12 + عب10 : 22 – 24).
آية (6):- "6لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ
يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ
الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ. "
كانت
الختانة هى علامة العلاقة مع الله فى العهد القديم. من يختتن يصير من شعب الله،
ومن لا يختتن تقطع تلك النفس من شعبها. والناموس وُضِعَ للتهذيب. أما فى العهد
الجديد فقد جاء إبن الله متجسدا ليتحد بنا ويعطينا حياته، وبإتحاده بنا أصبحنا
أولادا لله. وبإنسكاب الروح القدس فينا دخلنا فى علاقة محبة مع أبونا السماوى (رو5
: 5). صارت هناك علاقة مباشرة مع الله لا
تعتمد على الجسد ولا النسب، بل على العلاقة القلبية مع الله، ولا يمكن أن توجد
علاقة قلبية قوية مع الله إلا بالثقة فيه أى الإيمان به بأنه إله قوى قادر على
حمايتى وخلاصى، هو يحبنى وهو صانع خيرات، ويدبر كل الأمور للخير. بهذا نرتبط بالله
برباط سماوى، فكل ما يدبره للخير، والخير هو خلاصنا ووصولنا للسماء. فكل
ما يسمح به هو طريقنا للسماء. إذن الفرق الحقيقى بين الناس ليس فى الختان أو الغرلة بل
فى الإيمان (أى الثقة فى محبة الله صانع الخيرات، وتكون
هذه الثقة عن حب من تجاهه). والختان لم ينفع
اليهود إذ وهم مختونين صلبوا المسيح. والإيمان كما قلنا هو الطريق للخليقة الجديدة
التى بها نخلص لذلك كرر الرسول نفس الآية فى (غل15:6)
ولكنه فى الأخيرة أشار للخليقة الجديدة.
الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ: الإيمان
ليس فكرة أو أقوال تصدر من الفم، ليس هو أن أؤمن بأن الله هو واحد مثلث الأقانيم،
فهذا النوع من الإيمان تعرفه الشياطين (يع 19:2) إنما
الإيمان هو الإيمان الحى، فيه أؤمن بأن الله محبة، وكل ما يسمح به هو للخير، مهما
حدث من أمور صعبة لا يهتز إيمانى به ولا ثقتى فيه، ولا تهتز محبتى له، فأنا أحبه
أكثر من أبى وأمى ومن نفسى (مت37:10 + لو26:14) = أي لو أصابهما أو أصابنى أي شدة
فلن تهتز محبتى له، فأنا أثق أنه صانع خيرات.. هذا الإيمان يجعلنى أولاً:
–
أتقبل من يده أي أمر أو أي تجربة مهما كانت صعوبتها فهو: 1*يحبنى لأنه أبى. 2*وهو
كلى الحكمة لا يخطئء. 3*وهو صانع خيرات. 4*وكل ما يسمح به هو لخلاص نفسى. 5*لذلك
قال الأباء "المر الذى تختاره لى يا رب خيرٌ من الشهد الذى أختاره
لنفسى". وأيضاً فإن هذا الإيمان العامل بالمحبة يجعلنى أموت عن العالم
وأترك شهواته وخطاياه، فأنا أحب الله وأثق فيه أكثر من كل العالم. ثانياً:
–
هذا الإيمان يجعلنى أقف للصلاة.. وجسدى منهك، فكيف لا أقف لأتكلم مع من أحبه. ويمتد هذا في حياة الخدام، لبذل أنفسهم وهم متعبين لخدمة
الرب يسوع. ثالثاً:- هذا
الإيمان يدعونى
أن
أقدم خدمات لكل الناس باذلاً نفسى بمحبة فهو إيمان عامل بمحبة. ولاحظ أننا نستطيع
أن نبذل النفس بمحبة نابعة من محبة المسيح الذى نحيا بحياته وصرنا نشبهه، حياته
فينا تعطينا أن نصنع البر بعد أن أصبحت أعضاءنا ألات بر يعمل بها المسيح. أما
الإيمان بدون أعمال فهو إيمان ميت (يع20:2).
الإيمان العامل بمحبة هو شكل محبة الله الباذلة التى ظهرت على الصليب. إيمان عامل
بمحبة تجعلنى أطيع وصايا الله لأنى أحبه (يو21:14،
23) وفى
هذه الآية تأنيب للغلاطيين، كأن الرسول يقول لهم "لو أحببتم المسيح لما حدث
لكم هذا الإرتداد". والإيمان يأتى أولاً ثم الحب، فنحن يمكن أن نؤمن أن
المسيح قد جاء دون أن نحبه والعكس ليس صحيحاً.
ملاحظات:
–
1.
المسيحية هي محبة
متبادلة مع الله. كما كانت العلاقة بين الله وآدم في الجنة. ولاحظ أن آدم مخلوق على صورة الله، لذلك كان مملوءاً
بالمحبة. المسيحية ليست ممارسات كالختان والغرلة والتطهير بالماء، إنما هي
محبة، وهذا لأن الله محبة (1يو16:4). وبعد الفداء أعاد الروح القدس محبة الله
لقلوب المؤمنين إذ كان الإنسان قد فقدها بسبب الخطية. "لِأَنَّ
مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى
لَنَا" (رو5:5). ومن يحب الله سيحب كل الناس "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي
أُحِبُّ الله وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لِأَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ
أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ ٱللهَ ٱلَّذِي لَمْ
يُبْصِرْهُ؟ (1يو20:4).
2.
يقول القديس بولس الرسول
أن دليل وجود المحبة هو خدمة الآخر، والتعب في هذه الخدمة "مُتَذَكِّرِينَ
بِلَا ٱنْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ
رَجَائِكُمْ". فعلامة وجود المحبة للآخر هى التعب من أجله (1تس3:1). ألم يقال
عن رب المجد "كمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ. بَلْ
لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت28:20). فكل
من ثبت في المسيح وصارت له حياة المسيح، يعيش بروح الخدمة. وهذا ما حدث مع العذراء
مريم، فبعد بشارة الملاك لها صار المسيح في بطنها، فصار لها سمات المسيح، لذلك
إنطلقت مريم العذراء لتخدم أليصابات (لو39،38:1).
آية (7):-
"7كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ
حَسَنًا. فَمَنْ صَدَّكُمْ حَتَّى لاَ تُطَاوِعُوا لِلْحَقِّ؟ "
تَسْعَوْنَ: بمعنى السباق
والجرى، والمقصود هو جهاد للامتلاء من الروح
وجهاد فى سبيل الملكوت بفرح. فَمَنْ
صَدَّكُمْ: أى من عوقكم عن همتكم ، والحقيقة أن من
صدهم هو دخول عقيدة خاطئة هى الاهتمام بأعمال
الناموس.
والعقائد الخاطئة تقلل أو توقف عمل النعمة، لذلك فنشاط الغلاطيين تَعَوَّقْ
وتعطَّل. بولس كان يسمع أخبارا عن تقدمهم فى الإيمان إلى أن وصلت بعثة الإخوة
الكذبة. الْحَقِّ: الإيمان المسلم
مرة للقديسين (يه3) وهو
أيضاً كلمات الكتاب المقدس.
آية (8):-
"8هذِهِ الْمُطَاوَعَةُ
لَيْسَتْ مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ.
"
الْمُطَاوَعَةُ: بمعنى الثقة.
ومطاوعة الإقتناع هذه ليست مِنَ
الَّذِي دَعَاكُمْ: أى ليست من الله.
آية (9):- "9«خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ
تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ» "
هذا
مثل سائد استخدمه
الرسول فى (1كو6:5)
والخميرة الصغيرة هى عامل الفساد الذى يبدو صغيراً فى البداية ولكنه فى النهاية
يسيطر ويفسد الكل (1كو33:15 + مت 6:16) وبولس هنا يطلب أن ينقى الغلاطيون أنفسهم
من أى تعاليم يهودية مثل الختان وخلافه. وهكذا نحن
كمسيحيين علينا أن ننقى أنفسنا من أى عقيدة مخالفة لعقيدتنا. وننقى
حياتنا من أى خطية مهما بدت صغيرة. (راجع تفسير 1كو5 : 6 – 8). وها نحن نرى مثالاً
، فبولس يهتم كل هذا الاهتمام بمنع
الختان مع إنه شئ بسيط ولكن الإهمال فى الشئ البسيط سيؤدى لإهمال الإيمان كله.
آية (10):- "10وَلكِنَّنِي أَثِقُ بِكُمْ
فِي الرَّبِّ أَنَّكُمْ لاَ تَفْتَكِرُونَ شَيْئًا آخَرَ. وَلكِنَّ الَّذِي
يُزْعِجُكُمْ سَيَحْمِلُ الدَّيْنُونَةَ أَيَّ مَنْ كَانَ. "
أَثِقُ بِكُمْ فِي الرَّبِّ: هى
كلمة تشجيع لهم. وهى أن الله سيحفظهم من هؤلاء المعلمين الكذبة. ولكن لاحظ أنه لم
يقل أثق فى الله أنه… فالروح القدس يعمل مع من
يريد. لو الروح القدس يعمل وحده لحوَّلَ
العالم كله إلى قديسين. ولكن قول الرسول
أثق بكم يُظْهِر أن لهم دور فى الموضوع. ولو فشلوا فالعيب عيبهم وليس عيب الروح
القدس. والله لا يعيننا ما لم نقم بواجبنا، وأولا أن نريد
("أتريد ان تبرأ" يو5 : 6) .
ونرى
أن نهاية الإخوة الكذبة هى الدينونة (2كو15:11+عب27:10).
وأسلوب بولس الرسول فى هذه الآية نجده أيضاً فى (رو14:15-16
+ فل21+ 2تس4:3).
آية (11):- "11وَأَمَّا أَنَا أَيُّهَا
الإِخْوَةُ فَإِنْ كُنْتُ بَعْدُ أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ، فَلِمَاذَا أُضْطَهَدُ
بَعْدُ؟ إِذًا عَثْرَةُ الصَّلِيبِ قَدْ بَطَلَتْ."
يبدو
أن الإخوة الكذبة أشاعوا كذبا أن بولس كان يكرز بالختان فى أماكن أخرى. وهنا يرد
بقوله إن كنت أكرز بالختان مع كرازتى بالصليب لما إضطهدنى اليهود والمتهودين،
ولإنتهت عثرة الصليب = عثرة الصليب قد بطلت،
فاليهود لا يعثرون فى الصليب بقدر التخلى عن عوائد الآباء. فهم ما كانوا يعثرون
بالصليب أى يرفضون الصليب لو إلتزمت بجانب كرازتى بالصليب، بوصايا الآباء.
ولكن عثرة الصليب لليهود أن بالصليب وحده الخلاص دون أعمال الناموس.
ولاحظ قوله أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ: فهو
لم يقل أمارس الختان فهو قد مارس الختان مع تيموثاوس.
آية (12):-
"12يَالَيْتَ الَّذِينَ
يُقْلِقُونَكُمْ يَقْطَعُونَ أَيْضًا! "
يَقْطَعُونَ: هذه الكلمة لها
عدة تفسيرات:
1
ـ يقطعون
أنفسهم من شركة الكنيسة والسماء. يقطعون أنفسهم بأنفسهم وذلك بعد أن حُكِمَ عليهم
بالدينونة.
2
ـ كان
بعض كهنة غلاطية الوثنيين (واسمهم كهنة سيبيل)
يقطعون أعضاءهم التناسلية (الخصيتين) إعتقاداً منهم أن هذا يعتبر تمادياً فى
التقوى، وأنهم بهذا يتطهرون ويتبررون. وإلتقط بولس هذه العادة من غلاطية وقارن
بينها وبين الختان، لأن المتهودين كانوا يعتقدون أنهم يتبررون بالختان. وبولس يهزأ
هنا بالمتهودين ويقول لهم يا ليتكم تتمادوا وتتشبهوا بكهنة الأوثان وتقطعوا لا
الغرلة فقط بل كل أعضاءكم التناسلية لكى تتبرروا.
3
ـ ربما
عنى بولس قطع الأعضاء التى تعثرهم، كعيونهم وأياديهم ويشوهوا أجسادهم بتطبيق حرفى
جاهل لما قاله السيد المسيح "إن عينك تعثرك فاقلعها،
وإن كانت يدك تعثرك فاقطعها، فليقطعوا أياديهم حتى لا تمتد
للسرقة، وليقلعوا عيونهم حتى لا يشتهوا ولا ينظروا بشهوة…
هذه
السخرية من أناس
لا يريدون أن يفهموا أن طريق التبرير هو النعمة. فبالنعمة يصير الإنسان خاضعاً
لناموس المسيح ومتمماً له بفرح بكونه إبناً يسكنه الروح ويتقوى به. فالروح يعين
ضعفاتنا. الختان الآن للمسيحى هو ختان القلب بالروح (رو29:2) أى
تموت فى القلب محبة
الخطية بعمل النعمة (راجع عمل النعمة فى المقدمة).
وراجع قول بولس أيضاً "فإن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو13:8). ففى
المسيحية نحن لسنا وحدنا، لا نعتمد على ذراعنا، بل نحن نعمل والروح القدس يعين.
الروح القدس يقتل محبة الخطية فينا ويعطينا أن نعمل أعمال بر بفرح.
آية (13):- "13فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا
دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا
الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ
بَعْضًا. "
يبدأ
الرسول هنا الجزء التعليمى وهو مرتبط بالجزء العقائدى. ولقد دار الجزء العقيدى حول
التحرر من الناموس، إذ حررنا المسيح الذى آمنا به لذلك أصبح الموضوع العملى الآن
هو كيف نستخدم الحرية التى حررنا بها المسيح ملتزمين بالسلوك الأدبى والأخلاقى.
وكأن الرسول يريد أن يقول لا تفهموا الحرية خطأ، فلا تتركوا أنفسكم لشهواتكم، بل
بحريتكم إنقادوا للروح لتتذوقوا السمائيات. لقد رفع المسيح عنا نير الناموس فلا
تكن هذه فرصة لنرفس بل لنجرى للأمام. وكيف نجرى للأمام؟ هذا بأن نخدم بمحبة فلنخلع
نير الناموس ونضع بدلاً منه نير الحب للمسيح وللآخرين،
وهذا
ألذ وأخف لأن المسيح يحمله معنا. الناموس الأدبى يلزمنا بالمحبة ويخضعنا تحت قيادة
الروح للسلوك حسب الروح وليس حسب الجسد "لأن
الله لم يدعنا للنجاسة بل فى القداسة"(1تس7:4).
والله حين يدعو الآن فى عهد النعمة فهو يعطى قوة من الروح القدس الذى حل فينا
لتساندنا. أما فى العهد القديم فكان الشعب يمتنع عن الخطية فى كبت خوفاً من
العقوبات كالرجم. أما فى العهد الجديد فلقد وهبنا الله القداسة (1تس13:3+
3:4).
بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا: قارن
مع (رو8:13)
"
"لا
تكونوا مديونين لأحد بشئ غير أن تحبوا بعضكم بعضا"
ويقصد الرسول أن الإنسان المسيحى يشعر بأنه أخذ الكثير من المسيح وهو غير مستحق،
ويتساءل كيف أرد الجميل لله؟ لا يوجد طريق سوى أن أحب أولاد الله وأخدمهم، ألم
يصلب المسيح لأجلهم، إذاً هو يحبهم، وطالما هو يحبهم فلأخدمهم. لذلك يقول بولس
الرسول أنه مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء (رو14:1). والقديس
يوحنا يقول إن من يحب ينتقل من الموت إلى الحياة (1يو14:3)
والمحبة فى المسيحية إرتفعت عن الناموس فصارت "أحبوا
أعدائكم" بدلاً من "تحب
قريبك كنفسك" وقارن مع (يو25:17،
26+1يو 7:4-12).
آية (14):-
"14لأَنَّ كُلَّ النَّامُوسِ
فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ:«تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». "
هنا
ملخص للناموس أى محبة القريب. ومحبة الآخرين لا تأتى إلا من محبة الله أولاً.
*فبدون محبة الله نصبح أمواتاً: هذا لأن "الله محبة" (1يو16:4).
وأيضاً "الله حياة" "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ
ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا"
(يو25:11). فإن لم يكن في داخلنا محبة لله، فالله إذاً غير موجود في داخلنا، وإذا
كان الله ليس فينا فنحن أموات لأن الله حياة.
*ولأن
الله يعلم أهمية وجود محبته في قلوبنا لنحيا، جعل الروح القدس يسكب محبته في
قلوبنا "لِأَنَّ مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ
ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا" (رو5:5).
*ومن
يحب الله سيتشبه
بالله فنحن مخلوقين على صورته، وسوف يحب ويشفق على كل خليقة الله "إِنْ قَالَ
أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ ٱللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لِأَنَّ مَنْ
لَا يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ ٱللهَ
ٱلَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا
هَذِهِ ٱلْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ ٱللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا"
(1يو21،20:4). هنا توجيه لطيف للغلاطيين، فإن كانوا مصرين على العبودية فبدلاً من
عبودية الناموس فلتكن عبودية المحبة. فالمحبة أسمى وصايا الناموس.
آية (15):-
"15فَإِذَا كُنْتُمْ
تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا
بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
بعد
أن كلمهم عن المحبة يشير لحالتهم التى وصلوا لها من انقسامات
ونزاع والرسول يطلب منهم أن يكفوا عن الشجار والنزاع حتى لا يفنوا أنفسهم. وهو
يشير للأحقاد التى صارت بينهم حتى صاروا كالكلاب التى تنهش بعضها. وهذا يتفق مع
قول يوحنا الرسول فى (1يو15:3) "كل من
يبغض أخيه فهو قاتل نفس" تَنْهَشُونَ: أى
إشباع شهوة الغضب فى أبشع صورة لها. والإنقسامات تبدد حياتنا الجسدية والروحية : لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ولكن
ما الذى أوصلهم لتلك الحالة من قلة المحبة؟ الإجابة ببساطة، الإيمان الخطأ
والعقيدة الخاطئة تتسبب فى فساد الحياة الروحية، فهناك علاقة أكيدة بين العقيدة
والروحيات. لقد دخلت لهم عقيدة عاجزة معتمدة على الشكليات، فمن يعتقد أن الختان
وغسيل الأرجل والأيادى يطهره سيهمل صلواته وجهاده وسعيه (آية 7) وبالتالى تكف
النعمة عن أن تعمل فيه. فالنعمة تنمو بالإمتلاء من الروح القدس، والإمتلاء من
الروح القدس يحتاج جهاد فى الصلاة والتسبيح .. (أف5 : 18 – 21). هنا تختفى المحبة
وتظهر الأحقاد. وهذا هو حال كل منا إذا إكتفينا بممارسة الطقوس كشكليات دون أن
ندخل إلى العمق.
آية (16):-
"16وَإِنَّمَا أَقُولُ:
اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. "
المقصود = اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلن تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ:
الروح القدس يدعونى أن أطيع الوصية، فلو سلكت
بالروح أى أطعت صوت الروح القدس سأكتشف أن هناك فى داخلى قوة
تعيننى على أن أنفذ الوصية. وبهذا تظهر فاعلية الروح القدس، فى أنه يعطينى قوة أن
لا أكمل شهوة الجسد، أى الروح يعين الجسد فلا يكمل شهوته (رو26:8 + أف 8:2).
ويقول الرسول أيضاً "فَإِنَّ
ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ
تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ" (رو14:6).
مثال: إن
أخطأ فيك أحد ستتحرك داخلك شهوة الإنتقام وسيصاحبها غيظ شديد واهتياج.
ولو إتخذت قراراً نابعاً من طاعتك لصوت الروح فى داخلك أن تسامح وقلت للمخطئ
"الله يسامحك أنا لا أريد منك شيئاً" ستجد السلام يملأ قلبك ولن تحاول
أن تنتقم وتضربه ، وبهذا لن تكمل شهوة الجسد. ولكن
علينا بالصلاة لننال هذه النعمة . فالله يعطى الروح القدس للذين يسألونه (لو11 :
13) . وأيضاً لا نقاوم الروح و نصلب أهوائنا وشهواتنا حتى لا نعيش حسب الجسد
معترفين دائماً بخطايانا، فالروح يسكن عند المنسحقين ويعين من يصلب شهواته (إش15:57
+ غل24:5 + رو1:12 + كو5:3 + رو11:6 – 14) +
رو13:8
– 16).
إذاً من يسلك بالروح فهو تلقائيا لن يكمل شهوة الجسد. والروح هو الروح القدس. وكما
قلنا فى مقدمة الإصحاح أن هناك إنسان داخلى جديد يولد فى المعمودية والروح القدس
يعمل دائماً على أن ينميه. وطالما أن هذا
الإنسان الداخلى فى حالة نمو وصحة روحية فهو يستجيب لصوت الروح القدس، هو يميزه
ويسمعه وقادر أن يتجاوب معه وهذا هو السلوك بالروح . لكن هل كل واحد يستطيع أن
يسمع صوت الروح القدس ؟ قطعاً لا. لأن هناك من أطفأ الروح، وهذا هو من يُصِّر ان
يقاومه. أما المملوء من الروح فيستطيع أن يسمع ويتجاوب .
الامتلاء
بالروح: راجع (أف18:5 – 21) فالامتلاء
من الروح هو نعمة لكن لا توجد نعمة بدون جهاد. وفى هذه الآيات نجد الجهاد المطلوب
وهو الصلاة والتسبيح والشكر والخضوع. أى المطلوب هو الإتصال المستمر بالله. والسيد
المسيح وضع شرط طلب الروح القدس (لو13:11)
وبولس يقول "صلوا بلا إنقطاع" (1تس17:5). إذاً
لنسمع صوت الروح القدس يجب أن نكون مملوئين. والمملوء
سيسلك بالروح. وكلما إستجبنا لصوت الروح القدس نزداد إمتلاءً والعكس فمن يقاوم صوت
الروح القدس يطفئه ويقاوم أى يعاند دعوة الروح القدس الذى يبكت (يو 8:16).
والسؤال
الآن … ماذا نعمل الآن إلى أن نمتلئ من الروح… كيف
نسلك بالروح:
1)
لنتشبه بالمسيح. إسأل نفسك فى كل موقف… لو كان المسيح
مكانى ماذا كان سيفعل
2)
أطع الوصايا التى تسمعها فى الكتاب المقدس بالتغصب وستجد النعمة قوة تعين.
آية (17):- "17لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي
ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا
الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ.
"
الْجَسَدَ: قسمت الفلسفة
الأفلاطونية الإنسان إلى قسمين:
أ)
الجسد وقالوا عنه إنه القسم الحيوانى فى الإنسان.
ب)
العقل وقالوا عنه إنه القسم الإنسانى فى الإنسان.
أما المسيحية فهى لا تهاجم الجسد أو تحط
من شأنه.
أ) لأن
الله خلقه والله لا يخلق شيئاً نجساً.
ب) المسيح
إتخذ
له جسداً، والمسيح لا يمكن أن يفعل هذا لو كان الجسد شيئاً نجس.
ج) نجد
فى الكتاب المقدس أن عظام إليشع أقامت ميت. بل هناك
كثير من أجساد القديسين والشهداء نجدها فى حالة سليمة.
فلماذا يهاجم بولس الرسول الجسد، أو ما هو
الجسد فى أقوال بولس الرسول؟
الرسول
يقصد بالجسد، الاٍنسان العتيق الذى فينا أى الإرادة المنحرفة أو الطبيعة المنفتحة
على الشر، أو الذهن الأرضى الفاسد والمنحرف والمستهتر. ونحن
قد ولدنا بحسب الجسد من أمهاتنا بهذا الاٍنسان العتيق. "بالخطية
ولدتنى أمى" المزمور الخمسون.
الرُّوحِ: ليست هى الروح
الإنسانية ، وليست الروح دائما مقدسة، فالشيطان
روح.
وهناك
خطايا كالكبرياء،
تنسب للروح. ولكن
الروح مقصود به
الإنسان الداخلى الجديد المولود فى المعمودية (2كو16:4) وهو
مخلوق بحسب الله فى المسيح. وهذا
مدعو للحياة الأبدية. وهو يشتهى الطهارة ليحصل على السماء، وليحيا
فى السماويات ويتذوق حلاوتها. وهذا الإنسان
الداخلى يقوده
الروح
القدس، ويرتقى بالروح وينمو يوما فيوما بقدر ما يغتذى على كلمة الله فى
الإنجيل وبالصلاة والتسبيح وممارسة
أسرار الكنيسة وكلما ينمو يستجيب لقيادة الروح القدس.
وشهوة هذا الإنسان هو الله (مز2:84+1:42)
ويشتهى السماء (فى23:1).
الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ: الْجَسَد = أطلق عليه القديس بولس الرسول "الإنسان
العتيق" وهذا منفتح على الشر والشهوات الرديئة ونحن، مولودون به. ولقد
مات في المعمودية ولكننا نوقظه بالإرتداد والحياة في وسط ملذات وشرور هذا العالم.
وحينما
نرتد
هكذا، نوقظ هذا الإنسان العتيق الجسد فيتحول لقوة تقاوم كل ما هو صالح. هذا الْجَسَد لا يلد إلا
الخطية ويجذب الإنسان للشهوات الأرضية والملذات الحسية، هو
يجذب لأسفل.
أما
الرُّوحِ فهو عمل الروح القدس مع
الإنسان الداخلى الجديد المولود في المعمودية ويجذب الإنسان فيشتهى السمائيات.
الروح يجذب الإنسان ليصلى والجسد يجذبه لينام وينشغل بكل
الملذات الأرضية تاركاً الصلاة، بحجة النوم أو التعب أو أى شئ. المهم أن لا نصلى.
كلاهما يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ: هذا
الصراع بين الجسد والروح سيظل قائماً طالما نحن فى الجسد الترابى الذى يشتهى ما فى
الأرض حتماً. وبقدر ما ينمو الإنسان الداخلى الجديد يتقهقر الإنسان العتيق. لأن
الجديد ينمو على أساس التخلى عما للقديم من تسلط ووجود وقوة. والإنسان المؤمن
المعمد حر فى تغذية أى منهما وجعل أحدهما ينمو. فمن يجاهد حاسباً نفسه ميتاً عن
الخطية مجاهداً فى صلاته وتسابيحه ينمو إنسانه الداخلى ويَضمُر
إنسانه العتيق. وهذا قد بدأ فى المعمودية. ولكن كل نعمة نحصل عليها إما أن نجاهد
لتنمو فينا هذه النعمة أو نتكاسل فنفقدها. ومن يتكاسل تاركاً جهاده ساعياً وراء
شهواته يَضْمُر إنسانه الجديد وينمو إنسانه العتيق. وأى منهما سواء الإنسان العتيق
أو الإنسان الجديد قادر فى حالة وجوده نامياً منتعشاً على أن يستخدم أعضاءنا، إما
كآلات بر، أو
كآلات إثم. فلو كنا نسلك بالروح وإنساننا الداخلى نامياً، فهذا يستخدم أعضاءنا
كآلات بر فبعيوننا نرى خليقة الله وبألسنتنا نسبحه وبأيدينا نرفعها للصلاة
وبأرجلنا نسعى للسلام والخدمة والكرازة. وهنا يكون لنا ثمار الروح (غل22:5، 23).
ولكن هذه لمن صلبوا الأهواء مع الشهوات غل 24:5. أما لو
سلكنا بحسب الجسد، فإنساننا العتيق سيستخدم أعضاء جسدنا كآلات إثم وستكون أعمال
الجسد فظيعة (غل19:5، 20) .
هذا
الصراع بين الروح والجسد هو الصراع بين حالتين عقليتين تتصارعان معاً، ولنسميهما
الخير والشر، هما صراع بين صوت الروح القدس فينا يدعونى للسماويات وصوت شهواتى
الجسدية تدعونى للأرضيات، هو صراع
مستمر بين الطبيعة الجسدية الساقطة بغرائزها الطبيعية التى تستخدم الجسم كأداة
وبين الروح القدس الذى يستخدم الجسم أيضاً كأداة. والإنسان له حرية الإرادة فى
الإنحياز لأيهما. والإنسان الروحانى الذى تذوق السمائيات
يتخلى عن شهواته الجسدية وتكفيه لقمة يسند بها جسده. والإنسان الروحانى درجات عبر
عنها يوحنا الرائى حين قال: –
1)
كنت فى الروح (رؤ 1: 10
)… ونسمع هنا عن درجة أعلى هى…. 2)
صرت فى الروح (رؤ 2:4).
بولس
هنا كان يتكلم عن الحرية، وكأنه يقول بحريتكم اسلكوا هذا الطريق الروحى
وتذوقوا لذاته، ولأن الجسد نهايته التراب. أما الإنسان
الداخلى الجديد لو كان نامياً ، فهذا نهايته السماء موطنه الموعود (2كو1:5،
6).
تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ:
الإرادة منقسمة بين إرادة حسنة لطاعة صوت
الله وإرادة شريرة لطاعة شهوة الجسد. فإن إنحاز الإنسان وأطاع شهوة الجسد فإنه
يعمل الشر ضد صوت الله الذى يدعوه للخير ، وهو كان يريده جزئياً فهو يسمع صوت
الروح القدس الذى كان يحاول إقناعه (إر7:20) ومن ينحاز للروح القدس (ولكن هذا
يحتاج لأن يتغصب الإنسان (مت12:11) وهذا نسميه جهاداً) يجد معونة جبارة (رو8: 6 )
"لِأَنَّ
ٱهْتِمَامَ ٱلْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلَكِنَّ ٱهْتِمَامَ ٱلرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ
وَسَلَامٌ" فالروح يهتم بأن نكون أحياء وفى سلام. ولذلك يعطينا معونة هي "النعمة"
قال عنها القديس بولس الرسول أنها قادرة على هزيمة الخطية "فَإِنَّ
ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ
تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ" (رو14:6). إذاً خذ قرارك وارفض الخطية. وستجد معونة
جبارة تساندك ولن تقوى الخطية عليك، ولن تسود عليك. وينال رضى الله والحياة الأبدية. أما
من ينحاز لشهوة جسده فهو
يحزن الروح القدس بل يطفئه ويكون مصيره الدينونة.
آية (18):-
"18وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ
النَّامُوسِ. "
لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ: من
ينقادون بروح الله تنطفئ فيهم كل الرغبات الشريرة. وبذلك لا
يحتاجون لضبط الناموس إذ هم تجاوزوا إمكانياته تماماً. فالذى لا يغضب لا يحتاج
لوصية لا تقتل. والذى لا ينظر ليشتهى لا يحتاج لوصية لا تزن. ومن يسمع صوت الروح
القدس داخله لن يحتاج لمن يوجهه من الخارج. وهذه الآية هى نفسها بالضبط (23:5) "ضد
أمثال هذه ليس ناموس" أى من له ثمار الروح القدس هذه المذكورة
فى (22 ، 23)
قطعاً
لا يحتاج لناموس.
إِذَا انْقَدْتُمْ
بِالرُّوحِ = إذا إتخذتم قراراً لأن تسلكوا بالروح، فسيساندكم
الروح بقوته = النعمة "وَكَذَلِكَ ٱلرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ
ضَعَفَاتِنَا" (رو26:8). وهى قوة جبارة ستحميكم من السقوط وهذا ما يقوله
الرسول "فَإِنَّ ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ
ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ" (رو14:6).
آية (19):-
"19وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ
ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ. "
أعمال الجسد هى
ثمار الطبيعة الفاسدة، ينفذها الجسد أو الجسم.
ظَاهِرَةٌ: أى معروفة، فمن
يسلك فى هذه الخطايا فهو يسلك بالجسد.
زِنىً: هو إلتصاق محرم
بإمرأة، والزنى يبدأ بالنظرة للشهوة.
نَجَاسَةٌ: هى خطية أوسع
معنى تشمل الشذوذ الجنسى والإنحلال الخلقى.
دَعَارَةٌ: تجارة الجنس.
عَهَارَةٌ: إظهار الجسد
عارياً.
آية (20):- "20عِبَادَةُ الأَوْثَانِ
سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ. "
عِبَادَةُ الأَوْثَانِ: تشمل
الطمع وعبادة المال
عَدَاوَةٌ: هى إثارة
العداوات بين الناس.
خِصَامٌ: محبة الشجار
والنزاع
سَخَطٌ: انفجار
بالغضب بلا تعقل.
غَيْرَةٌ: ليست
الغيرة المقدسة لحساب مجد الله بل حسد الآخرين أو نقمة عليهم.
تَحَزُّبٌ: هو إتجاه مشاكس
مسوق بقوة شيطانية.
بِدْعَةٌ: هرطقة وهى التى
تقود للشقاق فالمنشق هو مبتدع.
آية (21):- "21حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ
بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا
سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ
يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله. "
حَسَدٌ: روح حقد لا
تحتمل أن ترى نجاح إنسان ، وتمنى الشر له .
بَطَرٌ: عربدة وهى نوع
من الفرح المفرط نتيجة شرب الخمر.
آية (22):-
"22وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ
فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ.
راجع
عمل
الروح القدس فى تجديد طبيعة الإنسان فى المقدمة.
وهذه
الثمار لا توجد منفردة فلا محبة بدون
فرح وسلام.. وهكذا. هذه الثمار تأتى من تفاعل الروح القدس المشبه بأنهار ماء (يو
38:7، 39) مع الجسد المأخوذ من تراب الأرض. فالماء مع التراب يعطى ثماراً صالحة.
ومن ثمارهم تعرفونهم كما يقول السيد المسيح (مت7 :
16 – 20)
وثمار الروح غير مواهب الروح التى يعطيها الروح لمنفعة الخدمة (1كو4:12،
7-11، 30). أما من يحزن الروح ويطفئه فيكون بلا ثمر. وهنا تظهر طبيعة
الجسد المنحرفة أى أعمال الجسد (آيات 19-21).
مَحَبَّةٌ: هى أول ثمار
الروح . فلأنها أول إستعلانات إنسكاب الروح فى القلب (رو5:5). وهى
محبة لله أولاً ثم لكل إنسان حتى الأعداء (رو 38:8، 39).
فَرَحٌ: المحبة تملأ
القلب بفرح حقيقى لا ينزع.
سَلاَمٌ: هو صفة مميزة
للعهد الجديد. يشمل نفس صحيحة مزدهرة فى إنسجام داخلى وهدوء الفكر والضمير والنفس
بسبب النعمة. ونحن حصلنا على السلام يوم ولد المسيح ملك السلام. وفى تسبحة
الملائكة إقترن السلام بالمسرة أى الفرح وراجع (فى4:4-7
+ يو 1:14، 27).
طُولُ أَنَاةٍ: وهذه صفة خاصة
بالله خر5:34-7 وطول الأناة تعنى التمهل لو7:18، 8.
لُطْفٌ: وهى أيضًا صفة
لله (رو4:2).
صَلاَحٌ: تعنى
السخاء والجود وهى ضد الحسد والغيرة.
إِيمَانٌ: أى الثقة فى
الله وهى أساس لما نأخذه من بر.
آية (23):- "23وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ
أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ.
"
وَدَاعَةٌ: هى القدرة على
عدم الغضب أمام تعدى الآخرين الشديد وهذه صفة للمسيح
(مت29:11).
تَعَفُّفٌ: تعنى النفس
الشبعانة بالمسيح فلا تريد معه شيئاً. والمسيح قادر أن يشبعنا روحياً ونفسياً
وجسدياً فالسواح فى البرية لم يكونوا يشتهون طعاماً
فاخراً فهم فى تعففهم شبعانين. هذه الصفة، تجعل
النفس تحيد عن الشر بطبيعتها.
ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ: هى
نفس آية 18 (راجع شرح الآية).
من
له هذه الثمار فهو مملوء من الروح، فمن
الطبيعى أنه يسمع لصوت الروح وهو لا يقاومه، وبالتالى فهو غير محتاج لصوت خارجى،
فهو له الآذان التى تسمع صوت الروح القدس. مثل هذا لا يحتاج لناموس ضده. فالحصان
الوديع غير محتاج للجام. الناموس وضع لمن لهم قلب حجر، أما من صار لهم قلب لحم (أى
مملوء محبة
لله) فلا يحتاجون لناموس يملى عليهم وصايا.
آية (24):-
"24وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ
قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ. "
من هم الذين لهم
ثمار الروح؟ هم الذين صلبوا أهوائهم وشهواتهم لذلك يطلب بولس
الرسول أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية (رو1:12).
ويقول "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ" (غل20:2) وحين
يحيا فىَّ المسيح وأثبت فيه أمتلئ من الروح فتكون لى ثمار الروح. الذى يصلب أهواءه
هو الذى باع نفسه للمسيح وصار عبداً له، وصلب نفسه مع المسيح، ونحن قبلنا هذا فى أجسادنا
بالمعمودية. ولكن ما حصلنا عليه فى المعمودية ينبغى
أن نحافظ عليه بأن نقف أمام العالم كمصلوبين لنتمتع بحياة المسيح القائم فينا (كو5:3،
6).
والروح يساعدنا على هذا (رو13:8– 16).
ولذلك نجد بولس الرسول بالرغم من كل ما هو فيه من ألم يقول أقمع جسدى وأستعبده (1كو24:9 – 27).
الأَهْوَاءِ: هى الميول
الظاهرة.
الشَّهَوَاتِ: هى المفاعيل
الخفية فى الجسد والتى تحرك الأهواء والجسد كله. ولو كانت منحرفة تصير
الأهواء منحرفة.
آية (25):-
"25إِنْ كُنَّا نَعِيشُ
بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ. "
نَعِيشُ بِالرُّوحِ:
حياة الجسد الجديد الذى أخذناه بالمعمودية هى بالروح
القدس الذى حل فينا. الروح القدس ثبتنا في المسيح في المعمودية فصارت لنا حياة
المسيح "لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ
مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ" (رو5:6). وبهذا الإتحاد بالمسيح تصير
لنا حياة المسيح "لى الحياة هي المسيح" (فى21:1) + مع المسيح صلبت فأحيا
لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ" (غل20:2). وحينما نخطئ ويختل هذا الثبات يبكتنا
الروح ويعيننا لنعود للثبات في المسيح فنظل أحياء (يو8:16 + رو26:8). فالروح القدس
يثبتنا في المسيح في المعمودية، ويحافظ على هذا الثبات بالتبكيت والمعونة. ولكن
هذا بشرط أن لا نقاوم عمله فينا بعناد. هذه هى هبة المسيح التى بها نفتخر، والتى
يشتهى فيها الانسان السماء والسمائيات. "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا
بِٱلْإِيمَانِ لَنَا سَلَامٌ مَعَ ٱللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي
بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا ٱلدُّخُولُ بِٱلْإِيمَانِ، إِلَى هَذِهِ
ٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ
ٱللهِ" (رو2:5).
نَسْلُكْ بالرُّوحِ: هذا
إلتزام أدبى أن نلتصق بالروح ونقتدى بالمسيح فى كل خطوة. الروح صار مصدر حياتنا
فليتنا نتركه يقود الطريق ونسلك خاضعين لقيادته وتوجيهه. وإن كانت حياتنا منضبطة
بالروح سيكون لنا ثمار الروح.
الرسول
فى هذه الآية يريد أن يقول… الإمكانية موجودة داخلك فالروح حل فيك. إذاً اسلك بالروح لتمتلئ
بالثمار.
آية (26):-
"26لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ
نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا. "
مُعْجِبِينَ: يعجب الإنسان
بذاته فى كبرياء. وهذه دخلت لهم من المتهودين، فهذه طباع اليهود. بولس شعر أن
المتهودين نقلوا لأهل غلاطية عيوبهم. نُغَاضِبُ
بَعْضُنَا: الكلمة تشير للإثارة والإستفزاز ومن هو
معجب بنفسه لن يقبل الآخر وسرعان ما سيتغاضب معه.
آية (1):- "1أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ
انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ
الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ
لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا.
"
الآيات 1-5 هما تفسير لقول
السيد المسيح "لا تدينوا لكى لا تدانوا" فماذا يكون موقفنا من الذى
يخطئ.
انْسَبَقَ = ولا
يقول إرتكب. فقوله إنسبق أى كأنه قد حُمِلَ إلى هذا الفعل (هذه محاولة من الرسول
أن نجد عذراً للمخطئ) أو غُلِبَ على أمره. والرسول يقول هذا حتى لا يقسو أحد على
المخطئ. أخِذَ = أى
فاجأته التجربة وكان إغراؤها قوياً. ولم يكن مبيتاً النية على فعل ما فعله.
زَلَّةٍ
= يُهوِّن
الرسول من شأن الخطية فيسميها زلة حتى لا يقسوا على المخطئ.
فَأَصْلِحُوا = ولم يقل حاكموا
ليحثهم على اللطف ليردوه ويعيدوه مؤمناً صالحاً. فيسمى الخطية زلة (كما نقول زلة
لسان أى غلطة غير مقصودة). وماذا يكون موقفنا ؟ فى محبة نحاول الإصلاح. أَنْتُمُ الرُّوحَيِّينَ =
الذين يقودكم الروح القدس، حاولوا بمحبتكم أن تعيدوا هذا الخاطئ. واضح هنا الفارق
بين الناموس الذى يدين المخطئ والمسيحية التى تفتح قلبها له حتى يرجع ويتوب. قطعاً
إن أخطأ أحد لن نقول على الخطأ أنه صواب حتى لا ندينه، بل
لابد أن ندين الخطأ ونسمى الأشياء بأسمائها. ولكن المفهوم هنا أننا لا ندين
المخطئ ونقفل أمامه كل الأبواب، بل نحاول فى محبة إيجاد عذر له. ندين الموقف ولا
ندين الإنسان.
لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا = هنا
يحذر المعالج من الإحساس بالأفضلية والغرور، فهذا يدفعه للعنف مع المخطئ، ويدفعه
للكبرياء إذ يشعر أنه الأفضل من المخطئ إذ أنه لم يخطئ مثله. والكبرياء بداية
السقوط ومدخل للخطايا. وأول الخطايا التى يسقط فيها هذا المتكبر هى نفس السقطة
التى أدان عليها المخطئ والذى حاول أن يقسو على المخطئ بسببها. فالتجربة سرعان ما
تنتقل للمتكبر. والله يسمح بهذا حتى يتضع المتكبر ، فالله يمنع ستره عن المتكبر
ليفهم أن عدم سقوطه راجعا لحماية الله له وليس لقوته هو.
آية (2):- "2اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ
أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ. "
مستحيل أن نحيا بلا
سقطات لذلك يحثنا الرسول أن نحمل أثقال إخوتنا. ومن يفعل هذا يتمم ناموس المسيح أى المحبة. وتطبيقاً لهذه الآية قال بولس
"إن كان طعام يعثر أخى فلن آكل لحماً إلى الأبد" (1كو 28:11). إذاً
فلنحمل أخطاء الإخوة ونتحملها ولا نشهر بالمخطئ. ومن يقرر أن يفعل ذلك يجد المسيح
هو الذى يحمل عنه ، ونير المسيح هين. وعلى الغضوب أن يتحمل الكسلان ولا يفضح أحد
أخاه المخطئ.
آية (3):-
"3لأَنَّهُ إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ
أَنَّهُ شَيْءٌ وَهُوَ لَيْسَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَغُشُّ نَفْسَهُ. "
هذا تحذير لمن
تدخله الكبرياء وفى الحقيقة هو لا شئ عند الله (2كو 18:10 + رؤ 1:3). وهذه غلطة
شهيرة نقع فيها، أن يظن الإنسان فى نفسه أنه ليس
مثله، هو كامل لا يخطئ بينما رأى الله فيه غير ذلك.
يَغُشُّ نَفْسَهُ = يخدع نفسه. وَهُوَ لَيْسَ شَيْئًا = لأن
الميزة التى فيه هى عطية من الله، والله ساتر عليه، فلم تكن هناك فرصة أمامه لكى
يخطئ، ولو رفع الله ستره عنه لأخطأ أكثر من الباقين.
فنحن مولودين بالخطية، والله هو الذى يستر علينا حتى لا نخطئ، ويعمل فينا ويحاول
معنا أن نسلك فى البر. إذاً علىَّ أن لا أنسب شيئاً صالحاً لنفسى . فالله وحده هو
الذى يعلم الحقيقة، وأنه لا شئ صالح فىَّ من نفسى.
آية (4):- "4وَلكِنْ لِيَمْتَحِنْ كُلُّ
وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ
فَقَطْ، لاَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ.
"
كل واحد
مسئول عن عمله هو ، وليس عن عمل غيره. لذلك فليفحص كل واحد نفسه فى نور الإنجيل.
ويدين نفسه وينتقد نفسه، ولا يدين الآخرين فلا تشغل بالك بالآخرين، فالله لن يدينك
على خطايا غيرك.
يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ = فى
الإنجليزية الإبتهاج بدلاً من الفخر. فإذا وجد الإنسان أنه فعل شيئاً صالحاً فليفرح أن الرب
فعل به هذا أو أن
الرب ستر عليه فلم يخطئ، ويعطى المجد للرب (2كو 17:10 + رو 17:15، 18). فلا أفتخر
بنفسى بل بالرب، ولا أعمل عملاً لمجد نفسى بل لمجد الرب. هذا الكلام موجه
للغلاطيين الذين تعلموا من المتهودين الإفتخار بالنفس ونقد الآخرين، فهم مثلاً
يفتخرون بالمختون ويهزأون بغير المختون. ونلاحظ أن من يدين نفسه له أمل أن يصلح
نفسه. لكن من يدين الآخرين لن يستفيد شيئاً.
آية (5):-
"5لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ
سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ. "
كل واحد سيحمل حمل
نفسه فى يوم الرب (رو 12:14، 13 + 2 كو 10:5) .
آية (6):-
"6وَلكِنْ لِيُشَارِكِ
الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ. "
حينما يدفع الشعب
عشوره للكنيسه، تجد الكنيسة إحتياجاتها، وخدامها يجدون
ما يأكلونه (1كو 14:9). والله يعطى الشعب من خيراته، وعلى الشعب أن يهتم بالخدام.
آية (7):-
"7لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ
يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ
أَيْضًا. "
لاَ تَضِلُّوا = لا
تخطئوا الهدف . لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ =
الكلمة تعنى لا يمكر عليه ولا
يستطيع أحد أن يخدع الله بمكر أو
يستهزئ به أو يغيظه. فلا يحاول أحد أن يخدع نفسه ويحاول
أن يجمع بين لذة الخطية وبركات الله، فـالله
لا يُشمخ عليه"God
is not mocked/God is not to be fooled
وهذه الآية
تتبع السابقة. فلا يظن من يريد أن يكنز
أمواله رافضاَ أن يدفع عشوره أن الله سيبارك له. ويتسع معنى الآية لمن يحيا فى
كبرياء مزهواً بمعارفه.
وتفهم أيضاً أنه لن يمكنك أن تخدع الله فتحصل على بركات الله وأنت تحيا فى الخطية.
الَّذِي يَزْرَعُهُ
الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ = فمن يزرع بالشح فبالشح أيضاً يحصد (2كو
6:9، 7). ومن يزرع كبرياء لا يحصد سوى المرار. ومن يعيش في خطاياه ويزرع لشهواته، لن
يجنى سوى اللعنة وغضب الله.
آية (8):- "8لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ
لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ
الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً.
"
مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ = يخدم
لكرامة جسده، أو يجمع الأموال ويبخل على الله وعلى الكنيسة، ومن يستغل مركزه فى
إذلال الآخرين، أو من يسعى وراء إرضاء شهواته وملذاته فينمى الإنسان العتيق وبهذا
يضمر الإنسان الداخلى الجديد. من يعمل هذا يحصد تخلى النعمة عنه ويخسر ملكوت الله.
هو سيحصد أعمال الجسد غل 19:5-21 وبالتالى لن يجد سوى الحزن والألم.
وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ = يصلى
ويسبح ويدرس كلمة الله، ويمارس وسائط النعمة يحصد ثمار الروح (غل23،22:5)
بالإضافة
لحصوله على الحياة الأبدية. فمن يزرع بالبركات فبالبركات يحصد (2كو 6:9). ومن يزرع
صدقات سيحصد بركة فى الأرض وكنزاً سماوياً ومجداً
أبدياً
آية (9):-
"9فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ
الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. "
فَلاَ نَفْشَلْ = مهما كانت
الإضطهادات والآلام التى نواجهها فلا يجب أن نشعر بيأس لأن الروح يؤازر وهو الذى
يعمل الأعمال. وفى هذه الآية يطلب عمل الخير لكل إنسان وليس للخدام فقط. سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ = هنا
بولس يشددهم بأنهم هنا يحصلون على العربون، هنا على الأرض. وفى اليوم الأخير
الأكاليل.
آية (10):-
"10فَإِذًا حَسْبَمَا لَنَا
فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلاَ سِيَّمَا لأَهْلِ الإِيمَانِ. "
الله
لا ييأس من خلاص الإنسان. وعلى خدام الله ألا ييأسوا. وقارن مع (يع 17:4) فالتقصير
فى عمل الخير خطية.
آية (11):-
"11اُنْظُرُوا، مَا أَكْبَرَ
الأَحْرُفَ الَّتِي كَتَبْتُهَا إِلَيْكُمْ بِيَدِي! . "
هنا رأيان:- الأول أن بولس كتب الرسالة
كلها بيده. والثانى أنه كتب الجزء الأخير فقط بيده.
ولأن عينيه ضعيفتان مريضتان كانت الكلمات التى كتبها بأحرف كبيرة. بينما كان فى
باقى رسائله يملى
الرسالة لمن يكتبها (رو 22:16). وربما كتب بيده جملة أو إثنتان ليتأكدوا أن الرسالة
منه شخصياً فهم يعرفون خطه (1كو 21:16 + كو 18:4 + 2تس 17:3، 18). وهو صمم أن يكتب
هنا الرسالة كلها أو جزءاً كبيراً لإهتمامه بما جاء بها.
آية (12):- "12جَمِيعُ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا مَنْظَرًا حَسَنًا فِي الْجَسَدِ، هؤُلاَءِ
يُلْزِمُونَكُمْ أَنْ تَخْتَتِنُوا، لِئَلاَّ يُضْطَهَدُوا لأَجْلِ صَلِيبِ
الْمَسِيحِ فَقَطْ. "
كان
المعلمين الكذبة من المتهودين مسيحيين بالإسم، فهم خائفين من اليهود المتعصبين.
ويقول العلماء أن اليهود المتنصرين ظلوا خاضعين لليهود حتى نهاية الأربعينات
وبداية الخمسينات. وكان اليهود المتعصبين يقولون أن من يصادق أممياً غير مختون فهو
خائن لأمته. لذلك فإن المسيحيين من الختان (أصلهم يهود) أو المتهودين أو الإخوة
الكذبة أرادوا أن يختتن الغلاطيين حتى لا يضطهدهم اليهود بسبب إنتمائهم للمسيحية
وللصليب، بل هم بهذا سيقنعون اليهود أنهم بتعاليمهم أدخلوا الغلاطيين الأمم للختان
ولليهودية. فبينما كان بولس يبحث عن العمق الروحى كان هؤلاء يبحثون عن شكل الجسد،
ويبحثون عن إرضاء اليهود، فهم يخافون من أذى اليهود لكن بولس لن يؤذى أحد.
آية (13):- "13لأَنَّ الَّذِينَ
يَخْتَتِنُونَ هُمْ لاَ يَحْفَظُونَ النَّامُوسَ، بَلْ يُرِيدُونَ أَنْ
تَخْتَتِنُوا أَنْتُمْ لِكَيْ يَفْتَخِرُوا فِي جَسَدِكُمْ."
كان
المتهودين أنفسهم مهملين لوصايا الناموس، فهم مثلاً لا يقدمون ذبائح. لكنهم مهتمين
بختان الغلاطيين. فهم يريدون حل مشكلتهم مع اليهود.
آية (14):- "14وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا
لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ
قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ.
"
بينما
كان المتهودون
يفتخرون
بختان الغلاطيين كان بولس يفتخر بصليب المسيح. ولنذكر أن الصليب كان لعنة وهو
للعبيد فقط ولأشر المجرمين، بل كانت كلمة الصليب كلمة تشاؤم عند
اليونانيين والرومان بل واليهود وبهذا نفهم صعوبة قول بولس الرسول أنه يفتخر
بالصليب.
صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ = أى
هو كمصلوب قد مات فى نظر العالم مثل المسيح، وصار
العالم ميتاً بالنسبة له، أى أدرك أنه باطل زائل
بكل ما فيه من مجد. مثال لهذه الآية، فلك نوح. فنوح داخل الفلك يعلم أن كل ما فى
خارج الفلك سيهلك بالطوفان، فالعالم مات بالنسبة له. وهو نفسه داخل الفلك ميت عن
كل ملذات العالم خارجه، بل كل الناس سخروا من دخوله هذا الفلك ولكن دخوله الفلك وموته
عن العالم وموت العالم له نجاه من الهلاك.
مثال آخر، ففى ليلة رأس السنة تَعَوَّدَ
الناس على الإحتفالات الصاخبة وتَعَوَّدَ أبناء الله على الذهاب للكنيسة، يبدأون
عامهم الجديد مع الله ليبارك لهم فى هذه السنه الجديدة ، وأبناء الله داخل الكنيسة
يرون هؤلاء السكارى كأنهم أموات، وهؤلاء المحتفلين بالأكل
والسكر يرون من يذهب للكنيسة فى هذه الليلة دون أن يحتفل مثلهم أنه قد حكم على
نفسه بالموت إذ حرم نفسه من ملذات العالم .
مثال
آخر راهب صلب نفسه بحياته فى تقشف فى البرية وخاطئ يحيا فى ملذاته. وما الذى
يجعلنا نصلب أنفسنا؟ المسيح المصلوب حينما نراه على صليبه نقول لأنفسنا.. وهل نحيا
نحن فى ملذات العالم.
نفْتَخِرَ بالِصَلِيبِ =
فبالصليب صار المسيح يحيا فىَّ "مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا
أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل20:2). فصار لى شبع هنا على الأرض،
وخلاص أبدى وحياة أبدية. نفتخر بالصليب لأن الصليب هو الطريق للمجد بل هو المجد.
يقول القديس يوحنا عن الصليب "قَالَ هَذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ
ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ
لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ
يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يو39:7). وقوله لِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ
يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ، يعنى به أن يسوع لم يكن قد صُلِبَ بعد. ويسوع بعد
الصليب قام وصعد وجلس عن يمين أبيه في المجد. فما يبدأ بالصليب ينتهى بالمجد، لذلك
يقول الرسول "فَإِنْ كُنَّا أَوْلَادًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا،
وَرَثَةُ ٱللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ
لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو17:8). لذلك نفتخر بالصليب فهو مجداً
لنا وحياة أبدية.
آية (15):- "15لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ
يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ
الْجَدِيدَةُ. "
الخليقة
الأولى (آدم وبنى آدم) ماتت وفسدت وتشوهت بسبب الخطية. وهذه الخليقة ما كانت تصلح
للسماء. وكان الفداء ليعيد المسيح خلقتنا كخليقة جديدة. والمسيح بدأ عمل هذه
الخليقة بفدائه، وأكمل الروح القدس عمل التجديد لنصير خليقة جديدة يمكن لها أن
يكون لها مكان في
السماء "وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللهِ وَإِحْسَانُهُ – لَا
بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ – خَلَّصَنَا
بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، ٱلَّذِي
سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا . حَتَّى إِذَا
تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ"
(تى3: 4-7). الروح القدس يعمل فينا ليثبتنا في
المسيح فنكون خليقة جديدة.
إذن
المهم أن نكون فى المسيح فنحيا، ومن هو فى المسيح فهو خليقة جديدة (2كو5 : 17).
وهذه الخليقة الجديدة موطنها السماء. خليقة قامت مع المسيح من الأموات وتعيش
بالروح فى إيمان عامل بالمحبة. فالختان لن يخلص اليهود والغرلة لن تخلص الأمم. بل
سيَخْلُصْ من هو خليقة جديدة فى المسيح. وهذه يعملها الروح القدس فينا بناء على ما
عمله المسيح بفدائه على الصليب.
آية (16):- "16فَكُلُّ الَّذِينَ
يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى
إِسْرَائِيلِ اللهِ. "
الْقَانُونِ = هو المبدأ
الثابت. ومن يسلك بحسب هذا القانون. أى المؤمنون المسيحيون الذين يحصلون على
الخلاص بكونهم صاروا خليقة جديدة ولم ينخدعوا بالختان فإختتنوا ليرضوا المتهودين،
هؤلاء المؤمنون المسيحيون الذين حسبوا أنفسهم مصلوبين أمام خطايا العالم، والعالم
بشهواته الدنسة بالنسبة لهم كميت = هؤلاء عَلَيْهِمْ
سَلاَمٌ.
وأيضا سلام ورحمة لكنيسة المسيح فى كل مكان = إسرائيل الله.
إِسْرَائِيلِ اللهِ = هى كنيسة المسيح
فى كل العالم شاملة اليهود والأمم، هى إمتداد لإسرائيل القديم فى كل العالم.
وإضافة إسم الله لشئ تعنى الشئ العظيم. فقولنا جبل الله أى الجبل العظيم الضخم.
وقولنا جيش الله أى الجيش العظيم الضخم. إذاً إسرائيل الله هم المؤمنون المسيحيون
فى كل العالم. أما إسرائيل بحسب الجسد فقد سقطوا من النعمة.
آية (17):-
"17فِي مَا بَعْدُ لاَ
يَجْلِبُ أَحَدٌ عَلَيَّ أَتْعَابًا، لأَنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ
الرَّبِّ يَسُوعَ. "
لقد
إستكفى بولس من الغلاطيين أتعاباً لإقناعهم، وهو الآن لا يقبل مزيداً من غبائهم
فهم بسلوكهم أهاجوا عليه أتعابه.
سِمَاتِ = 1) هى لغوياً
تعنى آثار الكى للوشم. فالعبد كان سيده يصنع فى جسده علامات بالكى بالنار لتؤكد
ملكيته له فلا يهرب وإذا هرب يجده. وبهذا القول فبولس يعلن عبوديته بفرح للمسيح
محتملاً كل ألم فى جسده من أجل المسيح. معتبراً الآلام التى عانى منها فى جسده سِمَاتِ (أمراضه
مثلاً).
2
)بينما هم يفتخرون بعلامة الختان فى أجسامهم نجد بولس يفتخر بسمات الرب يسوع فى
جسده من آثار السياط والرجم والضرب بالعصى.
3)
هى نياشين ملوكية يحملها لبسالته فى الحرب كجندى للرب يسوع المسيح. الرسول فى هذه
الآية يريد أن يقول "كفانى ما فىَّ من آلام، كفانى لا أريد أن أحتمل ألاماً
أخرى بسببكم.
لأَنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ =
يفرح الخادم بتوبة مخدوميه، وهكذا يفرح الكارز بإيمان من بشرهم. وفرح القديس بولس
الرسول بإيمان أهل غلاطية جعلته ينسى كل ألامه. ولكن حينما إرتدوا وراء المتهودين
عادت له ذكريات ألامه.
آية (18):-
"18نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ
الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. آمِينَ. "
مَعَ رُوحِكُمْ = ليفرق بين الجسد
والروح، أى من يسلك حسب الجسد لن تؤازره النعمة. وهذه فيها تقريع لأهل غلاطية
الذين إنحازوا للجسد.
والنعمة
هى قوة يهبها الله مجاناً دون إستحقاق منا، هى طاقة إلهية ديناميكية، ولكنها لا
تعطىَ للمتكاسل بل لمن يجاهد ويريد أن يسلك بالروح.


